قال أبو الفتح البستى:
مدحتك فالتامت قلائد لم يفز بأمثالها الصّيد الكرام الأعاظم
لأنك بحر والمعانى لآلىء وفكرى غوّاص وشعرى ناظم
وقال أيضا:
ما إن سمعت بنوّار له ثمر فى الوقت يمتع سمع المرء والبصرا
[ ١ / ١٧٦ ]
حتى أتانى كتاب منك مبتسم عن كل لفظ ومعنى يشبه الدّررا
فكان لفظك في لألائه زهرا وكان معناه في أثنائه ثمرا
تسابقا فأصابا القصد في طلق لله من ثمر قد سابق الزّهرا
وقال أيضا:
لمّا أتانى كتاب منك مبتسم عن كلّ برّ ولفظ غير محدود «١»
حكت معانيه في أثناء أسطره آثارك البيض في أحوالى السّود
كأنه ألمّ بقول الطائى:
يرى أقبح الأشياء أوبة آمل كستها يد المأمول حلّة خائب
وأحسن من نور تفتّحه الصّبا بياض العطايا في سواد المطالب
وقال أبو الفتح البستى في أبى نصر أحمد بن على الميكالى:
جمع الله في الأمير أبى نص ر خصالا تعلوبها الأقدار
راحة برّة وصدرا فضاء وذكاء تبدو له الأسرار «٢»
خطّه روضة، وألفاظه الأز هار يضحكن، والمعانى ثمار
وقال عمر بن على المطوعى يمدح أبا الفضل الميكالى من قصيدة:
وإلى الأمير ابن الأمير المعتلى بكمال سؤدده على الأمراء
وطئت بى الوجناء وجنة مهمه متقاذف الاكناف والارجاء «٣»
كيما ألاحظ منه في أفق العلا فلكا يدير كواكب العلياء
كالبدر غير دوامه متكاملا كالبحر غير عذوبة وصفاء
بالفضل يكنى وهو فيه كامن كالرّى يكمن في زلال الماء
يا من إذا خطّ الكتاب يمينه أهدى إلينا الوشى من صنعاء
[ ١ / ١٧٧ ]
لم تجر كفّك في البياض موقّعا إلّا تجلّت عن يد بيضاء
قرم يداه وقلبه ما منهما فى النظم والإعطاء إلا الطائى «١»
وقال فيه أيضا:
كلام الأمير النّدب في ثنى نظمه ينوب عن الماء الزلال لمن يظما «٢»
فنروى متى نروى بدائع نظمه ونظما إذا لم نرو يوما له نظما
وكتب إليه أيضا:
أقول وقد جادت جفونى بأدمع كأنى قد استمليتهنّ من السّحب
وقد علقت بى للنزاع نوازع كتبن معاناة العناء على قلبى
إلى سيّد أوفى على الشّمس قدره وزادت معاليه ضياء على الشهب
أبى الفضل من راحت فواضل كفّه وراحته تربى على عدد الترب «٣»
سقى الله أرضا حلّ فيها سحائبا كنائله الفيّاض أو لفظه العذب
سحائب يحدوها نسيم كخلقه ويقدمها برق كصارمه العضب «٤»
ولا زال أفلاك السعود مطيفة بحضرته تنتابها وهو كالقطب
وقال أبو منصور الثعالبى للأمير أبى الفضل:
لك في الفضائل معجزات جمّة أبدا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحر في البلاغة شابه شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعى «٥»
كالنّور أو كالسّحر أو كالدّرّ أو كالوشى في برد عليه موشّع «٦»
شكرا فكم من فقرة لك كالغنى وافى الكريم بعيد فقر مدقع «٧»
[ ١ / ١٧٨ ]
وإذا تفتّق نور شعرك ناضرا فالحسن بين مرصّع ومصرّع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أف راس البديع وأنت أمجد مبدع
ونقشت في فصّ الزمان بدائعا تزرى بآثار الربيع الممرع «١»
[وقال في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه]:
يا مهدى الطّرف الجواد كأنما قد أنعلوه بالرياح الأربع «٢»
لا شىء أسرع منه إلّا خاطرى فى شكر نائلك اللطيف الموقع
ولو أنّنى أنصفت في إكرامه لجلال مهديه الكريم الأروع «٣»
أنظمته حبّ القلوب لحبّه وجعلت مربطه سواد المدمع
وخلعت ثم قطعت غير مضيّق برد الشباب لجلّه والبرقع
وكتب إليه في جواب كتاب ورد عليه:
أنسيم الرياض حول الغدير مازجته ريّا الحبيب الأثير «٤»
أم ورود البشير بالنّجح من ف كّ أسير أو يسر أمر عسير
قى ملاء من الشباب جديد تحت أيك من التّصابى نضير «٥»
أم كتاب الأمير سيدنا الفر د؛ فيا حبذا كتاب الأمير
وثمار الصدور ما أجتنيه من سطور فيها شفاء الصدور
نمّقتها أنامل تفتق الأن وار والزهر في رياض السطور
كالمنى قد جمعن في النّعم الغ رّ مع الأمن من صروف الدهور
يا أبا الفضل وابنه وأخاه جلّ باريك من لطيف خبير
شيم يرتضعن درّ المعالى ويعبّرن عن نسيم العبير
[ ١ / ١٧٩ ]
وسجايا كأنهنّ لدى النش ر رضاب الحيا بأرى منشور «١»
ومحيا لدى الملوك محيّا صادق البشر مخجل للبدور
فأجابه أبو الفضل بأبيات يقول فيها في صفة أبياته:
وهدىّ زفّت إلى السّمع بكر تتهادى في حلية وشذور «٢»
