الفصاحة الظهور والبيان ومنها أفصح اللبن إذا انجلت رغوته وفصح فهو فصيح قال الشاعر:
وتحت الرغوة اللبن الفصيح
ويقال أفصح الصبح إذا بدا ضوءه وأفصح كل شيء إذا وضح وفي الكتاب العزيز: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ ١وفصح النصارى عيدهم وقد تكلمت به العرب.
قال حسان بن ثابت:
ودنا الفصح فالولائد ينظمن سراعا أكلة المرجان
ويجوز أن يكون ذلك لاعتقادهم أن عيسى ﵇ ظهر فيه
_________________
(١) ١ سورة القصص الآية ٣٤.
[ ٥٨ ]
وسمي الكلام الفصيح فصيحًا كما أنهم سموه بيانًا - لأعرابه عما عبر به عنه وإظهاره له إظهارًا. جليًا. روي عن النبي ﵌ أنه قال: "أنا أفصح العرب" ١ بيد أني من قريش.
والفرق بين الفصاحة والبلاغة أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ والبلاغة لا تكون إلا وصفًا للألفاظ مع المعاني. لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة وإن قيل فيها إنها فصيحة. وكل كلام بليغ فصيح وليس كل فصيح بليغًا كالذي يقع فيه الإسهاب في غير موضعه.
وقد حد الناس البلاغة بحدود إذا حققت كانت كالرسوم والعلائم وليست بالحدود الصحيحة فمن ذلك قول بعضهم لمحة دالة وهذا وصف من صفاتها فأما أن يكون حاصرا لها وحدًا يحيط بها فليس ذلك بممكن لدخول الإشارة من غير كلام يتلفظ به تحت هذا الحد. وكذا قال آخر والبلاغة معرفة الفصل من الوصل لأن الإنسان قد يكون عارفًا بالفصل والوصل عالما بتمييز مختار الكلام من مطرحة وليس بينه وبين البلاغة سبب ولا نسب ولا يمكنه أن يؤلف ما يختاره من تأليف غيره والحدود لا يحسن فيها التأول وإقامة المعاذير وغرابة ألفاظ تدل على المقصود لأنها مبنية على الكشف الواضح موضوعة للبيان الظاهر والغرض بها السلامة من الغامض فكيف يوقع في غامض بمثله. وكذلك قول الآخر: البلاغة أن تصيب فلا تخطيء وتسرع فلا تبطئ لأن هذا يصلح لكل الصنائع وليس بمقصور على صناعة البلاغة وحدها ثم إنما سئل عن بيان الصواب في هذه الصناعة من الخطأ فجعل جواب السائل نفس سؤاله. وبهذا أيضًا يفسد قول من ادعي أن حدها الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطل. وقول من قال: البلاغة اختيار الكلام
_________________
(١) ١ بيد بمعنى غير أو من أجل.
[ ٥٩ ]
وتصحيح الأقسام. لأن هذين إنما سئلا عن حد يبين الكلام المرفوض من المختار والخطأ من الصواب ويوضح كيف يكون الإيجاز مختارًا ومتى يقع الإطناب مرضيا محمودًا فأحالا على ما السؤال فيه باق وعدم العلم معه موجود حاصل.
وفي البلاغة أقوال كثيرة غير خارجة عن هذا النحو وإذا كانت الفصاحة شطرها وأحد جزئيها فكلامي على المقصود وهو الفصاحة غير متميز إلا في الموضع الذي يجب بيانه من الفرق بينهما على ما قدمت ذكره فأما ما سوى ذلك فعام لا يختص وخليط لا ينقسم. وسأذكر بمشيئة الله ما يخطر لي ويسنح بفكري في موضعه.
وأقول قبل ذلك إن الناس قد أكثروا من الدلالة على شرف الفصاحة وعظم قدر البيان والبلاغة ونبهوا بطرق كثيرة وألفاظ مختلفة. وقد قال عز اسمه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ١ولم يكن تعالى يذكر البيان ها هنا إلا وهو من عظيم النعم على عبيده وجميل البلاء عندهم لا جرم وقد قرن ذلك بذكر خلقهم فجعله مضافا إلى المنة بخروجهم من العدم إلى الوجود ومن جانب النفي إلى الإثبات.
وأنا أقول قولا مختصرا كافيا: قد ثبت أن الفرق الواضح بين الحيوان الناطق والصامت هو النطق وبه وقع التمييز في الحد المنسوب إلى الحكيم٢وأن كان يفسره أصحابه بغير هذا الظاهر فالشرف منه يؤخذ والفضل به يقع. ولا خلاف في أن الصمت أفضل من مطرح الكلام ومنبوذه وأوفق للسامع من كلف ذلك. فقد صار مع هذا
_________________
(١) ١ سورة الرحمن الآيات ١-٤. ٢ يشير المؤلف بلفظه الحكيم إلى أرسطو الذي عرف الإنسان بأنه حيوان ناطق.
[ ٦٠ ]
التخريج الفصل المميز والفضل اللائح إنما هو للإفصاح والبيان والبلاغة وحسن النطق دون ما يسمى كلامًا فقط. ووجب على من أراد أن يخرج من حيز ذلك الصامت الناطق١سلوك الطريق الذي به توجد الفضيلة وعنه تدرك الميزة باجتهاده إن كان لا دربة له وتكلفه أن كان لا طبع عنده. وليعلم أن من شارك الناطق بالصورة وخالفه بالمعنى الموجب للشرف أسوأ حالًا وأقبح صفة من الصامت المخالف في الأمرين معا. لأن هذا غريب في الموضع الذي وجد فيه آهلا ووحيد في المكان الذي خلق به آنسًا.
وما أحسن ما قال إبراهيم بن محمد المعروف بالإمام٢يكفى من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا الناطق من سوء فهم السامع. وهذا كلام مختار في تفضيل البلاغة.
وقال سهل بن هرون الكاتب٣: العقل رائد الروح والعلم رائد العقل والبيان ترجمان العلم.
وأولى من هذا بالحجة قول النبي ﷺ للعباس وقد سأله فيم الجمال فقال: "في اللسان".
_________________
(١) ١ في نسخة أخرى الناقص. ٢ هو إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب زعيم الدعوة العباسية قبل ظهورها أوصى له أبوه بالإمامة هو الذي وجه أبا مسلم الخراساني واليا على دعاته وشيعته في خراسان كان فصيح اللسان راجح العقل يروي الحديث والأدب عرف باسم إبراهيم الإمام توفي سنة ١٣١هـ. ٣ هو سهل بن هارون بن راهبون أو راهيون أبو عمر الدستميساني كاتب بليغ حكيم من واضعي القصص يلقب بزرجمهر الإسلام اتصل بهارون الرشيد وارتفعت مكانته عنده حتى أحله محل يحيى البرمكي صاحب دواوينه ثم خدم المأمون فولاه رياسة خزانة الحكمة ببغداد له كتبا كثيرة منها: الإخوان، والمسائل، وتدبر الملك والسياسة، والنمر والثعلب وغيرها كثير.
