رجعت إلى ما قطعت، مما هو أحق وأولى، وأجلّ وأعلى، وهو كلام رسول الله ﷺ الكريم النّجر «٢»، العظيم القدر، الذى هو النهاية في البيان، والغاية في البرهان، المشتمل على جوامع الكلم، وبدائع الحكم، وقد قال رسول الله ﷺ: أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش، واسترضعت في سعد ابن بكر! وليس بعض كلامه بأولى من بعض بالاختيار، ولا أحقّ بالتقديم والإيثار؛ ولكنى أورد ما تيسّر منه في أول هذا الكتاب استفتاحا، وتيمّنا بذلك واستنجاحا.
[ ١ / ٥٩ ]
وهذه شذور من قوله ﷺ الصريح الفصيح، العزيز الوجيز، المتضمّن بقليل من المبانى كثير المعانى:
قوله للأنصار: إنكم لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع.
وقوله ﵊: المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة. إياكم وخضراء الدّمن»
. كلّ الصّيد في جوف الفرا «٢» - قاله لأبى سفيان صخر بن حرب-.
الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا. أصحابى كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور. المرأة كالضلع إن رمت قوامها كسرتها «٣»، وإن داريتها استمتعت بها. اليد العليا خير من اليد السفلى. مطل الغنىّ ظلم.
يد الله مع الجماعة. الحياء شعبة من الإيمان. مثل أبى بكر كالقطر، أينما وقع نفع. لا تجعلونى في أعجاز كتبكم كقدح الراكب «٤» . أربعة من كنوز الجنة:
كتمان الصّدقة والمرض والمصيبة والفاقة. جنة الرجل داره. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. كفى بالسلامة داء. إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم. ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى. كلّ ميسّر لما خلق له.
اليمين حنث أو مندمة «٥» . دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. انصر أخاك ظالما كان
[ ١ / ٦٠ ]
أو مظلوما. احترسوا من الناس بسوء الظّنّ. النّدم توبة. انتظار الفرج عبادة. نعم صومعة الرجل بيته. المستشير معان والمستشار مؤتمن. المرء كثير بأخيه. إنّ للقلوب صدأ كصدإ الحديد وجلاؤها الاستغفار. اليوم الرّهان وغدا السّباق، والجنّة الغاية. كلّ من في الدنيا ضيف، وما في يديه عارّية، والضيف مرتحل، والعاريّة مؤدّاة.
ومن جوامع كلمه ﵊ ما رواه أهل الصحيح عن علقمة بن وقّاص الليثى عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» .
قال أبو القاسم حمزة بن محمد الكنانى: سمعت أهل العلم يقولون: هذا الحديث ثلث الإسلام، والثلث الثانى ما رواه النعمان بن بشير أنّ رسول الله ﷺ قال: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن تركها كان أوفى لدينه وعرضه، ومن واقعها كان كالراتع حول الحمى؛ ألا وإنّ لكل ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه» «١» .
قال: و[الثلث] الثالث ما رواه مالك [عن] ابن شهاب عن على ابن حسين أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
[ ١ / ٦١ ]
وقد سمع رسول الله ﷺ الشعر وأثاب عليه، وندب حسّان بن ثابت إليه «١»، وقال: إن الله ليؤيّده بروح القدس ما نافح عن نبيه «٢» .
