كتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى محمد خلاد الرامهرمزى القاضى «وصل كتابك الذى وصلت جناحه بفنون صلاتك وتفقّدك، وضروب برّك وتعهّدك؛ فارتحت لكلّ ما أوليت، وابتهجت بجميع ما أهديت، وأضفت إحسانك في كلّ فصل إلى نظائره التي وكلت بها ذكرى، ووقفت عليها شكرى، وتأمّلت النظم فملكنى العجب به، وبهرنى التعجّب منه، وقد رمت أن أجرى على العادة في تشبيهه بمستحسن من زهر جنىّ، وحلل وحلىّ، وشذور الفرائد، فى نحور الخرائد.
[ ١ / ١٦٦ ]
والعذارى غدون في الحلل البي ض وقد رحن في الخطوط السّود
فلم أره لشىء عدلا، ولا أرضى ما عددته له مثلا؛ والله يزيدك من فضله ولا يخليك من إحسانه، ويلهمك من برّ إخوانك ما تتمّم به صنيعك لديهم، ويربّ معه إحسانك إليهم.
وكتب أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب إلى أبى سعيد الشبيبى:
«قد رأى شيخ الدولتين كيف الكلف بسادتى من أهل ميكال- أيّدهم الله! - بين ودّ أضمره على البعد، وإيثار أظهره على تراخى المزار، وتقريظ يمليه علىّ الملوان «١»، ومدح أنطق فيه بلسان الزّمان، حتى إن ذكرهم إذا جرى على لسانى اهتزّت له نفسى، وفضلهم إذا جرى على سمعى انفرج له صدرى، فتلك عصبة خير فضلها باهر، وشرفها على شرف النماء زاهر، وشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء [ناظر]، والله يتمّم أعدادها، ولا يعدمنى ودادها، وإذا كان إكبارى لهم هذا الإكبار فكلّ منتسب إلى جنبهم أثير لدىّ «٢»، كثير في يدىّ. وطرأ علىّ فلان منتسبا إلى جملتهم، وحبذا الجملة، ومعتزيا إلى خدمتهم، ونعمت الخدمة، ففررناه عن طبع سمح «٣»، ولفظ عذب، وصلة نثر بنظم؛ فإن شاء قال: أنا الوليد، وإن شاء قال: أنا عبد الحميد؛ ولم أعظم بمن خرّجته تلك النعمة ونتجته تلك السّدّة أن يأخذ من كلّ حسنة بعروة، ويقدح فى كل نار بجدوة؛ وآنسنا بالمقام مدة، أكّدتها شوافع عدّة، إلى أن تذكّر معاهد رأى فيها الدّهر طلقا، والزمان غلاما، والفضل رهنا، والإفضال لزاما؛ فحنّ حنين الرّكاب، وركب عزيم الإياب «٤» .
فصل [من كتاب] كتبه الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحد الميكالى إلى
[ ١ / ١٦٧ ]
أبى القاسم الداوودى جوابا عن كتاب له ورد عليه. وأبو الفضل رئيس نيسابور وأعمالها في وقتنا هذا «١»، وسيمرّ من كلامه ونثره ونظامه ما يغنى عن التنويه، ويكفى عن التنبيه، ويجلّ عن التشبيه، ويكون كما قال أبو الحسن الأخفش على بن سليمان: [استهدى إبراهيم بن المدبّر] أبا العباس محمد بن يزيد جليسا يجمع إلى تأديب ولده الإمتاع بإبناسه؛ فندبنى لذلك، وكتب إليه معى:
قد أنفذت إليك- أعزّك الله- فلانا، وجملة أمره أنه كما قال الشاعر:
إذا زرت الملوك فإن حسبى شفيعا عندهم أن يخبرونى
وفصل أبى الفضل: وقفت على ما أتحفنى به الشيخ: من نظمه الرائق البديع، وخطّه المزرى بزهر الربيع، موشّحا بغرر ألفاظه، التى لو أعيرت حليتها لعطّلت قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسّمت حلاوتها لأعذبت موارد البحور، فسرّحت طرفى منها في رياض جادتها سحائب العلوم والحكم، وهبّ عليها نسيم الفضل والكرم، وابتسمت عنها ثغور المعالى والهمم، ولم أدر- وقد حيّرتنى أصنافها، وبهرتنى ثغورها وأوصافها، حتى كستنى اهتزازا وإعجابا، وأنشأت بينى وبين التماسك سترا وحجابا، ولم أدر «٢» أدهتنى لها نشوة راح، أم ازدهتنى نغمة ارتياح، وانتظم عندى منها عقد ثناء وقريض «٣»، أم قرع سمعى منها غناء معبد وغريض، وكيفما كان فقد حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب والأسماع، فما من جارحة إلا وهي تودّ لو كانت أذنا فتلتقط درره وجواهره، أو عينا تجتلى مطالعه ومناظره، أو لسانا يدرس محاسنه ومفاخره.