[ ٦١ ]
وقالوا لما دخل ضمرة بن ضمرة١ على النعمان بن المنذر احتقره لما رأى من دمامته وقال: تسمع بالمعيدي٢ خير من أن تراه. فقال: أبيت اللعن أن الرجال لا تكال بالقفزان وليست تستقي فيها وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن صال صال بحنان وأن نطق نطق بلسان.
وأنشدوا لأبي الأعور السلمى:
كائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم٣
وهذان البيتان قد ذكرتهما فيما تقدم حكاية عن أبي طالب العبدي لكن هذا موضعهما.
وقيل لزيد بن علي ﵉: الصمت أفضل أم الكلام فقال أخزى الله المساكتة فما أفسدها للسان وأجلبها للحصر والله إن المماراة على ما فيها لأقل ضررًا من السكتة التي تورث أدواء أيسرها العي.
وأنت إذا سمعتهم يمدحون الصمت وينظمون القريض في مدحه ويذكرون جنايات اللسان وكلومه ويروون عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم" ويقولون لو كان الكلام من فضة كان الصمت من ذهب. وأشباه هذا ونظائره.
_________________
(١) ١ هو ضمرة بن ضمرة بن جابر النهشلي من بني دارم شاعر جاهلي من الشجعان الرؤساء وهو صاحب يوم ذات الشقوق من أيام العرب في الجاهلية. أغار فيه على بني أسد وظفر بهم في مكان يسمى ذات الشقوق. ٢ المعيدي تصغير المعدي خففت الدال استثقالا للتشديدين مع ياء التصغير. ٣ البيتان ينسبان أيضا لزهير ابن أبي سلمى في معلقته.
[ ٦٢ ]
فإنما يريدون الكلام الذي ليس بجميل واللفظ الذي لا يستحسن.
فأما أن يكون الحسن يتواتر حتى يصير قبيحًا والقبيح يتضاعف حتى يكون حسنًا فهذا شيء خارج عن حد العقل ونظامه وليس هذا المذهب مما يمكن وقوع الخلاف فيه فيحتاج إلى إطالة في بيانه وقد أوردنا لمحة يستدل بها على غيرها وأن المذكور في هذا النحو لا ينحصر ولا تستوفي غايته.
وأقول قبل كلامي في الفصاحة وبيانها إنني لم أر أقل من العارفين بهذه الصناعة والمطبوعين على فهمها ونقدها مع كثرة من يدعي ذلك ويتحلى به وينتسب إلى أهله ويماري أصحابه في المجالس ويجاري أربابه في المحافل وقد كنت أظن أن هذا شيء مقصور على زماننا اليوم ومعروف في بلادنا هذه حتى وجدت هذا الداء قد أعيا أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي وأبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قبله وأشكاهما حتى ذكراه في كتبهما. فعلمت أن العادة به جارية والرزية فيه قديمة. ولما ذكرته رجوت الانتفاع به من هذا الكتاب وأملت وقوع الفائدة به إذ كان النقص فيما أبنته شاملا والجهل به عاما والعارفون حقيقته قرحة الأدهم١بالإضافة إلى غيرهم والنسبة إلى سواهم.
ونبتدئ الآن بالكلام فيما أجرينا القول إليه ونقول إن الفصاحة على ما قدمنا نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ.
وبحسب الموجود منها تأخذ القسط من الوصف وبوجود أضدادها تستحق الأطراح والذم.
وتلك الشروط تنقسم قسمين فالأول منها يوجد في اللفظة الواحدة على انفرادها من غير أن ينضم إليها شيء من الألفاظ وتؤلف معه والقسم الثاني يوجد في الألفاظ المنظومة بعضها مع بعض.
_________________
(١) ١ الأدهم الأسود من الخيل والقرحة بياض في وجهه دون الغرة.
[ ٦٣ ]
فأما الذي يوجد في اللفظة الواحدة فثمانية أشياء:
الأول: أن يكون تأليف تلك الفظة من حروف متباعدة المخارج على ما ذكرناه في الفصل الرابع١ وعلة هذا واضحة وهي أن الحروف التي هي أصوات تجرى من السمع مجرى الألوان من البصر ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا جمعت كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة ولقرب ما بينه وبين الأصفر وبعد ما بينه وبين الأسود وإذا كان هذا موجودا على هذه الصفة لا يحسن النزاع فيه كانت العلة في حسن اللفظة المؤلفة من الحروف المتباعدة هي العلة في حسن النقوش إذا مزجت من الألوان المتباعدة وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
فالوجه مثل الصبح مبيض والفرع مثل الليل مسود
ضدان لما استجمعا حسنا والضد يظهر حسنه الضد
وهذه العلة يقع للمتأمل وغير المتأمل فهمها ولا يمكن منازعا أن يجحدها.
ومثال التأليف من الحروف المتباعدة كثير جل كلام العرب عليه فلا يحتاج إلى ذكره.
فأما تأليف الحروف المتقاربة فقد قدمنا في الفصل الرابع مثالا حكى منه وهو الهفخع ولحروف الحلق مزية في القبح إذا كان التأليف منها فقط وأنت تدرك هذا وتستقبحه كما يقبح عندك بعض الأمزجة من الألوان وبعض النغم من الأصوات.
والثاني أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنًا ومزية عل غيرها وإن تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة كما أنك تجد لبعض النغم
_________________
(١) ١ هو فصل في اللغة.
[ ٦٤ ]
والألوان حسنًا يتصور في النفس ويدرك بالبصر والسمع دون غيره مما هو من جنسه كل ذلك لوجه يقع التأليف عليه ومثاله في الحروف ع ذ ب فإن السامع يجد لقولهم العذيب اسم موضع وعذيبة اسم امرأة وعذب وعذاب وعذب وعذبات مالا يجده فيما يقارب هذه الألفاظ في التأليف وليس سبب ذلك بعد الحروف في المخارج فقط ولكنه تأليف مخصوص مع البعد ولو قدمت الذال أو الباء لم تجد الحسن على الصفة الأولى في تقديم العين على الذال لضرب من التأليف في النغم يفسده التقديم والتأخير وليس يخفى على أحد من السامعين أن تسمية الغصن غصنًا أوفننًا أحسن أحسن من تسميته عسلوجًا. وأن أغصان البان أحسن من عساليج الشوحط١ في السمع ويقال لمن عساه ينازعنا في ذلك لو حضرك مغنيان وثوبان منقوشان مختلفان في المزاج هل كان يجوز عليك الطرب على صوت أحد المغنيين دون صاحبه وتفضيل أحد الثوبين في حسن المزاج على الآخر! فإن قال لا يصح أن يقع لي ذلك خرج عن جملة العقلاء وأخبر عن نفسه بخلاف ما يجد وأن اعترف بما ذكرناه قيل له فخبرنا ما السبب الذي أوجب عليه ذلك فإنه لا يجد أمرًا يشير إليه إلا ما قلناه في تفضيل إحدى اللفظتين على الأخرى وقد يكون هذا التأليف المختار في اللفظة على جهة الاشتقاق فيحسن أيضًا كل ذلك لما قدمته من وقوعه على صفة يسبق العلم بقبحها أو حسنها من غير المعرفة بعلتها أو بسببها ومثال ذلك مما يختار: قول أبي القاسم الحسين بن علي المغربي في بعض رسائله ورعوا هشيما تأنفت روضه فإن تأنفت كلمة لإخفاء بحسنها لوقوعها الموقع الذي ذكرته وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:
إذا سارت الأحداج فوق نباته تفاوح مسك الغانيات ورنده
_________________
(١) ١ الشوحط نوع من الشجر يصنع منه القسي.