ولما انتهى شعر أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب إلى النبى ﷺ شقّ عليه «٣» فدعا عبد الله بن رواحة «٤» فاستنشده فأنشده فقال: أنت شاعر كريم، ثم دعا كعب بن مالك فاستنشده فأنشده، فقال: أنت تحسن صفة الحرب، ثم دعا بحسّان بن ثابت فقال: أجب عنى، فأخرج لسانه فضرب به أرنبته «٥»؛ ثم قال: والذى بعثك بالحق ما أحبّ أن لى به مقولا في معدّ؛ ولو أن لسانا فرى الشّعر لفراه «٦» . ثم سأل رسول الله ﷺ أن يمسّ من أبى سفيان، فقال: وكيف، وبينى وبينه الرّحم التي قد علمت؟ فقال:
أسلّك منه كما تسلّ الشّعرة من العجين! فقال: اذهب إلى أبى بكر، وكان أعلم الناس بأنساب قريش، وسائر العرب، وعنه أخذ جبير بن مطعم علم النسب، فمضى حسان إليه فذكر له معايبه، فقال حسّان بن ثابت:
[ ١ / ٦٢ ]
وإنّ سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام، ولم يقرب عجائزك المجد «١»
ولست كعبّاس ولا كابن أمّه ولكن لئيم لا يقوم له زند «٢»
وإنّ امرأ كانت سميّة أمّه وسمراء مغموز إذا بلغ الجهد «٣»
وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد «٤»
[ ١ / ٦٣ ]
فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال: هذا كلام لم يغب عنه ابن أبى قحافة «١» يعنى ببنى بنت مخزوم عبد الله وأبا طالب والزبير بنى عبد المطلب بن هاشم [بن عبد مناف]، أمّهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وأخواتهم برّة وأميمة والبيضاء، وهي أم حكيم، والبيضاء جدّة عثمان بن عفان أم أمه.
وقوله: «ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام» يعنى أميمة وصفية أم الزبير بن العوام أمّها هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وقوله: «ولست كعباس ولا كابن أمه» أمّ العباس: نتيلة امرأة من النّمر ابن قاسط، وأخوه لأمه ضرار بن عبد المطلب وقوله: «وإن امرأ كانت سمية أمه» سمية أم أبى سفيان، وسمراء: أم أبيه، وليس هذا موضع إطناب في رفع الأنساب.
وكان عبد الأعلى بن عبد الرحمن الأموى عتب على بعض ولد الحارث، فقال له معرّضا بما قال حسان:
إخال بالعمّ وبالجدّ مفتخرا بالقدح الفرد «٢»
الهج بحسّان وأشعاره فإنها أدعى إلى المجد
لولا سيوف الأزد لم تؤمنوا ولم تقيموا سورة الحمد
فتوعّدوه، فخافهم، فقال:
بنى هاشم عفوا عفا الله عنكم وإن كان ثوبى حشو ثنييه مجرم «٣»
لكم حرم الرحمن والبيت والصّفا وجمع وما ضمّ الحطيم وزمزم
فإن قلتم بادهتنا بعظيمة فأحلامكم منها أجلّ وأعظم
[ ١ / ٦٤ ]
وأسلم أبو سفيان﵀! - وشهد مع النبى ﷺ يوم حنين، وكان ممسكا بغلته حين فرّ الناس، وهو أحد الذين ثبتوا، وهم- على ما ذكره أبو محمد عبد الملك بن هشام- أبو بكر، وعمر، وعلى، والعباس، وأبو سفيان ابن الحارث، وابنه الفضل، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن ابن أم أيمن بن عبيد قتل يومئذ، وبعض الناس يعدّ فيهم قثم بن العباس، ولا يعدّ.
أبا سفيان، وكان أبو سفيان من أشعر قريش، وهو القائل:
لقد علمت قريش غير فخر بأنّا نحن أجودهم حصانا
وأكثرهم ذروعا سابغات وأمضاهم إذا طعنوا سنانا «١»
وأدفعهم عن الضّرّاء عنهم وأبينهم إذا نطقوا لسانا
ويروى أنّ ابن سيرين قال: بينما رسول الله ﷺ في سفره قد شنق ناقته بزمامها حتى وضعت رأسها عند مفدمة الرّحل إذ قال: يا كعب ابن مالك: احد بنا! فقال كعب:
قضينا من تهامة كلّ حقّ وخيبر ثم أجممنا السّيوفا «٢»
نخيّرها ولو نطقت لقالت قواطعهنّ: دوسا أو ثقيفا
فقال ﵇: والذى نفسى بيده لهى أشدّ عليهم من رشق النّبل! ويقال: إنّ دوسا أسلمت فرقا «٣» من كلمة كعب هذه «٤»، وقالوا: اذهبوا فخذوا لأنفسكم الأمان من قبل أن ينزل بكم ما نزل بغيركم!