نثر كنثر الورد، نظم كنظم العقد. نثر كالسّحر أو أدقّ، ونظم كالماء أو أرقّ. رسالة كالرّوضة الأنيقة، وقصيدة كالمخدّرة الرشيقة. رسالة تقطر ظرفا، وقصيدة تمزج بماء الرّاح لطفا. نثره سحر البيان، ونظمه قطع الجمان. نثر كما تفتّح الزهر، ونظم كما تنفّس السّحر. نثر ترقّ نواحيه وحواشيه، ونظم تروق ألفاظه ومعانيه. نثر كالحديقة تفتّحت أحداق وردها، ونظم كالخريدة تورّدت أسرار خدّها «١» . رسالة تضحك عن غرر وزهر، وقصيدة تنطوى على حبر ودرر. لم ترض في برّك، بأخوات النّثرة من نثرك، حتى وصلتها ببنات الشّعرى من شعرك «٢» . كلام كما هبّ نسيم السحر، على صفحات الزّهر، ولذّ طعم الكرى بعد برح السّهر»
. وشعر في نفسه شاعر، توسم به المواسم والمشاعر. كلام أنسى حلاوة الأولاد بحلاوته، وطلاوة الربيع بطلاوته، وشعر من حلّة الشباب مسروق، ومن طينة الوصال مخلوق. قصيدة، فى فنّها فريدة، هى عروس كسوتها القوافى، وحليتها المعانى. شعر يترقرق فيه ماء الطبع، ويرتفع له حجاب القلب والسمع. شعر لا مزية الإعجاز أخطأته، ولا فضيلة الإيجاز تخطّته. شعر رويته لما رأيته، وحفظته لما لحظته. أبيات لو جعلت خلعا على الزمان لتحلّى بها مكاثرا، وتجلّى فيها مفاخرا. شعر راقنى، حتى شاقنى، فإنه مع قرب لفظه بعيد المرام، ممرّ النظام «٤»، قوى الأسر «٥»، صافى البحر.
نظم قد ألبس من البداوة فصاحتها، وغشّى من الحضارة سجاحتها «٦»؛ فإن
[ ١ / ١٦٤ ]
شئت قلت عبيد ولبيد، وإن شئت حبيب والوليد «١» . قصيدته روضة تجتنى بالأفكار، ونقل يتناول بالأسماع والأبصار «٢»، ونقل العلم والأدب، ألذّ من نقل المأكل والمشرب، وفاكهة الكلام، أطيب من فاكهة الطعام. نظم كنظم الجمان، وروض كالجنان، وأمن الفؤاد، وطيب الرّقاد. قصيدة لم أر غيرها بكرا، استوفت أقسام الحنكة، واستكملت أحكام الدربة «٣»؛ فعليها رونق الشباب، ولها قوّة المذكيات الصّلاب «٤»، روح الشعر، وتاج الدهر، ومقدمة عساكر السحر. كل بيت شعر خير من بيت تبر. شعر يحكم له بالإعجاز والتّبريز، ويشبّه في صفاء سبكه بالذّهب الإبريز. شعر تاتلف القلوب على درره ائتلافا، وتصير الآذان له أصدافا. لله درّه ما أحلى شعره! وأنقى درّه، وأعلى قدره، وأعجب أمره! قد أخذ برقاب القوافى، وملك رقّ المعانى، فضله برهان حق، وشعره لسان صدق. فلان يغرب بما يجلب، ويبدع فيما يصنع، حسن السبك، محكم الرّصف، بديع الوصف، مرغوب في شعره، متنافس في سحره. هو ضارب في قداح الشعر بأعلى السهام، آخذ في عيون الفضل بأوفى الأقسام، شعاره أشعاره، ودابه آدابه، هو ممن يبتده فيبتدع، طبعه يملى عليه، ما لا يملّ الاستماع إليه. قريحة غير قريحة، وطبع غير طبع «٥»، وخيم غير وخيم، لبيد عنده بليد، وعبيد لديه من العبيد، والفرزدق عنده أقل من فرزدقة خمير «٦»، وجرير يقاد إليه بجرير «٧» قد نسج حلالا لا يبلى جدّتها الجديدان، ولا تزداد إلا حسنا على
[ ١ / ١٦٥ ]
تردّد الأزمان. نظمه قد نظم حاشيتى البرّ والبحر، وأدرك ناحيتى الشرق والغرب. أشعار قد وردت المياه، وركبت الأفواه، وسارت في البلاد، ولم تسر بزاد، وطارت في الآفاق، ولم تمش على ساق. شعره أسير من الأمثال، وأسرى من الخيال، سار مسير الرياح، وطار بغير جناح. أشعاره سارت مسير الشمس، وهبّت هبوب الريح، وطبّقت تخوم الأرض، وانتظمت الشرق إلى الغرب.
قد كادت الأيام تنشدها، والليالى تحفظها، والجنّ تدرسها، والطير تتغنّى بها.
أبيات أسفر عنها طبع المجد، فعلمت كيف يتكسّر الزّهر على صفحات الحدائق، وكيف يغرس الدرّ في رياض المهارق «١» . شعر قد أحسن خدمته بكمال فكره، ووقف كيف شاء عند عالى أمره. شعر يعلّق في كعبة المجد، ويتوّج به مفرق الدهر. جاءت القصيدة ومعها عزّة الملك، وعليها رواء الصدق، وفيها سيماء العلم، وعندها لسان المجد، ولها صيال الحقّ، لا غرو إذا فاض بحر العلم على لسان الشّعر أن ينتج ما لا عين وقعت على مثله ولا أذن سمعت بشبهه. شعر يكتب في غرّة الدهر، ويشرح في جبهة الشمس [والبدر] .