[ ٦٥ ]
فإن تفاوح كلمة في غاية من الحسن. وقد قيل إن أبا الطيب أول من نطق بها على هذا المثال وإن وزير كافور الأخشيدي سمع شاعرا نظمها بعد أبي الطيب: فقال أخذتموها!
ومثال ما يكره قول أبي الطيب أيضا:
مبارك الاسم أغر اللقب كريم الجر شي شريف النسب١
فإنك تجد في الجرشي تأليفًا يكرهه السمع وينبو عنه.
ومثل ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
تقي نقي لم يكثر غنيمةً بنهكة ذي قربى ولا بحقلد٢
الحقلد - كلمة توفي على قبح الجرشي وتزيد عليها.
والثالث- أن تكون الكلمة كما قال أبو عثمان الجاحظ غير متوعرة وحشية كقول أبي تمام:
لقد طلعت في وجه مصر بوجهه بلا طائر سعد ولا طائر كهل
فإن كهلاها هنا من غريب اللغة وقد روى أن الأصمعي لم يعرف هذه الكلمة وليست موجودة إلا في شعر بعض الهذليين٣ وهو قوله:
فلو كان سلمى جاره أو أجاره رياح بن سعد رده طائر كهل
_________________
(١) ١ هذا البيت من قصيدة له في مدح سيف الدولة والجرشي بمعنى النفس. ٢ الحقلد: البخيل. ٣ هو: أبي خراش الهذلي ويقال طار لفلان طائر كهل إذا كان له جد وحظ في الدنيا.
[ ٦٦ ]
وقد قيل: إن الكهل الضخم وكهل لفظة ليست بقبيحة التأليف لكنها وحشية غريبة لا يعرفها مثل الأصمعي.
ومن ذلك أيضًا ما يروى عن أبي علقمة النحوي من قوله: ما لكم تتكأكؤون على تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني. فإن تتكأكؤون وافرنقعوا - وحشي وقد جمع لعمري العلتين مع قبح التأليف الذي يمجه السمع والتوعر وما أكثر ما تجتمع العلتان في هذا الجنس ومن الأمثلة قول أبي تمام:
بنداك يوسى كل جرح يعتلى رأب الأساء بدردبيس قنطر١
وكذلك قوله:
قدك اتئد أربيت في الغلواء٢
فإن هذه الألفاظ كما ترى وحشية. ويوجد هذا الجنس في شعر العجاج وابنه رؤبة كثيرًا ومنه قول بعضهم:
فشحا جحافلة جراف هبلع٣
وقال الآخر:
غربًا جرورًا وجلالا خزخز٤
_________________
(١) ١ الدردبيس والقنطر الداهية. ٢ الرواية المشهورة قدك اتئب أربيت في الغلواء وقدك بمعنى حسبك واتئب بمعنى استحى وأربيت بمعنى زدت والغلواء المبالغة في العدل. ٣ هو من قول جرير: وضع الخزير فقيل ابن مجاشع فشحما جحافله جراف هيلع وشجا فتح والجحافل جمع جحفلة وهي الشفة ولكنها في الأصل لغير الإنسان والجراف الأكول والهبلع الواسع الحنجور. ٤ الغرب الدلو العظيمة والجلال البعير العظيم والخزخز القوي الشديد.
[ ٦٧ ]
وقال غيره في صفة اللبن:
وآخذ طعم السقاء سامط وخاثر عجلط عكالط١
وقول الآخر:
يأكلن من قراص وحمصيص واص٢
وفي هذه الألفاظ ما جمع الصفتين معًا على ما ذكرناه.
وقد روى أن أبا العتاهية قال لمحمد بن مناذر: إن كنت أردت بشعرك شعر العجاج ورؤبة فما صنعت شيئًا وإن كنت أردت أهل زمانك فما أخذت مأخذنا. أرأيت قولك:
ومن عاداك لاقي المرمريسا٣
أي شيء المرمريس؟
ولهذا كله أعتمد الحذاق من الشعراء على اختيار أسماء المنازل والنساء في الغزل وتجنبوا ما لا يحسن لفظه للشروط التي ذكرناها وعابوا قول جرير بن عطية:
وتقول بوزع قد دببت على العصا هلا هزئت بغيرنا يا بوزع
وذكروا أن الوليد بن عبد الملك. قال: له أفسدت شعرك ببوزع
_________________
(١) ١ السقاء جلد السخلة إذا أجدع يكون للباء واللبن والسامط البن تذهب حلاوته والخائر اللبن الثخين والعجالط بمعناه أيضا وكذلك العكالط. ٢ القراض: البابونج والحمصيص بقلة رملية حامضة وواص اسم فاعل من وصى الأرض اتصل نباتها. ٣ المرمريس: الداهية.
[ ٦٨ ]
وهجنوا اتباع الخليل بن أحمد١ له في هذا الاسم حين قال:
أم البنين وأسماء والرباب وبوزع
واستقبحوا قول أبي تمام:
يقول أناس في حبينآء عاينوا عمارة رحلى من طريف وتالد
وقالوا: ما الفائدة في ذكر حبينآء وليس أبو تمام مضطرًا إلى ذكر الموضع الذي قيل له فيه هذا.
وقد ذكروا أن الفرزدق أنكر على مالك بن أسماء بن خارجة وقد أنشده:
حبذا ليلتي بتل بوني
وقال أفسدت شعرك بذكر بوني قال له ففي بوني كان ذلك قال: وإن كان. وأما قول أبي عبادة البحتري:
وأنا الشجاع وقد رأيت مواقفي بعقرقس والمشرفية شهدي
فله في ذكر عقرقس عذر واضح لأنه الموضع الذي شاهد الممدوح به قتاله. وليس يحسن أن يذكر موضعًا غيره ولم يحمد فيه. وهذا ليس بموجب حسن اللفظة. ولكنه يبسط عذر ناظمها حسب.
ومن هذه الألفاظ المذكورة قول عنترة:
_________________
(١) ١ هو الخليل بن أحمد الفراهيدي أبو عبد الرحمن من أئمة اللغة والأدب واضع علم العروض وهو أستاذ سيبويه النحوي ولد في البصرة سنة ١٠٠هـ وتوفي فيها سنة ١٧٠هـ عاش فقيرا صابرا وكان شاحب اللون ممزق الثياب مغمورا في الناس لا يعرف من كتبه: العين ومعاني الحروف وجملة آلات العرب وتفسير حروف اللغة هو الذي اخترع العروض وأحدث أنواعا من الشعر ليست من أوزان العرب.
