اللغة عبارة عما يتواضع القوم عليه من الكلام أو يكون توقيفًا: يقال في لغة العرب: أن السيف القاطع حسام. أي تواضعوا على أن سموه هذا الاسم. وتجمع لغة على لغات ولغين ولغون. وقد قيل في اشتقاقها أنها مشتقة من قولهم: لغيت بالشيء إذا أولعت به وأغريت به.
وقيل: بل هي مشتقة من اللغو وهو النطق. ومنه قولهم سمعت لواغي القوم أي أصواتهم.
ولغوت أي تكلمت. وأصلها على هذا لغوة على مثال فعله. فأما قولهم: في لغة بني تميم كذا وفي لغة أهل الحجاز كذا فراجع إلى ما ذكرناه. والمعنى أن بني تميم تواضعوا على ذلك ولم يتواضع أهل الحجاز عليه.
والصحيح أن أصل اللغات مواضعة وليس بتوقيف وإنما أوجب
[ ٤٨ ]
ذلك لأن توقيفه تعالى يفتقر إلى الاضطرار إلى قصده والتكليف يمنع من ذلك. وإنما افتقر إلى الاضطرار إلى قصده لأنه أن أحدث كلامًا لم يعلم أنه قد أراد بعض المسميات دون بعض ولو اقترن بهذا الكلام إشارة إلى مسمى دون غيره. لأنا لا نعلم توجه الكلام إلى ما توجهت الإشارة إليه وإنما يعلم ذلك بعضنا من بعض بالاضطرار إلى قصده وتخصص الإشارة بجهة المشار إليه لا يعلم بها هل الاسم للجسم أو للونه أو لغير ذلك من أحواله. وأما إذا تقدمت المواضعة بيننا وخاطبنا القديم تعالى بها علمنا مراده لمطابقة تلك اللغة. وقد يجوز فيما يعد أصل اللغات أيكون توقيفًا منه تعالى لتقدم لغة عن التوقيف يفهم بها المقصود. وقد حمل أهل العلم قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١على مواضعة تقدمت بين آدم ﵇ وبين الملائكة على لغة سالفة ممن خاطبه الله تعالى على تلك اللغة وعلمه الأسماء ولولا تقدم لغة لم يفهم عنه عز أسمه.
وقد ظن قوم أن المواضعة بيننا تحتاج إلى إذن سمعي ولا وجه لهذا القول إذ الدواعي إلى التخاطب وتعريف بعضنا مراد بعض قوية والانتفاع بذلك ظاهر. ولا وجه فيه من وجوه القبح قبحت حسنه كالتنفس في الهواء. وكما تحسن من أحدنا الإشارة في بعض الأوقات إلى ما يريده من غير إذن سمعي فكذلك المواضعة على كلام يدل عليه. ومن فرق بينهما فمقترح. وإنما فزع العقلاء إلى الحروف في المواضعة لأنها أسهل وأوسع ومع التأمل لا يوجد ما يقوم مقامها.
فأما ما نحن بصدده من ذكر اللغة العربية فلا خفاء بميزاتها على سائر اللغات وفضلها.
أما السعة فالأمر فيها واضح. ومن. تتبع جميع اللغات لم يجد فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللغة العربية في كثرة الأسماء للمسمى الواحد. على أن اللغة الرومية بالضد فإن الاسم الواحد يوجد فيها
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ٣١.
[ ٤٩ ]
للمسميات المختلفة كثيرًا. وقد كان بعض اللغويين حصر أسماء السيف والأسد في لغة العرب فكانت أورقًا عدة. وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني وفي النقل إليها يبين ذلك. فليس كلام ينقل إلى لغة العرب إلا ويجيء الثاني أخصر من الأول مع سلامة المعاني وبقائها على حالها. وهذه بلا شك فضيلة مشهورة وميزة كبيرة. لأن الغرض في الكلام ووضع اللغات بيان المعاني وكشفها. فإذا كانت لغة تفصح عن المقصود وتظهره مع الاختصار والاقتصار فهي أولى بالاستعمال وأفضل مما يحتاج فيه إلى الإسهاب والإطالة. وقد خبرني أبو داود المطران - وهو عارف باللغتين العربية والسريانية - أنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبحت وخست. وإذا نقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي إزداد طلاوة وحسنًا. وهذا الذي ذكره صحيح يخبر به أهل كل لغة عن لغتهم مع العربية. وقد حكى أن بعض ملوك الروم وأظنه نقفور سأل عن شعر المتنبي فأنشد له:
كأن العيس كانت فوق جفني مناخات فلما ثرن سالا١
وفسر له معناه بالرومية فلم يعجبه.
