كتاب كتب لى أمانا من الدّهر، وهنّانى في أيام العمر. كتاب أوجب من الاعتداد فوق الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد. كتاب النظر فيه
[ ١ / ١٨٨ ]
نعيم مقيم، والظفر به فتح عظيم. كتاب ارتحت لعيانه، واهتززت لعنوانه.
كتاب هو من الكتب الميامين «١»، التى تأتى من قبل اليمين. كتاب عددته من حجول العمر وغرره «٢»، واعتددته من فرص العيش وغرره «٣» .
كتاب هو أنفس طالع، وأكرم متطلّع، وأحسن واقع، وأجلّ متوقع. كتاب لو قرىء على الحجارة لانفجرت، أو على الكواكب لانتثرت. كتاب كدت أبليه طيّا ونشرا، وقبّلته ألفا، ويد حامله عشرا. كتاب نسيت لحسنه الرّوض والزّهر، وغفرت للزمان ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. كتاب أملته هزّة المجد على بنانك، ونطق به لسان الفضل عن لسانك. أنا ألتقط من كلّ حرف تديره أنا ملك تحفة، وآخذ من كل سطر تتجشّم تخطيطه نزهة. إذا قرأت من خطك حرفا، وجدت على قلبى خفّا «٤»، وإذا تأمّلت من كلامك لفظا، ازددت من أنسى حظّا.
كتاب كتب لى أمانا من الزمان، وتوقيع وقع مىّ موقع الماء من العطشان. كتاب هو تعلّة المسافر «٥»، وأنسة المستوحش، وزبدة الوصال، وعقلة المستوفز «٦» . كتاب هو رقية القلب السليم «٧»، وغرّة العيش البهيم «٨» .
كتاب هو سمر بلا سهر، وصفو بلا كدر. كتاب تمتّعت منه بالنعيم الأبيض، والعيش الأخضر، واستلمته استلام الحجر الأسود «٩»، ووكلت طرفى من سطوره بوشى مهلّل، وتاج مكلّل، وأودعت سمعى من محاسنه
[ ١ / ١٨٩ ]
ما أنسانى سماع الأغانى من مطربات الغوانى «١» . نشأت سحابة من لفظك، غيمها نعمة سابغة، وغيثها حكمة بالغة، سقت روضة القلب، وقد جهدتها يد الجدب «٢»؛ فاهتزّت وربت، واكتست ما اكتسبت.
كتاب حسبته ساقطا إلىّ من السماء، اهتزازا لمطلعه، وابتهاجا بحسن موقعه، تناولته كما يتناول الكتاب المرقوم، وفضضته كما يفضّ الرّحيق المختوم «٣» . كتاب كالمشترى شرف به المسير، وقميص يوسف جاء به البشير. كتاب هو من الحسن، روضة حزن، بل جنّة عدن، وفي شرح النفس وبسط الأنس برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب. قد أهديت إلىّ محاسن الدنيا مجموعة في ورقه، ومباهج الحلى والحلل محصورة في طبقه. كتاب ألصقته بالقلب والكبد، وشممته شمّ الولد.
ورد منك المسك ذكيا، والزهر جنيّا، والماء مريّا «٤»، والعيش هنيّا، والسحر بابليّا «٥» كتاب مطلعه أهلّة الأعياد، وموقعه موقع نيل المراد.
كتاب وجدته قصير العمر، كليالى الوصال بعد الهجر، لم أبدأ به حتى استكمل، وقارب الآخر منه الأوّل. كتاب منتقض الأطراف، منقطع الأكتاف، أبتر الجوارح، مضطرب الجوانح، كتاب كأنه توقيع متحرّز، أو تعريض متبرز «٦»، كاد يلتقى طرفاه، ويتقارب مفتتحه ومنتهاه. كتاب التقت طرفاه صغرا، واجتمعت حاشيتاه قصرا. ما أظننى
[ ١ / ١٩٠ ]
ابتدأته حتى ختمته، ولا استفتحته حتى أتممته، ولا لمحته حتى استوفيته، ولا نشرته حتى طويته، وأحسبنى لو لم أجوّد ضبطه، ولم ألزم يدىّ حفظه، لطار حتى يختلط بالجو، فلا أرى منه إلا هباء منثورا، وهواء منشورا.
كتاب حسبته يطير من يدى لخفته، ويلطف عن حسّى لقلته، وعجبت كيف لم تحمله الرياح قبل وصوله إلىّ، وكيف لم يختلط بالهواء عند وصوله لدىّ.
كتاب قصّ الاقتصار أجنحته، فلم يدع له قوادم ولا خوافى، وأخذ الاختصار جثته، فلم يبق ألفاظا ولا معانى. طلع كتابك كإيماء بطرف، أو وحى بكفّ.
وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز: استعرت من على بن يحيى المنجم جزءا فيه أخبار معبد بخط حماد بن إسحاق الموصلى، وكان وعدنى به، فبعث إلى بستّ ورقات لطاف، فرددتها وكتبت إليه: «إن كنت أردت بقولك جزءا الجزء الذى لا يتجزّأ فقد أصبت، وإن كنت أردت جزءا فيه فائدة للقارىء، ومتعة للسامع، فقد أحلت «١»؛ وقد رددته عليك بعد أن طار اللّحظ عليه طيرة» .
فأجابنى: إذا كان السّفر عندك منجاة فما أصنع «٢»؟