وقال أبو العباس: دخل رجل على الحسن بن سهل بعد أن تأخّر عنه أياما، فقال: ما ينقضى يوم من عمرى لا أراك فيه إلا علمت أنه مبتور القدر، منحوس الحظّ، مغبون الأيام.
فقال الحسن: هذا لأنّك توصل إلى بحضورك سرورا لا أجده عند غيرك،
[ ١ / ١٩١ ]
وأتنسّم من أرواح عشرتك ما تجد الحواسّ به بغيتها، وتستوفى منه لذّتها، فنفسك تألف منى مثل ما آلفه منك.
وكان يقال: محادثة الرّجال تلقيح الألباب «١» .
وقال ابن الرومى:
ولقد سئمت مآربى فكأنّ أطيبها خبيث
إلّا الحديث؛ فإنّه مثل اسمه أبدا حديث
قال مخارق: لقينى أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم قبل نسكه، فقال: أنا والله صبّ بك، ولوع إليك، مغمور القلب «٢» بشكرك، واللسان بذكرك، متشوّف إلى رؤيتك ومفاوضتك، وقد طالت الأيام على ما أعد به نفسى من الاجتماع معك، ومن قضاء الوطر منك؛ فما عندك؟ أنا الفداء لك! وتزورنى أم أزورك؟
قلت: جعلنى الله فداك! ما يكون عند من هو منك بهذا الموضع وفي هذا المحلّ إلا الانقياد إلى أمرك، والسمع والطاعة لك، ولولا أن أسىء الأدب في أمر بدأت فيه بالفضل لقلت: إن كثير ما ابتدأت به من القول يقلّ فيما عندى من الشوق إليك، والشّعف بك، دون ما حرّك هذا القول منى، فوجبت لك به المنّة علىّ، وأنا بين يديك، فاثن عنانى إلى ما أردت، وقدنى كيف شئت، تجدنى كما قال القائل:
ما تشتهيه فإنى اليوم فاعله والقلب صبّ فما جشّمته جشما
وذكر سهل بن هارون رجلا، فقال: لم أر أحسن منه فهما لجليل، ولا تفهما لدقيق أشار إليه أبو تمام فقال:
وكنت أعزّ عزّا من قنوع تعرّضه صفوح من ملول
فصرت أذلّ من معنى دقيق به فقر إلى ذهن جليل «٣»
[ ١ / ١٩٢ ]
وقال سعيد بن مسلم للمأمون: لو لم أشكر الله تعالى إلّا على حسن ما أبلانى من أمير المؤمنين من قصده إلىّ بحديثه، وإشارته إلىّ بطرفه؛ لقد كان فى ذلك أعظم الرّفعة، وأرفع ما توجبه الحرمة. فقال: يفعل أمير المؤمنين ذلك؛ لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدّثت وحسن الفهم إذا حدّثت ما لا يجده عند أحد ممن مضى، ولا يظنّ أنه يجده عند أحد ممن بقى، فإنك لتستقصى حديثى، وتقف عند مقاطع كلامى، وتخبر بما كنت أغفلته منه.
وقال المتوكل لأبى العيناء: ما تحسن؟ قال: أفهم وأفهم.
وقال بعض الحكماء لتلميده، وقد ضرب الموسيقى: أفهمت؟ قال: نعم، قال: بل لم تفهم؛ لأنى لا أرى عليك سرور الفهم! وقد قيل: من نظر إلى الربيع وأنواره، والروض وأصباغه، ولم يبتهج كان عديم حسّ، أوسقيم نفس.
ومر أبو تمام بايرشهر من أرض فارس، فسمع جارية تغنّى بالفارسية، فشاقه شجىّ الصوت، فقال:
ومسمعة تروق السمع حسنا ولم تصممه، لا يصمم صداها!
لوت أوتارها فشجت وشاقت فلو يسطيع حاسدها فداها
ولم أفهم معانيها، ولكن ورت كبدى فلم أجهل شداها
فكنت كأننى أعمى معنّى يحبّ الغانيات ولا يراها
قال أبو الفضل أحمد بن أبى طاهر: قلت لأبى تمام: أخذت هذا المعنى من أحد؟ قال: نعم، أخذته من قول بشار بن برد:
يا قوم أذنى لبعض الحىّ عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا: بمن لا ترى تهذى؟ فقلت لهم: الأذن كالعين توفى القلب ما كانا
وقال بشار أيضا في هذا المعنى:
قالت عقيل بن كعب إذ تعلّقها قلبى فأضحى به من حبّها أثر:
[ ١ / ١٩٣ ]
أنّى ولم ترها تهذى! فقلت لهم: إنّ الفؤاد يرى مالا يرى البصر
وقال:
يزهّدنى في حبّ عبدة معشر قلوبهم فيها مخالفة قلبى
فقلت: دعوا قلبى وما اختار وارتضى فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الّلبّ
وما تبصر العينان في موضع الهوى ولا تسمع الأذنان إلا من القلب
وقد قال أبو يعقوب الخريمى في هذا المعنى، وكان قد أعور ثم عمى، وقيل:
إنها للخليل بن أحمد:
قالت أتهز أبى غداة لقيتها يا للرجال لصبوة العميان
فأجبتها: نفسى فداؤك إنما أذنى وعينى في الهوى سيّان
وقريب من هذا قول الحكم بن قنبر، وإن لم يكن منه:
إن كنت لست معى قالذكر منك معى يرعاك قلبى وإن غيّبت عن بصرى
العين تبصر من تهوى وتفقده وناظر القلب لا يخلو من النظر
وقال آخر:
أما والّذى لو شاء لم يخلق الهوى لئن غبت عن عينى فما غبت عن قلبى
ترينيك عين الوهم حتى كأننى أناجيك من قرب وإن لم تكن قربى «١»
وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم:
لئن كان عن عينىّ أحمد غائبا فما هو عن عين الضمير بغائب
له صورة في القلب لم يقصها النوى ولم تتخطّفها أكفّ النوائب
[ ١ / ١٩٤ ]
إذا ساءنى منه شحوط مزاره وضاقت بقلبى في نواه مذاهبى «١»
عطفت على شخص له غير نازح محلّته بين الحشا والتّرائب «٢»
وذكر أبو عبيدة كيسان مستمليه في بعض الأمر، فقال: ما فهم، ولو فهم لوهم «٣» . وكان كيسان يوصف بالبلادة والغفلة.