وله فصل من كتاب إلى أبى منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبى: «وصل كتاب مولاى وسيدى، أبدع الكتب هوادى وأعجازا «٤»، وأبرعها بلاغة
[ ١ / ١٦٨ ]
وإعجازا، فحسبت ألفاظه درّ السحاب، أو أصفى قطرا وديمة، ومعانيه درّ السّخاب «١»، بل أوفى قدرا وقيمة. وتأملت الأبيات فوجدتها فاثقة النّظم والرّصف، عبقة النسيم والعرف، فائزة بقداح الحسن والظّرف، مالكة لزمام القلب والطّرف؛ ولا غرو أن يصدر مثلها عن ذلك الخاطر، وهو هدف الفقر والنوادر، وصدف الدرر والجواهر، والله يمتّعه بما منحه من هذه الغرر والأوضاح، كما أطلق فيه ألسنة الثناء والامتداح.
وأبو منصور هذا يعيش إلى وقتنا هذا [على طريق التخمين لا على حقيقة اليقين] وهو فريد دهره، وقريع عصره، ونسيج وحده، وله مصنفات في العلم والأدب، تشهد له بأعلى الرتب، وقد فرّقت ما اخترته منها في هذا الكتاب، مع ما تعلّق بشاكلته من الخطاب «٢»؛ منها كتاب سماه «سحر البلاغة» قال في صدر هذا الكتاب: «أخرجت بعضه من غرر نجوم الأرض، ونكت أعيان الفضل، من بلغاء العصر، فى النثر، وحللت بعضه من نظم أمراء الشعر، الذين أوردت ملح أشعارهم في كتابى المترجم بيتيمة الدهر، فلفقت جميع ذلك وحرّرته، وسقته ونسّقته، وأنفقت عليه ما رزقته، وعملته بكدّ الناظر، وجهد الخاطر، وتعب اليمين، وعرق الجبين، وتعمّدت فيه لذّة الجدة، ورونق الحداثة، وحلاوة الطّراوة، ولم أشبه بشىء من كلام غير أهل العصر، إلا في قلائل وقلائد من ألفاظ الجاحظ وابن المعتز، تخلّلت أثناءه، وتوشّحت تضاعيفه، ولم أخل كلماته- التى هي وسائط الآداب، وصياقل الألباب، وما تستمتعه أنفس
[ ١ / ١٦٩ ]
الأدباء، وتلذّ أعين الكتاب- من لفظ صحيح، أو معنى صريح، أو تجنيس أنيس، أو تشبيه بلا شبيه، أو تمثيل بلا مثيل ولا عديل، أو استعارة مختارة، أو طباق، ذى رونق باق؛ فمن رافق هذا الكتاب قرب تناوله من الكتّاب، إذا وشّوا ديباجة كلامهم بما يقتبسونه من نوره، وسماحة قياده لأفراد الشعراء إذا رصّعوا عقود نظامهم بما يلتقطونه من شذوره، فأمّا المخاطبات والمحاورات، فإنها تتبرّج بغرّة من غرره، وتتوّج بدرة من درره.
وقد ذكر جملة من أخرج معظم كتابه من نثرهم ونظمهم، وهم: الصابيان «١»، والخالديّان «٢»، وبديع الزمان، وأبو نصر بن المرزبان [وعلى بن عبد العزيز القاضى، وأبو محمد القاضى، وأبو القاسم الزعفرانى، وأبو فراس الحمدانى]، وابن أبى العلاء الأصبهانى، وأبو الطيب المتنبى، وأبو الفتح البستى، وأبو الفضل الميكالى، وشمس المعالى، والصاحب بن عباد، وجماعة يكثر بهم التعداد، قد ذكرهم في كتابه، فكل ما مرّ أو يمر من ذكر ألفاظ أهل العصر فمن كتابه نقلت، وعليه عوّلت.
