قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلّغك الجنّة، وعدل بك عن النار، وبصّرك مواقع رشدك، وعواقب غيّك. قال السائل: ليس هذا أريد، قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول، قال: ليس هذا أريد، قال: قال النبي ﷺ:
«إنّا معشر الأنبياء فينا بكء» أى قلّة كلام «١»؛ وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله، قال السائل: ليس هذا أريد، قال: كانوا يخافون من فتنة القول ومن سقطات الكلام ما لا يخافون من فتنة السكوت، وسقطات الصّمت، قال: ليس هذا أريد، قال عمرو: يا هذا؛ فكأنت تريد تحبير اللفظ «٢» فى حسن الإفهام، قال: نعم، قال: إنّك إن أردت تقرير حجّة الله ﷿ في عقول المكلّفين، وتخفيف المؤونة عن المستمعين، وتزيين تلك المعانى في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة في الأذهان، رغبة في سرعة إجابتهم، ونفى الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة- كنت قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، واستوجبت من الله جزيل الثواب، فقيل لعبد الكريم بن روح الغفارى: من هذا الّذى صبر له عمرو هذا الصبر؟
قال: سألت عن ذلك أبا حفص الشمرى، فقال: ومن يجترىء عليه هذه الجرأة إلّا حفص بن سالم؟
وعمرو بن عبيد بن باب هو رئيس المعتزلة في وقته، وهو أوّل من تكلّم على المخلوق، واعتزل مجلس الحسن البصرى، وهو أول المعتزلة.
[ ١ / ١٤٣ ]
ودخل عمرو بن عبيد على أبى جعفر المنصور، فقال: عظنى، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها؛ يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الأمر لو كان باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك، ألم تر كيف فعل ربّك بعاد إرم ذات العماد! قال: فبكى المنصور حتى بلّ ثوبه.
ثم قال: حاجتك يا أبا عثمان! وكان المنصور لمّا دخل عليه طرح عليه طيلسانا، فقال: يرفع هذا الطيلسان عنى! فرفع، فقال أبو جعفر: لا تدع إتياننا! قال: نعم، لا يضمّنى وإياك بلد إلّا دخلت إليك، ولا بدت لى حاجة إلّا سألتك، ولكن لا تعطنى حتى أسألك، ولا تدعنى حتى آتيك، قال: إذا لا تأتينا أبدا! وقد روى مثل هذا لابن السماك مع الرشيد وقوله «لو كان هذا الأمر باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك» كقول ابن الرومى:
لعمرك ما الدّنيا بدار إقامة إذا زال عن عين البصير غطاؤها
وكيف بقاء الناس فيها وإنما ينال بأسباب الفناء بقاؤها؟
ووعظ شبيب بن شبة المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن الله لم يجعل فوقك أحدا، فلا تجعل فوق شكره شكرا.
ودخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده المهدى فقال له: هذا ابن أخيك المهدى، ولىّ عهد المسلمين، فقال: سميّته اسما لم يستحقّ حمله، ويفضى إليك الأمر وأنت عنه مشغول «١» وكان عمرو بن عبيد يقول: اللهم أغنى بالافتقار إليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك.
وقال له المنصور: يا أبا عثمان؛ أعنّى بأصحابك: قال: يا أمير المؤمنين؛ أظهر الحقّ يتبعك أهله.
وقال عمر الشمرى: كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلّم، وإن تكلّم لم يكد
[ ١ / ١٤٤ ]
يطيل؛ وكان يقول: لا خير في المتكلّم إذا كان كلامه لمن يشهده دون قائله، وإذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف، ولا خير في شىء يأتيك به التكلف «١» .