٣٢ - في التنزيل العزيز (ومن شرِّ غاسقٍ إذا وَقَبَ) غسقا الليل شدة ظلمته. ووقب أي دخل.
٣٣ - وقال العسكري (١): من أتم أوصاف الظلمة الذي في كلام البشر مثله قوله ﷿: (أو كَظُلْماتٍ في بَحْرٍ لُجَيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظلماتٌ بعضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذا أَخْرَجَ يَدَهُ لم يكَدْ يرَاهَا) .
٣٤ - وقال النبي ﷺ: " جَنِّبوا صبيانكم فَحْمةَ العِشاء ". وفحمة الليل اشتداد ظلمته.
٣٥ - ومن أسماء الليل: الدَّجْنُ والدُّجى والدجنَّة والكافر، سمي كافرًا لأنه يستر الأشخاص، والكَفْر - بفتح الكاف - الستر، ومنه اشتق اسم الكافر لأنه يجحد نعمة الله ﷿ ويسترها، والكُفُورُ: القرى النائية عن حواضر المدن لأن ساكنها يغيب عن جمهور الناس ويستتر عنهم، وفي الحديث: " لا تسكنوا الكفور (٢)، فإن ساكني الكفور كساكني القبور ".
٣٦ - وقال الأصمعي: كل ظلماء من الليل حِنْدِسٌ، والليلة الليلاء: الشديدة الظلمة، وكذلك الليل الأليلُ؛ وعسعس الليل: اشتدت ظلمته، وكذلك اكفهرّ وادلهمّ، وليل مكفهر ومدلهم وغيهب وغهيب، كل ذلك شديد السواد.
_________________
(١) ديوان المعاني ١: ٣٤٥.
(٢) ص: القرى، وانظر الجامع الصغير: ٢: ٢٠١.
[ ١ / ١٩ ]
٣٧ - سأل هشام (١) بن عبد الملك خالد بن صفوان: كيف كان سيرك؟ فقال: قتل أرضًا عالمها، وقتلت أرض جاهلها (٢)، بينا أنا أسير ذات ليلة إذ عصفت ريح شديد ظلماؤها. أطبق سماؤها، وطبَّق سحابها، وتعلّق ربابها، فبقيت مُحْرَنْجمًا كالأشقر إن تقدَّم نُحِرَ، وإن تأخر عُقِرَ (٣)، لا أسمع لواطئٍ همسًا، ولا لنابح جرسًا؛ تدلّت عليَّ غيومها، وتوارت عنى نجومها، فلا أهتدي بنجمٍ طالع، ولا بعَلَمٍ لامع، أقطع مَحَجَّةً، وأهبط لُجَّةً، في ديمومةٍ قفر، بعيدة القعر، فالريح تخطفني، والشوك يخبطني، في ريحٍ عاصف، وبرق خاطف، قد أوحشني إِكامها، وقطعني سلامها؛ فبينا أنا كذلك قد ضاقت عليَّ معارجي، وسُدَّتْ مخارجي، إذ بدا نجمٌ لائح، وبياضٌ واضح. وعرجتُ إلى آكام محزئلّة فإذا أنا بمصانعكم هذه، فقرَّت العين، وانكشفَ الرَّيْنُ.
فقال هشام: لله درك، ما أحسنَ وصفك.
٣٨ - ومن أحسن ما جاء في الليل قول ذي الرمة (٤):
وليلٍ كجلبابِ العروسِ ادَّرعته بأربعةٍ والشخصُ في العين واحدُ أخذه ابن المعتز فقال:
وليل كجلبابِ الشَّبابِ. (٥) قال العسكري (٦): جلباب العروس أطرب من جلباب الشباب.
٩ - وقال العلوي (٧):
وربَّ ليلٍ باتت عساكرُهُ تحملُ في الجوِّ سودَ راياتِ
لامعةً فوقها أسنَّتُهَا مثلَ الأزاهيرِ وَسْطَ روضات
_________________
(١) انظر محاضرات الراغب ٤: ٥٤٦ (٢: ٢٤١) .
(٢) «قتل أرضًا خابرها وقتلت أرض جاهلها» ورد منسوبًا للإسكندر في مختار الحكم: ٢٤٦.
(٣) كالأشقر إن تقدم نحر إن تأخر عقر: هذا مثل، انظر فصل المقال: ٣٧٦ والميداني ٢: ٥٨.
(٤) ديوانه: ١١٠٨ وديوان المعاني ١: ٣٤٢ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠ ومجموعة المعاني: ١٩٠ والشريشي ١: ١٦١.
(٥) تتمة البيت: «قطعته، بفتيان صدق يملكون الأمانيا» .
(٦) ديوان المعاني ١: ٣٤٢.
(٧) العلوي: هو المعروف بابن طباطبا اصبهاني العلوي، انظر الفقرة: ٥٩ في ما يلي.
[ ١ / ٢٠ ]
٤٠ - ومن أحسن الاستعارات في الليل قول عبد الصمد بن المعذّل (١):
أقولُ وجنحُ الدجى مُلْبَدُ ولليلِ في كلِّ فجٍّ يدُ
ونحنُ ضجيعانِ في مجسدٍ فلله ما ضُمِّنَ المجسد
أيا ليلة الوصل لا تنفدي كما ليلةُ الهجرِ لا تنفد
ويا غدُ إن كنتَ لي راحمًا فلا تدنُ من ليلتي يا غد ٤١ - قال العسكري (٢): وأجود ما قيل في طول الليل من الشعر القديم، قول امرئ القيس:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدولَهُ عليَّ بأنواع الهمومِ ليبتلي
فقلتُ له لما تمطَّى بِصُلْبِهِ وأردفَ أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليلٍ كأن نجومه بكل مُغارٍ الفتل شُدَّْت بيذبل
كأن الثريا عُلِّقَتْ في مصامها بأمراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جندل قال العسكري: هذا من فصيح الكلام وأبدعه (٣) . شبَّه الليل بالبحر، وترادف ظلماته بالموج، واستعار له سدولًا وهي الستور، واحدها سِدْل، لما يحول منه بين البصر وبين إدراك المبصرات؛ وقوله: " وما الإصباح منك بأمثل " معناه أن صبحك إذا كان فيك فليس فيك راحة، كأنه يريد به طلوع الفجر المتقدم بين يدي ضوء النهار، وقيل معناه: إن ليله كنهاره في البث، وانه لا يجد في النهار راحة كما لا يجدها في الليل، فجعل الليل والنهار سواء فيما يكابده من الوجد والحب.
٤٢ - قال الشيخ المصنف: كنت وقفت لشاعر بعد امرىء القيس على هذا المعنى وفيه زيادة مطبوعة وذهبت عني فنظمت في معناه:
لا أظلمُ الليلَ الطويلَ وأشتكي منه وما لي في الصباح رجاءُ
_________________
(١) شاعر عباسي توفي في حدود سنة ٢٤٠، انظر ترجمته في الأغاني ١٣: ٢٢٨ وطبقات ابن المعتز: ٣٦٨ وشعره في الشريشي ١: ١٦٠ وديوان المعاني ١: ٣٤٥ ونسبه لابن أبي فتن، والأول في تشبيهات ابن أبي عون: ١٩ وانظر ديوانه: ٨٢ - ٨٣.
(٢) ديوان المعاني ١: ٣٤٥ وانظر زهر الآداب: ٧٤٨ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٦ والشريشي ٢: ٢٤٤ ورسالة الطيف، الورقة: ١٥٢ ب (١٠٨) .
(٣) العسكري: أفصح الكلام وابرعه، والنص المنقول عنه ينتهي هنا.
[ ١ / ٢١ ]
مَنْ كان يطمع في الصباح براحةٍ ويسرهُ إنْ لاح منه ضياء
فجوايَ متّصلُ الظلامِ بضوئِهِ الليلُ عندي والنهارُ سواء وهذا هو معنى بيت امرئ القيس؛ ثم ذكرت البيت الذي كنت أحفطه وهو للطرماح (١):
ألا أيها الليل الطويلُ ألا اصبحِ ببمٍّ وما الإصباح منك بأروحِ
ولكنَّ للعينين في الصبحِ راحةً بطرحِهِما لَحْظَيْهِما كلَّ مَطْرَحِ بمً: اسم مدينة كرمان - بباء موحدة تحتها - ويروى:
أليلتنا في بمّ كَرْمَانَ أصبحي بخيرٍ وما الإِصباحُ منكِ بأروحِ وهذا معنى امرئ القيس، واستدرك فقال: " على أن للعينين في الصبح راحة " فجاء بما لا يُشَكُّ فيه، إلا أن لفطه لا يقع من لفظ امرئ القيس موقعًا، والتكلف في قوله " بطرحهما طرفيهما كلَّ مطرح " بيّن، والكراهة فيه ظاهرة؛ ونحوه قول ابن الدمينة (٢):
أقضّي نهاري بالحديثِ وبالمنى ويجمعني والهمَّ بالليلِ جامعُ ٤٣ - وأنشد العسكري لنفسه (٣):
وأزدادُ في جنحِ الظلامِ صبابةً ولا صَعْبَ إلاّ وهو بالليل أَصعبُ ٤٤ - إسحاق الموصلي في معنى النابغة (٤):
إنّ في الصبحِ راحةً لمحبٍّ ومع الليلِ ناشئاتُ الهمومِ هذا مأخوذٌ من ناشئة الليل.
_________________
(١) ديوان المعاني ١: ٣٤٦ وديوان الطرماح: ٩٦ والزهرة: ٢٩٠ وحماسة ابن الشجري: ٢١٦ وزهر الآداب: ٧٤٨ واللآلي: ٢٢٠ والبلدان (بم) وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٦ والشريشي ٢: ٢٤٣. والأول في الغيث ١: ١٥.
(٢) ديوان الكعاني ١: ٣٤٦ وديوان ابن الدمينة ٨٨ وتخريجه فيه ص: ٢٣٥.
(٣) ديوان المعاني ١: ٢٤٧ ومجموع شعره: ٦٢.
(٤) ديوان المعاني ١: ٣٤٧.