وفي أبى منصور يقول أبو الفتح على بن محمد البستى:
قلبى رهين بنيسابور عند أخ ما مثله حين تستقرى البلاد أخ
له صحائف أخلاق مهذبة من الحجا والعلا والظّرف تنتسخ
وأما الذين ذكر أسماءهم في كتابه فسأظهر من سرائر شعرهم الرصين، وأجلو من جواهر نثرهم الثمين، ما أخذ من البلاغة باليمين.
[ ١ / ١٧٠ ]
فصل لأبى الفضل: وصل كتاب الشيخ المبشر من خبر سلامته التي هي غرّة الزمان البهيم «١»، وعذر الدهر المليم «٢»، بما أشرقت له آفاق الفضل والكرم، وتمّت به نفائس الآلاء والنعم، فسرّحت طرفى من محاسن ألفاظه، فى أنوار تروق أزاهرها، وقلائد تروع دررها وجواهرها، ومبارّ يسترقّ الرّقاب باطنها وظاهرها «٣» وله إلى أبى سعيد بن خلف الهمدانى:
وصل كتابك متحملا من أخبار سلامتك، وآثار نعم الله بساحتك، ما أدّى روح البرّ ونسيمه، وجمع فنون الفضل وتقاسيمه، ومجدّدا عندى من عمر مواصلته، ومعسول كلامه ومحاورته، ما ترك غصن المقة غضّا تروق أوراقه «٤»، ووجه الثقة طلقا يتهلّل إشراقه، فكم جنيت عنه من ثمر مسرة كانت عوائق الأيام تحاذ بنيه، وحويت به من علق مضنّة قلما يجود الدهر بمثله لبنيه «٥» .
وله فصل إلى بعض الحكام بجوين «٦»:
وصل كتاب الحاكم وقد وشّحه بمحاسن فقره، ونتائج فكره، من لفظ شهىّ أعطته القلوب فضل المقادة، ومعنى سنىّ جاده صوب الإصابة والإجادة، وبرّ هنىّ اتّفقت على الاعتراف بفضله ألسنة الثناء والشهادة، فسرّحت طرفى فيما حواه من بدائع وطرف، قد جمعت في الحسن والإحسان بين واسطة وطرف، حتى لم تبق في البلاغة يتيمة إلا جبرتها وتمّمتها.
وله إلى الأمير السيد أبيه يهنئه بالقدوم.
كتبت وأنا بمنزلة من ارتدّ إليه شبابه بعد المشيب، وارتدى برداء من العمر
[ ١ / ١٧١ ]
قشيب «١»، والحمد لله رب العالمين، وصل كتاب مولاى مبشّرا من خبر عوده إلى مقرّ عزّه وشرفه، محروسا في حفظ الله وكنفه، بما لم تزل الآمال تتنسّم روائحه، وتترقّب غادى صنع الله فيه ورائحه، واثقة بأنّ عادة الله الكريمة عنده تسايره وترافقه، وتلزم جنابه فلا تفارقه، حتى تخرجه من غمرة الغماء خروج السيف من الغمد، والبدر بعد السّرار «٢» إلى الانجلاء، فعددت يوم وروده عيدا، أعاد عهد السّرور جديدا، وردّ طرف الحسود كليلا وقد كان حديدا، ولم أشبّهه في إهداء الرّوح والشفاء، وتلافى الرّوح بعد أن أشفى على المكروه كل الإشفاء»
إلّا بقميص يوسف حين تلقّاه يعقوب ﵇ من البشير، وألقاه على وجهه فنظر بعين البصير، فكم أوسعته لثما واستلاما، والتقطت منه بردا وسلاما، حتى لم تبق غلّة في الصدر إلا برّدتها، ولا غمّة في النفس إلا طردتها، ولا شريعة من الأنس إلا وردتها.
