حضرة مولاى تجلّ عن أن يهدى إليها غير الكتب، التى لا يترفّع عنها كبير، ولا يمتنع منها خطير، وقد فكّرت فيما أنفذت به مقيما للرّسم في جملة الخدم، وحافظا للاسم في غمار الحشم، فلم أجد إلا الرّقّ الذى سبق ملكه له، والمال الذى منحه وخوّله، فعدلت إلى الأدب الذى تنفق سوقه بباب سيدنا ولا تكسد، وتهبّ ريحه بجانبه ولا تركد. وأنفذت كتابى هذا راجيا أن أشرّف بقبوله، ويوّقع إلىّ بحصوله؛ ولمّا وجب على ذوى الاختصاص لسيدنا إهداء ما جرت العادة بتسابق الأولياء إلى الاجتهاد في إهدائه «١»، وجب العدول في إقامة رسم الخدمة إلى اتباع
[ ١ / ١٨٥ ]
ما صدر عنه من الرخصة فيما تسهل كلفته، وتجلّ عند ذوى الألباب قيمته، وتحلو ثمرته؛ وهو علم يقتنى، وأدب يجتنى.
قال أبو الحسن بن طباطبا العلوى:
لا تنكرن إهداءنا لك منطقا منك استفدنا حسنه ونظامه
فالله ﷿ يشكر فعل من يتلو عليه وحيه وكلامه
وأهدى أحمد بن يوسف «١» إلى المأمون في يوم مهرجان هدية قيمتها ألف ألف درهم، وكتب:
على العبد حقّ فهو لابدّ فاعله وإن عظم المولى وجلّت فضائله
ألم ترنا نهدى إلى الله ماله وإن كان عند ذا غنى وهو قابله
وقال أبو الفتح البستى:
لا تنكرنّ إذا أهديت نحوك من علومك الغرّ أو آدابك النّتفا
فقيّم الباغ قد يهدى لمالكه برسم خدمته من باغه التّحفا «٢»
وكتب أبو إسحاق الصابى إلى عضد الدولة في هذا المعنى: العبيد تلاطف ولا تكاثر الموالى في هداياها، والموالى تقبل الميسور منها قبولا هو محسوب في عطاياها. ولما كان- أدام الله تعالى عزّه! - مبرّزا على ملوك الأرض في الخطر الذى قصّروا عنه شديدا، والسعى الذى وقفوا منه بعيدا، والآداب التي عجزوا عن استعلامها فضلا عن علمها، والأدوات التي نكلوا «٣» عن استفهامها فضلا عن فهمها، وجب أن يعدل عن اختياراتهم فيما تحظى به الجسوم البهيمية، إلى اختياره
[ ١ / ١٨٦ ]
فيما تحظى به النفوس العليّة، وعما ينفق في سوقهم العامية، إلى ما ينفق في سوقه الخاصية، إفرادا لرتبته العليا، وغايته القصوى، وتمييزا له عمن لا يجرى معه في هذا المضمار، ولا يتعلّق منه بالغبار؛ وقد حملت إلى الخزانة- عمرها الله! - شيئا من الدفاتر وآلة النجوم، فإن رأى مولانا أن يتطوّل «١» على عبده بالإذن فى عرض ذلك عليه مشرّفا له وزائدا في إحسانه إليه فعل إن شاء الله تعالى.
وأهدى أبو الطيب المتنبى إلى أبى الفضل بن العميد في يوم نوروز قصيدة مدحه فيها «٢» يقول في آخرها:
كثر الفكر كيف نهدى كما ته دى إلى ربّها الرئيس عباده
والّذى عندنا من المال والخيل فمنه هباته وقياده
فبعثنا بأربعين مهار كلّ مهر ميدانه إنشاده
فارتبطها فإنّ قلبا نماها مربط تسبق الجياد جياده
وفي هذه الكلمة يقول وقد احتفل فيها، واجتهد في تجويد ألفاظها ومعانيها، فعقّب عليه أبو الفضل في مواضع وقف عليها فقال «٣»:
هل لعذرى إلى الهمام أبى الفضل قبول سواد عينى مداده
أنا من شدّة الحياء عليل مكرمات المعلّه عوّاده «٤»
ما كفانى تقصير ما قلت فيه عن علاه حتى ثناه انتقاده
[ ١ / ١٨٧ ]
ما تعوّدت أن أرى كأبى الفض ل، وهذا الّذى أتاه اعتياده
عمرتنى فوائد شاء منها أن يكون الكلام ممّا أفاده
ما سمعنا بمن أحبّ العطايا فاشتهى أن يكون منها فؤاده
وقد كان مدحه بقصيدته التي أولها:
باد هواك صبرت أم لم تضبرا وبكاك إن لم يجردمعك أو جرى
وفيها معان مخترعة، وأبيات مبتدعة، يقول فيها:
من مبلغ الأعراب أنّى بعدها جالست رسطاليس والإسكندرا
ومللت نحر عشارها فأضافنى من ينحر البدر النّضار لمن قرى «١»
وسمعت بطليموس دارس كتبه متملّكا متبديا متحضرا «٢»
ورأيت كلّ الفاضلين كأنما ردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّما وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وفيها يقول:
فدعاك حسّدك الرئيس وأمسكوا ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه كالخطّ يملأ مسمعى من أبصرا
أخذه من قول الطائى يصف قصائده:
بقرب يراها من يراها بسمعه ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع
«٣»