وقال ابن المعتز: وعد الدنيا إلى خلف، وبقاؤها إلى تلف، وبعد عطائها المنع، وبعد أمانها الفجع، طوّاحة طرّاحة، آسية جرّاحة، كم راقد في ظلّها قد أيقظته، وواثق بها قد خانته، حتى يلفظ نفسه، ويودّع دنياه، ويسكن رمسه، وينقطع عن أمله، ويشرف على عمله، وقد رجح الموت بحياته «٣»، ونقض قوى حركاته، وطمس البلى جمال بهجته، وقطع نظام صورته، وصار كخطّ من رماد تحت صفائح أنضاد «٤»؛ وقد أسامه الأحباب، وافترش التّراب، فى بيت نجرته المعاول «٥»، وفرشت فيه الجنادل، ما زال مضطربا في أمله، حتى استقرّ فى أجله، ومحت الأيام ذكره، واعتادت الألحاظ فقده.
وكتب وهو معتقل إلى أستاذه أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب «٦» يتشوّقه:
ما وجد صاد بالحبال موثق بماء مزن بارد مصفّق «٧» .
[ ١ / ٢١٧ ]
بالرّيح لم يكدر ولم يرنّق جادت به أخلاف دجن مطبق «١»
بصخرة إن تر شمسا تبرق ماد عليها كالزّجاج الأزرق «٢»
صريح غيث خالص لم يمذق إلّا كوجدى بك، لكن أتقى «٣»
يا فاتحا لكل باب مغلق وصيرفيا ناقدا للمنطق «٤»
إن قال هذا بهرج لم ينفق إنّا على البعاد والتفرّق
لنلتقى بالذكر إن لم نلتق
فأجابه: أخذت أطال الله بقاءك أول هذه الأبيات مما أمليته عليك من قول جميل «٥»:
وما صاديات حمن يوما وليلة على الماء يخشين العصىّ حوانى
كواعب لم يصدرن عنه لوجهة ولا هنّ من برد الحياض دوانى
يرين حباب الماء والموت دونه فهنّ لأصوات السّقاة روانى
بأكثر منى غلّة وصبابة إليك، ولكنّ العدوّ عرانى
وأخذت آخرها من قول رؤبة بن العجاج «٦»:
[ ١ / ٢١٨ ]
إنّى وإن لم ترنى فإنّنى أخوك والرّاعى إذا استرعيتنى
أراك بالودّ وإن لم ترنى
قال: فاستخفّنى في ذلك ونسب إلىّ سوء الأدب.
وكان أبو العباس عبد الله بن المعتز في المنصب العالى من الشعر والنثر، وفي النهاية في إشراق ديباجة البيان، والغاية من رقّة حاشية اللسان. وكان كما قال ابن المرزبان: إذا انصرف من بديع الشعر إلى رقيق النّثر أتى بحلال السحر، وليس بعد ذى الرّمة «١» أكثر افتنانا وأكبر تصرّفا وإحسانا في التشبيه منه.
وإنما فرقت جملة ما اخترت من شعره ونثره في جملة هذا الكتاب؛ لئلّا أخرج عما تقدّم به الشرط في البسط، وآتى ههنا ببعض ما أختاره له، قال:
وفتيان سروا والليل داج وضوء الصبح متّهم الطّلوع
كأن بزاتهم أمراء جيش على أكتافهم صدأ الدروع
وقال أيضا:
فى ليلة أكل المحاق هلالها حتى تبدّى مثل وقف العاج «٢»
والصبح يتلو المشترى فكأنّه عريان يمشى في الدّجا بسراج «٣»
وقال أيضا يصف فرسا:
ولقد غدوت على طمرّ سابح عقدت سنابكه عجاجة قسطل «٤»
[ ١ / ٢١٩ ]
متلثّم لجم الحديد يلوكها لوك الفتاة مساوكا من إسحل «١»
ومحجّل غير اليمين كأنّه متبختر يمشى بكمّ مسبل
وقال:
قد أغتدى بقارح مسوّم يعبوب «٢»
ينفى الحصى بحافر كالقدح المكبوب
قد ضحكت غرّته فى موضع التّقطيب «٣»
وقال أيضا:
ولقد وطئت الغيث يحملنى طرف كلون الصبح حين وفد
حمّاع أطراف الصّوار فما الأخ رى عليه إذا جرى بأشد «٤»
يمشى فيعرض في العنان كما صدف المعشّق ذو الدّلال وصد
فكأنه موج يذوب إذا أطلقته فإذا حبست جمد
وقال أيضا يصف سيفا:
ولى صارم فيه المنايا كوامن فما ينتضى إلّا لسفك دماء
ترى فوق متنيه الفرند كأنه بقية غيم رقّ دون سماء
وقال يصف نارا:
مشهّرة لا يحجب النخل ضوءها كأنّ سيوفا بين عيدانها تجلى
يفرّج أغصان الوقود اضطرامها كما شقّت الشقراء عن متنهاجلّا «٥»
[ ١ / ٢٢٠ ]
