وقيل لأبى السائب المخزومى: أترى أحدا لا يشتهى النسيب؟ فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وروى مصعب بن عبد الله الزبيرى «١» عن عروة بن عبيد الله بن عروة الزبيرى قال: كان عروة بن أذينة «٢» نازلا في دار أبى بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه:
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها خلقت هواك كما خلقت هوى لها
فيك الذى زعمت بها، وكلا كما أبدى لصاحبه الصّبابة كلّها
ولعمرها لو كان حبّك فوقها يوما وقد ضحيت إذن لأظلّها «٣»
فإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الضمير إلى الفؤاد فسلّها
بيضاء باكرها النّعيم فصاغها بلباقة فأدقّها وأجلّها «٤»
لمّا عرضت مسلّما، لى حاجة أخشى صعوبتها، وأرجو ذلّها «٥»
منعت تحيّتها فقلت لصاحبى: ما كان أكثرها لنا وأقلّها
فدنا وقال: لعلّها معذورة فى بعض رقبتها، فقلت: لعلّها «٦»
قال: فأتانى أبو السائب المخزومى فقلت له بعد التّرحيب به: ألك حاجة.
[ ١ / ٢٠٨ ]
فقال: نعم أبيات لعروة بلغنى أنك سمعته ينشدها، فأنشدته الأبيات، فلما بلغت قوله:
فدنا وقال لعلّها معذورة
البيت طرب، وقال: هذا والله الدائم الصّبابة، الصادق العهد، لا الذى يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبة عنّى فأهلى بى أضنّ وأرغب
لقد عدا هذا الأعرابى طوره، وانى لأرجو أن يغفر [الله] لصاحب هذه الأبيات لحسن الظنّ بها، وطلب العذر لها؛ قال: فعرضت عليه الطعام فقال:
لا والله ما كنت لأخلط بهذه الأبيات طعاما حتى الليل، وانصرف.
وكان أبو السائب غزير الأدب، كثير الطّرب، وله فكاهات مذكورة، وأخبار مشهورة، وكان جدّه يكنى أبا السائب أيضا، وكان خليطا لرسول الله ﷺ، فكان النبىّ ﷺ إذا ذكره قال: نعم الخليط كان أبو السائب! لا يشارى ولا يمارى «١» واسم أبى السائب عبد الله، وكان أشراف أهل المدينة يستظرفونه ويقدمونه لشرف منصبه، وحلاوة ظرفه.
وكان عروة بن أذينة- على زهده، وورعه، وكثرة علمه وفهمه- رقيق الغزل كثيره، وهو القائل:
إذا وجدت أوار الحب في كبدى أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبنى بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار على الأحشاء تتقّد؟
وقد روى هذان البيتان لغيره
[ ١ / ٢٠٩ ]
ومرّت به سكينة بنت الحسين بن علىّ بن أبى طالب﵃! - فقالت له: أنت الذى تزعم أنّك غير عاشق، وأنت تقول «١»:
قالت وأبثثتها سرّى فبحت به قد كنت عندى تحبّ السّتر فاستتر
ألست تبصر من حولى؟ فقلت لهم غطّى هواك وما ألقى على بصرى
والله ما خرج هذا من قلب سليم فط.
وروى الزّبير عن رجل لم يسمّه، قال: قال لى أبو السائب: أنشدنى للأحوص «٢» فأنشدته:
قالت- وقلت: تحرّحى وصلى حبل امرىء بوصالكم صبّ-:
صاحب إذن بعلى؟ فقلت لها: الغدر شىء ليس من ضربى «٣»
شيئان لا أدنو لوصلهما عرس الخليل وجارة الجنب
أمّا الخليل فلست فاجعه والجار أوصانى به ربّى
عوجا كذا نذكر لغانية بعض الحديث مطيّكم صحبى «٤»
ونقل لها: فيم الصّدود ولم نذنب، بل انت بدأت بالذّنب؟
إن تقبلى نقبل وننزلكم منّا بدار السّهل والرّحب
أو تهجرى تكدر معيشتنا وتصدّعى متلائم الشّعب
فقال: هذا والله المحبّ حقا، لا الذى يقول:
وكنت إذا حبيب رام هجرى وجدت وراى منفسحا عريضا
[ ١ / ٢١٠ ]
ثم قال: اذهب، فلا صحبك الله، ولا وسّع عليك «١» ! وخرج أبو حازم يوما يرمى الجمار، فإذا هو بامرأة حاسر «٢» قد فتنت الناس بحسن وجهها، وألهتهم بجمالها، فقال لها: يا هذه، إنك بمشعر حرام، وقد فتنت الناس وشغلتهم عن مناسكهم، فاتقى الله واستترى؛ فإنّ الله ﷿ يقول في كتابه العزيز: (وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ)؛ فقالت: إنى من اللاتى قيل فيهن:
أماطت كساء الخزّعن حرّوجهها وأرخت على المتنين بردا مهلهلا
من الّلاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البرىء المغفّلا «٣»
