وهو محمد بن مكرم - بتشديد الراء - بن أبي الحسن علي (وقيل رضوان) (٢) ابن أحمد بن أبي القاسم بن حبقة بن محمد بن منظور الأنصاري الرويفعي (من ولد
_________________
(١) مجلة الأبحاث (١٩٦٨): ٩٥ - ١١٦.
(٢) هو رضوان عند الذهبي (تاريخ الإسلام ٢٠ الورقة: ٦٤) وجمع السيوطي بين التسميتين (بغية الوعاة ١: ٢٤٨) وهو علي في سائر المصادر ما عدا ابن سعيد (النجوم الزاهرة: ٣٢٢) فإن المكرم أملي عليه نسبه فذكر «أبا الحسن» - دون تمييز -. واضطرب الأمر على الأدفوي فكتب في ترجمة محمد: محمد بن مكرم بن علي، وكتب في ترجمة أبيه: مكرم بن رضوان بن أحمد (البدر السافر، الورقة ١٦٧، ٢٠٠) وقد ساق هو نسبه في مادة (جرب) من اللسان وذكر أن جده أبا الحسن يسمى عليًا ويلقب نجيب الدين.
[ ١ / ٢٣ ]
رويفع بن ثابت الصحابي) ولقبه جمال الدين وكنيته أبو الفضل، وقد شهر عند المتأخرين باسم " ابن منظور " ونسي ما عد ذلك، واقترنت شهرته بلسان العرب الذي جمع فيه بين صحاح الجوهري ومحكم ابن سيده وتهذيب الأزهري.
وقد ثار في السنوات الأخيرة جدل حول منتمى ابن منظور، أملته النظرة الإقليمية الضيقة، أهو أفريقي أم مصري، حتى قال الأستاذ إبراهيم الأبياري في مقدمته على مختار الأغاني: " ولم يعرض لمكان مولد ابن منظور غير اثنين الزركلي في الأعلام حيث قال: " ولد بمصر وقيل بطرابلس الغرب " ثم الدكتور درويش في كتابه " المعاجم العربية " حيث يقول: ولد في تونس حيث نشأ بها. وما نرى أن كليهما نقل ما نقل عن مرجع بل نراهما قد اجتهدا في لاستنباط، فالمراجع كلها لم تذكر عن هذا البلد الذي ولد فيه ابن منظور شيئًا صريحًا " (١) [كذا] .
ولو تأملت هذا الكلام من جميع هؤلاء الدارسين لتملكك العجب، ودهشت لهذا الذي يجري في الدراسات والتحقيقات، من استنامة إلى السهولة والتساهل؛ مع أن الأدفوي يقول في البدر السافر: محمد بن مكرم الأفريقي المحتد القاهري المولد (٢)؛ وهذا ابن سعيد يروي نقلًا عن المكرم نفسه والد محمد أنه - أي المكرم - ولد بالقاهرة (٣)؛ فإذا كان الأب نفسه ولد بالقاهرة فبأي حق يفتش الدارسون عن عبقرية أفريقية (تونسية) لدى ابن منظور؟ ويعود الادفوي في ترجمة " مكرم " - الأب - فيقول: مكرم بن رضوان بن أحمد الأنصاري المصري - ويعرف والده بابن المغربية - قدم جده (يعني إلى مصر) من ناحية (اقرأ من باجة) أفريقية (٤) .
لا لبس إذن: جد محمد المدعو رضوان أو عليًا والمكنى بأبي الحسن قدم - كما يقول ابن سعيد نقلًا عن المركم نفسه - من باجة أفريقية، أي مما يسمى اليوم القطر التونسي، واستوطن القاهرة، وبها ولد ابنه المكرم في صفر سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة - أي كان أصغر من التيفاشي بسنتين - وسمع المكرم من أبي الجود اللخمي وعلي بن نصر بن العطار وعبد الله بن محمد بن مجلي وأبي الحسن بن المفضل الحافظ المقدسي وأبي عبد الله بن يوسف النقاش، وأجاز له
_________________
(١) مختار الأغاني (القاهرة: ١٩٦٥)، المقدمة على الجزء الأول: ل.
(٢) البدر السافر، الورقة: ١٦٧.