[ ١ / ٢٢ ]
٤٥ - وتمنى بعض المُثْقَلِينَ بالدّين دوام الليل فقال (١):
ألا ليَت النهارَ يعودُ ليلًا فإنّ الصبحَ يأتي بالهمومِ
دواعٍ لا نطيقُ لها قضاءً ولاردًّا وروعاتُ الغريم قوله: " ولا ردًّا " من التتميم الحسن.
٤٦ - وقول امرئ القيس: " فيا لك من ليل كأنّ نجومه " إلى آخر الأبيات قالوا: إن البيت الأخير فضل لا معنى له ولا فائدة فيه، لأن الثريا في جملة النجوم، وقد اكتفى بذكرها في البيت الأول " فيا لك من ليلٍ كأنّ نجومه " ولم أجدّ لأحد من علماء البديع من وجَّه وجهًا لامرئ القيس في ذلك؛ قال الشيخ: والوجه عندي أن من عادة العرب إذا ذكرت جملة أن تستثني أشرفها منها وتفرد بالذكر عنها لتدل على شرفه وفضله، ومثله في القران العزيز (فيهما فاكهةٌ ونَخْلٌ وَرُمّان) والنخلُ والرمانُ من جملة الفاكهة، فلما ذكر امرؤ القيس النجوم اسثنى الثريا وأفردها ليدل على شرفها وفضلها.
٤٧ - القاضي التنوخي (٢):
وليلةٍ كأنها يومُ أَمَلْ ظلامها كالدَّهْرِ ما فيه خَلَلْ
كأنما الإصباحُ فيها باطلٌ أزهقه الله بحقٍّ فبطل
ساعاتها أَطولُ من يوم النوى وليلةِ الهجر وساعاتِ العذل
مُوصَدَةٌ على الورى أبوابُهَا كالنارِ لا يخرجُ منها مَنْ دَخَل وهذا مستملح، وإن لم يكن مختارًا من التشبيه، لأن إخراج المحسوس إلى ما ليس بالمحسوس في التشبيه به خفاء.
٤٨ - ابن المعتز (٣):
كأن نجومَ الليلِ في حجراتها دراهمُ زَيْفٍ لم تُحَرَّرْ على النقد
_________________
(١) ديوان المعاني ١: ٣٤٧.
(٢) ديوان المعاني ١: ٣٤٧ ونهاية الأرب ١: ١٣٦.
(٣) ديوان المعاني ٣٤٨ ولم يرد في ديوانه.
[ ١ / ٢٣ ]
يريد أن نجومه واقفة ليست تسير كأنها دراهم زيف ليست بنقد فتُصْرَف.
٤٩ - ولبعض المحدثين (١):
عهدي بنا ورداءُ الليلِ منسدلٌ والليلُ أَطوله كاللمحِ بالبصرِ
فالآن ليليَ مذ بانوا فَدَيْتُهُمُ ليلُ الضريرِ فصبحي غيرُ منتظر قال: وهذا أبلغ من قول امرئ القيس، إلا أنه لا يدخل في مختار الكلام لابتذال لفظه، والمعنى أن ليله ممدود لا انقضاء له كليلة الضرير، والدهر كله عند الضرير ليل.
٥٠ - ولآخر في معنى قول امرئ القيس (٢):
يا ليل ليتك سرمدًا أبدًا ما في الصباحِ لعاشقٍ فَرَجُ ٥١ - وأجود ما قيل في وصف الليل (٣):
وليلِ يقول الناسُ من ظلماته سواءٌ بصيراتُ العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتًا حصينةً مُسوحٌ أعاليها وساجٌ كسورها هذا أبدع تشبيه في الليل فإنه شبه أعلاه بِمِسْحِ شَعْرٍ لتكاثف ظلمته وأسفلهُ بساجٍ، وهو الطيلسان الأخضر، لما بشوب ما بين يدي الناظر فيه من يسير الضياء. وكسور البيت: أسافله المرخاة منه.
٥٢ - ولآخر (٤):
وليلٍ ذى غياطلَ (٥) مُرْجَحِنّ رميتُ بنجمه عَرَضَ الأُفولِ
يردّ الطرفَ (٦) حندسُهُ كليلًا ويملأ هَوْلُهُ صدْرَ الدليل
_________________
(١) ديوان المعاني ١: ٣٤٨ والذخيرة ٣: ٦٩٦ وحلبة الكميت: ٣٠٤ ورسالة الطيف، الورقة: ١٥٣/ أ (١١٢) ومن غاب عنه المطرب: ٥٤ - ٥٥ لسيدوك الواسطي وفي لطائف اللطف للثعالبي: ١٢٨/ ألكشاجم وفي بغية الطلب ٥: ٢٢ للوزير المغربي.
(٢) تشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٦.
(٣) ديوان المعاني ١: ٣٤٣ لمضرس بن ربعي، والأزمنة والأمكنة ٢: ٢٣٣ لمضرس بن لقيط، وزهر الآداب: ٧٥١ لابن محكان السعدي، ومحاضرات الراغب ٤: ٥٤٦.
(٤) زهر الآداب: ٧٥٢.
(٥) زهر الآداب: مدلهم.
(٦) زهر الآداب: منقبضًا.
[ ١ / ٢٤ ]
٥٣ - آخر (١):
وليلٍ فيه تحسبُ كلَّ نجمٍ بدا لك من خَصاصةِ طيلسان وصف الليل بشدّة السواد، وكأنّ النجوم تظهر من خروق طيلسان، وشبّه سواد الليل بالطيلسان لخضرته، وشدة الخضرة راجعة إلى السواد، ومنه قوله تعالى (مُدْهَامتانِ) من شدة الخضرة من الريّ؛ والمدهام: الأسود. ومنه سمّي سواد العراق سوادًا لنخله وجنانه وكثرة مائه، وذلك أن الماء الكثير البعيد القعر يظهر أسود، ولذلك شبّه امرؤ القيس الليل بالبحر، ويقال لليل إذا اسود أخضر؛ قال الراجز يخاطب ناقته:
وعارضي الليلَ إذا ما اخضرّا ٥٤ - وقال الشَّماخُ (٢):
وليلٍ كلونِ الساجِ أسودَ مظلمٍ قليلِ الوغى داجٍ ولونِ الأَرَنْدَجِ أي قليل الأصوات، والأرندج: الجلود السود التي يقال لها بالفارسية رنده، وجمع الساج سيجان.
٥٥ - ومما يحكى من الاستشهاد على أن الساج الطيلسان أن أبا دلامة كان شاعرًا خفيف الروح مقبولًا عند خلفاء بنى العباس، وكان ماجنًا منهمكًا على الخمر، فحظر عليه الخليفة شُرْبَها، وأمر الشرطيّ متى وجده سكران أن يخرّق طيلسانه ويُحْبَسَ في بيت الدجاج، فأُخِذَ سكران فحبس، فلما أصبح كتب إلى الرشيد (٣):
أميرَ المؤمنين فَدَتكَ نفسي علامَ حبستني وخرفتَ ساجي
أُقادُ إلى السجونِ بغير ذنب كأني بعضُ عُمّالِ الخراج
ولو معهم حُبِسْتُ لهانَ ذاكم ولكني حبستُ مع الدجاج
دجاجات يُطيفُ بهنَّ ديك تناجى بالصياحِ إذا يناجي فضحك منه الرشيد وأطلقه.
_________________
(١) الأنواء لابن قتيبة: ١٨٦.
(٢) الأنواء: ١٨٦ وديوانه: ٧٨.
(٣) انظر الأغاني ١٠: ٢٦٣ - ٢٦٤ ومعاهد التنصيص ٢: ٢٢٠ وجمع الجواهر: ١١٣ وربيع الأبرار الورقة: ٢٣ ب والبصائر ٢: ٦٢٣ وبهامش ص نقل عن البصائر بخط مختلف عن خط الأصل.
[ ١ / ٢٥ ]
٥٦ - وفي شعر ذي الرمة " الرويزي ":
وليلٍ كأثناءِ الرويزيّ جُبْتُهُ بأربعةٍ والشخصُ في العينِ واحدُ قال: الرويزيّ الطيلسان، وهي الأكسية الخُضر الرويزية، قال المصنف وكذلك أُثبتَ في " كتاب الأنواء " لأبي حنيفة الدينوريّ.
٥٧ - لغز في السنة:
أربعةٌ وهي ثُلْثُ واحدةٍ كثيرةُ العدِّ وهي ثنتان
دائمةُ السير لا يدان لها تقطع أرضًا ولا جناحان أراد بالأربعة الفصول، وهي ثلث واحدة: أراد أن الأربعة ثُلث السنة، وكثيرة العدّ أراد الأيام، وهي ثنتان أي أنها في الغالب شتاء وصيف، كما قال ﷿ (رحلةَ الشتاءِ والصَّيْفِ) والبيت الثاني ظاهر لأنها تسير وتتصرَّم وليس لها عضوٌ تتحرك به.
٥٨ - أبو القاسم الزاهي (١):
الريحُ تعصفُ والأغصانُ تعتنقُ والمزنُ باكيةٌ والزهرُ مُغْتَبقُ
كأنما الليلُ جَفْنٌ والبروقُ له عينٌ من الشمسِ تبدو ثم تَنْطَبِقُ ٥٩ - العلوي (٢):
وربَّ ليلٍ باتت عساكرُهُ تحملُ في الجوِّ منه رايات
في كلِّ أفقٍ من السماءِ له كمينُ جَيْشٍ من الدجنَّات
تردّ عنه العيونَ خاسئة مرتبكاتٍ ذواتِ حيرات ٦٠ - ومن المبالغة في وصف الليل قول عبد العزيز بن خلوف الجروي (٣) من أفريقية:
_________________
(١) هو علي بن إسحاق بن خلف الزاهي من شعراء اليتيمة وشعره في اليتيمة ١: ٢٥٠ وحلبة الكميت: ٢٩٠.
(٢) ص: العطوي؛ والتصويب عن العسكري ومن أبياته هذه بيتان في ديوان المعاني ١: ٣٤٥ ونهاية الأرب ١: ١٤٣ وانظر الفقرة: ٣٩ في ماتقدم.