الشعر للحارث بن خالد المخزومى. فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله لهذه الصورة الحسنة ألّا يعذبها الله تعالى بالنار! فجعل أبو حازم يدعو وأصحابه يؤمّنون، فبلغ ذلك الشعبى، فقال: ما أرقّكم يأهل الحجاز وأظرفكم! أما والله لو كان من قرى العراق لقال اعزبى عليك لعنة الله! وكان أبو حازم من فضلاء التابعين، وله مقامات جميله من الملوك، وكلام محفوظ يدلّ على فضله وعقله، وهو القائل: كل عمل تكره من أجله الموت فاتركه، ولا يضرك متى متّ. وكان يقول: ما أحببت أن يكون معك غدا فقدّمه اليوم. وكان يقول: إنما بينى وبين الملوك يوم واحد، أما أمس فلا يجدون لذته، وأنا وإياهم من غد على وجل؛ وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم؟
وقال أبو العتاهية:
حتى متى نحن فى الأيام نحسبها وإنما نحن فيها بين يومين
يوم تولّى، ويوم نحن نأمله لعلّه أجلب اليومين للحين «٤»
[ ١ / ٢١١ ]
وروى الزبير بن أبى بكر قال: قدمت امرأة من هذيل المدينة، وكانت جميلة، ومعها ابن لها صغير، وهي أيّم «١»، فخطبها الناس وأكثروا، فقال فيها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
أحبّك حبّا لا يحبّك مثله قريب ولا في العالمين بعيد
أحبّك حبّا لو علمت ببعضه لجدت ولم يصعب عليك شديد
وحبك يا أم العلاء متيّمى شهيدى أبو بكر فذاك شهيد
ويعلم وجدى القاسم بن محمد وعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما أخفى سليمان كلّه وخارجة يبدى لنا ويعيد
متى تسألى عما أقول فتخبرى فللحبّ عندى طارف وتليد
فقال له سعيد بن المسيّب: قد أمنت أن تسألنا، ولو سألتنا ما شهدنا لك بزور.
وكان عبيد الله أحد الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم علم المدينة، وقد ذكرهم عبيد الله في هذه الأبيات؛ وهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومى. والقاسم بن [محمد بن] أبى بكر الصديق، وعروة بن الزبير ابن العوام، وسعيد بن المسيب بن حزن، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد ابن ثابت الأنصارى.
وقيل لعبيد الله: أتقول الشعر على شرفك؟ فقال: لابد للمصدر أن ينفث «٢»؛ وعبيد الله هو القائل:
شققت القلب ثم ذررت فيه هواك فليم والتأم الفطور «٣»
تغلغل حبّ عثمة في فؤادى فباديه مع الخافى يسير
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور
[ ١ / ٢١٢ ]
أخذه سلم بن عمرو الخاسر فقال:
سقتنى بعينيها الهوى وسقيتها فدبّ دبيب الخمر في كل مفصل
وقال أبو نواس:
أحبّ اللوم فيها ليس إلّا لترداد اسمها فيها ألام
ويدخل حبّها في كل قلب مداخل لا تغلغلها المدام»
ومنه قول المتنبى:
وللسرّ منّى موضع لا يناله نديم، ولا يفّضى إليه شراب
وقال بعض المحدثين:
ما زلت تغوينى وتطلب خلّتى حتى حللت بحيث حلّ شرابى «٢»
ثم انصرفت بغير جرم كان لى ما هكذا الأحباب للأحباب
أخذ أبو نواس قوله: «أحب اللوم فيها» البيت من قول [أبى محمد] ابن أبى أمية:
وحدّثنى عن مجلس كنت زينة رسول أمين، والنساء شهود
فقلت له ردّ الحديث الذى مضى وذكرك من بين الحديث أريد
أناشده بالله إلّا أعدته كأنى بطىء الفهم عنه بعيد
وقول أبى نواس في البيت الأول كقوله:
إذا غاديتنى بصبوح لوم فممزوجا بتسمية الحبيب
فإنى لا أعدّ اللّوم فيها عليك، إذا فعلت، من الذنوب
ولا أنا إن عمدت أرى جنانا وإن ضنت بمبخوس النصيب
مقنعة بثوب الحسن ترعى بغير تكلّف ثمر القلوب
وفي جنان هذه يقول أبو نواس:
[ ١ / ٢١٣ ]
يا ذا الذى عن جنان ظلّ يخبرنا بالله قل وأعد يا طيّب الخبر
قالوا اشتكتك وقالت ما ابتليت به أراه من حيث ما أقبلت في أثرى
ويرفع الطّرف نحوى إن مررت به حتى ليخجلنى من شدة النظر
وإن وقفت له كيما يكلّمنى فى الموضع الخلو لم ينطق من الحصر «١»
ما زال يفعل بى هذا ويدمنه حتى لقد صار من همّى ومن وطرى «٢»
وفي جنان أيضا يقول أبو نواس، وكان بها صبّا، ولها محبّا:
جنان تسبّنى ذكرت بخير وتزعم أننى رجل خبيث
وأن مودّتى كذب ومين وأنى للذى تطوى بثوث «٣»
وليس كذا، ولا ردّ عليها، ولكنّ الملول هو النّكوث
ولى قلب ينازعنى إليها وشوق بين أضلاعى حثيث
رأت كلفى بها وقديم وجدى فمّلتنى، كذا كان الحديث
[وكانت جنان مولاة لبعض الثقفيين] .