(٣) النجوم الزاهرة (المغرب - قسم القاهرة): ٣٢٢.
(٤) البدر السافر، الورقة: ٢٠٠.
[ ١ / ٢٤ ]
خبق كثير منهم البوصيري والخشوعي والصيدلاني وخرج له المحدث أبو بكر ابن مسدي مشيخة بالسماع والإجازة (١)، وقد كان ذكيًا ذا خاطر متوقد وقدرة على الحفظ باهرة، واختبره الملك الكامل في الحفظ لما سمع عن تميزه في ذلك فوجده ربما حفظ أحد عشر بيتًا من سمعة واحدة فسماه " ملك الحفاظ " ثم سماه " رئيس الأدباء " لتمهره في فنون الأدب، وحظي عند الكامل كثيرًا، ونال من صلاته ما جعله ذا نعم طائلة، فاقتنى خزائن شتى من الكتب، كان يبذلها للمستفيدين يطالعون ويحصلون (٢)، وفي أيامه الأخيرة أضر، من غير أن يفارق الخدم السلطانية، وقد كلفه سلطان مصر حينئذ مساعدة عبد الظاهر الأعمى في تذييل كتاب الكامل لابن الأثير (٣)؛ وقد كان التيفاشي كثير التردد إلى منزله - مع غيره من العلماء والأدباء - وأورد له في هذا الكتاب مقطعات شعرية كثيرة، وكانت وفاة المكرم سنة ٦٤٥/ ١٢٤٧.
وقد خلف المكرم ولدين: حسنًا ومحمدًا؛ أما حسن أكبرهما فقد ولد بالقاهرة سنة ٦١٣: ١٢١٦، وكان آخذًا في طريقة أبيه، معروفًا بغوصه على المعاني في شعره (٤)، وله شعر في كتاب التيفاشي، وكانت تربطه بابن سعيد صداقة متينة.
وأما محمد فقد ولد في يوم الاثنين ثاني عشر شهر محرم سنة ٦٣٠/ ٣٠ أكتوبر ١٢٣٢ وأخذ عن أبيه وعن جلة من علماء عصره منهم: أبو الحسن ابن المقير ويوسف بن المخيلي وابن الصابوني وعبد الرحيم بن الطفيل وابن الجميزي ومرتضى بن العفيف والجلال الدمياطي، وتفرد بأشياء، وحدث بالقاهرة، وعمر فأكثروا الحديث عنه (٥) وقال الذهبي أنه تفرد في العوالي. وقد خدم في ديوان الإنشاء بمصر مدة طويلة، ثم ولي نظر طرابلس الغرب (أي قضاءها) وكان يتشيع باعتدال، وله شعر ونثر كثير، وله معرفة بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة.
وقد شهر ابن منظور باختصاره للكتب، فاختصر الأغاني وهذبه ورتبه على الحروف، وزهر الآداب للحصري، واليتيمة للثعالبي، والذخيرة لابن بسام،
_________________
(١) تاريخ الذهبي ٢٠، الورقة: ٦٤.
(٢) عن الذهبي والبدر السافر وابن سعيد (بالجمع بين ما أورده في نسق) .
(٣) النجوم الزاهرة: ٣٢٢.
(٤) النجوم الزاهرة: ٣٢٣.
(٥) البدر السافر، الورقة: ١٦٧ وابن حجر: الدرر الكامنة (ط. القاهرة) ٥: ٣١ والوافي ٥: ٥٤، ونكت الهميان: ٢٧٥.
[ ١ / ٢٥ ]
ونشوار المحاضرة للتنوخي، وتاريخ بغداد للخطيب، والذيل عليه لابن النجار، وتاريخ دمشق لابن عساكر (١) . وصفة الصفوة لابن الجوزي، ومفردات ابن البيطار، وفصل الخطاب للتيفاشي، وظل يكتب حتى أضر في آخر عمره، وقد ذكر ابنه قطب الدين أن والده ترك خمسمائة مجلدة بخطه، وقيل أن الكتب التي اختصرها هذا المقدار. وكانت وفاته في العاشر أو الحادي عشر من شعبان سنة ٧١١/ ٢٣ أو ٢٤ من ديسمبر (كانون الأول) ١٣١١ (٢) .
- ٣ -