وقد مدحوا الإطالة في مكانها، كما مدحوا الإيجاز في مكانه. قال أبو داود [ابن جرير] فى خطباء إياد:
يرمون بالخطب الطوال، وتارة وحى الملاحظ خيفة الرقباء «٤»
قال أبو وجزة السعدى يصف كلام رجل:
[ ١ / ١٤٦ ]
يكفى قليل كلامه، وكثيره ثبت، إذا طال النّضال، مصيب «١»
وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد «٢» ولم يسمّ قائله، وهو مولّد ولم ينقصه توليده من حظّ القديم شيئا:
طبيب بداء فنون الكلام لم يعى يوما ولم يهذر
فإن هو أطنب في خطبة قضى للمطيل على المنزر «٣»
وإن هو أوجز في خطبة قضى للمقلّ على المكثر
وقال آخر يصف خطيبا:
فإذا تكلّم خلته متكلّما بجميع عدّة ألسن الخطباء
فكأن آدم كان علّمه الّذى قد كان علّمه من الأسماء
وكان أبو داود يقول: تلخيص المعانى رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشدق في الإعراب نقص، والنظر في عيون الناس عيّ، ومسّ اللحية هلك، والخروج عما بنى عليه الكلام إسهاب.
وقال بعضهم يهجو رجلا بالعى:
ملىء ببهر والتفات وسعلة ومسحة عثنون وفتل الأصابع «٤»
ووصف العتابى «٥» رجلا بليغا فقال: كان يظهر ما غمض من الحجّة،
[ ١ / ١٤٧ ]
ويصوّر الباطل في صورة الحق، ويفهمك الحاجة من غير إعادة ولا استعانة.
قيل له: وما الاستعانة؟ قال: يقول عند مقاطع كلامه يا هناة، واسمع، وفهمت! وما أشبه ذلك. وهذا من أمارات العجز، ودلائل الحصر! وإنما ينقطع عليه كلامه فيحاول وصله بهذا، فيكون أشدّ لانقطاعه.
وكان أبو داود يقول: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدّربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ؛ والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه.
وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: قال بعض جهابذة الألفاظ، ونقّاد المعانى: المعانى القائمة في صدور الناس، المختلجة في نفوسهم، والمتصوّرة في أذهانهم المتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفيّة، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أمره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلّا بغيره، وإنما يحيى تلك المعانى ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إياها.
وهذه الخصال هي التي تقرّبها من الفهم، وتجلّيها للعقل، وتجعل الخفىّ منها ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخّص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيّدا، والمقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشىّ مألوفا، [والغفل موسوما «١»، والموسوم معلوما]؛ وعلى قدر وضوح الدلالة، وصواب
[ ١ / ١٤٨ ]
الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون ظهور المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كانت أنفع وأنجع في البيان.
والدلالة الظاهرة على المعنى الخفى هو البيان الذى سمعت الله يمدحه، ويدعو إليه، ويحثّ عليه؛ بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم.
والبيان: اسم لكل شىء كشف لك عن قناع المعنى، وهتك لك الحجب دون الضمير، حتى يفضى السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أى جنس كان ذلك الدليل؛ لأنّ مدار الأمر والغاية التى إليها يجرى القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام؛ فبأىّ شىء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع.
ثم اعلم- حفظك الله! - أنّ حكم المعانى خلاف حكم الألفاظ؛ لأنّ المعانى مبسوطة إلى غير غاية، وأسماء المعانى محصورة معدودة، ومحصّلة محدودة.
وجميع أصناف الدلالات على المعانى من لفظ أو غيره خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللّفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخطّ، ثم الحال التي تسمى نصبة. والنّصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات.
ولكل واحدة من هذه الدلائل الخمسة صورة بائنة «١» من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها؛ وهي التي تكشف لك عن أعيان المعانى في الجملة، وعن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامّها، وعن طبقاتها في السارّ والضار، وعما يكون منها لغوا بهرجا «٢»، وساقطا مطّرحا.
[ ١ / ١٤٩ ]
وفي نحو قول أبى عثمان «إنّ المعانى غير مقصورة ولا محصورة» يقول أبو تمام الطائى لأبى دلف القاسم بن عيسى العجلّى:
ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت حياضك منه في العصور الذّواهب «١»
ولكنه فيض العقول إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب
كما أشار إلى قول أوس بن حجر الاسدى:
أقول بما صبّت على غمامتى وجهدى في حبل العشيرة أحطب «٢»
وقال بعض البلغاء: فى اللسان عشر خصال «٣» محمودة، أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وواعظ ينهى عن القبيح، وناطق يردّ الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، ومعرب يشكر به الإحسان، ومعزّ تذهب به الأحزان، وحامد يذهب الضغينة ومونق يلهى الأسماع.
وقال أبو العباس بن المعتز: لحظة القلب أسرع خطرة من لحظة العين، وأبعد مجالا، وهي الغائصة في أعماق أودية الفكر، والمتأمّلة لوجوه العواقب، والجامعة بين ما غاب وحضر، والميزان الشاهد على ما نفع وضرّ، والقلب كالمملى للكلام على اللسان إذا نطق، واليد إذا كتبت، والعاقل يكسو المعانى وشى الكلام في قلبه، ثم يبديها بألفاظ كواس في أحسن زينة، والجاهل يستعجل بإظهار المعانى قبل العناية بتزيين معارضها، واستكمال محاسنها.
وقيل لجعفر بن يحيى البرمكى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويكشف عن مغزاك، ويخرجه من الشركة، ولا يستعان عليه
[ ١ / ١٥٠ ]
بالفكر، ويكون سليما من التكلّف، بعيدا من الصّنعة، بريئا من التعقيد، غنيّا عن التأويل.
وذكر سهل بن هارون «١» - وقيل ثمامة بن أشرس- جعفر بن يحيى فقال: قد جمع في كلامه وبلاغته الهذّ والتمهل «٢» والجزالة والحلاوة، وكان يفهم إفهاما يغنيه عن الإعادة للكلام. ولو كان يستغنى مستغن عن الإشارة بمنطقة لاستغنى عنها جعفر. كما استغنى عن الإعادة فإنه لا يتحبّس «٣» ولا يتوقّف في منطقه ولا يتلجلج، ولا يتسعّل، ولا يترقّب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يتلمس معنى قد عصاه بعد طلبه له.
وقيل لبشّار بن برد: بم فقت أهل عمرك، وسبقت أهل عصرك، فى حسن معانى الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأنى لم أقبل كلّ ما تورده علىّ قريحتى، ويناجينى به طبعى، ويبعثه فكرى، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سبرها، وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت من متكلّفها ولا والله ما ملك قيادى قطّ الإعجاب بشىء مما آتى به.
وكان بشار بن برد خطيبا، شاعرا، راجزا، سجّاعا، صاحب منثور ومزدوج، ويلقب بالمرعّث لقوله:
[ ١ / ١٥١ ]
من لظبى مرعّث ساحر الطرف والنظر «١»
قال لى لن تنالنى قلت أو يغلب القدر
وليس هذا موضع استقصاء ذكره، واختيار شعره، وسأستقبل ذلك إن شاء الله.