وقال كلاما معناه: ما أكذب هذا الرجل كيف يمكن أن يناخ جمل على عين إنسان وما أحسب أن العلة فيما ذكرته عن النقل إلى اللغة العربية منها وتباين ذلك إلا أن لغتنا فيها من الاستعارات والألفاظ الحسنة الموضوعة ما ليس مثله في غيرها من اللغات. فإذا نقلت لم يجد الناقل ما يتوصل به إلى نقل تلك الألفاظ المستعارة بعينها وعلى هيئتها لتعذر مثلها في اللغة التي تنقل إليها. والمعاني لا تتغير
_________________
(١) ١ هو من قصيدة له في مدح بدر بن عمار يقول: كنت لا أبكي قبل فراقهم فكان إبلهم كانت تمسك دمعي عن السيلان ببروكها فوق جفني فلما فارقوني سال دمعي فكأنها ثارت الرحيل من فوق جفني فسال ما كانت تمسكه من دموعي وهو تخيل بديع ويعد من المبالغة المقبولة.
[ ٥٠ ]
فنقلها ممكن من غير تبديل فكأن ما ينقل من اللغة العربية يتغير حسنه لهذه العلة وما ينقل إليها يمكن الزيادة على طلاوته لأن ناقله يجد ما يعبر به في العربية أفضل مما يريد وأبلغ مما يحاول.
وهذا وجه يمكن ذكر مثله ويجب أن يتأمل وينظر فيه لأني لا أعرف لغة سوى العربية.
وإنما ذهبت إليه ظنًا وحدسا. وقد تصرف في هذه اللغة بما لم أظنه تصرف في غيرها من اللغات فلم توجد إلا طيعة عذبة في كل ما استعمل فيه نظمًا ونثرًا وهي إلى الآن لا تقف على غاية في ذلك ولا تصل إلى نهاية كما قال أبو تمام في هذا المعنى:
ولكنه صوب العقول إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب
وقد بينت فضلها بسعتها وما فيها من الاختصار في العبارة عن المعاني وذكرت وجه التفضيل بالاختصار مما لا شبهة فيه.
فأما السعة فالأمر فيها أيضا واضح لأن الناظم أو الناثر إذا حظر عليه موضع إيراد لفظة وكانت اللغة التي ينسج منها ذات ألفاظ كثيرة تقع موقع تلك اللفظة في المعنى أخذ ما يليق بالموضع من غير عنت ولا مشقة وهذا غير ممكن لولا السعة في كثرة الأسماء للمسمى الواحد وتلك فائدة حاصلة بلا خلاف. على أنه ربما عرض في وضع الأسماء المشتركة فائدة في بعض المواضع مثل أن يحتاج الناطق إلى كلام يؤثر أن يكنى فيه ولا يصرح فيقول لفظة ويوهم بها معنى قد قصد غيره. وهذا وإن قل الداعي إليه إلا في اليسير من المواضع فلم تجعل اللغة العربية خالية منها بل فيها أسماء مشتركة. كقولهم عين وما أشبهها
وههنا لها فضيلة أخرى وهي أن الواضع لها أن كانت مواضعة تجنب في الأكثر كلما يثقل على الناطق تكلفه والتلفظ به كالجمع بين الحروف المتقاربة في المخارج وما أشبه ذلك. واعتمد مثل هذا في الحركات أيضًا
[ ٥١ ]
فلم يأت إلا بالسهل الممكن دون الوعر المتعب ومتى تأملت الألفاظ المهملة لم تجد العلة في إهمالها إلا هذا المعنى وليس غيرها من اللغات كذلك كلغة الأرمن والزنج وغيرهم.
