وكتب أبو الفضل بن العميد «١» إلى بعض إخوانه جوابا عن كتاب ورد إليه [فأحمده]:
وصل ما وصلتنى به، جعلنى الله فداك، من كتابك، بل نعمتك التامة، ومنّتك العامة؛ فقرّت عينى بوروده، وشفيت نفسى بوفوده، ونشرته فحكى نسيم الرياض غبّ المطر، وتنفّس الأنوار «٢» فى السّحر، وتأمّلت مفتتحه، وما اشتمل عليه من لطائف كلمك، وبدائع حكمك؛ فوجدته قد تحمّل من فنون البرّ عنك، وضروب الفضل منك، جدّا وهزلا، ملأ عينى، وعمر قلبى، وغلب فكرى، وبهر لبّى؛ فبقيت لا أدرى: أسموط ذرّ خصصتنى بها، أم عقود جوهر منحتنيها؟ كما لا أدرى أبكرا زففتها فيه، أم روضة جهزتها منه؛ ولا أدرى أخدودا ضرّجت حياء ضمّنته؛ أم نجوما طلعت عشاء أودعته؛ ولا أدرى أجدّك أبلغ وألطف، أم هزلك أرفع وأظرف؛ وأنا أوكّل بتتبّع ما انطوى عليه نفسا لا ترى الحظّ إلا ما اقتنته منه، ولا تعدّ الفضل إلا فيما أخذته عنه، وأمتّع بتأمّله عينا لا تقرّ إلّا بمثله، مما يصدر عن يدك، ويرد من عندك، وأعطيه نظرا لا يمله، وطرفا لا يطرف دونه، وأجعله مثالا أرتسمه وأحتذيه،
[ ١ / ٤١ ]
وأمتّع خلقى برونقه، وأغذّى نفسى ببهجته، وأمزج قريحتى برقّته، وأشرح صدرى بقراءته، ولئن كنت عن تحصيل ما قلته عاجزا، وفي تعديد ما ذكرته متخلفا؛ لقد عرفت أنه ما سمعت به من السّحر الحلال.