ووقع بين الحسن ومحمد بن الحنفيّة «١» لحاء، ومشى الناس بينهما بالنّمائم، فكتب إليه محمد بن الحنفية: أمّا بعد فإن أبى وأباك علىّ بن أبى طالب؛ لا تفضلنى فيه ولا أفضلك، وأمى امرأة من بنى حنيفة، وأمّك فاطمة الزّهراء بنت رسول الله ﷺ، فلو ملئت الأرض بمثل أمى لكانت أمّك خيرا منها؛ فإذا قرأت كتابى هذا فأقدم حتى تترضّانى، فإنك أحقّ بالفضل منى.
وخطب الحسين بن علىّ رضوان الله عليهما غداة اليوم الذى استشهد فيه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه؛ ثم قال: يا عباد الله، اتّقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر؛ فإنّ الدنيا لو بقيت على أحد [أو بقى عليها أحد] لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء، وأولى بالرّضاء، [وأرضى] بالقضاء؛ غير أنّ الله تعالى خلق الدنيا للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحلّ، وسرورها مكفهرّ «٢»، منزل تلعة، ودار قلعة «٣»؛ فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، واتّقوا الله لعلكم تفلحون.
[ ١ / ١٠٠ ]
وكان لمعاوية بن أبى سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور الناس وقريش، فكتب إليه: إنّ الحسين بن علىّ أعتق جارية له وتزوّجها؛ فكتب معاوية إلى الحسين: من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن علىّ.
أمّا بعد، فإنه بلغنى أنك تزوّجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممّن تستنجبه للولد، وتمجد به في الصّهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت.
فكتب إليه الحسين بن على: أمّا بعد، فقد بلغنى كتابك، وتعييرك إيّاى بأنى تزوّجت مولاتى، وتركت أكفائى من قريش، فليس فوق رسول الله منتهى في شرف، ولا غاية في نسب؛ وإنما كانت ملك يمينى، خرجت عن يدى بأمر التمست فيه ثواب الله تعالى؛ ثم ارتجعتها على سنّة نبيه ﷺ، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، ووضع عنّا به النقيصة؛ فلا لوم على امرىء مسلم إلّا في أمر مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية.
فلما قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد فقرأه، وقال: لشدّ ما فخر عليك الحسين! قال: لا، ولكنها ألسنة بنى هاشم الحداد التي تفلق الصّخر، وتغرف من البحر! والحسين﵁! - هو القائل:
لعمرك إنّنى لأحبّ دارا تحلّ بها سكينة والرّباب
أحبّهما وأبذل كلّ مالى وليس للائم عندى عتاب
سكينة: ابنته، والرباب: أمّها، وهي بنت امرىء القيس [بن الجرول] الكلبية.
وفي سكينة يقول عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى كذبا عليها «١»:
[ ١ / ١٠١ ]
قالت سكينة والدموع ذوارف تجرى على الخدّين والجلباب
ليت المغيرىّ الذى لم أجزه فيما أطال تصيّدى وطلابى
كانت تردّ لنا المنى أيّامنا إذ لا نلام على هوى وتصاب
خبّرت ما قالت فبتّ كأنما يرمى الحشى بنوافذ النّشّاب
أسكين ما ماء الفرات وطيبه منّى على ظمأ وفقد شراب
بألذّ منك، وإن نأيت، وقلّما ترعى النساء أمانة الغيّاب
إن تبذلى لى نائلا أشفى به داء الفؤاد فقد أطلت عذابى
وعصيت فيك أقاربى وتقطعت بينى وبينهم عرى الأسباب
فتركتنى لا بالوصال ممتّعا منهم، ولا أسعفتنى بثواب
فقعدت كالمهريق فضلة مائه فى حرّ هاجرة للمع سراب
وكانت سكينة من أجمل نساء زمانها وأعقلهنّ، وكان مصعب بن الزبير قد جمع بينها وبين عائشة بنت طلحة بن عبيد الله؛ فلما قتل مصعب قالت سكينة:
فإن تقتلوه تقتلوا الماجد الذى يرى الموت إلا بالسيوف حراما
وقبلك ما خاض الحسين منيّة إلى القوم حتى أو ردوه حماما
وقال على بن الحسين «١» ﵀: لو كان الناس يعرفون جملة الحال فى فضل الاستبانة، وجملة الحال في فضل التبيين، لأعربوا عن كل ما بتلجلج فى صدورهم، ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى
[ ١ / ١٠٢ ]
حالهم، على أنّ إدراك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدّة، والفكرة القصيرة المدّة، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدول بالهوى عن باب التثبّت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.