عجب الناس أن بدت من سواد فى بياض كالمسك في الكافور
نظمت في بلاغة ومعان مثل نظم العقود فوق النحور
كم تذكّرت عندها من عهود للتلاقى في ظلّ عيش نضير
فذممت الزمان إذ ضنّ عنا باجتماع يضمّ شمل السرور
ولئن راعنا الزمان ببين ألبس الأنس ذلّة المهجور
فعسى الله أن يعيد اجتماعا فى أمان من حادثات الدهور
إنه قادر على ردّ مافا ت وتيسير كلّ أمر عسير
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابى في الوزير المهلّبى:
قل للوزير أبى محمد الّذى قد أعجزت كلّ الورى أوصافه
لك في المجالس منطق يشفى الجوى ويسوغ في أذن الأذيب سلافه «٣»
وكأنّ لفظك جوهر متنخّل وكأنما آذاننا أصدافه «٤»
والمهلبى هذا هو أبو محمد الحسن بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد ابن حاتم بن قبيصة بن المهلّب، وزر لأحمد بن بويه الدّيلمى، وكانت وزارته سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان أبو محمد من سروات الناس وأدبائهم وأجوادهم وأعفّائهم؛ وفيه يقول أبو إسحاق الصابى:
[ ١ / ١٨٠ ]
نعم الله كالوحوش فما تأ لف إلا الأخاير النّسّاكا
نفّرتها آثام قوم وصيّرن لها البرّ والتّقى أشراكا
وكان قبل اتّصاله بالسلطان سائحا في البلاد، على طريق الفقر والتصوّف، قال أبو على الصوفى: كنت معه في بعض أوقاته، أماشيه في إحدى طرقاته، فضجر لضيق الحال، فقال:
ألا موت يباع فأشتريه فهذا العيش مالا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس جرّ تصدّق بالوفاة على أخيه
ثم تصرّف بما يرضيه الدهر، وبلغ المهلى مبلغه. قال أبو على: دخلت البصرة فاجتزت بسرّ من رأى، وإذا أنا بناشطيات وحراقات وزيارب وطيّارات في عدّة وعدد، فسألت: لمن هذا؟ فقيل: للوزير المهلبى، ونعتوا لى صاحبى؛ فوصلت إليه حتى رأيته، فكتبت إليه رقعة، وتوصّلت حتى دخلت فسلّمت، وجلست حتى خلا مجلسه، فدفعت إليه الرقعة وفيها:
ألا قل للوزير بلا احتشام مقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيش «ألا موت يباع فأشتريه»
فنظر إلىّ وقال: نعم، ثم نهض وأنهضنى معه إلى مجلس الأنس، وجعل يذاكرنى ما مضى، ويذكر لى كيف ترقّت حاله، وقدّم الطعام فطعمنا، وأقبل ثلاثة من الغلمان على رأس أحدهم ثلاث بدر «١»، ومع الآخر تخوت وثياب، ومع الآخر طيب، وبخور، وأقبلت بغلة رائعة بسرج ثقيل؛ فقال:
يا أبا على؛ تفضّل بقبول هذا، ولا تتخلّف عن حاجة تعرض لك، فشكرته وانصرفت، فلما هممت بالخروج من الباب استردّنى وأنشدنى بديها:
رقّ الزمان لفاقتى ورثى لطول تحرّقى
[ ١ / ١٨١ ]
وأنالنى ما أرتجى وأجار ممّا أتّقى
فلأغفرنّ له الكث ير من الذنوب السّبّق
إلّا جنايته التى فعل المشيب بمفرقى «١»
قال بعض العلماء: العقول لها صور مثل صور الأجسام، فإذا أنت لم تسلك بها سبيل الأدب حارت وضلّت، وإن بعثتها في أوديتها كلّت وملّت، فاسلك بعقلك شعاب المعانى «٢» والفهم، واستبقه بالجمام للعلم «٣»، وارتد لعقلك أفضل طبقات الأدب، وتوقّ عليه آفة العطب؛ فإنّ العقل شاهدك على الفضل، وحارسك من الجهل.
واعلم أنّ مغارس العقول كمغارس الأشجار؛ فإذا طابت بقاع الأرض للشجر زكا ثمرها، وإذا كرمت النفوس للعقول طاب خيرها، فاغمر نفسك بالكرم، تسلم من الآفة والسّقم.
واعلم أنّ العقل [الحسن] فى النفس اللئيمة، بمنزلة الشجرة الكريمة في الأرض الذميمة، ينتفع بثمرها على خبث المغرس؛ فاجتن ثمر العقول وإن أتاك من لئام الأنفس. [وقال النبى ﵇: «ربّ حامل فقه إلى من هو أوعى له» . وقيل: رب حامل فقه غير فقيه، ورب رمية من غير رام] .
وقيل: الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها. وسمع الشّعبىّ الحجاج ابن يوسف وهو على المنبر يقول: أمّا بعد، فإنّ الله كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، فلا يغرّنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، وأقصروا من الأمل، لقصر الأجل.
[ ١ / ١٨٢ ]
فقال: كلام حكمة خرج من قلب خراب! وأخرج ألواحه فكتب وقد روى ذلك عن سفيان الثورى.
وقد سمع إبراهيم بن هشام وهو يخطب على المنبر ويقول: إن يوما أشاب الصغير، وأسكر الكبير، ليوم شرّه مستطير!