وله فصل من رسالة:
وكان فرط التعجب مرّة وعظم الإعجاب تارة يقف بى عند أول فصل من فصوله، ويثبّطنى عن استيفاء غرره وحجوله، ويوهمنى أنّ المحاسن ما حوته قلائده، ونظمته فرائده؛ فليس في قوس إحسان وراءها منزع «٤»، ولا لاقتراح جنان فوقها متطلّع، حتى إذا جاوزته إلى لففه وتزيينه، وأجلت فكرى فى نكته وعيونه، رأيت ما يحيّر الطّرف، ويعجز الوصف، ويعلو على الأول محلّا ومكانا، ويفوقه حسنا وإحسانا، فرتعت كيف شئت في رياضه وحدائقه، واقتبست نور الحكم من مطالعه ومشارقه، وسلّمت لمعانيه وألفاظه فضيلة السّبق
[ ١ / ١٧٢ ]
والبراعة، وتلقّيتها بواجبها من النّشر والإذاعة؛ فإنها جمعت إلى حسن الإيجاز درجة الإعجاز، وإلى فضيلة الإبداع جلالة الموقع في القلوب والأسماع.
وله من فصل:
وصل كتاب الشيخ فنشر عندى من جلل إفضاله وإكرامه، ومحاسن خطابه وكلامه، ما لم أشبّهه إلا بأنوار النّجود «١»، وحبر البرود، وقلائد العقود.
وذكر أبو منصور الثعالبى الأمير أبا الفضل في كتاب ألّفه، فقال في بعض فصوله: من أراد أن يسمع سرّ النظم، وسحر الشعر، ورقية الدهر، ويرى صوب العقل، وذوب الظّرف، ونتيجة الفضل؛ فليستنشد ما أسفر عنه طبع مجده، وأثمره عالى فكره، من ملح تمتزج بالنفوس لنفاستها، وتشرب بالقلوب لسلاستها:
قواف إذا ما رواها المشو ق هزّت لها الغانيات القدودا
كسون عبيدا ثياب العبيد وأضحى لبيد لديها بليدا
وايم الله ما مرّ يوم أسعفنى فيه الزمان بمواجهة وجهه، وأسعدنى بالاقتباس من نوره والاغتراف من بحره، فشاهدت ثمار المجد والسؤود تنتثر من شمائله، ورأيت فضائل الدّهر عيالا على فضائله، وقرأت نسخة الفضل والكرم من ألحاظه، وانتهبت فضائل الفوائد من ألفاظه، إلّا تذكرت ما أنشدنيه أدام الله تأييده لابن الرّومى:
لولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب
وقول الطائى:
فلو صوّرت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطّباع
[ ١ / ١٧٣ ]
وقول كشاجم:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى عيب يوقيه من العين
وربّعت بقول أبى الطيب:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال
ثم استعرت فيه بيان أبى إسحاق الصابى حيث يقول للصاحب «ورّثه الله أعمارها، كما بلّغه في البلاغة أنوارها»
الله حسبى فيك من كل ما تعوّد العبد على المولى
فلا تزل ترفل في نعمة أنت بها من غيرك الأولى
وقال في فصل منه: وما أنس لا أنس أيامى عنده بفيروزاباد إحدى قراه برستاق جوين، سقاها الله ما يحكى أخلاق صاحبها من سيل القطر، فإنها كانت- بطلعته البدرية، وعشرته العطريّة، وآدابه العلوية، وألفاظه الّلؤلؤية مع جلائل نعمه المذكورة، ودقائق كرمه المشكورة، وفوائد مجالسه المعمورة، ومحاسن أقواله وأفعاله التي يعيا بها الواصفون- أنموذجات من الجنة، التى وعد المتقون، وإذا تذكرتها في المرابع التي هي مراتع النّواظر، والمصانع التي هي مطالع العيش الناضر، والبساتين التي إذا أخذت بدائع زخارفها، ونشرت طرائف مطارفها، طوى لها الديباج الخسروانى، ونفى معها الوشى الصّنعانى، فلم تشبّه إلا بشيمه، وآثار قلمه، وأزهار كلمه، تذكرت سحرا وسيما، وخيرا عميما، وارتياحا مقيما، وروحا وريحانا ونعيما.