(٣) وردت ترجمة الجروي ي انباه الرواة ٢: ١٨٠ والمسالك ١١: ٣٠٣.
[ ١ / ٢٦ ]
ومن دونها طَوْدٌ من السُّمْرِ شامخٌ إلى النجمِ أو بحرٌ من البيضِ مُتْأَقُ
وأسودُ لا تبدو به النارُ حالكٌ وبيداءُ لا تجتازها الريحُ سَمْلَقُ قوله: " لا تبدو به النار " من أعجب المبالغة، مع اختصار لفظ وجزالة معنى.
وذكر ابن رشيق (١) في " أنموذج الشعراء بأفريقية " أن عبد العزيز بن خلوف أخذ هذا المعنى من محمد بن إبراهيم، وذكر له حكاية لطيفة قال: كان لمحمد بن إبراهيم هذا محبوب فماحكه فيه عبد أسود اسمه خلف، فقطعه عنه، فماحكه فيه عبد آخر اسمه فرج، فعمل أبياتًا مشهورة بالقيروان أولها:
أيّ الهموم عليه اليوم لم أعُجِ وأيّ بابٍ من الأَحزانِ لم ألِجِ
تأملوا ما دهاني تبصروا قِصصًا ظلامُهَا ليس يُمْشى فيه بالسُّرُجِ هذا موضع الاستشهاد.
ما نالني الخُلْفُ إلا وهو من خَلَفٍ وعاقني الضيقُ إلا وهو من فَرَج
حتى لقد صار كافورُ المشيب هوىً أشهى لنفسيَ من مِسْكِ الصّبا الأَرِجِ ٦٢ - النابغة الذبياني في طول الليل (٢):
كليني لهمٍّ يا أُميمةَ ناصبِ وليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكبِ
تقاعسَ حتى قلتُ ليس بمنجلٍ وليس الذي يرعى النجومَ بآيبِ الذي يرعى النجوم: الصبح، استعار له اسم الراعي لكونه يأتي معقبًا وراء النجوم.
٦٣ - شاعر:
ألا هل على الليلِ الطويلِ معينُ إذا نزحتْ دارٌ وحنَّ حزينُ
أُكابدُ هذا الليلَ حتى كأنما على نجمه أنْ لا يَغُورَ يَمينُ ٦٤ - آخر (٣):
_________________
(١) راجع هذه القصة في المسالك ١١: ٣٠٢.
(٢) ديوان المعاني ١: ٣٤٦ وديوان النابغة: ٥٤ وزهر الآداب: ٧٤٨ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٩ ورسالة الطيف، الوراقة: ١٥٢/ أ.
(٣) تشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٨.
[ ١ / ٢٧ ]
ما لنجومِ الليل لا تغربُ كأنها من خلفها تُجْذَبُ
رواكدٌ ما غاب في غربها ولا بدا مِنْ شرقها كوكب ٦٥ - آخر (١):
كأن بهيمَ الليلِ أعمى مقيَّدٌ تحيَّرَ في تيهٍ من الأرضِ مَجْهَلِ
كأنَّ الظلامَ حين أرخى سُدُولَهُ يبيتُ على ليلٍ بليلٍ مُوَصَّل ٦٦ - ابن الرقاع (٢):
وكأنّ ليلي حينَ تغربُ شمسُهُ بسوادِ آخرَ مثلِهِ مَوْصُولُ
أَرعى النجومَ إذا تغيَّبَ كوكبٌ أَبصرتُ آخرَ كالسرّاجِ يجول ٦٧ - أصرم بن حميد (٣):
وليلٍ طويلِ الجانبين قطعتُهُ على كَمَدٍ والدمعُ تجري سواكبُهْ
كواكبه حَسْرى عليه كأنما مقيَّدةٌ دون المسير كواكبه ٦٨ - وذكر عمر بن شَبَّةَ أن الأصل في ذكر الليل الطويل بيت الحارث بن خالد وهو (٤):
تعالوا أَعينوني على الليلِ إنه على كلِّ عينٍ لا تنامُ طويلُ ثم تبعه الناس.
٦٩ - بشار بن برد (٥):
خليلي ما بالُ الدُّجَى ليس يَبْرحُ وما لِعَمودِ الصبح لا يتوضَّحُ
_________________
(١) تشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٧.
(٢) تشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٧ والمختار: ١٧ ونهاية الأرب ١: ١٣٩.
(٣) ذكره في الأغاني ٢٢: ٥١٣، والبيتان في تشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٨ ونهاية الأرب ١: ١٣٩.
(٤) تشبيهات ابن أبي عون: ٢١٠ وشرح المختار: ١٩ وأمالي الزجاجي: ١٢ منسوبًا لمسلم بن جندب والعقد ٦: ٤٢٣؛ وانظر ملحقات الديوان: ١٢٢.
(٥) ديوان بشار ٢: ١٠٤ وشرح المختار: ١٢ ومنها بيتان في كل من ديوان المعاني ١: ٣٥٠ ونهاية الأرب ١: ١٣٦ وحلبة الكميت: ٣٠٥ وثلاثة في هر الآداب: ٧٤٦ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٧. ورسالة الطيف، الورقة: ١٥٢ ب (١١٠) .
[ ١ / ٢٨ ]
أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقَهُ أَمِ الدهرُ ليلٌ كلُّهُ ليس يبرح
لطالَ عليّ الليلُ حتى كأنني بليلين موصولين لا يتزحزح
أَظنُّ الدجى طالتْ وما طالتِ الدجى ولكنْ أَطالَ الليلَ همّ مبرح ٧٠ - وله (١):
كأن جفونَهُ سُمِلَتْ بشوكٍ فليس لنومه فيها قَرارُ
جَفَتْ عيني عن التغميضِ حتّى كأنَّ جفونَها عنها قصار
أقولُ وليلتي تزدادُ طولًا أما لليلِ بعدهمُ نهار ٧١ - شاعر:
صباحي ما لضوئك لا ينيرُ وليلي ما لنجمك لا يغورُ؟!
أَقُيِّدَ كلُّ نجمٍ كان يجري أمِ الظلماءُ حائرةً تدور ٧٢ - أبو الفضل محمد بن عبد الواحد التميمي (٢):
يا ليل هلا انجليتَ عن فَلَقِ طُلْتَ ولا صَبْرَ لي على الأَرَقِ
جَفَتْ لحاظي التغميضَ فيك فما تُطْبِقُ أَجفانَها على الحَدق
كأنها صورةٌ مُمَثَّلَةٌ ناظِرُهَا الدهرَ غيرُ منطبق ٧٣ - التنوخي (٣):
وليلةِ مشتاقٍ كأنَّ نجومها قد اغتصبت عيني الكرى فهي نُوَّمُ
كأن عيونَ الساهرين لطولها إذا شَخَصَتْ للأنْجمِ الزُّهْرِ أَنجم ٧٤ - جحظة البرمكي (٤):
وليلٍ في كواكبه حرانٌ فليس لطولِ مُدَّتها انتهاءُ
_________________
(١) ديوان بشار ٣: ٢٤٧ وشرح المختار: ٧ - ٨ والزهرة: ٢٩٠ وزهر الآداب: ٧٤٧ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٩ (بيتان) .
(٢) انظر في ترجمته الذخيرة ٤/ ١: ٨٧ والجذوة: ٦٨ (البغية رقم: ٢٠٩) ونفح الطيب ٣: ١١١ - ١١٦ وتتمة اليتيمة ١: ٦٤ والوافي ٤: ٦٧ وكانت وفاته في حدود عام ٤٥٥هـ؟.
(٣) اليتيمة ٢: ٣٣٨.
(٤) ورد البيت الثاني في مجموعة المعاني: ١٩١ والبياتن في رسالة الطيف، الورقة: ١٥٣/ أ (١١٠) وربيع الأبرار الورقة: ٣/ أ.
[ ١ / ٢٩ ]
عدمتُ تبلّجَ الاصباحِ فيه كأن الصبحَ جودٌ أو وفاء ٧٥ - جعفر بن محمد (١):
ربَّ ليلٍ كالبحرهَوْلًا وكالده ر امتدادًا وكالمداد سوادا
خُضْتُهُ والنجومُ يوقدن حتى أطفأ الفجرُ ذلك الإِيقادا ٧٦ - سعيد بن حميد (٢):
يا ليلُ بل يا أَبَدُ أنائمٌ عنكَ غَدُ
يا ليل لو تلقى الذي ألقى بها أَو تجد
قصَّر من طولك أو ضُوعف منكَ الجلد ٧٧ - العباس بن الأحنف (٣):
أيها الراقدون حولي أَعينو ني على الليل حسبةً وانتصارا
خبّروني عن النهارِ حديثًا وصفوه فقد نسيتُ النهارا ٧٨ - وله (٤):
رقدتَ ولم ترثِ للساهر وليلُ المحبِّ بلا آخر
ولم تدرِ بعد ذهابِ الرقا دِ ما فعل الدمعُ بالناظر ٧٩ - علي بن الخليل (٥):
_________________
(١) رسالة الطيف، الورقة: ١٥٥ ب.
(٢) شرح المختار: ١٨ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٩ والقالي ١: ١٠١ ونهاية الأرب ١: ١٣٩ والأول منها في ديوان المعاني ١: ٣٤٩. أما سعيد بن حميد فإنه من شعراء العصر العباسي، كان حيًا بعد عهد المعتصم، وكان أبو من وجوه المعتزلة، انظر الأغاني ١٨: ٩٠ وقد جمع يونس أحمد السامرائي رسائله وأشعار (بغداد ١٩٧١) وأبياته هذه وردت في ذلك المجموع ص: ١٢٦.
(٣) ديوان العباس: ١٣٣ والثاني في ديوان المعاني ١: ٣٤٩ ونهاية الأرب ١: ١٣٨ وانظر تشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٩ وشرح المختار: ١٢ وحماسة ابن الشجري: ٢١٥ وحلبة الكميت: ٣٠٥ ورسالة الطيف، الورقة: ١٥٢/ أ.
(٤) ديوان العباس: ١٥٤ وهما في الآلي: ٣١١ لخالد الكاتب وكذلك في شرح المختار: ١٣ ومن غاب عنه المطرب: ٥٤ والزهرة: ٢٨٩ والفوات ١: ٤٠٢ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢١٠.