[ ٦٩ ]
شربت بماء الدحرصين فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديلم١
ولعل عنترة أراد ذكر الماء المشروب على الحقيقة وإلا لو أمكنه أن يذكر اسم مورد من الموارد الذي يجري هذا المجرى كان أحسن وأليق. وأما قول الكميت:
وأدنين البرود على خدود يزين الفداغم بالأسيل٢
فإن الفداغم كلمة رديئة كما ترى.
ومن الوحشي قول امرىء القيس بن حجر:
وسن كسنيق سنآء وسنما٣
فإن هذا على ما ذكر لم يعرفه الأصمعي ولا أبو عمرو وقال: هو بيت مسجدي يريد من عمل أهل المسجد. وقال غيرهما شنيق جبل وسنم هي البقرة فأما السن فالثور.
ومن هذا أيضًا قول العجاج:
وفاحمًا ومرسنًا مسرجًا
فإن المرسن الأنف والمسرج لا يعرف حتى خرج له أنه أراد
_________________
(١) ١ ضمير شربت للتاقة والدحرضان ماءان وزوراء مائلة من النشاط والديلم ماء ببني سعد بمعنى أنها تنفر عنها لأنها تخافها لعداوة أو نحوها. ٢ الفداغم جمع فدغم وهو الخد الحسن الممتلئ والأسيل الأملس بمعنى الوجه. ٣ تمام البيت هو: وسن كسنيق سناء وسنما ذعرت بمدلاج الهجير تهوض
[ ٧٠ ]
بالمسرج المحدد من قولهم للسيوف السريجيات منسوبة إلى قين يعرف بسريج. وهذا القصد على ما تراه وحشى غريب.
وما زال أهل العلم بالشعر يكرهون قول ذي الرمة:
عصا عسطوس لينها وإعتدالها
وفي عسطوس ضروب من العيوب المذكورة وقيل إنه الخيزران. وقد كان يمكن ذا الرمة أن يقول: عصا خيزران.
وإن كان هؤلاء الشعراء أرادوا الإغراب حتى يتساوى في الجهل بكلامهم العامة وأكثر الخاصة فما أقبح ما وقع لهم. وقد رأيت أنا جماعة يتعمدون هذا فقلت لهم: إن سررتم بمعرفتكم وحشى اللغة فيجب أن تغتموا بسوء حظكم من البلاغة. وجرى بين أصحابنا في بعض الأيام ذكر شيخنا أبي العلاء بن سليمان١ فوصفه واصف من الجماعة بالفصاحة واستدل على ذلك بأن كلامه غير مفهوم لكثير من الأدباء فعجبنا من دليله وان كنا لم نخالفه في المذهب. وقلت له: إن كانت الفصاحة عندك بالألفاظ التي يتعذر فهمها فقد عدلت عن الأصل أولا في المقصود بالفصاحة التي هي البيان والظهور ووجب عندك أن يكون الأخرس أفصح من المتكلم لأن الفهم من إشاراته بعيد عسير. وأنت تقول كلما كان أغمض وأخفى كان أبلغ وأفصح.
وعارضه أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب وقال: صدقت إننا لا نفهم عنه كثيرًا مما يقول إلا أن على قياس قولك يجب أن يكون ميمون الزنجي الذي نعرفه أفصح من أبي العلاء لأنه يقول ما لا نفهمه نحن ولا أبو العلاء أيضًا! فأمسك.
وأنا أكره من قول كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة:
_________________
(١) ١ هو أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان المتوفى سنة ٤٤٦هـ المشهور.
[ ٧١ ]
وما روضة بالحزن طيبة الثرى يمج الندى جثجاثها وعرارها
ذكر الجثجاث لأنه اسم غير مختار. ولو أمكنه ذكر غيره كان عندي أليق وأوفق.
ولا أحب أيضًا تسمية أبي تمام صاحبه علاثة ونداءه بالترخيم في قوله:
قف بالطلول الدارسات علاثًا أضحت حبال قطينهن رثاثا
وإن كان الروى قاده إلى ذلك فليت شعري من حظر عليه القوافي واقتصر به على الثآر دون غيرها من الحروف! وليس يؤثر منه إلا الشعر الحسن على أقرب الوجوه وأسهل السبل دون ما يتكلف المشقة في نظمه والعناء في تأليفه وليس يغفر للشاعر لأجل ما يلزم به نفسه ذنب ولا يغفل له عن خطأ إذ كان حظر المباح وحرم الحلال وأعتمد تكلف النصب طوعًا واختيارًا وهوى وقصدًا. لكنه لعمري إذا أتانا بالسليم من الزلل البعيد من التكلف والخطل. وكان كذلك في مأخذ صعب ومسلك وعر حمدناه الحمد الكامل ووصفناه الوصف التام.
ومن الألفاظ التي ذكرناها قول أبي عبادة البحتري:
فلا وصل إلا أن يطيف خيالها بنا تحت جؤشوش من الليل مظلم١
فليس بقبح جؤشوش خفاء. هذا على إنني لم أعرف شاعرًا قديمًا ولا حديثًا أحسن سبكًا من أبي عبادة ولا أحذق في اختيار الألفاظ وتهذيب المعاني.
_________________
(١) ١ الجؤشوش: القطعة من الليل.
[ ٧٢ ]
ومن ذلك أيضًا قول أبي تمام:
صهصلق في الصهيل تحسبه اشرج حلقومه على جرس
وقول القطامي:
إلى حيزبون توقد النار بعد ما تصوبت الجوزاء قصد المغارب١
فهل تعرف أوعر من صهصلق أو حيزبون؟
وعلى كل حال فالبدوي صاحب الطبع في هذا الفن أعذر من القروي المتكلف. لأن هذا لا يعرف هذه إلا بعد البحث والطلب وتجشم العناء في التصفح. وعلى قد ذلك يجب لومه والإنكار عليه.
والرابع: أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية كما قال أبو عثمان أيضًا. ومثال الكلمة العامية قول أبي تمام:
جليت والموت مبد حر صفحته وقد تفرعن في أفعاله الأجل
فإن تفرعن مشتق من اسم فرعون. وهو من ألفاظ العامة. وعادتهم أن يقولوا: تفر عن فلان إذا وصفوه بالجبرية.
ومنه قول أبي نصر عبد العزيز ابن نبانة:
أقام قوام الدين زيغ قناته وأنضج كي الجرح وهو فطير
فتأمل لفظة فطير تجدها عامية مبتذلة إن كانت لعمري قد وقعت
_________________
(١) ١ الحيزبون العجوز.
[ ٧٣ ]
هنا موقعًا لو كانت فصيحة هجنها وأذهب طلاوتها. كيف وهي على ما تراه. فأما قول أبي الطيب المتنبي:
إني على شغفي بما في خمرها لأعف عما في سراويلاتها
فلا شيء أقبح من ذكر السراويلات وما أعرف كناية أشهد الله أن التصريح أجمل منها ووصف عفة سلوك لريب والنهم أحسن من التلفظ بها إلا كناية أبي الطيب هذه ونعته عفافه هذا النعت.