وكثيرا ما أحكى للاخوان أنى استغرقت أربعة أشهر بحضرته، وتوفّرت على خدمته، ولازمت في أكثر أوقاتى عالى مجلسه، وتعطّرت [عند ركوبه] بغبار موكبه؛ فبالله يمينا كنت غنيّا عنها لو خفت حنثا فيها إنى ما أنكرت طرفا من أخلاقه؛ ولم أشاهد إلا مجدا وشرفا من أحواله. وما رأيته اغتاب
[ ١ / ١٧٤ ]
غائبا، أو سبّ حاضرا، أو حرم سائلا، أو خيّب آملا، أو أطاع سلطان الغضب في الحضر، أو تسلّى بنار الضّجر في السّفر، أو بطش بطش المتجبّر؛ ولا وجدت المآثر إلا ما يتعاطاه، والمآثم إلا ما يتخطّاه.
وقال في فصل منه يصفه: وأما فنون الأدب فهو ابن بجدتها «١»، وأخو جملتها، وأبو عذرتها «٢»، ومالك أزمّتها، وكأنما يوحى إليه في الاستئثار بمحاسنها، والتفرّد ببدائعها، ولله هو إذا غرس الدّرّ فى [أرض] القراطيس، وطرّز بالظلام رداء النهار، وألقت بحار خواطره جواهر البلاغة على أنامله، فهناك الحسن برمّته، والحسن بكلّيته.
وذكر عمر بن على المطوعى في كتاب ألّفه فى «٣» شعر أبى الفضل ومنثوره والشعراء، فقال: رأيت أهل هذه الصناعة قد تشعبوا على طرق، وانقسموا على ثلاث فرق، فمنهم من اكتسى كلامه شرف الاكتساب دون شرف الانتساب كالمكتسبين من الشعراء بالمدائح، المترشحين بها لأخذ الجوائز والمنائح، وهم الأكثرون من أهل هذه الصناعة؛ ومنهم من شرفت بنات فكره عند أهل العقول، وجلبت لديهم فضائل القبول، لشرف قائلها، لا لكثرة عقائلها، وكرم واشيها، لالرقّة حواشيها، كالعدد الكثير، والجم الغفير، من الخلفاء والأمراء والجلّة والوزراء؛ ومنهم من أخذ بحبل الجودة من طرفيه، وجمع رداء الحسن من حاشيتيه، كامرىء القيس ابن حجر الكندى في المتقدمين، وهو أمير الشعراء غير منازع، وسيدهم غير مجاذب ولا مدافع، وعبد الله بن المعتز بالله أمير المؤمنين فى المولدين، وهو أشعر أبناء الخلافة الهاشمية، وأبرع أنشاء الدولة العباسية، ومن
[ ١ / ١٧٥ ]
جلّ كلامه في التشبيه، عن أن يمثّل بنظير أو شبيه، وعلت أشعاره في الأوصاف.
عن أن تتعاطاها ألسنة الوصّاف؛ والأمير أبى فراس بن حمدان فارس البلاغة.
ورجل الفصاحة، ومن حكمت له شعراء العصر قاطبة بالسيادة، واعترفت لكلامه بالإحسان والإجادة، حتى قال أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب: بدىء الشعر بملك وختم بملك، يعنى امرأ القيس وأبا فراس؛ وهذه الطائفة أشهر الثلاثة تقدّما، وأثبتها في مواطن الفخر ومواطىء الشرف قدما، وأسبق الشعراء فى ميدان البلاغة، وأرجحهم في ميدان البراعة؛ فإنّ الكلام الصادر عن الأعيان والصدور، أقرّ للعيون وأشفى للصدور، فشرف القلائد بمن قلّدها، كما أن شرف العقائل بمن ولّدها:
وخير الشّعر أكرمه رجالا وشرّ الشّعر ما قال العبيد
وإذا اتفق من اجتمعت فيه هذه الشرائط، وانتظمت عنده هاتيك المحاسن، كان خليقا بأن تخلّد في صحائف القلوب أشعاره، وتدوّن في ضمائر النفوس آثاره، وتكتب على الأحداق والعيون أخباره، وجديرا بأن يختصّ بسرعة المجال في المجالس، وخفّة المدار في المدارس، كالأمير الجليل السيد مولانا:
أبى الفضل من نال السماء بفضله ومن وعدته نفسه بمزيد
تودّ عقود الدرّ لو كنّ لفظه فينظمها من توأم وفريد