وقال ﵁: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون به المغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب القطيعة.
ومن دعائه: اللهم ارزقنى خوف الوعيد، وسرور رجاء الموعود، حتى لا أرجو إلا ما رجّيت، ولا أخاف [إلا] ما خوّفت.
وحجّ هشام بن عبد الملك، أو الوليد أخوه، فطاف بالبيت وأراد استلام الحجر فلم يقدر، فنصب له منبر فجلس عليه؛ فبينا هو كذلك إذ أقبل علىّ بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵁ في إزار ورداء، وكان أحسن الناس وجها، وأعطرهم رائحة، وأكثرهم خشوعا، وبين عينيه سجّادة «١»، كأنها ركبة عنز، وطاف بالبيت، وأتى ليستلم الحجر، فتنحّى له الناس هيبة وإجلالا، فغاظ ذلك هشاما؛ فقال رجل من أهل الشام: من الّذى أكرمه الناس هذا الإكرام، وأعظموه هذا الإعظام؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يعظم في صدور أهل الشام؛ فقال الفرزدق وكان حاضرا:
هذا ابن خير عباد الله كلّهم هذا النقيّ التقىّ الطاهر العلم
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم «٢»
[ ١ / ١٠٣ ]
فى كفّه خيزران ريحه عبق فى كفّ أروع في عرنينه شمم «١»
يغضى حياء ويغضى من مهابته فما يكلّم إلا حين يبتسم
مشتقّة من رسول الله نبعته طابت عناصره والخيم والشّيم «٢»
ينمى إلى ذروة العزّ التي قصرت عن نيلها عرب الإسلام والعجم «٣»
ينجاب نور الهدى عن نور غرّته كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم «٤»
حمّال أثقال أقوام إذا اقترحوا حلو الشمائل تحلو عنده نعم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله فضّله قدما وشرّفه جرى بذاك له في لوحه القلم
من جدّه دان فضل الأنبياء له وفضل أمته دانت له الأمم
عمّ البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغيابة والإملاق والظّلم «٥»
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما تستوكفان ولا يعروهما العدم «٦»
سهل الخليقة لا تخشى بوارده تزينه الاثنتان الحلم والكرم
لا يخلف الوعد ميمون بغرّته رحب الفناء أريب حين يعتزم «٧»
ما قال «لا» قطّ إلا في تشهّده لولا التشهّد كانت لاءه نعم
من معشر حبّهم دين، وبغضهم كفر، وقربهم منجى ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبهم ويستربّ به الإحسان والنّعم «٨»
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم فى كل بدء ومختوم به الكلم
إن عدّ أهل التّقي كانوا أئمّتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
[ ١ / ١٠٤ ]
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت الأسد أسد الشّرى والبأس محتدم «١»
يأبى لهم أن يحلّ الذّمّ ساحتهم خيم كريم وأيد بالنّدى هضم «٢»
لا ينقص العسر بسطا من أكفّهم سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
أىّ الخلائق ليست في رقابهم لأوليّة هذا أو له نعم «٣»
من يعرف الله يعرف أوليّته فالدين من بيت هذا ناله الأمم
وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
وقد روى أن الحزين الكنانى وفد على عبد الله بن عبد الملك بن مروان وهو أمير على مصر فأنشده قصيدة منها:
لما وقفت عليه في الجموع ضحى وقد تعرّضت الحجّاب والخدم
حيبته بسلام وهو مرتفق وضجّة القوم عند الباب تزدحم «٤»
فى كفه خيرزان- والبيت الذى يليه.
