فقر من كلامه ﵁: [البشاشة فخ المودة. والصبر قبر المغبون.
والغالب بالظلم مغلوب. والحجر المغصوب بالدار رهن بخرابها. وما ظفر من ظفرت به الأيام. فسالم تسلم] . رأى الشيخ خير من مشهد الغلام «٢» . الناس أعداء ما جهلوا. بقية عمر المؤمن لا ثمن لها، يدرك بها ما أفات [ويحيى ما أمات] .
نقل هذا الكلام بعض أهل العصر، وهو أبو الفتح علىّ بن محمد البستى «٣» .
[ ١ / ٨٠ ]
بقية العمر عندى ما لها ثمن وإن غدا وهو محبوب من الثمن
يستدرك المرء فيها ما أفات ويحيى ما أمات ويمحو السوء بالحسن الدنيا بالأموال، والآخرة بالأعمال. لا تخافنّ إلا ذنبك، ولا ترجونّ إلا ربك. وجّهوا آمالكم إلى من تحبه قلوبكم. الناس من خوف الذل في الذل.
من أيقن بالخلف جاد بالعطية. بقيّة السيف أنمى عددا، وأنجب ولدا- وقد تبينت صحّة ما قال في بنيه وبنى المهلب- إنّ من السكوت ما هو أبلغ من الجواب. الصبر مطيّة لا تكبو، وسيف لا ينبو «١» . خير المال ما أغناك، وخير منه ما كفاك، وخير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك شره.
وقال بعض أهل العصر ما يشاكل هذا وهو أبو الحسن محمد بن لنكك البصرىّ:
عدّيا في زماننا عن حديث المكارم
من كفى الناس شرّه فهو في جود حاتم
أبو الطيب:
إنّا لفى زمن ترك القبيح به من أكثر الناس إحسان وإجمال
إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه. قيمة كلّ امرىء ما يحسن.
ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هذه الكلمة في كتاب البيان فقال:
فلو لم نقف من هذا الكتاب إلّا على هذه الكلمة لوجدناها شافية، كافية، ومجزية مغنية؛ بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، غير مقصّرة عن الغاية؛ وأفضل الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه ظاهرا في لفظه، وكأنّ الله قد ألبسه من ثياب الجلالة، وغشّاه من نور الحكمة، على حسب نيّة صاحبه، وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفا، واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع،
[ ١ / ٨١ ]
بعيدا من الاستكراه، منزّها عن الاختلال، مصونا عن التكلف؛ صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصّلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله ﷿ من التوفيق، ومنحها من التّأييد، ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة «١» .