وقال معاوية ﵁ لضرار الصّدائى: يا ضرار، صف لى عليّا، فقال:
أعفنى يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، فقال: أما إذ أذنت فلا بدّ من صفته:
كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا «٦»، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدّمعة، طويل الفكرة، يقلب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللّباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن- مع تقريبه إيّانا، وقربه منا- لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القوىّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته يتململ تململ السليم «٧»، ويبكى بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا إليك
[ ١ / ٧٨ ]
عنّى! غرّى غيرى، ألى نعرّضت، أم إلىّ تشوّفت؟ هيهات! قد باينتك ثلاثا، لا رجعة لى عليك؛ فعمرك قصير، وخطرك حقير، وخطبك يسير؛ آه من قله الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! فبكى معاوية حتى أخضلت دموعه لحيته؛ وقال: رحم الله أبا الحسن! فلقد كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها! وقال علىّ رضوان الله عليه: رحم الله عبدا سمع فوعى، ودعى إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا «١»، وراقب ربّه، وخاف ذنبه، وقدّم خالصا، وعمل صالحا، واكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، ورمى غرضا، وكابر هواه، وكذّب مناه، وحذر أجلا، ودأب عملا، وجعل الصبر رغبة حياته، والتّقى عدّة وفاته، يظهر دون ما يكتم، ويكتفى بأقلّ مما يعلم، لزم الطريقة الغرّاء، والمحجّة البيضاء، واغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزوّد من العمل.