ويقال: إنها لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وهو الذى يقول فيه الأخطل:
ولقد غدوت على التّجار بمسمح هرّت عواذله هرير الأكلب «٥»
لذّ يقبّله النعيم، كأنما مسحت ترائبه بماء مذهب «٦»
لبّاس أردية الملوك تروقه من كل مرتقب عيون الرّبرب «٧»
ينظرن من خلل السّتور إذا بدا نظر الهجان إلى الفنيق المصعب «٨»
[ ١ / ١٠٥ ]
ويقال: بل قالها في على بن الحسين اللّعين المنقرى، وسمى اللعين لأن عمر سمعه ينشد شعرا والناس يصلّون، فقال: من هذا اللعين؟ فعلق به هذا الاسم «١» وليقله من شاء، فقد أحسن ما شاد وأجاد وزاد «٢» .
وقال ذو الرمة في بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى:
من آل أبى موسى ترى الناس حوله كأنهم الكروان عاينّ بازيا «٣»
فما يعرفون الضّحك إلّا تبسّما ولا ينبسون القول إلا تناجيا «٤»
وما الفحش منه يرهبون، ولا الخنا عليه، ولكن هيبة هي ماهيا
فتى السّنّ، كهل الحلم، يسمع قوله يوازن أدناه الجبال الرّواسيا
ومن أجود ما للمحدثين في ذلك قول أبى عبادة البحترى في الفتح ابن خاقان:
ولما حضرنا سدّة الإذن أخّرت رجال عن الباب الذى أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذى مهابة أقابل بدر التّم حين أقابله
بدا لى محمود السجيّة شمّرت سرابيله عنه وطالت حمائله «٥»
كما انتصب الرّمح الرّدينىّ ثقّفت أنابيبه واهتزّ للطعن عامله «٦»
وكالبدر وافته لتمّ سعوده وتمّ سناه واستهلت منازله
فسلّمت فاعتاقت جنانى هيبة تنازعنى القول الذى أنا قائله «٧»
[ ١ / ١٠٦ ]
إلى مسرف في الجود لو أنّ حاتما لديه لأضحى حاتم وهو عاذله
فلما تأمّلت الطّلاقة وانثنى إلىّ ببشر آنستنى مخايله «١»
دنوت فقبّلت النّدى من يد امرىء جميل محيّاه سباط أنامله «٢»
صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ورقّت كما رقّ النّسيم شمائله
ووقعت حرب بالجزيرة بين بنى تغلب، فتولى الإصلاح بينهم الفتح بن خاقان فقال البحترى فيما تعلّق بعضه بذكر الهيبة:
بنى تغلب أعزز علىّ بأن أرى دياركم أمست وليس لها أهل «٣»
خلت دمنة من ساكنيها وأوحشت مرابع من سنجار يهمى بها الوبل «٤»
إذا ما التقوا يوم الهياج تحاجزوا وللموت فيما بينهم قسمة عدل
كفىّ من الأحياء لاقى كفيّه ومثل من الأقوام زاحفه مثل «٥»
إذا ما أخ جرّ الرماح انتهى له أخ لا بليد في الطّعان ولا وغل «٦»
تخوطهم البيض الرّقاق، وضمّر عتاق، وأنساب بها يدرك التّبل «٧»
بطعن يكبّ الدّارعين دراكه وضرب كما ترغو المخزّمة البزل «٨»
تجافى أمير المؤمنين عن التى علمتم، وللجانين في مثلها الثّكل «٩»
[ ١ / ١٠٧ ]
وكانت يد الفتح بن خاقان عندكم يد الغيث عند الأرض أجدبها المحل «١»
ولولاه طلّت بالعقوق دماؤكم فلا قود يعطى الأذلّ ولا عقل «٢»
تلافيت يا فتح الأراقم بعد ما سقاهم بأوحى سمّه الأرقم الصّلّ «٣»
وهبت لهم بالسّلم باقى نفوسهم وقد أشرفوا أن يستتمّهم القتل «٤»
أتاك وفود الشكر يثنون بالّذى تقدّم من نعماك عندهم قبل
فلم أر يوما كان أكثر سوددا من اليوم ضمّتهم إلى بابك السّبل «٥»
تراءوك من أقصى السّماط فقصّروا خطاهم، وقد جازوا السّتور وهم عجل «٦»
ولمّا قضوا صدر السلام تهافتوا على يد بسّام سجيّته البذل