قال الجاحظ: كان يكتب غير ما يسمع، ويستقنى غير ما يكتب، ويقرأ غير ما يستفتى «٤»، ويملى غير ما يقرأ، أمليت عليه يوما:
عجبت لمعشر عدلوا بمعتمر أبا عمر
فكتب أبا بشر، وقرأ أبا حفص، واستقنى أبا زيد.
قال أبو عباد: للمحدث على جليسه، السامع لحديثه، أن يجمع له باله، ويصغى إلى حديثه، ويكتم عليه سرّه، ويبسط له عذره.
وقال: ينبغى للمحدث إذا أنكر عين السامع أن يستفهمه عن معنى حديثه، فإن وجده قد أخلص له الاستماع أتم له الحديث، وإن كان لاهيا عنه حرمه حسن الإقبال عليه، ونفع المؤانسة له، وعرفه بسوء الاستماع والتقصير في حق المحدث.
وقال: نشاط المحدّت على قدر فهم المستمع.
وكان عبد الله بن مسعود «٥» - ﵁! - يقول: حدّث الناس ما حدّجوك بأسماعهم «٦»، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فتورا فأمسك.
وقال أبو الفتح البستى:
إذا أحسست في لفظى فتورا وحفظى والبلاغة والبيان
[ ١ / ١٩٥ ]
فلا ترتب بفهمى إنّ رقصى على مقدار إيقاع الزّمان
وقال عامر بن عبد قيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
وقال الحسن- وقد سمع متكلّما يعظ فلم تقع موعظته من قلبه ولم يرقّ لها-: يا هذا؛ إن بقلبك لشرّا، أو بقلبى! وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك لجاريته: كيف ترين ما أعظ الناس به؟ قالت: هو حسن، إلا أنك تكرره، قال: إنما أكرّره ليفهمه من لم يكن فهمه، قالت: إلى أن يفهمه البطىء يثقل على سمع الذكى.
واستعيد ابن عباس حديثا فقال: لولا أنى أخاف أن أغضّ من بهائه، وأريق من مائه، وأخلق من جدّة روائه، لأعدته.
وقال أبو تمام الطائى يصف قصائده:
منزّهة عن السّرق المؤدّى مكرّمة عن المعنى المعاد
أخذه البحترى فقال:
لا يعمل اللّفظ المكرّر فيه واللفظ المردّد والإطالة مملولة كما يملّ التكرير.
وقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة؛ فثلاثة شهرجانية، وثلاثة أنوشروانية، وثلاثة عربيّه، وواحدة أربت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود، ولعب الشطرنج، ولعب الصّوالج. وأما الأنوشروانية فالطّب، والهندسة، والفروسية. وأما العربية فالشّعر، والنّسب، وأيام الناس. وأما الواحدة التي أربت عليهنّ: فمقطعات الحديث، والسمر، وما يتلقّاه الناس بينهم في المجالس.
وكان يقال: خذ من العلوم نتفها، ومن الآداب طرفها.
وكان يقال: مقطّعات الأدب، قراضات الذهب.
[ ١ / ١٩٦ ]
وحضر بشار بن برد مجلسا فقال: لا تجعلوا مجلسنا غناء كلّه، ولا شعرا كله، ولا سمرا كله، ولكن انتهبوه انتهابا.
وقال الحسن ﵀: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدّثور، واقدعوا «١» هذه الأنفس فإنها طلعة «٢»؛ وإنكم إلّا تزعوها «٣» تنزع بكم إلى شرّ غاية.
وقال أزدشير بن بابك: إن للأذهان كلالا، وللقلوب ملالا، ففرّقوا بين الحكمتين يكن ذلك استجماما.
ويروى في حكمة آل داود: لا ينبغى للعاقل أن يخلى نفسه من أربع:
عدّة لمعاده، وصلاح لمعاشه، وفكر يقف به على ما يصلحه من فساده، ولذة في غير محرّم يستعين بها على الحالات الثلاث.
وما أحسن ما قال أبو الفتح بن كشاجم «٤»:
عجبى ممّن تناهت حاله وكفاه الله ذلّات الطلب
كيف لا يقسم شطرى عمره بين حالين نعيم وأدب؟
ساعة يمتع فيها نفسه من غذاء وشراب منتخب
ودنوّ من دمى هنّ له حين يشتاق إلى اللّعب لعب «٥»
فإذا ما نال من ذا حظّه فحديث ونشيد وكتب
مرة جدّ، وأخرى راحة فإذا ما غسق الليل انتصب
فقضى الدنيا نهارا حقّها وقضى لله ليلا ما وجب
[ ١ / ١٩٧ ]
تلك أقسام متى يعمل بها دهره يسعدو يرشد ويصب
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: قسّم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس لقضاء الحوائج.
قال الحسن بن خالويه «١»: ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ولكن نبيّنا ﷺ قد جزّأ نهاره ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس؛ فكان يستعين بالخاصّة على العامة، وكان يقول: أبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغى؛ فانه من أبلغ [ذا سلطان] حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه الله تعالى يوم الفزع الأكبر.