وذكر بعض الرّواة أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ قدم عليه وفود أهل كل بلد؛ فتقدم إليه وفد أهل الحجاز، فاشرأبّ، منهم غلام للكلام «٢»، فقال عمر: يا غلام؛ ليتكلّم من هو أسنّ منك! فقال الغلام:
يا أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا، فقد أجاد له الاختيار؛ ولو أن الأمور بالسنّ لكان هاهنا.
من هو أحقّ بمجلسك منك.
فقال عمر: صدقت، تكلم؛ فهذا السحر الحلال! فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة «٣»، ولم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة؛ لأنّا قد أمنّا في أيامك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا! فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل: عشر سنين.
وقد روى أن محمد بن كعب القرظى كان حاضرا، فنظر وجه عمر قد تهلّل عند ثناء الغلام عليه؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا يغلبنّ جهل القوم بك معرفتك بنفسك؛ فإنّ قوما خدعهم الثناء، وغرّهم الشكر، فزّلت أقدامهم، فهووا في النار «٤» . أعاذك الله أن تكون منهم، وألحقك بسالف هذه الأمة؛ فبكى عمر حتى خيف عليه، وقال: اللهم لا تخلنا من واعظ!
[ ١ / ٤٠ ]
وقد روى أن عمر قال للغلام: عظنى، فقال هذا الكلام، وفيه زيادة يسيرة ونقص وأخذ قول عمر: «هذا السحر الحلال» أبو تمام فقال يعاتب أبا سعيد محمد بن يوسف الطائى:
إذا ما الحاجة انبعثت يداها جعلت المنع منك لها عقالا
فأين قصائد لى فيك تأبى وتأنف أن أهان وأن أذالا
هى السّحر الحلال لمجتليه ولم أر قبلها سحرا حلالا