ومن الألفاظ العامية أيضًا قوله:
خلوقية في خلوقيها سويداء من عنب الثعلب١
فإن عنب الثعلب مما أقول إن العامة لو نظمت شعرًا لترفعت عن ذكره.
وليس ايرادي هذه الأمثلة على جهة الطعن على هؤلاء الشعراء الفضلاء والغض منهم.
وكيف يكون ذلك وسأورد من غرائبهم وبدائع كلامهم ما يعلم معه أننا تحت تقصير عن شأوهم ويقع العجز عن أدراك القريب من غاياتهم. لكني إذا أحتجت إلى إيراد الأمثلة في المختار والمنبوذ والمحود والمذموم فلا معدل لي عن أشعارهم وتصفح نظمهم وأخذ ما أريده منها وإيراده عنها في الصنفين معًا.
ومن الألفاظ العامية أيضا قول أبي تمام في رواية أبي القاسم:
لو كان كلفها عبيد حاجة يومًا لزنى شدقمًا وجديلا٢
_________________
(١) ١ هو من قطعة له في وصف عين باز يقول: إن مقلته صفراء مثل لون الخلوق وهو ضرب من الطيب أصفر اللون واتسان عينه كأنه الحبة الصغيرة من عنب الثعلب. ٢ الضمير في كلفها للناقة وعبيد اسم الراعي الشاعر وشدقم وجديل فحلان كانا للنعمان.
[ ٧٤ ]
فزنى في القبح يوفي على كل قبيح.
فأما قول زهير بن أبي سلمى في قصيدته المختارة:
وأقسمت جهدًا بالمنازل من مني وما سحقت فيه المقادم والقمل١
فإن القمل من الألفاظ التي تجري هذا المجرى.
وقول أبي تمام:
قد قلت لما لج في صده أعطف عل عبدك يا قابري
غاية في السخافة! لأن قابري من ألفاظ عوام النساء وأشباههن.
وليس لأحد أن يتخيل أن العذر في إيراد هذه الألفاظ وأمثالها تعذر ما يقع موقعها في النظم كما يظن ذلك بعض المتخلفين في هذه الصناعة. وذلك أنه ليس يجب على الانسان أن يكون شاعرًا ولا كاتبًا ولا صاحب كلام يؤثر ولفظ يروى ولا يجب عليه لو وجب هذا أن ينظم تلك القصيدة التي وردت فيها هذه اللفظة ولا البيت من القصيدة. فكيف نعذره إذا أورد لفظة قبيحة جارية مجرى ما ذكرناه وهو قادر على حذف البيت كله واطراح ذكر جميعه إن لم يكن قادرًا على تبديل كلمة منه.
ونعود إلى ذكر الألفاظ العامية ونقول من الأمثلة قول أبي نصر ابن نباتة:
فقد رفعت أبصارها كل بلدة من الشوق حتى أوجعتها الأخادع
فإن أوجعتها من أشد ألفاظ العامة ابتذالا. وإن كانت الأخادع قبيحة.
ومنها قول أبي تمام:
_________________
(١) ١ المقادم مقادم الرأس والقمل استعارة للشعر الذي يكون فيه.
[ ٧٥ ]
ليزدك وجدا بالسماحة ما ترى من كيمياء المجد تغن وتغنم
وكيمياء من ألفاظ العوام المبتذلة وليست من ألفاظ الخاصة ولا يحسن نظم مثلها. وكذلك أيضًا قول أبي الطيب المتنبي:
تستغرق الكف فوديه ومنكبه وتكتسى منه ريح الجورب الخلق١
والجورب مما يكره ايراد مثله لما ذكرته.
وأمثال هذا كله في الأشعار المطرحة كثير. ولو تأملت قصيدة واحدة من شعر من يدعى القريض في هذا العصر وجدت فيها عدة أمثلة لكل ما أكرهه وأنكره إلا أني أعتمد على التمثيل بأشعار هؤلاء الفحول المتقدمين في هذه الصناعة لأمور: أولها صيانة هذا الكتاب عن تهجينه بذكر غيرهم. وثانيها أن اللفظة التي تكره في نظم هؤلاء الحذاق تقع فريدة وحيدة يظهر مباينتها لكلامهم فالعلم بها واضح وكشفها جلي. وقد قال حبيب بن أوس:
وكذاك لم تفرط كآبة عاطل حتى يجاورها الزمان بحال
وقال غيره قبله:
الجهل في الجاهل المغمور مغمور والعيب في الكامل المذكور مذكور
كفوفة الظفر تخفي من مهانته وبعضها في سواد العين مشهور٢
وليس مكانها في أشعار غيرهم كذلك.
بل هي منظومة مع غيرها في القبح وأشكالها. وثالثها إيثاري أن أعلمك أن مقدمي الفصاحة سامحوا
_________________
(١) ١ هذا البيت من قصيدة له في هجاء إسحاق ابن كيغلغ. ٢ الغوقة بياض في الظفر.
[ ٧٦ ]
نفوسهم وأصبحوا في طاعة أهوائهم ليتحقق أن الزلل في طباع البشر موجود. والعصمة عن أكثرهم بائنة هذا على مالي في طلب ذلك من الكلفة والنصب إذ كان قليلا في كلامهم مغمورًا بمحاسنهم وكنت أفتقر إلى تأمل الديوان الكامل حتى أظفر منه بالكلمات اليسيرة فأوردها مثالا.
فأما اقتصاري في أكثر ما أمثل به على المنظوم دون المنثور مع أن كلامي عليهما واحد فإنما أقصد ذلك لكثرة المنظوم واشتهاره ورغبتي في أن يسهل الوزن عليك حفظ ما أذكره فإنه داع قوى وسبب وكيد.
والخامس: أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة ويدخل في هذا القسم كل ما ينكره أهل اللغة ويرده علماء النحو من التصرف الفاسد في الكلمة. وقد يكون ذلك لأجل أن اللفظة بعينها غير عربية. كما أنكروا على أبي الشيص قوله:
وجناح مقصوص تحيف ريشه ريب الزمان تحيف المقراض
وقالوا: ليس المقراض من كلام العرب.
وتبعه أبو عبادة فقال:
وأبت تركي الغديات والآ صال حتى خضبت بالمقراض
فعابوه عليهما معًا. وقد تكون الكلمة عربية إلا أنها قد عبر بها عن غير ما وضعت له في عرف اللغة كما قال أبو تمام:
حلت محل البكر من معطى وقد زفت من المعطى زفاف الأيم١
_________________
(١) ١ ضمير حلت لصلة الممدوح وحلولها محل البكر عنده لأنها كانت أولى صنائعه له ويعني بزفافها زفاف الأيم من المعطى أنه أعطى مثلها كثيرا لغيره.