ومما يدل على فضل هذه اللغة العربية أيضًا وتقدمها على جميع اللغات أن أربابها وأصحابها هم العرب الذين لا أمة من الأمم تنازعهم فضائلهم ولا تباريهم في مناقبهم ومحاسنهم وإن كانوا تواضعوا على هذه اللغة فلم يكن تنتج أذهانهم الصقيلة وخواطرهم العجيبة إلا شيئا خليقًا بالشرف وأمرًا جديرا بالتقدم. وأن كانت توفيقًا من الله تعال لهم ومنة من بها عليهم فلم يكن بد لهم من العناية بشأنهم والتشييد من ذكرهم حتى ركبهم على حميد الخلال وطبعهم على جميل الأخلاق إلا على غاية لا يتعلق بشأوها ورتبة يقصر الطالبون عن بلوغها. ولست في هذه النتيجة ممن يدعى مقدمتها عصبية ولا يذهب إليها حمية بل سأبين في هذا الفصل صحة ما أقوله من تفضيل العرب بحسب ما يليق به ولا يفضل عن قدر الحاجة فيه فإني لو رمت إيضاح ذلك بجملته وإيراده بجميع أدلته خرجت عن المقصود في هذا الكتاب وأخذت في تفضيل العرب على الأمم وهو يحتاج إلى جزء مميز وكتاب مفرد.
وجه تفضيل هؤلاء القوم على غيرهم.
إن الخصال المحمودة توجد فيهم أكثر وفي غيرهم أقل وعلى هذا الحد يقع التمييز بين القبيلتين وأهل البلدين ومتى تأمل المنصف حال العرب علم ما ذكرته حقيقة.
أما الكرم فالأمر فيه واضح لأننا لم نجد أمة من الأمم ولا شعبًا من الشعوب رأى قرى الضيف واجبًا ومساواة الجار فريضة إلا هذه
[ ٥٢ ]
الأمة من العرب حتى صرحوا بذلك في أشعارهم ودونوه في المأثور عنهم وتساوى فيه موسرهم ومعسرهم وغنيهم وفقيرهم. هذا وهم في الأكثر أهل جدب وفاقة وضيق وعسر ونصب في انتجاع الرزق وكد التعرض للكسب ثم بلغ من حبهم الجود وصبابتهم إلى جميل الذكر أن سمحوا بنفوسهم ورأوا البخل بها مذمومًا كالبخل بأموالهم وكان من كعب بن مامة الأيادي في ذلك ما هو مشهور معروف لا تزيد الأيام ذكره إلا بقاء ولا يؤثر فيه بعد العهد الأجدة ووضوحًا. ولم نر في الهند والزنج والحبش والترك من إدعى مثل هذه السجية ولا إنتسب إلى هذه الخلة. فأما الفرس والروم فالبخل عليهم غالب وحب الغنى مركز في طباعهم ليس عندهم في ذلك كبير عار ولا يلحقون أنفسهم به منقصة.
وأما الوفاء فمن دينهم الذي كانوا يرونه لازما ومذهبهم الذي كانوا يعتقدونه حتما حتى صار من تمسك بجوارهم أو تعلق ببعض أطنابهم تبذل النفوس دونه وتراق الدماء في المنع منه فكم قتل الرجل منهم في ذلك أقرب الناس إليه نسبًا وأمسهم به رحمًا وكم من وقعة عظيمة وحرب جليلة طويلة جرها ضيم نزيل أو التعرض لسب جار كالحال في حرب البسوس التي ساقها ما علم من قتل كليب لناقة جارة جساس واستفحال ذلك وتماديه حتى شهدته الأجنة شيبًا.
فأما السموءل ورضاه بقتل ابنه دون الدروع التي كانت وديعة عنده وأبو دؤاد الأيادي في قود ولده بجاره فمما هو متداول لإخفاء بتقصير جميع الأمم عنه.
وأما البأس والنجدة وطاعة الغضب والحمية وأدراك الثأر وطلب الأوتار فأخبارهم بذلك معروفة وسيرهم فيه بذلك متداولة لا يخص به الرجل دون المرأة ولا الغلام دون الهم المسن بل يوجد عند نسائهم من الصبر والشجاعة والتحريض على الحرب والقساوة مالا يساويه المذكورون
[ ٥٣ ]
بالنجدة في غيرهم والمنسوبون إلى البأس من سواهم كأسماء١ ومن يجري مجراها ممن خبره مشهور معروف. هذا وفي طباع النساء اللين وشيمتهن الضعف واليهن تنسب رقة القلوب وعنهن يؤخذ انتكاس العزائم.
ثم هم أصحاب السرى والتأويب وإليهم يعزى جوب القفار وقطع المهامة والحروب عادتهم والغارة صناعتهم وبصيرتهم بها وآراؤهم فيها تدلك على اهتمامهم بهذا الشأن وإرهاف أفكارهم فيه وشحذ خواطرهم لتدبيره. ولا حجة فيما ذكرناه أبين ولا دليل عليه أوضح من اجتزائهم عن جميع المعايش غيره واقتصارهم من سائر المكاسب عليه. إذ لم يروضوا شماسهم بذلة المهن ولا مرنوا نخواتهم على معاناة الحرف لا يسأل أحدهم الرزق الأغرار سيفه ولا يستنجد على نفي الضيم إلا بسنان رمحه.