إذا شرعوا في خطبة قطعتهم جلالة طلق الوجه جانبه سهل»
إذا نكسوا أبصارهم من مهابة ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل «٨»
نصبت لهم طرفا حديدا، ومنطقا سديدا، ورأيا مثل ما انتضى النّصل «٩»
وسلّت سخيمات الصدور فعالك الكريم، وأبرا غلّها قولك الفصل «١٠»
بك التأم الشّعب الذى كان بينهم على حين بعد منه، واجتمع الشّمل «١١»
فما برحوا حتى تعاطت أكفّهم قراك، فلا ضغن لديهم ولا ذحل «١٢»
وجرّوا ذيول العصب تضفو ذيولها عطاء كريم ما تكاءده بخل «١٣»
[ ١ / ١٠٨ ]
وما عمّهم عمرو بن غنم بنسبة كما عمّهم بالأمس نائلك الجزل
فمهما رأوا من غبطة في اصطلاحهم فمنك بها النّعمى جرت ولك الفضل
عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط.
وللطائيين [أبى تمام والبحترى] فى ذلك أشعار كثيرة مختارة، منها قول البحترى يحذّر عاقبة الحرب «١»:
أما لربيعة الفرس انتهاء عن الزلزال فيها والحروب «٢»
وكانوا رقّعوا أيام سلم على تلك الضغائن والندوب «٣»
إذا ما الجرح رمّ على فساد تبيّن فيه تفريط الطبيب
رزيّة هالك جلبت رزايا وخطب بات يكشف عن خطوب
يشقّ الجيب ثمّ يجىء أمر يصغّر فيه تشقيق الجيوب
وقبر عن أيامن برقعيد إذا هي ناحرت أفق الجنوب «٤»
يسحّ ترابه أبدا عليها عهادا من مراق دم صبيب «٥»
فهل لابنى عدىّ من رشيد يردّ شريد حلمهما العزيب «٦»
أخاف عليهما إمرار مرعى من الكلإ الذى عقباه توبى «٧»
وأعلم أنّ حربهما خبال على الدّاعى إليها والمجيب
لعلّ أبا المعمّر يتّليها ببعد الهمّ والصّدر الرّحيب «٨»
[ ١ / ١٠٩ ]
فكم من سؤدد قد بات يعطى عطية مكثر فيها مطيب
أهيثم يابن عبد الله، دعوى مشير بالنصيحة أو مهيب «١»
تناس ذنوب قومك إنّ حفظ الذنوب إذا قد من من الذّنوب «٢»
فللسّهم السديد أحبّ غبّا إلى الرامى من السهم المصيب «٣»
متى أحرزت نصر بنى عبيد إلى إخلاص ودّ بنى حبيب
فقد أصبحت أغلب تغلبىّ على أيدى العشيرة والقلوب
يناسب قوله:
إذا ما الجرح رمّ على فساد
قول أبى الطيب المتنبى لعلىّ بن إبراهيم التنوخى أحد بنى القصيص:
فلا تغررك ألسنة موال تقلّبهن أفئدة أعادى «٤»
وكن كالموت لا يرثى لباك بكى منه، ويروى وهو صاد
فإنّ الجرح ينغر بعد حين إذا كان البناء على فساد «٥»
وفي هذه القصيدة:
كأنّ الهام في الهيجا عيون وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من هموم فما يخطرن إلّا في فؤاد
كأنّ البيت الأوّل من هذين ينظر إلى قول مسلم بن الوليد من طرف خفىّ
ولو أنّ قوما يخلقون منيّة من بأسهم كانوا بنى جبريلا
قوم إذا احمرّ الهجير من الوغى جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا «٦»
[ ١ / ١١٠ ]
وإنما أخذه [أبو الطيب] من قول منصور النميرى، وذكر سيفا:
ذكر، برونقه الدّماء، كأنما يعلو الرجال بأرجوان ناقع «١»
وترى مساقط شفرتيه كأنها ملح تبدّد من وراء الدّراع
وتراه معتمّا إذا جرّدته بدم الرّجال على الأديم الناقع «٢»
وكأنّ وقعته بجمجمة الفتى خدر المدامة أو نعاس الهاجع «٣»
أردت هذا البيت، وقول النميرى:
وتراه معتّما إذا جرّدته
يشير إليه قول أبى الطيب، وذكر سيفا:
يبس النّجيع عليه فهو مجرّد من غمده وكأنما هو مغمد «٤»
ريان لو قذف الذى أسقيته لجرى من المهجات بحر مزبد «٥»