(٥) ديوان المعاني ١: ٣٤٨ وشرح المختار: ٢٠ والذخيرة ١/ ٢: ٢٧٦ وزهر الآداب: ٧٤٩ ونهاية الأرب ١: ١٣٥ والغيث ١: ١٧ ومعاهد التنصيص ١: ٢٦٦.
[ ١ / ٣٠ ]
لا أظلم الليل ولا أدعي أن نجوم الليل ليست تزول
ليلي كما شاءت قصيرٌ إذا جادت وان صَدتْ فليلي طويل أخذه ابن بسام فقال (١):
لا أظلمُ الليلَ ولا أدَّعي أن نجومَ الليلِ ليست تغورْ
ليلي كما شاءت فإن لم تَجُدْ طال وان جادتْ فَلَيْلي قصير ٨٠ - وذكر الفرزدق العلة في طول الليل فقال (٢):
يقولون طال الليلُ والليلُ لم يَطُلْ ولكنَّ من يهوى من الوجد يسهرُ ٨١ - شاعر (٣):
أخو الهوى يستطيل الليلَ من سهره والليلُ من طوله جارٍ على قَدَرِهْ
ليلُ الهوى سنَةٌ في (٤) الهجر مُدَّتُهُ لكنه سِنَةٌ في الوصلِ مِنْ قِصَرِهْ ٨٢ - الوليد بن يزيد (٥):
لا أسألُ الله تغييرًا لما صَنَعَتْ سُعْدَى وانْ أسهرتْ عينيَّ عيناها
فالليل أطولُ شيءٍ حين أفقدها والليل أقصرُ شيءٍ حين ألقاها ٨٣ - شاعر:
ليلٌ طويلٌ كمثلِ أحْرُفِهِ أوَّلُهُ في الهجاء آخِرُهُ ٨٤ - وذكر آخر سروره بالسهر فقال (٦):
يا نسيمَ الروضِ في السَّحَرِ وشبيهَ الشمسِ والقمر
إنَّ من أسْهرتَ ناظرَهُ لَقَريرُ العينِ بالسهر
_________________
(١) انظر المصادر السابقة، وأضيف إليها القالي ١: ١٠٦ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٨ والشريشي ٤: ٢٨٤. والزهرة: ٢٨٩ منسوبًا لعلي بن هشام وكذلك في المعاهد ١: ٢٦٦ وهو في معجم المرزباني: ١٣٦ لعلي بن الخليل الكوفي.
(٢) شرح المختار: ١٩ والقالي ١: ١٠٠ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٨.
(٣) نهاية الأرب ١: ١٣٥ والشريشي ٤: ٢٨٣ (والقافية دون هاء) وهو للمطراني.
(٤) ص: والدهر.
(٥) شرح المختار: ٢١ وزهر الآداب: ٧٤٩ والذخيرة ١/ ٢: ٢٧٦ ونهاية الأرب ١: ١٣٥ والعكبري ١: ٤٠ وديوان الوليد: ٢٠ والشريشي ٤:٤: ٢٨٣ والواحدي: ٤٧٣ والمختار من القطب: ٢١٩.
(٦) الزهرة: ٢٨٩.
[ ١ / ٣١ ]
٨٥ - ومما يطرب قول محمد بن عبد الملك الزيات (١):
كتبتْ على فصٍّ لخاتمها مَنْ مَلَّ من أَحبابِهِ رقدا
فكتبتُ في فصي ليبلُغَها مَنْ نامَ لم يشعرْ بمن سَهِدا
قالتْ يعارضني بخاتَمِهِ والله لا كَلَّمْتُهُ أبدا ٨٦ - إبراهيم بن خفاجة (٢):
يا ليلَ وجدي بنجدٍ أمَا لطيفك مَسْرَى
وما لدمعي طليقٌ وأنجمُ الجو (٣) أسرى
وقد طما بحرُ ليلٍ لم يُعْقِبِ المدَّ جزرا
لا يعبرُ الطرفُ فيه غيرَ المجرةِ جِسْرا ٨٧ - ابن الرومي:
يحولُ الحولُ في الوصلِ ويبقى ليَ تذكارُهْ
ويومُ الهجرِ والبينِ كيومٍ كان مِقْدارُهْ ٨٨ - مؤيد الدولة الطغرائي (٤):
ليلي وليلَى نومي اختلافُهُما حتى لقد صَيّراني في الهوى مثلا
يجودُ بالطولِ ليلي كلّما بَخَلتْ بالوصل ليلى وان جادتْ به بخلا ٨٩ - علي بن أبى غالب من أفريقية (٥):
كأنَّ نجومَ الليلِ بُدِّلَ سيرها فصارتْ إلى نحوِ المشارقِ تقصدُ ٩٠ - الخفاجي الحلبي (٦):
_________________
(١) الزهرة: ٢٩٢.
(٢) ديوان ابن خفاجة: ١٥٥ ونهاية الأرب ١: ١٣٨.
(٣) ص: الليل.
(٤) الشريشي ٤: ٢٨٣ للسلامي وفي معاهد التنصيص ٢: ٢٦٦ لبعض المتأخرين.
(٥) هو علي بن عبد الكريم من شعراء الأنموذج؛ انظر المسالك ١١: ٣٦٥ وفيه البيت.
(٦) هو ابن سنان الخفاجي واسمه عبد الله بن محمد بن سعيد (- ٤٦٦)؛ وترجمته في الفوات ٣: ٢٢٠ ودمية القصر ١: ١٤٢ والنجوم الزاهرة ٥: ٩٦ واللباب (الخفاجي) وبيتاه في حلبة الكميت: ٣٠٥ وديوانه (مخطوطة الجامعة الأميركية): ٨١.
[ ١ / ٣٢ ]
من كان يحمد ليلًا في تقاصره فان ليليَ لا يُدْرى له سَحَرُ
لا تسألوني، إلاّ عن أوائِلهِ فآخر الليلِ ما عندي له خبر ٩١ - العسكري (١):
بانوا فلم أَدْرِ ما أُلاقي مَسٌّ من الوجد أم جنونُ
ليليَ لا يبتغي بَرَاحًا كأنه أدهَمٌ حَرون
أُجيلُ في صفحتيه عينًا ما يتلاقى لها جفون ٩٢ - الاسفرايني (٢):
ألا هاتها ورديةً عنبيةً فقد شَوَّشَتْ ريحُ الصبا طُرَّةَ الوردِ
ولحت هلالُ الفطر نِضوًا كأنه بدوُّ غِرارِ السيفِ من أسفلِ الغمد ٩٣ - العسكري (٣):
قصر العيشُ بأكناف الغضا وكذا العيشُ إذا طاب قصير
في ليالٍ كأباهيم القطا لست تدري كيف تأتي فتطير ٩٤ - ابن المعتز (٤):
يا ليلةً كاد من تقاصرها يعثُر فيها العشاءُ بالسَّحَرِ ٩٥ - إبراهيم بن العباس الصولي (٥):
وليلةٍ من الليالي الزُّهْرِ قابلتُ فيها بدرها ببدري
لم يكُ غير شفقٍ وفجر حتى تقضَّتْ وهي بكر الدهر
_________________
(١) ديوان المعاني ١: ٣٤٩ ومنها بيتان في حلبة الكميت: ٣٠٤ ورسالة الطيف، الورقة: ١٥٣/ أ (١١١) ومجموع شعر العسكري: ١٥٤.
(٢) أرى أن هذبن البيتين لم يقعا في موضعهما الصحيح.
(٣) ديوان المعاني ١: ٣٥١ ومجموع شعره: ١١٣.
(٤) الذخيرة ١/ ٢: ٧٧٢ (دون نسبة) ولم أجده في ديوانه.
(٥) ديوان المعاني ١: ٣٥١ والذخيرة ١/ ٢: ٧٧٢ وزهر الآداب: ٢٩٩ ومن غاب عنه المطرب: ٥٠ وديوان الصولي: ١٥٤.
[ ١ / ٣٣ ]
٩٦ - شاعر (١):
ياربَّ ليلِ سرورٍ خلتُهُ قِصَرًا كعارضِ البرق في جنح الدجى برقا
قد كاد يعثُر أولاهُ بآخرِهِ وكاد يسبقُ منه فجره الشفقا
كأنما طَرَفاه طَرْفٌ اتفق ال جفنان منه على الإطراقِ وافترقا ٩٧ - جعفر المصحفي (٢):
سألتُ نجومَ الليل هل ينقضي الدجى فخطَّتْ جوابًا بالثريّا كخطّ لا
وكنت أرى بآخر ليلتي فأطرق حتى خلته عاد أوّلا ٩٨ - كشاجم (٣):
وليلةٍ فيها قِصَرْ عشاؤها مع السَّحَرْ
صافيةٍ من الكدرْ في مثلها التذَّ السهر
تمحو إساءات القدَرْ وتترك الدهرَ أَغرّ ٩٩ - علي بن أحمد الجوهري (٤):
يا ليل أفدي اختك البارحه ما كان أذكى ريحها الفائحة
كانت لنا خاتمةً لو درت وجدي بها كانت هي الفاتحة ١٠٠ - أبو بكر الخوارزمي (٥):
وكم ليلة لا أُعْلِمُ الدهر طولها مخافة أن يقتصَّ مني لها الدهر
سهاد ولكن دونه كل رقدة وليل ولكن دون اشراقه الفجر
وسكري هوى لو كان يحكيه لذةً من الخمر سكرٌ لم يكن حرم الخمر ١٠١ - ابن طباطبا وهو أبلغ ما قيل:
_________________
(١) نسبها للحاتمي في زهر الآداب: ٣٠٠.
(٢) هو الحاجب أيام الحكم المستنصر ومنافس المنصور بن أبي عامر، توفي ٣٧٢؛ انظر ترجمته في الحلة السيراء ١: ٢٥٧ والمطمح: ٤ والجذوة: ١٧٥؛ وشعره في تشبيهات الكناني: ٢٠ والحلة السيراء ١: ٢٥٩ والنفح ١: ٦٠٤.