وأما العقول الصحيحة والأذهان الصافية فالأمر في تفضيلهم بها واضح وذلك أنهم لم يكونوا أهل تعليم ودرس ولا أصحاب كتب وصحف ولا يعرفون كيف التأديب والرياضة ولا يعلمون وجه اقتباس العلم والرواية. وفي كلامهم من الحكم العجيبة والأمثال الغريبة والحث على محاسن الأخلاق والأمر بجميل الأفعال ما إذا تأملته غض عندك ما يروى عن حكماء اليونانيين وسهل الأمر عليك فيما حكاه الناس عنهم. ووجدت تلك الفصول اليسيرة والفقر القليلة تسند إلى جليل من الحكماء وتضاف إلى رئيس من العلماء وأمثالها وأضعافها في شعر راع جلف ومن كلام عبد غمر ينشئها طبعه بلا تثقيف ويسمح بها خاطره عن غير صقال.
_________________
(١) ١ يريد أسماء بنت أبي بكر في تحريضها لابنها عبد الله بن الزبير على حرب بني أمية.
[ ٥٤ ]
ثم لما صار هؤلاء القوم إلى الدين وتمسكوا بالشريعة وعادوا أصحاب كتاب يدرس ومذهب يروى ظهر لعمري من دقيق أفهامهم وعجيب كلامهم ما هو موجود لا يخفى على أحد جالس العلماء وخالط الكتب سبقهم إليه ومعجزهم فيه وأنهم فرعوا من المذاهب وولدوا من العلوم ما كان من قبلهم كان ممنوعًا منه ومصروفًا عنه.
وأما حب الذكر وجميل الثناء والفرق من الذم وسوء القول فمما هو معلوم من عادتهم معروف من شيمتهم. حتى كانوا إذا أسروا شاعرًا شدوا لسانه بن سعة خوفًا من أن يسبقهم ببيت يشرد أو يعجلهم بقول يؤثر. وقد قال أبو عثمان الجاحظ: لأمر ما قال حذيفة بن بدر لأخيه والرماح شوارع في صدره إياك والكلام المأثور. وقال هذا مذهب فرعت فيه العرب جميع الأمم وهو مذهب جامع لأصناف الخير.
وأما الغيرة والأنفة والصبر والجلد فمعلوم منهم حتى نسبوا إلى الفظاظة وذكروا بالقساوة وعلل ذلك بإكثارهم أكل لحوم الإبل وإدمانهم التقوت بها وزعموا أن في طباعها قسوة القلوب ومن عادتها غلظ الأكباد. هذا وهم متى هب في أحدهم نسيم الصبابة ودبت في مفاصله نشوة الهوى لانت تلك المعاطف ورقت تلك الشمائل وعاد ذلك العز ذلًا وفرقًا وصارت تلك النخوة توسلا وخضوعًا لكنه مع العفاف من الريب والبعد من التهم والمساواة بين الباطن والظاهر والاتفاق بين الغائب والبادي. وأشعارهم وأخبارهم بهذا كله مملوءة حتى كان هذا الحي من عذرة١ قومًا إذا نظروا عشقوا وإذا عشقوا ماتوا.
_________________
(١) ١ قبيلة اشتهرت بالحب العذري.
[ ٥٥ ]
وأما مراعاة الأنساب وحفظها وذكر الأصول والبحث عنها فباب تفردت به العرب فلم يشاركها فيه مشارك ولا ماثلها فيه مماثل وفوائده في الانتصار للعشيرة والحمية للأهل وغير ذلك معروفة ليس هذا موضع ذكرها وتقصى الكلام عليها.
هذه شيمهم وأخلاقهم وفيهم من بعد كتاب الله خير الكتب ورسوله سيد الرسل ودينه ناسخ الأديان. وفي جميع ما ذكرناه من أشعارهم ما يدل على صحته لكن المختار منه يأتي في الكلام على الفصاحة من هذا الكتاب بمشيئة الله تعالى فلذلك لم نورده هنا خوفًا من الإعادة وفرارًا من التكرار.
