بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أثق
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
لقد جاءت رسل ربنا بالحق الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
لقد جاءت رسل ربنا بالحق صلوات الله عليهم وعلى سيدهم محمد والأبرار من عترته الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا.
أما بعد: فإني لما رأيت الناس مختلفين في مائية١الفصاحة وحقيقتها أودعت كتابي هذا طرفًا من شأنها وجملة من بيانها وقربت ذلك على الناظر وأوضحته للمتأمل.
ولم أمل بالاختصار إلى الإخلال ولا مع الإسهاب إلى الإملال ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق.
اعلم أن الغرض بهذا الكتاب معرفة حقيقة الفصاحة والعلم بسرها فمن الواجب أن نبين ثمرة ذلك وفائدته لتقع ونقده فيه فنقول:
أما العلوم الأدبية فالأمر في تأثير هذا العلم فيها واضح لأن الزبدة منها والنكتة نظم الكلام على اختلاف تأليفه ونقده ومعرفة ما يختار منه مما يكره. وكلا الأمرين٢متعلق بالفصاحة بل هو مقصور على المعرفة
_________________
(١) ١ نسبة إلى - ما- الاستفهامية وقد يقال ماهية بقلب الهمزة هاء. ٢ الأول نظم الكلام ونقده والثاني هو الذي عرف فيما بعد باسم علم البلاغة.
[ ١٣ ]
بها. فلا غنى للمنتحل الأدب عما نوضحه ونشرحه في هذا الباب.
وأما العلوم الشرعية فالمعجز الدال على نبوة محمد نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو القرآن والخلاف الظاهر فيما به كان معجزا على قولين:
أحدهما أنه خرق العادة بفصاحة١وجرى ذلك مجرى قلب العصا حية٢وليس للذاهب إلى هذا المذهب مندوحة عن بيان ما الفصاحة التي وقع التزايد فيها موقعا خرج عن مقدور البشر، والقول الثاني: أن وجه الإعجاز في القرآن صرف العرب عن المعارضة٣ مع أن فصاحة القرآن كانت في مقدورهم لولا الصرف وأمر القائل بهذا يجري مجرى الأول في الحاجة إلى تحقق الفصاحة ما هي؟ ليقطع على أنها كانت في مقدورهم ومن جنس فصاحتهم ونعلم أن مسيلمة وغيره لم يأت بمعارضة على الحقيقة لأن الكلام الذي أو رده خال من الفصاحة التي وقع التحدي بها في الأسلوب المخصوص وإذا ثبت بما ذكرناه الغرض بهذا الكتاب وفائدته فالدواعي إلى معرفة ذلك قوية والحاجة ماسة شديدة.
ونحن نذكر قبل الكلام في معنى الفصاحة نبدأ من أحكام الأصوات والتنبيه على حقيقتها ثم نذكر تقطعها على وجه يكون حروفا متميزة ونشير إلى طرف من أحوال الحروف في مخارجها ثم ندل على أن الكلام ما انتظم منها ثم نتبع ذلك بحال اللغة العربية وما فيها من الحروف وكيف يقع المهمل فيها والمستعمل وهل اللغة في الأصل مواضعة أو توقيف ثم نبين هذا كله وأشباهه مائية الفصاحة.
ولا نخلى ذلك الفصل من شعر فصيح وكلام غريب بليغ يتدرب بتأمله على فهم مرادنا فإن الأمثلة توضح وتكشف وتخرج من اللبس إلى البيان ومن جانب
_________________
(١) ١ هذا هو قول جمهور العلماء. ٢ معجزة نبي الله موسى ﵇. ٣ هذا هو قول إبراهيم بن يسار المعروف بالنظام المتوفى سنة ٢٢١هـ.
[ ١٤ ]
الإبهام إلى الإفصاح فإذا أعان الله تعالى ويسر تمام كتابنا هذا كان مفردًا بغير نظير من الكتب في معناه.
وذلك أن المتكلمين وأن صنفوا في الأصوات وأحكامها وحقيقة الكلام ما هو فلم يبينوا مخارج الحروف وانقسام أصنافها وأحكام مجهورها ومهموسها وشديدها ورخوها. وأصحاب النحو وأن أحكموا بيان ذلك فلم يذكروا ما أوضحه المتكلمون الذي هو الأصل والأس. وأهل نقد الكلام١فلم يتعرضوا لشيء من جميع ذلك وإن كان كلامهم كالفرع عليه.
فإذا جمع كتابنا هذا كله وأخذ بحظ مقنع من كل ما يحتاج الناظر في هذا العلم إليه فهو مفرد في بابه غريب في غرضه. وفق الله تعالى ذلك ويسره بلطفه ومنه.
_________________
(١) ١ هم علماء البلاغة.
[ ١٥ ]