(٣) ديوان كشاجم: ٢٥٧ (تحقيق خيرية محمد محفوظ، بغداد ١٩٧٠) .
(٤) اليتيمة ٤: ٣٠.
(٥) اليتيمة ٤: ٢١١.
[ ١ / ٣٤ ]
وليلةٍ مثلِ أمرِ الساعةِ اقتربتْ حتى تقضَّتْ ولم نشعر بها قصرا
لا يستطيع بليغ وَصْفَ سرعتها كانت ولم تعتلق وهما ولا نظرا ١٠٢ - شاعر (١):
وليل لم يقصّره رقادٌ وقصَّره منادمةُ الحبيبِ
نعيمُ الحبِّ أورقَ فيه حتى تناولنا جناه من قريب
ومجلسُ لذةٍ لم نلوِ فيه على شكوى ولا عدد الذنوب
بخلنا أن نقطّعه بلفظٍ فترجمتِ العيونُ عن القلوب ١٠٣ - أمية ابن أبي الصلت (٢):
يا ليلةً لم تبنْ من القصر كأنها قبلةٌ على حَذَرِ
لم تك إلا كلا ولا ومضتْ تدفعُ في صدرها يدُ السحر ١٠٤ - شاعر:
يا ليلتي أحسنتِ مقبلةً وأسأتِ عند تبلج الفجرِ
أقصرتِ حين وفى بزورِتهِ هلاّ قصرتِ لياليَ الهجر ١٠٥ - شاعر:
يا ليلُ يا ليلُ إلى أين ارْبع على ذَيْنِ المحبينِ
ناشدتك الله تقفْ ساعة فالصبحُ منا موعدُ المحبين البين ٠٦ ١ - آخر:
إذا نادى المنادي كاد يبكي حذارَ الصُّبْح لو نفعَ الحذارُ
وودَّ الليلَ زيد إليه ليلٌ ولم يُخلَقْ له أبدًا نهار ١٠٧ - أبو الحسن الأنصاري:
وليلةٍ غائبة النحوس كثيرة الأَقمار والشموسِ
قصيرة كالنظر المخلوس تَمَّتْ فكانت منيةَ النفوس
_________________
(١) ديوان المعاني ١: ٣٥٢ وزهر الآداب: ٢٩٨.
(٢) هو ابو الصلت أمية بن عبد العزيز الداني الحكيم (- ٥٢٩) وترجمته في الخريدة ١: ١٨٩ (ط. تونس) وشعره فيها ١: ٢٢٧ وفي ديوانه: ٩٤ ونفح الطيب ٥: ٢٠.
[ ١ / ٣٥ ]
١٠٨ - البهازهير الكاتب (١):
وليلة كأنها يومٌ أغَرّ ظلامها آنس (٢) من ضوءِ القمرْ
كأنها في مقلة الدهر حَوَرْ ما قصرت لو سلمتْ من القصر
حين (٣) أتت مَرَّتْ كلمحٍ بالبصر ليس لها بين النهارين أثر
تطابَقَ العشاء فيها والسحر ألذّ من طيب الكرى فيها السهر ١٠٩ - ابن سناء الملك (٤):
ياساقيَ الراح بل ياسائقَ الفرح ويا نديميَ بل ياكلَّ مقترحي
لا تخشَ من قصر ليلٍ في تواصلنا (٥) أما تراني شربتُ الصبحَ في قدحي ١١٠ - ابراهيم الغزي (٦):
وليلٍ رجونا أن يدبَّ عذارُهُ فما دبَّ حتى صار بالفجر (٧) ذائبا ١١١ - الشريف الموسوى:
وليلةٍ سال بها صُبْحُها والصبحُ في المشرقِ كالسَّيْلِ
حتى توهمنا بأنَّ الدجى طيفٌ يحيّينا بلا ليل ١١٢ - القاضي الفاضل (٨):
بتنا على حالٍ تسرُّ الهوى وربما لا يمكنُ الشرحُ
بوّابُنا الليلُ وقلنا له إن غبتَ عنَّا دخل الصبح ١١٣ - الخفاجي الحلبي (٩):
إن كان ليلي طويلًا بعد بينكمُ فقد نعمت بكم والليلُ كالسَّحَرِ
_________________
(١) ديوان البهازهير: ١٥٤.
(٢) الديوان: أشرق.
(٣) ص: حرانة.
(٤) ديوان ابن سناء الملك: ١٥٠.
(٥) الديوان: في ليل لهوي من تقاصره.
(٦) الخريدة (قسم الشام) ١: ١١.
(٧) ص: بالهجر.
(٨) ديوانه ١: ٢٦ وابن خلكان ٣: ١٠٦ والغزولي: ٢٥.
(٩) البيتان في ديوان (مخطوطة الجامعة الأميركية): ٧٩.
[ ١ / ٣٦ ]
لا أظلمُ الليل، ليلي في فراقكم بليلِ وصلكمُ، فالطول كالقصر (١) ١١٤ - ابن المعتز (٢):
يا ليلةً نسي الزمانُ بها أحداثَهُ كوني بلا فجر
باح الظلامُ ببدرها ووشت فيها الصبا بمواقع القطر
ثم انقضتْ والقلبُ يتبعها في حيثما سقطتْ من الدهر ١١٥ - شاعر في طيب الأيام:
يا ربَّ يوم لي كظل ك أو كظنك لو يقاربْ
رقَّتْ حواشيه وغضَّ تْ عينُ واشيهِ المراقب
قَصُرَتْ لنا أطرافُهُ قِصَرَ القناع عن الترائب
وتبرَّجَتْ لذاته للخاطبين وللخواطب ١١٦ - شاعر:
يومٌ كأن نسيمه من عنبرِ وتخالُ أنَّ أَديمَهُ من جوهر
لو باعتِ الأيام آخرَ مثله بالعمر أَجمعَ كنتُ أوّلَ مشتري ١١٧ - ابن رشيق (٣):
أيّها الليل طُلْ بغير جناحِ ليس للعين راحةٌ في الصباح
كيف لا أُبغِضُ الصباحَ وفيه غاب عنّي أولو الوجوهِ الصِّباح ١١٨ - يحيى بن أحمد التيفاشي عم المصنف:
أتتني وقلبُ البرقِ يخفقُ غَيْرةً عليها وعينُ النجم تنظرها شَزْرا
وقد هجعتْ عينُ الوشاة وأَسْبَلَتْ علينا الدياجي من حنادسها سترا
فبتنا إلى وجه الصّباح كأننا قضيبان لا صدًّا نخافُ ولا هجرا
فيا ليلةً قد قَصَّرَ الوصلُ طيبها تُعَدّ إذا أحصى الفتى دَهْرَهُ عمرا
_________________
(١) الديوان: بالقصر.
(٢) ديوان ابن المعتز: ٣١٨، ٤: ٩٤ وديوان المعاني ١: ٣٥٤ وزهر الآداب: ١٨١.
(٣) ديوان ابن رشيق: ٥٤ والشريشي ١: ٢٩٦ (بولاق) ٢: ٢٤٥.
[ ١ / ٣٧ ]
١١٩ - العلوي الاصبهاني في قصر الليل واليوم (١):
ويوم دجن ذي ضمير متهم مثل سرور شابه عارض غم
أو كمضي الرأي يقفوه الندم يبرزه في زى ذى حمد وذم
عبوس ذي البأس وبشر ذي الكرم كقبح لا خالطه حسن نعم
صحوٌ وغيمٌ وضياء وظلمْ كأنه مستعبرٌ قد ابتسم
مازلتُ فيه عاكفًا على صنم مهفهفِ الكشح لذيذِ الملتثم
تفاحُهُ وقفٌ على لثمٍ وشم وبانُهُ وَقْفٌ على هَصْرٍ وَضَمّ
يا طيبَهُ يومًا تولَّى وانصرم وجودُهُ من قِصَرٍ مثلُ العدم ١٢٠ - قال الأصمعي (٢): قرأت على خَلَف الأحمر شعرًا لجرير، فلما بلغت إلى قوله:
ويومٍ كإبهامٍ القطاة محبَّبٍ إليَّ هواه غالب لي باطلُهْ
فيا لك يومًا خيرُهُ قبلَ شرِّهِ تغيَّبَ واشيه وأقصرَ عاذله قال: ويله وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟! فقلت: كذا قرأته على أبي عمرو، قال: صدقت، كذا قال جرير، وكان قليل التنقيح مشرَّد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له ان كان قال: " فيا لك يومًا خيره دون شره "، فاروه هكذا فقد كانت الرواة تصلح من أشعار القدماء، فقلت: لا أرويه بعدها إلا هكذا.
١٢١ - ابن طباطبا (٣):
بأبي من نعمتُ منه بيومٍ لم يكن للسرور فيه نُمُوُّ
يومُ لهوٍ قد التقى طرفاه فكأن العشيَّ فيه غدو ١٢٢ - علي بن جبلة العكوك (٤):
_________________
(١) ديوان المعاني١: ٣٥١، وهذا العلوي هو محمد بن أحمد الأصبهاني المعروف بابن طباطبا، وانظر من غاب عنه المطرب: ٦٤ حيث نسبت لابن طباطبا.
(٢) ديوان المعاني ١: ٣٥٢ - ٣٥٣ وزهر الآداب: ٢٩٨ والأول في الواحدي ٤٧٣ وفي ديوان جرير: ٩٦٤.
(٣) ديوان المعاني ١: ٣٥٣ وزهر الآداب: ٢٩٩ (لمحمد بن أحمد الأصبهاني، انظر الحاشية رقم: ١) .
(٤) علي بن جبلة العكوك من شعراء المحدثين وترجمته في الشعر والشعراء: ٧٤٢ وطبقات ابن المعتز: ١٧١ والأغاني ١٩: ٢٨٧ ونكت الهميان: ٢٠٩، لم ترد هذه الأرجوزة في ديوانه المجموع.