[ ٧٧ ]
وقال أبو عبادة:
يشق عليه الريح كل عشية جيوب الغمام بين بكر وأيم
فوضع الأيم مكان الثييب وليس الأمر كذلك. ليس الأيم الثيب في كلام العرب إنما الأيم التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا. قال الله ﷿: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١ وليس مراده تعالى نكاح الثيبات من النساء دون الأبكار وإنما يريد النساء اللواتي لا أزواج لهن. وقال الشماخ بن ضرار:
يقر بعيني أن أحدث أنها وإن لم أنلها أيم لم تزوج
وليس يسره أن تكون ثيبًا. وقد حكى أن بعض كبار الفقهاء وهو محمد بن إدريس الشافعي٢ غلط في ذلك والصحيح ما ذكرناه.
ومثال هذا أيضا قول أبي تمام:
ما مقرب يختال في أشطانه ملآن من صلف به وتلهوق٣
يريد بالصلف هنا الكبر والتيه وهذا مذهب العامة في استعمال هذه
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية ٣٢. ٢ هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي أبو عبد الله أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه نسبة الشافعية كافة ولد في غزة بفلسطين وحمل منها إلى مكة وهو ابن سنتين ارتحل إلى مصر سنة ١٩٩وتوفي فيها كان الشافعي أشعر الناس وأدبهم وأعرفهم بالفقه والقراآت وكان ذكيا له تصانيف كثيرة أشهرها كتاب الأم في الفقه ومن كتبه أيضا المسند في الحديث وأحكام القرآن والسنن والرسالة في أصول الفقه وغيرها كثير. ٣ هو من قصيدة له يمدح فيها الحسن بن وهب ويصف فرسا حمله عليه وجملة ما مقرب مبتدأ وخبر على الاستفهام والمقرب المكرم على أهله ويختال في أشطانه أي يختال وإن كان مشكولا والتلهوق التخذلق يعني عزة نفس الفرس.
[ ٧٨ ]
اللفظة. وأما العرب فتقول: صلفت المرأة عند زوجها إذا لم تحظ عنده وصلف الرجل أيضًا كذلك إذا كرهته. قال جرير:
إني أواصل من أردت وصاله بحبال لاصلف ولا لوام
والصلف الذي لا خير عنده. ومن أمثالهم رب صلف تحت الراعدة١.
ومن ذلك أيضًا قول أبي عبادة:
شرطي الأنصاف إن قيل اشترط وصديقي من إذا صافي قسط
وأراد بقسط عدل. لأن الأمر عليه وليس الأمر كذلك وإنما يقال أقسط: إذا عدل وقسط: إذا جار. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ٢.
وقد يكون ما ذكرناه على جهة الحذف من الكلمة كما قال رؤبة ابن العجاج:
قواطنًا مكة من ورق الحما
يريد الحمام. كقول خفاف بن ندبة:
كنواح ريش حمامة نجدية ومسحت باللثتين عصف الإثمد٣
يريد كنواحي وكما قال غيره هو مضرس بن ربعي:
وطرت بمنصلي في يعملات دوامي الأيد يخبطن السريحا٤
_________________
(١) ١ الصلف قلة الخير والراعدة السحابة ذات الرعد يضرب للبخيل مع الغني والسعة. ٢ سورة الحن الآية ١٥. ٣ شبه شفتي المرأة بنواحي ريش الحمامة في رقتهما والإثمد الكحل وعصفه ما سحق. ٤ المنصل السيف واليعملات النوق المطبوعة على العمل والسريح السير الذي يشد على رجلها يعني عقره لها بسيفه.
[ ٧٩ ]
والوجه الأيدي.
ومن ذلك قول النجاشي:
قلست بآتيه ولا أستطيعه ولاك أسقني أن كان ماؤك ذا فضل
أراد ولكن اسقني وقال الآخر:
أو معبر الظهر ينبي عن وليته ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا١
يريد ما حج ربه. وقال مالك بن حريم الهمداني:
فإن يك غثًا أو سمينًا فانني سأجعل عينيه لنفسه مقنعا
يريد لنفسه. وقال أبو الطيب المتنبي:
تعثرت به في الأفواه ألسنها والبرد في الطرق والأقلام في الكتب٢
وقد يكون على وجه الزيادة في الكلمة مثل أن يشبع الحركة فيها فتصير حرفا كما قال:
وأنت على الغواية حين ترمى وعن عيب الرجال بمنتزاح٣
أي بمنتزح. وقال غيره:
_________________
(١) ١ المعبر الظهر: الكثير وبره والولية البردعة.: الكثير وبره والولية البرذعة. ٢ هذا البيت من قصيدة في رثاء أخت سيف الدولةوالبرد جمع بريد أي الرسول. ٣ هذا البيت لابن هرمة يرثي ولده وعن عيب الرجال بمنتزاح أي بعيد عنه.
[ ٨٠ ]
وانني حيثما يسرى الهوى بصري من حيث ما نظروا أدنوا فانظور١
يريد أدنو فانظر. وقال الآخر:
تنفي يداها الحصا في كل هاجرة نفي الدراهيم تنقاد الصياريف٢
يريد الدراهم والصيارف.
وقد يكون إيراد الكلمة على الوجه الشاذ القليل وهو أردأ اللغات فيها لشذوذه.
والكثير أبدًا خفيف كما يقول النحويون في خفة الأسماء لكثرتها. ومن هذا قول البحتري:
متحيرين فباهت متعجب مما يرى أو ناظر متأمل
فقوله باهت لغة رديئة شاذة. والعربي المستعمل بهت الرجل يبهت فهو مبهوت ومنه قول المتنبي:
وإذا الفتى طرح الكلام معرضًا في مجلس أخذ الكلام اللذعنا٣
فإن اللذ في الذي لغة شاذة قليلة. ومنه قوله أيضًا:
ايفطمه التوراب قبل فطامه ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل٤
فالتوراب لغة في التراب شاذة غير كثيرة.
_________________
(١) ١ هذا البيت للفراء. ٢ هو للفرزدق والضمير في يديها للناقة. ٣ هو من قصيدة له في مدح بدر بن عمار والاعتذار إليه عن تخلفه عنه. ٤ هذا البيت للمتنبي أيضا وهو في رثاء ابن سيف الدولة.
[ ٨١ ]
وقد يكون لأن الكلمة بخلاف الصيغة في الجمع أو غيره كما قال الطرماح:
وأكره أن يعيب على قومي هجاي الأرذلين ذوي الحنات
فجمع إحنة على غير الجمع الصحيح لأنها إحنة وإحن ولا يقال حنات.
وقد روى أبو بصير أن عبد الملك بن قريب الأصمعي قال: كنا نظن أن الطرماح شيء حتى سمعنا قوله هذا البيت. وكما قال الآخر:
من نسج داود أبي سلام
يريد أبا سليمان.
ومن هذا الفصل أيضا أن يبدل حرف من حروف الكلمة بغيره كما قال الشاعر هو رجل من بني يشكر:
لها أسارير من لحم متمرة من الثعالي ووخز من أرانيها١
يريد من الثعالب وأرانبها. وقال الآخر:
ومنهل ليس له حوازق ولضفادي جمة نقانق
يريد ولضفادع.