وقال بعض أهل العصر، وهو السّرى الموصلىّ «١»:
يوم رذاذ ممسّك الحجب يضحك فيه السرور من كثب «٢»
ومجلس أسبلت ستائره على شموس البهاء والحسب
وقد جرت خيل راحنا خببا فى حليها أو هممن بالخبب «٣»
والتهبت نارنا فمنظرها يغنيك عن كل منظر عجب
إذا ارتمت بالشرار فاطّردت على ذراها مطارد اللهب
رأيت ياقوتة مشبكة تطير عنها قراضة الذهب
فانهض إلى المجلس الذى ابتسمت فيه رياض الجمال والأدب
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الفرج الببغا «٤»:
فحما قدّم الغلام فأهدى فى كوانينه حياة النّفوس
كان كالآبنوس غير محلّى فغدا وهو مذهب الآبنوس
لقى النار في ثياب حداد فكسته مصبّغات عروس
وقال أبو الفضل الميكالى:
كأن الشّرار على نارنا وقد راق منظرها كلّ عين سحالة تبر إذا ما علا
فإمّا هوى ففتات اللّجين «٥»
وقال ابن المعتز يصف سحابة:
[ ١ / ٢٢١ ]
وموقرة بثقل الماء جاءت تهادى فوق أعناق الرّياح «١»
فباتت ليلها سحّا ووبلا وهطلا مثل أفواه الجراح
كأن سماءها لما تجلّت خلال نجومها عند الصباح
رياض بنفسج خضل ثراه تفتّح بينه نور الأقاح «٢»
وقال:
ولجّة للمنايا خضت غمرتها بصارم ذكر صمصامة خذم «٣»
وقارح صبغ الخيلان دهمته بشهبة كاختلاط الصّبح بالظّلم «٤»
وقال:
وليل ككحل العين خضت ظلامه بأزرق لمّاع وأبيض صارم
ومضبورة الأعضاد حرف كأنها تصافح رضراض الحصى بمناسم «٥»
وقال يصف حيّة:
نعتّ رقطاء لا تحيا لديغتها لو قدّها السّيف لم يعلق به بلل «٦»
تلقى إذا انسلخت في الأرض جلدتها كأنها كمّ درع قدّه بطل
وقال أيضا:
وأسأر منى الدّهر عضبا مهنّدا يفلّ شبا حظّى، وقلبا مشيّعا «٧»
ورأيا كمرآة الصّناع أرى به سرائر غيب الدهر من حيث ما سعى
[ ١ / ٢٢٢ ]
أخذه من قول المنصور لابنه المهدى: لا تبرمنّ أمرا حتى تفكّر فيه؛ فإن فكرة العاقل مرآته، تريه قبحه وحسنه.
ولما دفن المنصور وقف الربيع على قبره فقال: رحمك الله يا أمير المؤمنين، وغفر لك! فقد كان لك حمي من العقل لا يطير به الجهل، وكنت ترى باطن الأمر بمرآة من الرأى، كما ترى ظاهره. ثم التفت إلى يحيى بن محمد أخى المنصور فقال: هذا كما قال أبو دهبل الجمحى «١»:
عقم النساء فما يلدن شبيهه إنّ النساء بمثله عقم «٢»
وبعده «٣»:
متهلل بنعم، بلا متباعد سيّان منه الوفر والعدم «٤»
نزر الكلام من الحياء تخاله ضمنا، وليس بجسمه سقم «٥»
أخذ البيت الأخير من قول ليلى الأخيلية «٦»:
لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف إن ظالما يوما وإن مظلوما
[ ١ / ٢٢٣ ]
قوم رباط الخيل حول بيوتهم وأسنة زرق يخلن نجوما
وممزّق عنه القميص تخاله وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته يوم الهياج على الخميس زعيما «١»
وقال:
يشبّهون ملوكا في تجلتهم وطول أنصبة الأعناق واللّمم «٢»
إذا بدا المسك يجرى في مفارقهم راحوا كأنهم مرضى من الكرم
وقال أبو على الحاتمى: وما أحسن أبياتا أنشدها أبو عمر المطرز غلام ثعلب يعترض في أثنائها هذا المعنى:
تخالهم للحلم صمّا عن الخنا وخرسا عن الفحشاء عند التّهاتر «٣»
ومرضى إذا لاقوا حياء وعفّة وعند الحروب كالليوث الخوادر «٤»
لهم عزّ إنصاف وذلّ تواضع بهم ولهم ذلّت رقاب العشائر
كأنّ بهم وصما يخافون عاره وليس بهم إلّا اتقاء المعاير «٥»
وأنشد:
أحلام عاد لا يخاف جليسهم - وإن نطق العوراء- عيب لسان
إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم وإن حدّثوا أدّوا بحسن بيان