[ ١ / ٣٨ ]
وليلة كأنها نهارُ غرَّاءُ لاتعشى بها الأَبصارُ
مشرقةٌ من حسنها الأقطارُ لا يمكنُ البدرَ بها استتار
طالتْ لنا ساعاتها القصار ولم يكن لفجرها انفجار كانت سواءً هيَ والاسفار ١٢٣ - محمد بن أحمد الحسيني المعروف بابن طباطبا:
وتنوفةٍ مَدَّ الضمير قطعتها والليلُ فوق إكامها يتربَّعُ
ليلٌ يمدّ دجاه دونَ صباحه آمال ذي الحرص الذي لا يقنع
باتت كواكبُهُ تحوطُ بقاءَهُ في كلِّ أفقٍ منه نجمٌ يلمع
زُهْرٌ بَعَثْنَ على الصباح طلائعًا حول السماء فهن حسرى ظلَّعُ
متيقطاتٌ في المسير كأنها باتت تناجى بالذي يُتَوَقَّع
والصبحُ يرقبُ من دجاه غرةً متضائلٌ من سجفه يتطلع
متنفسًا فيه جنانًا واهنًا في كلِّ لحظة ساعه يتشجع
حتى انزوى الليلُ البهيمُ لضوئه وقد استجاب ظلامُهُ يتقشع
وبدت كواكبُهُ حيارى فيه لا تدري لِوَشْكِ زيالها ما تصنع
متهادلاتُ النور في آفاقها مستعبراتٌ في الدجى تسترجع
وكواكبُ الجوزاء تبسطُ باعها لتعانقَ الظلماء وهي تودع
وكأنها في الجو نعشُ أخي بلىً يُبْكَى ويوقَفُ تارةً ويشيَّع
وكأنما الشعرى العَبورُ وراءها ثكلى لها دمعٌ غزيزٌ يهمع
وبناتُ نعشٍ قد برزن حواسرًا قُدَّامها أخواتُهُنّ الأربع
عبرى هتكن قناعهن على الدجى جزعًا وآلتْ بعدُ لا تتقنع
وكأن أفقًا من تلألؤ نجمه عند افتقادِ الليل عينٌ تدمع
والفجرُ في صفو الهواء مورّدٌ مثلُ المدامةِ في الزجاج تشعشع
يا ليلُ ما لك لا تغيث كواكبًا زفراتُهَا وجدًا عليك تَقَطَّع
لو أن لي بضياء صبحك طاقةً يا ليلُ كنت أردّه لا يسطع
حذرًا عليك، ولو قدرتُ بحيلتي جَرَّعْتُهُ الغُصَصَ التي تتجرع
يا صبحُ هاك شبيبتي فافتكْ بها ودع الدُّجى بسواده يتمتع
افقدتني أُنسي بأنجمها التي أصبحتُ من فقدي لها أتوجَّع
[ ١ / ٣٩ ]
هذا الذي أبدع فيه، وخالف الشعراء في أُنسِهِ بالليل والكواكب، وبكائه عليهما، وتوجُّعه لفقدهما، وجميع الشعراء مَهْيَعُهُمْ شكوى الليل وطوله، والتوجع لرعي النجوم. ووصف الليل والنجوم مما انفرد ابن طباطبا بالاجادة فيه، كأبي نواس في الخمر، وابن المعتز في التشبيه، والصنوبري في صفات الربيع، والبحتري في طيف الخيال، وأبي تمام في البديع والرثاء (١)، وابن حازم في القناعة، وأبي العتاهية في الزهد، وابن الرومي في الهجو، ومحمود الوراق في الحِكَم، والمتنبي في المدح والأمثال، والحمدوي في طيلسان ابن حرب، والمعري في الدّرع، وعمر بن أبي ربيعة في النسيب، وكشاجم في الأوصاف النادرة (٢)، ومحمد بن هانئ في وصف الحرب وأدواتها، والسريّ الموصليّ في وصف شعره، وأبي العباس الخازن في الاعتذار والاستعطاف، وطياب (٣) في الحمار، وابن الحجاج في المجون، وأبي حكيمة راشد ابن عبد القدوس في رثاءِ ذَكَره؛ ومن المتقدمين امرو القيس في وصف الخيل، والنابغة في الاعتذار، والأعشى في الخمر، وزهير في المدح، والشمّاخ في وصف الاعسار، وذي الرمة في وصف الفلواتِ والهواجر، وشعراء (٤) هذيل في القسيِّ والنبل، والفرزدق في الفخر. فهؤلاء الشعراء وَقَفَ كلٌّ منهم قريحته على اجادة الفن المذكور عنه، وفتح له فيه مالم يفتح لغيره.
١٢٤ - وذكر ههنا طبقات الشعراء فقال: الشعراء خمس طبقات: الجاهلية ورأسها امرؤ القيس، والمخضرمون ورأسهم حسان، والاسلامية ورأسها جرير، والمحدثون ورأسهم علي بن العباس الرومي، وهذه الأسماء واقعة على من جاء بعد هذه الطبقة إلى يوم القيامة. وشعراء الأندلس طبقة واحدة ورأسها أحمد بن عبد ربه.
١٢٥ - والعرب تقول: الليل أخْفَى للويل (٥)، ومنه قول الشاعر:
الليلُ للويلِ أَخْفَى والدمعُ للوجدِ أَشْفَى
_________________
(١) ص: والثريا.
(٢) ص: والنادرة.
(٣) هو طياب السقاء شاعر له مقاطيع في حماره الهزيل ويقال أن الشعر لأبي غلالة المخزومي (ثمار القلوب: ٣٦٦ والتاج " طيب ") .
(٤) لعله يشير إلى أبي كبير الهذلي من بينهم.
(٥) انظر هذا المثل في جمهرة العسكري ٢: ١٨١ والفاخر: ١٩٥ وفصل المقال: ٦١ والميداني ١: ٩٤ والحيوان ١: ٢٨٥.
[ ١ / ٤٠ ]
ما يعرفُ الليلَ إلا إِلفٌ يعانقُ إِلفا وتقول: فلان أنمُّ من الصبح (١) وأقود من الليل (٢)، ومنه أخذ ابن المعتز قوله (٣):
لا تلقَ إلا بليلٍ مَنْ تواعده فالشمسُ نمّامةٌ والليلُ قَوَّادُ
كم من محبٍّ أتى والليل يستُرُه (٤) لاقى الأحبةَ والواشون رُقَّاد وقد حسَّن أبو الطيب هذا المعنى وأزال عنه هُجْنَةَ لفظتي نمام وقواد فقال (٥):
أزورهمْ وظلامُ الليلِ يشفعُ لي وأَنثني وبياضُ الصبحِ يُغْري بي فصار أحقّ بالمعنى ممن أخذه منه، وقال العلماء فيه: أخذ عباءةً وأعطى ديباجة (٦) .
١٢٦ - اجتمع بغرناطة (٧) محمد بن غالب الرصافي الشاعر (٨) ومحمد بن عبد الرحمن الكتندي (٩) الشاعر وغيرهما من الفضلاء الرؤساء فأخذوا في أن يخرجوا لنجد أو لحور المؤمل، وهما من أشرف متنزهات غرناطة، وكان الرصافي قد أظهر الزهد وترك الخلاعة، فقالوا: ما لنا غنىً عن أبي جعفر بن سعيد (١٠) فكتبوا إليه:
_________________
(١) المثل في جمهرة العسكري ٢: ٣١٥ والدرة الفاخرة: ١٧٤ والميداني ٢: ٢٠٦.
(٢) المثل في جمهرة العسكري ٢: ١٣٢ والدرة الفاخرة: ١٥٤ والميداني ٢: ٤٨.
(٣) ديوان ابن المعتز: ٩٦ ومن غاب عنه المطرب: ٥١ والمنتخل: ١٩٠ وجمهرة العسكري ٢: ١٣٢.
(٤) روايته في الديوان: كم عاشق ةظلام الليل يستره لاقى أحبته والناس رقاد (٥) ديوان المتنبي: ٤٤٦.
(٥) يرجع هذا الحكم في أصله إلى أبي الفتح ابن جني وعنه نقله الآخرون، انظر اليتيمة ١: ١١٥ والشريشي ٢، ٢٤٤.
(٦) انظر هذه القصة في نفح الطيب ٣: ٥١٣.
(٧) الرصافي البلنسي من أشهر شعراء الأندلس في عصره (- ٥٧٢)؛ انظر مقدمتي على ديوانه وفيها اعتماد على مصادر ترجمته.
(٨) هو أبو كبر الكندي من شعراء زاد المسافر (٥٩) وكتندة من كورة سرقسطة، توفي في حدود ٥٨٤؛ وله ترجمة في التكملة والمغرب وانظر صفحات متفرقة من نفح الطيب.
(٩) هو أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد صاحب حفصة الركونية وعم ابن سعيد صاحب المغرب، كان وزيرًا لعثمان بن عبد المؤمن والي غرناطة. له ترجمة في المغرب ٢: ١٦٤ والإحاطة ١: ٩٤ وانظر صفحات متفرقة من نفح الطيب.