ومنه أيضا إظهار التضعيف في الكلمة مثل قول الشاعر: هو قعنب بن أم صاحب٢
_________________
(١) ١ يصف الشاعر في هذا البيت عقابا الأشارير جمع أشرارة وهي قطعة اللحم. ٢ الشاعر هو قعنب بن ضمرة وهو في الأصل منسوب لأمه.
[ ٨٢ ]
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي أني أجود لأقوام وأن ضننوا
وأما صرف ما لا ينصرف كقول حسان بن ثابت:
وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس له كفآء
ومنع الصرف مما ينصرف كما أنشدوا قول العباس بن مرداس:
وما كان حصن ولا حابس يفوقان كرداس في مجمع
وكما قال البحتري:
هزج الصهيل كأن في نغماته نبرات معبد في الثقيل الأول
فمنعا الصرف عن مرداس ومعبد.
وقصر الممدود كقول الآخر:
والقارح العدا وكل طمرة ما إن تنال يد الطويل قذالها١
ومد المقصور على ما روى بعضهم:
سيغنيني الذي أغناك عني فلا فقر يدوم ولا غناء
وحذف الأعراب للضرورة مثل قول امرىء القيس بن حجر:
فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل
وتأنيث المذكر على بعض التأويل كقول الشاعر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم
_________________
(١) ١ هذا البيت للأعشى والطمرة: الفرس الكريم.
[ ٨٣ ]
وتذكير المؤنث كما قال الآخر: هو عامر بن جوين الطائي:
فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها
فإن هذا وأشباهه وما يجري مجراه وإن لم يؤثر في فصاحة الكلمة كبير تأثير فإنني أوثر صيانتها عنه لأن الفصاحة تنبىء عن اختيار الكلمة وحسنها وطلاوتها. ولها من هذه الأمور صفة نقص فيجب اطراحها. على أن ما ذكرته يختلف قبحه في بعض المواضع دون بعض على قدر التأويل فيه وحكمه.
فأما إدخال الألف واللام على الفعل في نحو قول الشاعر١:
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
وتشديد الكلمة المخففة مثل قول الشاعر:
كأن مهواها على الكلكل٢
وقول الآخر: هو رؤبة:
ضخم يحب الخلق الأضخما
وتحريك الياء التي تقع قبلها كسرة في الرفع والجر مثل قول الشاعر:
ما إن رأيت ولا أرى في مدتي كجواري يلعبن في الصحراء
فإن هذا كله داخل في باب الزيادة التي ذكرناها وأشرنا إليها وهي مكروهة على ما تقدم.
_________________
(١) ١ هو لذي الخرق الطهوي. ٢ الكلكل: الصدر.
[ ٨٤ ]
والسادس: أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره فإذا أوردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت وأن كملت فيها الصفات التي بيناها. ومثال هذا قول عروة بن الورد العبسي:
قلت لقوم في الكنيف تروحوا عشية بتنا عند ما وان رزح١
والكنيف أصله الساتر ومنه قيل للترس كنيف غير أنه قد استعمل في الآبار التي تستر الحدث وشهرتها. فأنا أكرهه في شعر عروة وإن كان ورد موردا صحيحًا لموافقة هذا العرف الطارىء.
على أن لعروة عذرًا وهو جواز أن يكون هذا الاستعمال حدث بعده. بل لا أشك أنه كذلك لأن العرب أهل الوبر لم يكونوا يعرفون هذه الآبار. فهو وأن كان معذورًا وغير ملوم فبيته مما يصح التمثيل به.
ومنه عندي قول الشريف الرضي ﵀:
أعزز على بان أراك وقد خلت من جانبيك مقاعد العواد
فإيراد مقاعد في هذا البيت صحيح لأنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشان. لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل اضافته إليهم وهم العواد. ولو انفرد كان الأمر فيه سهلا. فأما أضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لاخفاء به.
ومن هذا النحو قول أبي تمام:
متفجر نادمته فكأنني للدلو أو للمرزمين نديم٢
_________________
(١) ١ ما وان قرية من أرض اليمامة وقوم رزح: صعاليك. ٢ المرزمان: نجمان من نجوم المطر.
[ ٨٥ ]
فالدلو ها هنا أحد البروج ولا أختاره لموافقته اسم الدلو المعروف.
وأنت تجد بأقرب تأمل فرق ما بين قول القائل لمن يمدحه: أنت المرزم جودا والجنة لمن تقصده الأيام عزا. وبين قوله: أنت الدلو كرمًا والكنيف لطريد الدهر سعة. والمعنيان صحيحان.
وحسن أحدهما وقبح الآخر ظاهر لإخفاء به. ولولا ما ذكرته ونبهت عليه لم يكن لذلك وجه ولا علة.
ومن هذا أيضًا قول أبي صخر الهذلي:
قد كان صرم في الممات لنا فعجلت قبل الموت بالصرم١
وإنما أنكرت هذا لموافقته أيراد العامة هذه اللفظة على هذه الصيغة بالصاد فيما هي بالسين فكان ايثاري تجنبها لذلك.
فأما قول عمرو: ٢
وكم من غائط من دون سلمى قليل الأنس ليس به كتيع
فجار هذا المجرى.
والغائط البطن من الأرض إلا أنه يستعمل الآن في الحدث على ذلك الأصل. فذكره قبيح على ما تقدم. لكن عمرو معذور كعروة لأنه على ما ذكر وعرف حدث. فلعل عمرًا قبله.
ومما يوضح ما ذكرته لك ويبينه أنك تجد تصرم في قول أبي عبادة:
_________________
(١) ١ الصرم: القطيعة. ٢ هو عمرو بن سعد يكرب.
[ ٨٦ ]
تصرم الدهر لا وصل فيطمعني فيما لديك ولا يأس فيسليني
مختارا مرضيًا. وكذلك يتصرم في الشعر المنسوب إلى يزيد بن معاوية وهو:
خذوا بنصيب من نعيم ولذة فكل وإن طال المدى يتصرم
ولا يقبحان لمخالفتهما الأسم الذي ذكرته في اللفظ. وهو قبيح في بيت الهذلي للموافقة لا على غير ما أعلمتك به.
ومنه أيضًا قول أبي تمام:
وعزائمًا في الروع معتصمية ميمونة الأدبار والإقبال
فالإدبار من الألفاظ المكروهة لما ذكرته.
وكذلك قوله:
يضحكن من أسف الشباب المدبر يبكين من ضحكات شيب مقمر
لأن المدبر ها هنا مثل الأدبار في البيت الأول والكلمة الفصيحة غيرهما على ما بين.
ومنه قول الشريف الرضي ﵀:
سلام على الأطلال لا عن جنابة ولكن بأسا حين لم يبق مطمع
فإن جنابة هنا لفظة غير مرضية للوجه الذي ذكرته وأن كانت لولا ذلك فصيحة مختارة لخلوها من العيوب غيره.
