وقال الوليد بن عبيد البحترى: كنت في حداثتى أروم الشّعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضابه، حتى قصدت أبا تمام، وانقطعت فيه إليه، واتّكلت في تعريفه عليه؛ فكان أول ما قال لى: يا أبا عبادة؛ تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة جرت في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شىء أو حفظه في وقت السّحر؛ وذلك أن النّفس قد أخذت حظّها من الراحة، وقسطها من النوم، وإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رشيقا، والمعنى رقيقا، وأكثر فيه من بيان الصّبابة، وتوجّع الكابة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، فإذا أخذت في مديح سيّد ذى أياد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، ونضدّ المعانى «٢»، واحذر المجهول منها، وإيّاك أن تشين شعرك بالألفاظ الرديئة، ولتكن كأنك خيّاط يقطع الثياب على مقادير الأجساد. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل شعرك إلّا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذّريعة «٣» إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة
[ ١ / ١٥٢ ]
نعم المعين. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله.
قال: فأعلمت نفسى فيما قال فوقفت على السياسة «١» .
وقالوا: البليغ من يحوك الكلام على حسب الأمانى، ويخيط الألفاظ على قدود المعانى.
ولذكر الطائى الليل ذكر بعض أهل العصر- وهو أبو على محمد بن الحسن ابن المظفّر الحاتمى «٢» - الليل فقال: فيه تجمّ الأذهان «٣»، وتنقطع الأشغال، ويصح النظر، وتؤلّف الحكمة، وتدرّ الخواطر، ويتّسع مجال القلب، والليل أضوأ فى مذاهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على صدقة السر، وأصح لتلاوة الذكر، ومدبّر والأمور يختارون الليل على النهار، فيما لم تصف فيه الأناة لرياضة التدبير وسياسة التقدير، فى دفع الملّم، وإمضاء المهمّ، وإنشاء الكتب، وتصحيح المعانى، وتقويم المبانى، وإظهار الحجج، وإيضاح المنهج، وإصابة نظم الكلام، وتقريبه من الأفهام.
وقال بعض رؤساء الكتّاب: ليس الكتاب في كل وقت على غير
[ ١ / ١٥٣ ]
نسخة لم تحرّر بصواب؛ لأنه ليس أحد أولى بالأناة وبالرويّة من كاتب يعرض عقله، وينشر بلاغته؛ فينبغى له أن يعمل النسخ ويرويها، ويقبل عفو القريحة ولا يستكرهها، ويعمل على أن جميع الناس أعداء له، عارفون بكتابه، منتقدون عليه، متفرغون إليه.
وقال آخر: إنّ لابتداء الكلام فتنة تروق، وجدة تعجب، فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمّل، وصفت النّفس، فليعد النظر، وليكن فرحه بإحسانه، مساويا لغمّه بإساءته؛ فقد قالت الخوارج لعبد الله بن وهب الراسبى: نبايعك الساعة فقد رأينا ذلك، فقال: دعوا الرأى حتى يبلغ أناته، فإنه لا خير في الرأى الفطير، والكلام القضيب «١» .
وقال معاوية بن أبى سفيان ﵀ لعبد الله بن جعفر: ما عندك في كذا وكذا؟ فقال: أريد أن أصقل عقلى بنومة القائلة «٢»، ثم أروح فأقول بعد ما عندى قال الشاعر:
إن الحديث تغرّ القوم جلوته حتى يغيّره بالوزن مضمار «٣»
فعند ذلك تستكفى بلاغته أو يستمرّ به عىّ وإكثار
وقالوا: كل مجر بالخلاء يسرّ «٤»، وقال أبو الطيب المتنبى:
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطّعن وحده والنّزالا
وكان قلم بن المقفع يقف كثيرا، فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم فى صدرى، فيقف قلمى ليتخيّر.
[ ١ / ١٥٤ ]
وقالوا: الكتاب يتصفّح أكثر مما يتصفّح الخطاب؛ لأنّ الكاتب متخيّر، والمخاطب مضطرّ، ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أأسرعت فيه أم أبطأت؛ وإنما ينظر أأخطأت أم أصبت؛ فإبطاؤك غير قادح في إصابتك، كما إن إسراعك غير مغطّ على غلطك.
ووصف بعض الكتّاب النسخ فقال: ينبغى أن يصحبها الفكر إلى استقرارها، ثم تستبرأ بإعادة النظر فيها بعد اختيارها «١»، ويوسّع بين سطورها، ثم تحرر على ثقة بصحتها، وتتأمل بعد التحرير حرفا حرفا إلى آخرها.
فقد كتب المأمون مصحفا اجتمع عليه؛ فكان أوله: بسم الله الرحيم، فأغفلوا الرحمن؛ لأنّ العين لا تعتبر ذلك؛ ثقة أنه لا يغلط فيه، حتى فطن المأمون له.
وقال محمد بن عبد الملك الزيات للحسن بن وهب: حرّر هذه النسخة وبكّر بها، فتصبّح الحسن «٢» فقال له: لم تصبّحت؟ قال: حتى تصفحت! وقال أحمد بن إسماعيل بطاحة: كان بعض العلماء الأغبياء ينظر في نسخه بعد نفوذ كتبه، فقال بعض الكتاب:
مستلب اللّب غوىّ الشباب عذّبه الهجر أشد العذاب
يؤمل الصبر وأنّى له به وقد مكّن منه التّصاب
كناظر في نسخة يبتغى إصلاحها بعد نفوذ الكتاب