[ ١ / ٤١ ]
بعثنا إلى ربِّ السماحةِ والمجدِ ومن ماله في ملة الظَّرْفِ من نِدِّ
ليسعدَنا عند الصبيحةِ من غدٍ بسعيٍ إلى حور المؤمل أو نجد
لتشرح منا أَنْفُسٌ من شجونها ثَوَتْ في سجونٍ هنَّ شرٌّ من الحمد
ونظفرَ من بُخْلِ الزمان بساعةٍ ألذَّ من العليا وأشهى من الحمد
على جَدْولٍ ما بين ألفافِ دوحةٍ يهزّ الصبا فيها بنودًا من الزند
ومن كان ذا شربٍ يُخَلَّى (١) لشأنه ومن كان ذا زهدٍ تركناه للزهد
ومن ظرفه (٢) يأبى الحديثَ على الطلا ولا أن يُديل الهزلَ حينًا من الجد
نهزُّ معاني الشعر أغصانَ عطفه ويمرحُ في ثوبِ الصبابة والوجد
ومانغَصَّ العيشَ المهنأ غير أَنْ يمازجَهُ تكليفُ ما ليس بالود
نظمنا من الخلان عقدَ فرائدٍ ولما نجدْ إِلاّكَ واسطةَ العقد
فماذا نراه لا عدمناكَ ساعةً فنحن بما تبديه في جنَّةِ الخلد فكان جوابه:
هو القولُ منظومًا أمِ الدر في العقدِ هو الزَّهْرُ تفَّاحُ الصفا أم شذا الوردِ
أتاني وفكري في عقالٍ من الأسى فحلَّ بِنَفْثِ السِّحْرِ ما حلَّ من عقد
فيا مَنْ بِهِنْم تُزْهَى المعالى ومَنْ لهمْ قيادُ المعاني ما سوى قصدكم قصدي
فسمعًا وطوعًا للذي قد أشرتمُ به لا أرى عنه مدى الدهر من بُدِّ
وعنديَ ما يختارُ كلُّ مؤملٍ من الراح والمعشوق والكتب والزند
فقوموا على اسم الله نحو حديقةٍ مقلَّدَةِ الأجيادِ موشيّةِ البُرْد
وكلُّ إلى ماشاءه لستُ ناويًا عتابًا له إني المساعدُ بالود
ولستُ خليًا من تأنس قينةٍ إذا ما شَدَتْ ضلَّ الخليُّ عن الرشد
لها ولدٌ في حجرها لا تزيلُهُ أوانَ غناءٍ ثم ترميه بالبعد
فيا ليتني قد كنتُ منها مكانَهُ تقلّبني ما بين خَصْرٍ إلى نهد
ضمنتُ لمن قد قال إنيَ زاهدٌ إذا حلَّ عندي أن يحولَ عن الزهد
فإن كان يرجو جنةَ الخلدِ آجلًا فعندي له في عاجلٍ جنةُ الخلد
_________________
(١) ص: بشانه.
(٢) ص: وما ظرفه.
[ ١ / ٤٢ ]
فركبوا واجتمعوا ومرَّ لهم أحسن يوم، وما زالوا بالرصافي إلى أن شرب معهم فقال الكتندي:
غلبناك عما رُمْتَهُ يا ابن غالبِ براحٍ وريحانٍ وشدوٍ وكاعبِ فقال أبو جعفر:
بدا زهدُهُ مثلَ الخضاب فلم يزل به ناصلًا حتى بدا زهدَ كاذب ثم غربت الشمس فقالوا: ما رأينا أقصر من هذا اليوم، وما ينبغي أن نترك وصفه، فقال أبو جعفر: أنا له، ثم قال وهو من عجائبه المعجزة:
لله يومُ مسرةٍ أضوا وأقصرُ من ذُبَالَهْ
لما نصبنا للمنى فيه بأوتار حباله
طار النهارُ به كمر تاعٍ وأجفلتِ الغزاله
فكأننا من بعدِهِ بعنا الهدايةَ بالضلاله النهار: ذكر الحبارى، وإليه أشار بقوله: طار النهار، والغزالة: الشمس، فتمَّ له المعنى، فسلَّم له الجميع تسليم السامع المطيع.
١٢٧ - ولأبي جعفر في الغزالة أيضًا (١):
بدا ذَنَبُ السّرحانِ يُنْبئُ أنه تقدَّمَ سبقًا والغزالةُ خَلْفَهُ
ولم تَرَ عيني مثلها من متابعٍ لمن لا يزال الدهرَ يطلبُ حتفه ١٢٨ - قال المصنف: جرت في قِصَر النهار نادرة (٢): أنشدني سليمان بن إسماعيل المارديني المسيحي لنفسه فيما زعم من قصر النهار:
ويومٍ حواشيه ملمومةٌ ظنناه من قِصَرٍ مُدْمَجا
قنصتُ غزالتهُ والتفتُّ أريدُ أختها فاحتمت بالدجى فأثبت البيتين عندي، فأخبرني بعد ذلك أبو الحسن بن سعيد (٣) انه وقف في
_________________
(١) نفح الطيب ٣: ٥١٥.
(٢) ص: زيادة؛ وانظر ذيل المرآة ٢: ٢٦ لعلي بن يوسف المارديني، المعروف بابن الصفار (- ٦٥٨) .
(٣) هو علي بن موسى مؤلف المغرب وغيره.
[ ١ / ٤٣ ]
" تاريخ اربل " لابن المستوفي (١) لابي عبد الله محمد بن أبي الوفاء القبيصي من ذرية عمر ﵁:
ويومٍ خواشيه ملمومةٌ علينا نحاذرُ أن يفرجا
قنصتُ غزالته والتفتُّ أريدُ اختها فاحتمتْ بالدجى قال ابن المستوفي: ثم ورد علينا أبو الحسن على بن يوسف الصفار فنسبهما لنفسه قال: ولعلهما ليسا له ولا لابن القبيصي.
قال المصنف: فقيدتُ هذا على هذه الصورة؛ ثم جرى بعد ذلك مذاكرة في هذه الأبيات وتجاذب من تجاذبها من الشعراء فقال بعض من حضر: هذه الأبيات عندى في تعليق لغير من ذكر، فرغبنا إليه في الكشف عنها، فأحضر التعليق فإذا فيه: خرج المنتجب العاني (٢) - منسوب إلى عانة، جزيرة بالفرات - مع الملك الزاهر ابن صلاح الدين صاحب البيرة للصيد، فأثاروا ظبيةً في آخر النهار فاستطردت لهم، فلم يدركها السلطان إلا عند غروب الشمس، فأمسكها ونظر إلى الشمس وهي تغرب فاستظرف هذا الاتفاق وقال الشاعر: قل في ذلك شيئًا فقال:
ويومٍ حواشيه ملمومةٌ علينا نحاذرُ أنْ تفرجا
قنصتُ غزالته والتفتُّ أريد اختها فاحتمتْ بالدجى قال المصنف: فصحَّ عندي أن هذا هو قائلها على الخصوص، وان الجميع لصوص، قال: وقد قرأت " كتاب اللصوص " للجاحظ فلم أسمع فيه بأن ثلاثة لصوص اجتمعوا بالاتفاق الظريف على بيت واحد.
١٢٩ - ابراهيم بن محمد القابوني الدمشقي:
يومٌ تقاصَرَ حتى خلتُهُ حُلُما فليس يبصره إنسانُ انسانِ
ما تطلعُ الشمسُ إلاّ وهي غاربةُ كأنما شمسُهُ في الأفقِ شمسان
_________________
(١) هو أبو البركات المبارك بن أحمد، شرف الدين بن المستوفي الاربلي (- ٦٣٧) وتاريخه لاربل في أربع مجلدات بقي منه مجلد واحد. انظر ابن خلكان ٤: ١٤٧ ومرآة الزمان: ٦٤٤ وفي حاشية الوفيات ذكر لمصادر أخرى.
(٢) للدكتور أسعد علي دراسة عن المنتجب العاني وقد اضطرب عليه معرفة العصر الذي عاش فيه المنتجب، وهذا النص ذو قيمة بالغة لأنه يحدد أن المنتجب كان يصاحب الزاهر ابن صلاح الدين وقد توفي الزاهر داود صاحب قلعة البيرة سنة ٦٣٢. والبيرة قلعة بقرب سمسياط (ابن خلكان٢: ٢٥٧ - ٢٥٨) .
[ ١ / ٤٤ ]
١٣٠ - وللشيخ شرف الدين المصنف:
ويومٍ سرقناهُ من الدهر خلسةً بل الدهرُ أهداه لنا متفضّلا
أشبهه بين الظلامين غُرَّةً لحسناءَ لاحت بين فرعين أُرسلا ١٣١ - والحكماء يمدحون الليل والاشتغال فيه، قال بعضهم لابنه: يا بنيّ اجعل نظرك في العلم ليلا، فإن القلب في الصدر كالطير، يننشر بالنهار ويعود إلى وكره في الليل، فهو في الليل ساكن، وما ألقيت إليه من شيء وعاه.
وقال بعضهم: في الليل تجمّ الأذهان، وتنقطع الأشغال، ويصحّ النظر، وتؤلف الحكمة، وتدر الخواطر، ويتسع مجال القلب، والليل أجرى في مذهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على صدقة السر، وأصحُّ لتلاوة الذكر. وأرباب الأمر يختارون الليل على النهار لرياضة النفوس، وسياسة التقدير في دفع الملمّ، وإمضاء المهمّ، وإنشاء الكتب ونظم الشعر وتصحيح المعاني، وإظهار الحجج وإصابة غرض الكلام، وتقريبه من الأفهام، وفي الليل تتزاور الأحباب، وتتهنأ بالشراب، وتكمل الاطراب، وتغيب الرقّاب وتغلق في أوجه الأضداد الأبواب، ولا يمكن فعل شيء من ذلك كله في النهار، لاستجلاب الظنة بالاستتار.
١٣٢ - وكان (١) ابن المعتز لا يشرب إلا ليلًا ويقول: الليل أمتع، لا يطرق فيه خبر قاطع، ولا شغلٌ مانع والنهار أبرص لا يتم فيه سرور.
ونظم ذلك كشاجم فقال (٢):
اتخذِ الليلَ جَمَلْ ما حُمِّلَ الليلُ حَملْ
آمن فيه طارقًا يَشْغَلني عن الشُّغُل ١٣٣ - كان يحيى (٣) بن خالد ولّى ابنه الفضل خراسان، فبلغه عنه إقبال على القصف واهمال للرعية، وتفقد أعماله فوجدها مختلّة، فكتب إليه: بلغني عنك إقبال على القصف واهمال لأمورك، وقد يهفو ذو الفطنة، ويزلّ الحليم ثم يرجع
_________________
(١) محاظرات الراغب ١: ٣٣٧ (ط. مصر ١٣٢٦) .
(٢) ديوان كشاجم: ٤٢٨ ومحاظرات الراغب ٢: ٧٠٨ (بيروت) .
(٣) انظر ابن خلكان ٤: ٢٨ والمنتخل: ١٩٠ والفاضل للوشاء ١: ١٣٢ وربيع الأبرار، الورقة: ٣٥٥ ب والدميري ٢: ٦٥ ومحاضرات الراغب ٢: ٧٠٩ والأبيات في جمهرة العسكري تحت المثل: " الليل أخفى للويل ".
