وقال شبيب بن شيبة «٢»: إن ابتليت بمقام لابد لك فيه من الإطالة فقدّم إحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدّم من إحكام البلوغ في
[ ١ / ١٩٨ ]
شرف التّجويد؛ ثم إياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فقليل كاف خير لك من كثير غير شاف.
وكان جعفر بن يحيى يقول لكتّابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم كلّه مثل التوقيع فافعلوا.
وقال ثمامة بن أشرس: لم أرقط أنطق من جعفر بن يحيى بن خالد، وكان صاحب إيجاز.
وكان أبو وائلة إياس بن معاوية- على تقدّمه في البلاغة، وفضل عقله وعلمه- بالإكثار معيبا، وإلى التطويل منسوبا، وقال له عبد الله بن شبرمة: أنا وأنت لا نتفق، أنت لا تشتهى أن تسكت، وأنا لا أشتهى أن أسمع. وقيل له:
ما فيك عيب إلا كثرة كلامك، قال: أفتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: بل صوابا، قال: فالزيادة في الخير خير.
قال الجاحظ: وليس كما قال، بل للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن مقدار الاحتمال، ودعا إلى الاستثقال والكلال؛ فذلك هو الفضال «١» والهذر والخطل والإسهاب الذى سمعت الخطباء يعيبونه.
وذكر الأصمعى أن ابن هبيرة لما أراد إياسا على القضاء قال: إنى والله لا أصلح له، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنّى دميم حديد، ولأنى عيىّ، قال ابن هبيرة: أما الحدّة فإن السّوط يقوّمك؛ وأما العىّ فقد عبّرت عما تريد؛ وأما الدّمامة فإنى لا أريد أن أحاسن بك.
ولم يصفه أحد بالعىّ، وإنما كان يعاب بالإكثار، ولكنه أراد المدافعة عن نفسه والحديث ذو شجون «٢» .
[ ١ / ١٩٩ ]
قال أبو العيناء، ذكرت لبعض القيان فعشقتنى على السماع، فلما رأتنى استقبحتنى، فقلت:
وشاطرة لما رأتنى تنكّرت وقالت: قبيح أحول ما له جسم
فإن تنكرى منى أحولا لا فإنّنى أديب أريب لا عيىّ ولا فدم «١»
[فاتصل بها الشعر،] فكتبت إلى: إنّا لم نرد أن نولّيك ديوان الزمام! وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عدى بن أرطاة «٢»: إن قبلك رجلين من مزينة- يعنى بكر بن عبد الله، وإياس بن معاوية- فولّ أحدهما قضاء البصرة؛ فأحضرهما، فقال بكر: والله ما أحسن القضاء؛ فإن كنت صادقا فما تحلّ توليتى، وإن كنت كاذبا فذلك أوجب لتركى، فقال إياس:
نكم وقفتموه على شفير جهنّم، فافتدى منها بيمين يكفرها، ويستغفر الله تعالى امنها، فقال له عدىّ: أما إذ اهتديت لها فأنت أحقّ بها، فولّاه.
ودخل إياس الشام وهو غلام صغير، فقدّم خصما له إلى بعض القضاة، وكان الخصم شيخا، فصال عليه إياس بالكلام، فقال له القاضى: خفّض عليك فإنه شيخ كبير، قال: الحقّ أكبر منه، قال: اسكت! قال: فمن ينطق بحجّتى؟
قال: ما أراك تقول حقّا، قال: لا إله إلا الله! فدخل القاضى على عبد الملك فأخبره؛ فقال: اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام لا يفسد أهلها «٣» ! وقال أحمد بن الطيب السّرخسى تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندى «٤»:
[ ١ / ٢٠٠ ]
كنت يوما عند العباس بن خالد، وكان ممن حبّب الله إليه أن يتحدّث، فأخذ يحدّثنى، وينتقل من حديث إلى حديث، وكنا في صحن له، فلما بلغتنا الشمس انتقلنا إلى موضع آخر، حتى صار الظلّ فيئا؛ فلما أكثر وأضجر، ومللت حسن الأدب في حسن الاستماع، وذكرت قول الأوزاعى: إن حسن الاستماع قوة للمحدث، قلت له: إذا كنت وأنا أسمع قد عييت مما لا كلفة علىّ فيه، فكيف أراك وأنت المتكلم؟ فقال: إنّ الكلام يحلّل الفضول اللّزجة الغليظة التي تعرض فى اللهوات وأصل اللسان ومنابت الأسنان، فوثبت وقلت: لا أرانى معك اليوم إلا «إيارج الفيقرا»؛ فأنت تتغر غربى! فاجتهد في أن أجلس فلم أفعل.
قال أحمد بن الطيب: كنا مرّة عند بعض إخواننا، فتكلّم وأعجبه من نفسه البيان، ومنّا حسن الاستماع، حتى أفرط، فعرض لبعض من حضر ملل، فقال: إذا بارك الله في الشىء لم يفن، وقد جعل الله تعالى في حديث أخينا البركة!.
ولعبد الله بن سالم الخياط في رجل كثير الكلام:
لى صاحب في حديثه البركه يزيد عند السكون والحركه
لو قال لا في قليل أحرفها لردّها بالحروف مشتبكه
ومن طرائف التطويل ما أنشأه البديع، وسيمرّ من كلامه ما هو آنق من زهر الربيع.