وبنو عبيد، وبنو حبيب- اللذان ذكرهما البحترى- هم: بنو عبيد ابن الحارث بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وحبيب بن الهجرس ابن تيم بن سعد بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيهم حبيب بن حرقة بن تغلب بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، فلا أدرى أيهما أراد!
[ ١ / ١١١ ]
وقال البحترى:
أسيت لاخوالى ربيعة أن عفت مصايفها منها، وأقوت ربوعها «١»
بكرهى أن باتت خلاء ديارها ووحشا مغانيها، وشتّى جميعها «٢»
إذا افترقوا من وقعة جمعتهم دماء لأخرى ما يطلّ نجيعها «٣»
تذمّ الفتاة الرّود شيمة بعلها إذا بات دون الثّأر وهو ضجيعها «٤»
حميّة شعب جاهلىّ وعزّة كلابية أعيا الرجال خضوعها
وفرسان هيجاء تجيش صدورهم بأحقادها حتى تضيق دروغها
تقتّل من وتر أعزّ نفوسها عليها بأيد ما تكاد تطيعها «٥»
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها تذكّرت القربى ففاضت دموعها
شواجر أرماح تقطّع بينها شواجر أرحام ملوم قطوعها «٦»
فكنت أمين الله مولى حياتها ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها
وقال أبو تمام الطائى:
مهلا بنى مالك لا تجلبنّ إلى حىّ الأراقم ذؤلول ابنة الرقم «٧»
لم يألكم مالك صفحا ومغفرة لو كان ينفخ قين الحيّ في فحم «٨»
أخرجتموه بكره من سجيّته والنار قد تنتضى من ناضر السلم «٩»
أو طأتموه على جمر العقوق، ولو لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم «١٠»
[ ١ / ١١٢ ]
لولا مناشدة القربى لغادركم حصائد المرهفين السيف والقلم
لا تجعلوا البغى ظهرا إنه جمل من القطيعة يرعى وادى النّقم
وقال أيضا:
مهلا بنى عمرو بن غنم؛ إنكم هدف الأسنّة والقنا تتحطّم «١»
ما منكم إلا مردّى بالحجى أو مبشر بالأحوذيّة مؤدم «٢»
عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب بن سعد سهمكم لا يمهم «٣»
خلقت ربيعة من لدن خلقت يدا جشم بن بكر كفّها والمعصم «٤»
تغزو فتغلب تغلب مثل اسمها وتسيح غنم في البلاد فتغنم
وستذكرون غدا صنائع مالك إن جلّ خطب أو تدوفع مغرم «٥»
مالى رأيت ثراكم ببسالة مالى أرى أطوادكم تتهدّم؟ «٦»
ما هذه القربى التي لا تصطفى ما هذه الرحم التي لا ترحم؟
حسد القرابة للقرابة قرحة أعيت عوائدها وجرح أقدم «٧»
تلكم قريش لم تكن آباؤها تهفو ولا أجلامها تتقسّم «٨»
حتى إذا بعث النّبىّ محمد فيهم غدت شحناؤهم تتضرّم «٩»
عزبت عقولهم، وما من معشر إلّا وهم منه ألبّ وأحزم «١٠»
لما أقام الوحى بين ظهورهم ورأوا رسول الله أحمد منهم
[ ١ / ١١٣ ]
ومن الحزامة لو تكون حزامة ألّا تؤخّر من به تتقدّم «١»
ومالك هو: ابن طوق «٢» بن مالك بن عتاب بن زفر بن مرّة بن شريح ابن عبد الله بن عمرو بن كلثوم بن مالك [بن عتاب] بن سعد بن [زهير ابن] جشم بن بكر [بن وائل] بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيه يقول دعبل «٣» يهجوه:
الناس كلّهم يغدو لحاجته من بين ذى فرح منها ومهموم
ومالك ظلّ مشغولا بنسبته يرمّ منها بناء غير مرموم «٤»
يبنى بيوتا خرابا لا أنيس بها ما بين طوق إلى عمرو ابن كلثوم
والتكثير من المعنى المعترض، يزيح عن ثغرة الغرض «٥»، لكنى أجرى منه إلى حلبة الإجادة، وأقصد قصد الإفادة، ثم أعود حيث أريد.