ونعود إلى الكلام في اللغة قالوا مما إختصت به لغة العرب من الحروف وليس هو في غيرها حرف الظاء وقال آخرون حرف الظاء والضاد. ولذلك قال أبو الطيب المتنبي:
وبهم فخر كل من نطق الضاد
يريد وبهم فخر جميع العرب. وقد ذهب قوم إلى أن الحاء من جملة ما تفردت به لغة العرب وليس الأمر كذلك لأني وجدتها في اللغة السريانية كثيرًا. وحكى أنها في الحبشية والعبرانية.
وأما العين والصاد والطاء والتاء والقاف فقد تكلم بها غير العرب إلا أنها قليل.
وقد خلت اللغة العربية من حروف توجد في غيرها من اللغات لا سيما لغة الأرمن فإنها على ما قيل ستة وثلاثون حرفًا إلا أنك إذا تأملتها وجدت بعض الحروف التي فيها يتشابه ببعض كثيرًا على حد تشابه الظاء والضاد في لغة العرب. فإن هذين الحرفين متقاربان لأجل ذلك احتاج الناس إلى تصنيف الكتب في الفرق بينهما ولم يتكلفوا ذلك في غيرهما من الحروف.
[ ٥٦ ]
فأما الأعراب فقل من رأيت من فضحائهم اليوم من يفرق بينهما في كلامه وهذا يدلك على شدة التشابه وقوة التماثل ولست أقول هذا على وجه الأحتجاج بكلامهم فإنهم الآن محتاجون إلى أقتباس اللغة من الحضر وإصلاح المنطق بأهل المدر. إلا أنهم قل ما يتفق منهم العدول عن النطق بحرف من الكلام إلى حرف آخر إلا والشبه فيهما قوى على ما قدمت ذكره.
ووقوع المهمل من هذه اللغة على ما قدمته لك في الأكثر من اطراح الأبنية التي يصعب النطق بها لضرب من التقارب في الحروف فلا يكاد يجىء في كلام العرب ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لحزونة ذلك على ألسنتهم وثقله. وقد روى أن الخليل ابن أحمد قال: سمعنا كلمة شنعاء وهي الهغجع وأنكرنا تأليفها. وقيل إن إعرابيًا سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهغجع فلما كشف عن ذلك وسئل الثقات من العلماء عنه أنكروه ودفعوه وقالوا: نعرف الخعخع وهذا أقرب إلى تأليفهم لأن الذي فيه حرفان حسب. وحروف الحلق خاصة مما قل تأليفهم لها من غير فصل يقع بينهما كل ذلك أعتمادًا للخفة وتجنبًا للثقل في النطق. فأما القاف والكاف والجيم فلم تتجاوز في كلامهم البتة لم يأت عنهم قج ولا جق ولا كج ولا جك ولا قك ولا كق وكل ذلك فرارًا مما ذكرناه إلا أن هذه الحروف قد تكررت في بعض الكلام قال رؤبة بن العجاج:
لو أحق الأقراب فيها كالمقق١
ونحو ذلك. والعلة فيه على ما ذكر أصحاب هذه الصناعة أن المكرر معرض في أكثر أحواله للإدغام لأنك تقول فرس أمق والحرفان
_________________
(١) ١ لواحق الأقراب خماص البطون قد لحقت بطونها بظهورها والمقق الطول.
[ ٥٧ ]
المتجاوران لا يمكن إدغام أحدهما في الآخر حتى يتكلف قبله إلى لفظه ثم يدغم فكانت المشقة فيه أغلظ فرفض لذلك. وهذا وجه صالح.
وقد قسم تأليف الحروف ثلاثة أقسام فالأول تأليف الحروف المتباعدة وهو الأحسن المختار والثاني تضعيف هذا الحرف نفسه وهو يلي هذا القسم في الحسن والثالث تأليف الحروف المتجاورة وهو إما قليل في كلامهم أو منبوذ رأسًا لما قدمناه والشاهد على ما ذكرناه الحس فإن الكلفة في تأليف المتجاور ظاهرة يجدها الإنسان من نفسه حال التلفظ ومن الحروف التي لم يتركب في كلامهم بعضها مع بعض الصاد والسين والزاي ليس في كلام العرب مثل سص ولا صس ولا سز ولا زس ولا زص ولا صز والعلة في هذا كله واحدة.
وهذه جملة مقنعة في هذا الفصل لمن وقف عليها بعون الله تعالى.
[ ٥٨ ]