[قال على بن عيسى الرمانى]: أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه.
أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويوئس مضيّعه.
البليغ من يجتنى من الألفاظ أنوارها «١»، ومن المعانى ثمارها.
ليست البلاغة أن يطال عنان القلم أو سنانه، أو يبسط رهان القول وميدانه، بل هي أن يبلغ أمد المراد بألفاظ أعيان، ومعان أفراد، من حيث لا تزيّد على الحاجة، ولا إخلال يفضى إلى الفاقة.
البلاغة ميدان لا يقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان.
فلان يعبث بالكلام، ويقوده بألين زمام، حتى كأنّ الألفاظ تتحاسد فى التسابق إلى خواطره، والمعانى تتغاير في الانثيال على أنامله.
هذا كقول أبى تمام الطائى:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل
[ ١ / ١٦٠ ]
فلان مشرفى المشرق، وصيرفىّ المنطق. البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفو خطراته. كأنما أوحى بالتوفيق إلى صدره، وحسن الصواب بين طبعه وفكره.
فلان يحزّ مفاصل الكلام، ويسبق فيها إلى درك المرام، كأنما جمع الكلام حوله حتى انتقى منه وانتخب، وتناول منه ما طلب، وترك بعد ذلك أذنابا لا رءوسا، وأجسادا لا نفوسا.
فلان يرضى بعفو الطّبع، ويقنع بما خفّ على السمع، ويوجز فلا يخلّ، ويطنب فلا يملّ، لله فلان أخذ بأزمّة القول يقودها كيف أراد، ويجذبها أنّى شاء، فلا تعصيه بين الصّعب والذّلول، ولا تسلمه عند الحزونة والسّهول، كلامه يشتدّ مرّة حتى تقول الصّخر الأملس، ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، يقول فيصول، ويجيب فيصيب، ويكتب فيطبّق المفصل، أو ينسّق الدرّ المفصّل، ويرد مشارع الكلام وهي صافية لم تطرق، وجامّة لم ترنّق «١»، خاطره البرق أو أسرع لمعا، والسّيف أو أحدّ قطعا، والماء أو أسلس جريا، والفلك أو أقوم هديا؛ هو ممن يسهل الكلام على لفظه، وتتزاحم المعانى على طبعه، فيتناول المرمى البعيد بقريب سعيه، ويستنبط المشرع العميق بيسير جريه، لسانه يفلق الصّخور، ويغيض البحور، ويسمع الصّم، ويستنزل العصم «٢»، خطيب لا تناله حبسة، ولا ترتهنه لكنة، ولا تتمشّى في خطابه رنة، ولا تتحيّف بيانه عجمة، ولا تعترض لسانه عقدة.
فلان رقيق الأسلة، عذب العذبة «٣» لو وضع لسانه على الشعر حلقه، أو
[ ١ / ١٦١ ]
على الصّخر فلقه، أو على [الجمر أحرقه، أو على] الصّفا خرقه «١»؛ قد أحسن السّفارة، واستوفى العبارة، وأدّى الألفاظ، واستغرق الأغراض، وأصاب شواكل المراد «٢»، وطبّق مفاصل السّداد، وبسط لسان الخطاب، ومدّ أطناب الإطناب «٣»، وطلب الأمد في الإسهاب، قال حتى قال الكلام: لو أعفيت! وكتب حتى قالت الأقلام: قد أحفيت، قد اتّسع له مشرع الإطناب، وانفرج له مسلك الإسهاب، أرسل لسانه في ميدانه، وأرخى له من عنانه، قال وأطال، وجال في بسط الكلام كلّ مجال، إذا اسحنفر فى الكلام طفح آذيّه، وسال أتيّه «٤»، وانثال عليه الكلام كانثيال الغمام، واستجاب له الخطاب كصوب الرّباب «٥» . ألفاظ كغمزات الألحاظ، ومعان كأنها فكّ عان «٦» ! ألفاظ كما نوّرت الأشجار، ومعان كما تنفّست الأسحار، ألفاظ قد استعارت حلاوة العتاب بين الاحباب، واستلانت كتشكّى العشّاق يوم الفراق. كلام قريب شاسع «٧» ومطمع مانع، كالشمس تقرب ضياء، وتبعد علاء؛ أو كالماء يرخص موجودا، ويغلو مفقودا. كلام لا تمجّه الآذان، ولا تبليه الأزمان، كالبشرى مسموعة، أو أزاهير الرياض مجموعة، ومعان كأنفاس الرياح، تعبق بالرّيحان والراح.
كلام سهل متسلسل، كالمدام بماء الغمام، يقرب إذنه على الأفهام.
كلام كبرد الشّراب على الأكباد الحرار، وبرد الشباب في خلع العذار.
كلام كثير العيون، سلس المتون، رقيق الحواشى، سهل النواحى.
[ ١ / ١٦٢ ]
كلام هو السّحر الحلال، والماء الزّلال، والبرود والحبر، والأمثال والعبر، والنعيم الحاضر، والشباب النّاضر.
نظرت منه إلى صورة الظّرف بحتا، وصورة البلاغة سبكا ونحتا، ألفاظ هى خدع الدهر، وعقد السحر.
كلام يسرّ المحزون، ويسهّل الحزون «١»، ويعطل الدرّ المخزون. كلام بعيد من الكلف، نقىّ من الكلف «٢» كلام كما تنفس السّحر عن نسيمه، وتبسم الدرّ عن نظيمه. ألفاظ تأنّق الخاطر في تذهيبها، ومعان عنى الفهم بتهذيبها. ألفاظ حسبتها من رقّتها منسوخة فى صحيفة الصّبا، وظننتها من سلاستها مكتوبة في نحر الهوى.
كلام كالبشرى بالولد الكريم، قرع به سمع الشيخ العقيم.
كلام قرب حتى أطمع، وبعد حتى امتنع، وقرب حتى صار قاب قوسين أو أدنى، ثم [سما و] علا حتى صار بالمنزل الأعلى. رقيق المزاج، حلو السماع، نقىّ السّبك، مقبول اللّفظ. قرأت لفظا جليّا، حوى معنى خفيّا، وكلاما قريبا، رمى غرضا بعيدا. لو أنّ كلاما أذيب به صخر، أو أطفىء به جمر، أو عوفى به مريض، أو جبر به مهيض «٣» لكان كلامه الذى يقود سامعيه إلى السجود، ويجرى في القلوب كجرى الماء في العود. ألفاظه أنوار، ومعانيه ثمار. كلامه أنس المقيم الحاضر، وزاد الراحل المسافر. كلامه يصغى إليه المقبور، وينتفض له العصفور. كلام يقضى حقّ البيان، ويملك رقّ الحسن والإحسان، كلام منه يجتنى الدّر، وبه يعقد السّحر، وعنده يعتب الدهر «٤» وله ينشرح الصدر.
[ ١ / ١٦٣ ]