كان المتقدمون لا يصفون زهر الآداب إلا بأنه «جمع كلّ غريبة» وهو وصف صادق، وإنى ذاكز هنا بعض صفات هذا الكتاب، وعلى الأخص الصفات التى تعين منهج مؤلّفه، وتميز اتجاه بعض الأفكار في العصر الذى عاش فيه.
وإنا لنجده:
أولا: يهتم ببراعة المطلع، وحسن الختام، فيبدأ كتابه بهذه الجملة:
«الحمد لله الذى اختص الإنسان بفضيلة البيان، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتاب المستبين، الذى تحدّى الخلق أن يأتوا بمثله، فعجزوا عنه، وأقروا بفضله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا» ويختمه بهذه العبارة:
«وقال ابن الأعرابى: أمدح بيت قاله المحدثون قول أبى نواس:
أخذت بحبل من حبال محمّد أمنت به من طارق الحدثان «١»» .
ثانيا: يعنى عناية خاصة بالكلام عن الصحابة والتابعين، فينقل أخبارهم، ويدوّن آثارهم، وكانت هذه فيما يظهر عادة إسلامية، فى ذلك الحين.
[ ١ / ١٥ ]
ثالثا: يجعل الكلام في المصيبة بأبناء النبوة بابا من أبواب الأدب؛ فينقل هذه التعابير:
قد نعي سليل من سلالة النبوة، وفرع من شجرة الرسالة، وعضو من أعضاء الرسول، وجزء من أجزاء الوصىّ والبتول.
تجدّد في بيت الرسالة رزء جدد المصائب، واستعاد النوائب.
إنها لمصيبة تحيّفت جانب الوحى المنزل، وذكّرت بموت النبى المرسل.
إلخ إلخ:
ويتصل بهذا عنايته بأوصاف الأشراف، كنقله هذه العبارات:
«استقى عرقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدى الرسالة، وتهدّلت أغصانه عن نبعة الإمامة، وتبحبحت أطرافه في عرصة الشرف والسيادة، وتفقّأت بيضته من سلالة الطهارة، قد جذب القرآن بضبعه، وشقّ الوحى عن بصره وسمعه» إلخ.
وهذا الاتجاه يدل على وجهة سياسية خاصة، فصّلتها بعض التفصيل في كتاب «الأخلاق عند الغزالى» وإلّا فإن النبى يقول: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» بل الله يقول: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ.
رابعا: يبدىء الحصرى ويعيد في الكلام عن البلاغة والبلغاء، والشعر والشعراء، والإنشاء والمنشئين، وكذلك كان أهل عصره يهتمون بدر النثر والشعر، ونحن مدينون لهم بما يتصل بهذا الباب من المعارف الأدبية.
خامسا: يذكر كثيرا من الآداب الاجتماعية التي كان يحمدها الناس لعهده، فيذكر ما يجمل في معاملة الملوك، ويتحدث عن فضل الليل، والحرص على الأدب، وواجب النّسّاخ، وما إلى ذلك مما يتصل بما على المرء من الواجبات، وما له من الحقوق.
[ ١ / ١٦ ]