وقال ابن الخياط المكى- واسمه عبد الله بن سالم- فى باب الهيبة، فى مالك ابن أنس «٦» الفقيه، رحمة الله عليه؛ وقيل: إن هذا من قول ابن المبارك:
[ ١ / ١١٤ ]
يابى الجواب فما يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان «١»
أدب الوقار، وعزّ سلطان التّقى، فهو المهيب وليس ذا سلطان
وقول الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته
قد تجاذبه جماعة من الشعراء؛ قال أشجع بن عمرو السلمى «٢» لجعفر البرمكى: لأشجع السلمى
حبّذا أنت قادما ترد الشام فتختال بين أرحل عيرك
إنّ أرضا تسرى إليها لو اسطاعت لسارت إليك من قبل سيرك
وإليه أشار أبو تمام الطائى في قوله:
ديمة سمحة القياد سكوب مستغيث بها الثّرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمى لسعى نحوها المكان الجديب
وفى هذه القصيدة في وصف الدّيمة، ومدح محمد بن عبد الملك الزيات «٣»:
[ ١ / ١١٥ ]
لذّ شؤيوبها وطاب فلو تس طيع قامت فعانقتها القلوب «١»
فهو ماء يجرى وماء يليه وعزال تنشا وأخرى تصوب «٢»
أيّها الغيث حىّ أهلا بمغدا ك وعند السّرى وحين تؤوب «٣»
لأبى جعفر خلائق تحكيهنّ قد يشبه النجيب النجيب وأنشدها أبا جعفر بن الزيات، فقال: يا أبا تمام؛ والله إنك لتحلّى شعرك من جواهر لفظك وبدائع معانيك، ما يزيد حسنا على بهىّ الجواهر فى أجياد الكواعب؛ وما يدّخر لك شىء من جزيل المكافأة إلّا يقصر عن شعرك في الموازنة. وكان بحضرته رجل من الفلاسفة، فقال: هذا الفتى يموت شابا! فقيل له: من أين حكمت عليه بهذا؟ فقال: رأيت فيه من الحدّة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل عمره كما يأكل السيف المهند غمده! قال الصولى: مات وقد نيّف على الثلاثين.
وقال في أبى دلف العجلى القاسم بن محمد بن عيسى «٤»:
تكاد عطاياه يجنّ جنونها إذا لم يعوّذها بنغمة طالب
تكاد مغانيه تهشّ عراصها فتركب من شوق إلى كل راكب «٥»
[ ١ / ١١٦ ]
وقال البحترى:
لو أنّ مشتاقا تكلف فوق ما فى وسعه لمشى إليك المنبر
وقال أبو الطيب المتنبى لبدر بن عمار:
طربت مراكبنا فخلنا أنها لولا حياء عاقها رقصت بنا
لو تعقل الشجر التي قابلتها مدّت محيية إليك الأغصنا