ولما خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم، وعظيم سكراتهم، قام فخطب خطبة جلها الصلاة على النبى ﷺ، قال فيها: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع، وأنّ الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو
[ ١ / ٦٨ ]
الحقّ المبين. فى كلام طويل، ثم قال: أيها الناس؛ من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت، وإن الله قد تقدّم إليكم في أمره، فلا تدعوه جزعا، وإن الله قد اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلّف فيكم كتابه، وسنة نبيّه، فمن أخذ بهما عرف، ومن فرّق بينهما أنكر؛ يأيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط، ولا يشغلنّكم الشيطان بموت نبيكم، ويفتننّكم عن دينكم؛ فعاجلوه بالذى تعجزونه، ولا تستنظروه فيلحق بكم.
فلما فرغ من خطبته قال: يا عمر! بلغنى أنك تقول مامات نبىّ الله، أما علمت أنه قال في يوم كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا: قال الله ﵎: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)
؟ فقال عمر: والله لكأنى لم أسمع بها في كتاب الله قبل؛ لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزل، وأن الحديث كما حدّث، وأنّ الله حىّ لا يموت، وإنا لله وإنا إليه راجعون! ثم جلس إلى جنب أبى بكر ﵀.
قالت عائشة رضوان الله عليها: لما قبض رسول الله ﷺ نجم النّفاق «١»، وارتدّت العرب، وكان المسلمون كالغنم الشاردة، فى الليلة الماطرة، فحمل أبى مالو حملته الجبال لهاضها «٢» فو الله إن اختلفوا في معظم إلا ذهب بحظّه ورشده، وغنائه، وكنت إذا نظرت إلى عمر علمت أنه إنما خلق للاسلام، فكان والله أحوذيّا نسيج وحده «٣»، قد أعدّ للأمور أقرانها.