[ ١ / ٢٢٤ ]
وقال ابن المعتز:
وعاقد زنّار على غصن الآس دقيق المعانى مخطف الخصر ميّاس «١»
سقانى عقارا صبّ فيها مزاجها فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس
وقال:
يا ليلة نسى الزمان بها أحداثه، كونى بلا فجر
فاح المساء ببدرها، ووشت فيها الصّبا بمواقع القطر
ثم انقضت والقلب يتبعها فى حيث ما سقطت من الدّهر «٢»
وقال:
يا ربّ إخوان صحبتهم لا يملكون لسلوة قلبا
لو تستطيع قلوبهم نفرت أجسامهم فتعانقت حبّا «٣»
هذا كقول ابن الرومى:
أعانقه والنفس بعد مشوقة إليه، وهل بعد العناق تدانى؟
وألثم فاه كى تزول حرارتى فيشتدّ ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذى بى من الهوى ليرويه ما ترشف الشّفتان
كأنّ فؤادى ليس يشفى غليله سوى أن يرى الروحان يمتزجان
ومن منثوره: لا يزال الإخوان يسافرون في المودّة، حتى يبلغوا الشّقة، فإذا بلغوها ألقوا عصا التّسيار، واطمأنّت بهم الدار، وأقبلت وفود النصائح، وأمنت خبايا الضمائر، فحلّوا عقد التحفّظ، ونزعوا ملابس التّخلّق.
وله: سار فلان في جيوش عليهم أردية السيوف، وأقمصة الحديد،
[ ١ / ٢٢٥ ]
وكأنّ رماحهم قرون الوعول «١»، وكأنّ دروعهم زبد السيول، على خيل تاكل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنّقع سرادقها «٢»، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرّق «٣»، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللّجين «٤»، وقرّطت عذرا كأنها الشّنف «٥»، تتلقّف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صبّ عليهم وقار الصبر، وهبّت معهم ريح النّصر.
وله في عليل: آذن الله في شفائك، وتلقّى داءك بدوائك، ومسح بيد العافية عليك، ووجّه وفد السلامة إليك، وجعل علّتك ماجية لذنوبك، مضاعفة لثوابك.
وكتب إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب «٦» فى يوم عيد: أخّرتنى العلّة عن الوزير أعزّه الله، فحضرت بالدعاء في كتابى لينوب عنى، ويعمر ما أخلته العوائق منى، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة فيما يحبّ ويحبّ له، ويقبل ما توسل به إلى مرضاته، ويضاعف الإحسان إليه، على الإحسان منه، ويمتّعه بصحبة النعمة ولباس العافية، ولا يريه في مسرّة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلنى من كل سوء فداء، ويصرف عيون الغير عنه، وعن حظّي منه.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وله إلى بعض الرؤساء: لا تشن حسن الظّفر بقبح الانتقام، وتجاوز عن كل مذنب لم يسلك من الإعذار طريقا «١» حتى اتّخذ من رجاء عفوك رفيقا.
وله اعتذار إلى القاسم بن عبيد الله: ترفّع عن ظلمى إن كنت بريئا، وتفضّل بالعفو إن كنت مسيئا، فو الله إنى لأطلب عفو ذنب لم أجنه، وألتمس الإقالة مما لا أعرفه؛ لتزداد تطوّلا، وأزداد تذلّلا؛ وأنا أعيذ حالى عندك بكرمك من واش يكيدها، وأحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله تعالى أن يجعل حظّى منك، بقدر ودّى لك؛ ومحلّى من رجائك، بحيث أستحقّ منك.
وله إليه: لو كان في الصّمت موضع يسع حالى لخففت عن سمع الوزير ونظره، ولم أشغل وجها من فكره، وما زالت الشكوى، تعرب عن لسان البلوى، ومن اختلّت حالته، كان في الصّمت هلكته، وقد كان الصبر ينصرنى على ستر أمرى حتى خذلنى.
وهذا كقول أحمد بن إسماعيل: فصاحة الشكوى، على قدر البلوى، إلا أن يكون بالشاكى انقباض، وبالمشكوّ إليه إعراض.