والسابع: مما قدمناه أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف
[ ٨٧ ]
فإنها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت وخرجت عن وجه من وجوه الفصاحة.
ومن ذلك قول أبي نصر بن نباته:
فإياكم أن تكشفوا عن رؤوسكم ألا أن مغناطيسهن الذوائب
فمغناطيسهن كلمة غير مرضية لما ذكرته وأن كان فيها أيضًا عيوب أخر مما قدمناه.
ومن هذا النوع أيضًا قول أبي تمام:
فلأ ذربيجان اختيال بعد ما كانت معرس عبرة ونكال
سمجت ونبهنا على استسماجها ما حولها من نضرة وجمال
فقوله: فلأذربيجان كلمة رديئة لطولها وكثرة حروفها وهي غير عربية ولكن هذا وجه قبحها.
وكذلك قوله في البيت الثاني: أستسماجها رديء لكثرة الحروف وخروج الكلمة بذلك عن المعتاد في الألفاظ إلى الشاذ النادر.
ونحو من هذا قول أبي الطيب المتنبي:
إن الكريم بلا كرام منهم مثل القلوب بلا سويداواتها
فسويدا واتها كلمة طويلة جدا فلذلك لا أختارها
ومنه أيضا قول أبي تمام:
أنله باستماعكه محلا يفوت علوه الطرف الطموحا
فليس بقبح قوله: باستماعكه خفاء لكثرة الحروف على ما ذكرناه لا غير.
[ ٨٨ ]
وكذلك قوله أيضًا:
العيس تعلم أن حوباواتها ربح إذا بلغتك أن لم تنحر١
وحوباواتها كلمة طويلة.
ومنه قوله أيضًا: وليس في كل الروايات:
وإلى محمد ابتعثت قصائدي ورفعت للمستنشدين لوائي
فالمستنشدين كلمة كثيرة الحروف على ما تراه. وهذا قد يستدل به على غيره وأن امثاله كثيرة.
والثامن: أن تكون الكلمة مصغرة في موضع عبر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي أو قليل أو ما يجري مجرى ذلك. فإني أراها تحسن به ويجب ذكره في الأقسام المفصلة ولعل ذلك لموقع الاحصار بالتصغير ومثال ذلك قول الشريف الرضي ﵀:
يولع الطل بردينا وقد نسمت رويحة الفجر بين الضال والسلم٢
فلما كانت الريح المقصودة هناك نسيما مريضًا ضعيفًا حسنت العبارة عنه بالتصغير وكان للكلمة طلاوة وعذوبة.
ومثاله أيضا قول أبي العلاء صاعد بن عيسى الكاتب:
إذا لاح من برق العقيق وميضة تدق على لمح العيون الشوائم
_________________
(١) ١ حوباوات جمع ومفردها الحوباء بمعنى النفس. ٢ يولع يبيض.
[ ٨٩ ]
أفلا تراه لما أراد أنها خفية تدق على من ينظرها حسن التصغير في العبارة عنها.
وكذلك قول شيخنا أبي العلاء بن سليمان:
إذا شربت رأيت الماء فيها أزيرق ليس يستره الجران١
لما كان ماء قليلا يلوح ودونه حائل من أعناق الإبل وساتر على كل حال حسن وروده مصغرًا.
وكذلك قول الرضى ﵀:
زال وأبقي عند ورائه جذيم مال عرقته الحقوق
فصغر لما أراد القلة.
وأما قول المخزومي:
وغاب قمير كنت أرجو طلوعه وروح رعيان ونوم سمر
فإنما جعله قميرًا لأنه كان هلالا غير كامل ويمكن الدلالة على ذلك بقوله: إنه غاب في أول الليل وقت نوم السمر والقمر إذا كان هلالا غاب في ذلك الوقت بلا شك. وهذا تصغير مختار في موضعه فأما الأسماء التي لم ينطق بها إلا مصغرة كاللجين والثريا وما أشبههما فليس للتصغير فيهما حسن يذكر لأنه غير مقصود به ما قدمناه ولذلك لا أختار التصغير في قول أبي الطيب:
_________________
(١) ١ الجران: باطن منق البعير.
[ ٩٠ ]
إذا عذلوا فيها أجبت بأنة حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل١
لأنه عار من الوجه الذي ذكرته. فأما ما يذهب إليه من التصغير بمعنى التعظيم في مثل قول الشاعر:
وكل أناس سوف يدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل
فقد حكى أن أبا العباس المبرد كان ينكره ويزعم أن التصغير في كلام العرب لم يدخل إلا لنفي التعظيم ويتأول دويهية وما يجري مجراها بأن يقول أراد خفاءها في الدخول فصغرها لهذا الوجه وهو ضد التعظيم المذكور ويقوى عندي ما ذهب إليه أبو العباس المبرد أنهم إذا وضعوا التصغير أمارة للتحقير والتعظيم معًا فقد زالت الفائدة به ولم يكن دليلا على واحد منهما بل يرجع إلى المقصود باللفظة ويلتمس بيان ذلك من جهة المعنى دون اللفظ فليس للتصغير تأثير. وعلى كلا القولين فليس التصغير عندي وجهًا من وجوه الفصاحة إلا في الموضع الذي ذكرته دون ما يسمونه تصغيرًا في التعظيم وعلى هذا أحمل قول المتنبي:
أحاد أم سداس في أحاد لييلتنا المنوطة بالتناد
فلا أختار التصغير في لييلتنا لأنه تصغير تعظيم وليس على الوجه الذي ذكرته.
فأما قول أبي نصر بن نباتة يصف الحية:
ففي الهضبة الحمراء إن كنت ساريا أغيبر يأوي في صدوع الشواهق
فإن تصغيره ها هنا مرضى على ما ذكرته لأن الحية توصف بأنها لا تغتذي إلا بالتراب قد جف لحمها وذهبت الرطوبة منها ألا ترى إلى قول النابغة:
_________________
(١) ١ جمل اسم محبوبته.
[ ٩١ ]
فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع
فوصفها بأنها ضئيلة لما ذكرته:
وأما قول أبي الطيب:
ظللت بين أصيحابي أكفكفه وظل يسفح بين العذر والعذل ١
فالتصغير فيه مختار لأن العادة جارية في قلة عدد من يصحب الإنسان في مثل هذه المواضع ولهذا كانوا في الأكثر ثلاثة. وجرى ذكر الصاحبين والخليلين في الشعر كثيرًا لهذا السبب كما قال امرؤ القيس:
خليلي مر أبي على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب
وقال أبو نصر بن نباتة:
قفا قاقضياني لذة من حديثه علانية إن السرار مريب
وأمثال هذا يعرفها كل أحد وهي أكثر من أن يحاط بها أو تحصى.
فهذه الأقسام الثمانية هي جملة ما يحتاج إلى معرفته في اللفظة لمفردة بغير تأليف فتأملها وقس عليها ما يرد عليك من الألفاظ فإنك تعلم الفصيح منها من غيره إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ العذل: اللوم.
[ ٩٢ ]