وفي معنى قول ابن أبى أمية يقول العباس بن الأحنف:
وحدثتنى يا سعد عنها فزدتنى جنونا فزدنى من حديثك يا سعد
وأهل المدينة أكثر الناس ظرفا، وأكثرهم طيبا، وأحلاهم مزاجا، وأشدّهم اهتزازا للسماع، وحسن أدب عند الاستماع. وقال عبد الله بن جعفر:
إن لى عند السماع هزّة لو سئلت عندها لأعطيت، ولو قاتلت لأبليت.
وروى أبو العيناء قال: قال الأصمعى: مررت بدار الزبير بالبصرة، فإذا شيخ قديم من أهل المدينة من ولد الزبير يكنى أبا ريحانة جالس بالباب عليه شملة تستره، فسلّمت عليه، وجلست إليه؛ فبينما أنا كذلك إذ طلعت علينا سويداء
[ ١ / ٢١٤ ]
تحمل قربة، فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها، فقال لها: بالله غنّى صوتا.
فقالت: إن موالىّ أعجلونى، فقال: لا بدّ من ذلك، قالت: أما والقربة على كتفى فلا، قال: فأنا أحملها، فأخذ القربة منها، فاندفعت تغنّى:
فؤادى أسير لا يفكّ، ومهجتى تفيض، وأحزانى عليك تطول
ولى مقلة قرحى لطول اشتياقها إليك، وأجفانى عليك همول
فديتك، أعدائى كثير، وشقّتى بعيد، وأشياعى لديك قليل «١»
فطرب وصرخ صرخة، وضرب بالقربة إلى الأرض فشقّها؛ فقامت الجارية تبكى، وقالت: ما هذا بجزائى منك؛ أسعفتك بحاجتك فعرّضتنى لما أكره من موالىّ. قال: لا تغتمى فإنّ المصيبة علىّ حصلت، ونزع الشّملة ووضع يدا من خلف ويدا من قدّام، وباع الشّملة وابتاع لها قربة جديدة، وقعد بتلك الحال؛ فاجتاز به رجل من ولد علىّ بن أبى طالب- رضي الله تعالى عنه! - فعرف حاله، فقال: يا أبا ريحانة! أحسبك من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)
. قال: لا يابن رسول الله، ولكنى من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)
فضحك، وأمر له بألف درهم.
ومرّ بالأوقص المخزومى، وهو قاضى المدينة، سكران [وهو] يتغنّى بليل، فأشرف عليه، وقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنّيت خطأ؛ خذه عنى، وأصلح له الغناء.
وسمع سعيد بن المسيب منشدا ينشد:
فلم تر عينى مثل سرب رأيته خرجن من التنعيم معتمرات «٢»
[ ١ / ٢١٥ ]
مررن بفخ، ثم رحن عشيّة يلبّين للرّحمن مؤتجرات «١»
ولما رأت ركب النميرى أعرضت وكنّ من أن يلقينه حذرات
دعت نسوة شمّ العرانين بزّلا نواعم، لا شعثا ولا غبرات «٢»
فأبرزن لما قمن يحجبن دونها حجابا من القسّىّ والحبرات «٣»
تضوّع طيبا بطن نعمان إذ مشت به زينب في نسوة عطرات
يخبّئن أطراف البنان من التّقى ويخرجن شطر الليل معتجرات «٤»
فقال سعيد: هذا والله مما يلذّ استماعه، ثم قال:
وليست كأخرى وسّعت جيب درعها وأبدت بنان الكفّ للجمرات
وغالت ببان المسك وحفا مرجّلا على مثل بدر لاح في الظّلمات «٥»
وقامت تراءى بين جمع فأفتنت برؤيتها من راح من عرفات
قال: فكانوا يرون أنّ الشعر الثانى له، والأول لمحمد بن عبد الله بن نمير الثقفى يقوله في زينب بنت يوسف أخت الحجاج؛ [وطلبه الحجاج] حتى ظفر به فقال: أنت القائل ما قلت؟ قال: وهل قلت أصلح الله الأمير إلّا:
يخبّئن أطراف البنان من التقى ويخرجن شطر الليل معتجرات
قال له: كم كنتم إذ تقول:
ولما رأت ركب النميرى أعرضت
[ ١ / ٢١٦ ]
قال: والله ما كنت إلا أنا وصاحب لى على حمار هزيل! فضحك وعفا عنه، وهو القائل:
أهاجتك الظّعائن يوم بانوا بذى الزّىّ الجميل من الأثاث «١»
ظعائن أسلكت في بطن قوّ تحثّ إذا رنت أى احتثاث
كأنّ على الهوادج يوم بانوا نعاجا ترتعى بقل البراث «٢»
يهيّجك الحمام إذا تغنّى كما سجع النّوادب بالمراثى