[ ١ / ٤٥ ]
إلى ما هو أولى به، حتى كأن أهل دهره لم يعرفوه إلا بذلك. وقد كتبت إليك بأبيات إن أنت اخلفتها ولم تمتثلها هجرتك حولًا، وعزلتك على سخط، وكتب إليه:
انصبْ نهارًا في طِلابِ العلا واصبرْ على فقدِ لقاءِ الحبيبْ
حتى إذا الليلُ دنا مقبلًا وانحسرتْ فيه عيونْ الرقيب
فاخلُ مع الليل بما تشتهي فانما الليلُ نهارُ الأريب
كم فاتكٍ تحسبه ناسكًا يستقبلُ الليلَ بأمر عجيب
غطَّى عليه الليلُ أثوابَهُ فبات في أمنٍ وعيشٍ خصيب
ولذةُ الأحمقِ مكشوفةٌ يسعى بها كلُّ عدوٍّ رقيب قال فآلى أن لا يشرب نهارًا.
١٣٤ - أبو بكر ابن دريد (١):
وليلةٍ سامَرَتْ عيني كواكبها نادمتُ فيها الصبا والنومُ مطرودُ
يستنبط الراح ما تخفي النفوس وقد جادت بما منعته الكاعب الرود
والراح نفترُّ عن درٍّ وعن ذَهَبٍ فالتبرُ مُنْسَبِكٌ والدرُّ معقود
ياليلُ لا تبحِ الإِصباحَ حَوْزَتَنا وليحمِ جانبَهُ أَعطافُكَ السود ١٣٥ - بشار بن برد (٢):
قد نام واشٍ وغاب ذو حَسَدٍ فاشربْ هنيئًا خلا لكَ الجوُّ ١٣٦ - آخر:
ولم أرَ مثلَ الليلِ جُنَّةَ فاتكٍ إذا همَّ أمضى أو غنيمةً ناسكِ ١٣٧ - ابن المعتز (٣):
سقتنيَ في ليلٍ شبيهٍ بشعرها شبيهةَ خَدَّيْهَا بغيرِ رقيبِ
فأمسيتُ في ليلين للشعرِ والدُّجى وصبحين من كأسٍ ووجه حبيب ١٣٨ - شاعر:
_________________
(١) ديوان ابن دريد ٦٥/ ٣٧ (عن نثار الأزهار) .
(٢) ديوانه: ٤٢٥ (جمع العلوي) ومحاضرات الراغب ٢: ٧٠٩ (بيروت) .
(٣) ديوان ابن المعتز ٣: ١٦ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٠٤ وورد الأول في ديوان المعاني ١: ٤٣٣ منسوبًا لابن أبي طاهر وانظر الشريشي ١: ١٢٠ (بولاق) وحماسة ابن الشجري: ٢٦٦.
[ ١ / ٤٦ ]
وليلةِ قَصْفٍ ليلةُ العرس دونها أنارتْ بها الظلماءُ والليلُ لائلُ
وسكرانة سُكْرَيْ دلالٍ وقهوةٍ إذا هي قامتْ لم تَخُنْها المفاصل
تثنتْ كغصنٍ ذابلٍ عند سكرها وذا عجبُ غُصْنٌ من الريِّ ذابل ١٣٩ - البحتري (١):
يا ليلتي بالسفح من بطياس ومعرِّسي بالقصرِ بل أَعراسي
باتت تبرّدُ من جوايَ وغلتي أنفاسُ ظبيٍ طيِّبِ الأنفاس
هيف الجوانح منه هاض جوانحي ونعاسُ مقلته أَطار نعاسي
يدنو إليَّ بخمرهِ وبريقِهِ فيعلّني بالكاسِ بعد الكاس ١٤٠ - آخر:
وليلةٍ بات يجلو الراحَ من يده أَحوى أَغنُّ غضيضُ الطرف جذلانُ
والليلُ ترمقنا شَزْرًا كواكبُهُ كأنه من دنوّي منه غيران
كأنها (٢) نَقْدٌ بالدوِّ نَفَّرَهَا لما بدا ذَنَبُ السرحانِ سرحان ١٤١ - آخر:
وليل قد سهرتُ ونام فيه ندامى صُرِّعوا حولي رقودا
أُنادمُ فيه قرقرةَ القناني ومزمارًا يحدّثني وَعُودا
وكاد الليلُ يرجمتي بنجمٍ وقال أراه شيطانًا مريدًا ١٤٢ - آخر:
اشربِ الراحَ واسقني بظلامِ واتركِ النومَ للئامِ النيامِ
لا أحبُّ اللذاتِ إلا مع اللي لِ إذا ما هَدَتْ عيونُ الانامِ ١٤٣ - القائد علي:
يا ربَّ ليلٍ شربنا فيه صافيةً حمراءَ في لونها تنفي التباريحا
ترى الفَراشَ على الأكواس ساقطةً كأنما أَبصرتْ منها مصابيحا
_________________
(١) ديوان البحتري: ١١٣٨.
(٢) النقد: صغار الغنم.
[ ١ / ٤٧ ]
١٤٤ - عبد الله بن محمد المعروف بابن البغدادي (١) من أفريقية - كان أبوه ظريفًا لبقًا فلقب البغدادي لذلك -:
أزرى بلبِّكِ شادنٌ ذو قُرْطُقٍ يسقي العُقَارَ ويعقدُ الزنّارا
ولقد شكوتُ إليه بعضَ صبابتي فحنا وقال أرى بقلبكَ نارا
في ليلةٍ حلفتْ عليَّ بطيبها لأُقاطعنَّكَ إن شربتَ نهارا
ولأسترنَّ البدرَ عنكَ بظلمتي فيكونَ في ليلِ التمام سرارا ١٤٥ - ابن المعتز يذم الصبوح (٢):
على الصبوح لعنةُ الرحمن فاسمعْ أُخَبِّركَ ببعضِ الشانِ
إذا اردتَ الشربَ عند الفجرِ والنجمُ في لجّةِ ليلٍ يسري
وكان (٣) بردٌ والنديمُ يرتعد وريقُهُ على الثنايا قد جمد
وللغلام ضَجْرَةٌ وهمهمه وشتمةٌ في صَدْرِهِ مُجَمْجَمه
يمشي بلا رجلٍ من النعاس ويدفقُ الكاسَ على الجلاس
فإن يكنْ (٤) للنوم ساقٍ يَعْشَقُ فجفنه بجفنه مُدَبَّق
ورأسه كمثل فروٍ قد مُطِرْ وصدغه كصولجانٍ منكسر
فأيُّ فضلٍ للصبوحِ يُعْرَفُ على الغَبوقِ والظلاُم مُسْدَف ١٤٦ - وله (٥):
لا تَدْعُني لصبوحٍ إنَّ الغبوقَ حبيبى
فالليل لونُ شبابي والصبحُ لونُ مشيبي ناقضه ابن حجَّاج فقال:
الصبحُ مثل البصير نورًا والليلُ في صورةِ الضريرِ
فليت شعري بأيّ رأي يُختارُ أعمى على بصير
_________________
(١) انظر ترجمته في الفوات ٢: ٢٢٧ والزركشي: ١٥٦ والمسالك ١: ٣٣٩ وقد وردت أبياته في المصدر الأخير.
(٢) ديوان ابن المعتز: ٣٠٩، ٤: ٦٧ ولم يرد هنالك الشطران الأولان، وانظر قطب السرور: ٣٣٩.
(٣) ص: برق.
(٤) ص والديوان: للقوم.
(٥) ديوان ابن المعتز ٣: ١٦ وديوان المعاني ١: ٣٤٣ واللطائف والظارئف: ٧٨.
[ ١ / ٤٨ ]
١٤٧ - ظافر الحداد (١):
وعشيّةٍ أَهْدَتْ لعينك منظرًا قدمَ السرورُ به لقلبك رائدا
روضٌ كمخضرِّ العذارِ وجدولٌ نَقَشَتْ عليه يدُ النسيم مباردا
والنخلُ كالهيفِ الحسان تزيَّنَتْ فلبسن َ (٢) من أثمارهن قلائدا ١٤٨ - ابن المعتز (٣):
لا تذكرن لي (٤) الصبوحَ وعاطني كأسَ المدامةِ عند كلِّ مساءِ
في (٥) ليلةٍ شغل الرقادُ رقيبَها عن عاشِقَيْنِ تواعدا للقاء
عقدا عناقًا طولَ ليلهما معًا قد أَلصقا الأحشاءَ بالأحشاء
حتى إذا طلعَ الصباحُ تفرفا بتنفُّسٍ وتلهف وبكاء
ما راعنا تحتَ الدجى شيءٌ سوى شَبَهِ النجومِ بأَعْين الرقباء ١٤٩ - قال: وشعراء المغرب حازوا قصب السباق، في وصف الاغتباق، فمن ذلك قول عبد الكريم بن ابراهيم النهشلي (٦) مصنف " كتاب الممتع في علم الشعر وعمله " يصف غبوقًا اغتبقه مع المعز بن باديس (٧):
يا ربَّ فتيان صدق رحتُ بينهمُ والشمسُ كالدنف المشغوف في الأُفُقِ
مَرْضَى أصائِلُهَا حَسْرَى شمائلها تَرَوُّحَ الغصن الممطورِ في الورقِ
معاطيًا شمسَ إبريقٍ إذا مُزِجَتْ (٨) تقلدت عِرْقَ مرجانٍ من البرقِ
عن ماجلٍ طافحٍ بالماء معتلجٍ كأن نُغْبَتَهُ صيغت من الحدق
تضمّهُ الريحُ أحيانًا وتفرقه فالماء ما بين محبوسٍ ومنطلق
_________________
(١) ديوان ظافر: ٩٢.
(٢) ص: فلقيت.
(٣) ديوان ابن المعتز: ٢٠٦، ٣: ٤ ومن غاب عنه المطرب: ٥١ وحلبة الكميت: ٣٤٨.
(٤) الديوان: لا تذكرني بالصبوح.
(٥) الديوان: كم.
(٦) هو أستاذ ابن رشيق وعليه يعتمد كثيرًا في العمدة، انظر ترجمته في المسالك ١١: ٢٩٢ وقد كتب عنه الدكتور منجي الكعبي دراسة ونشر المختصر الباقي من كتاب الممتع (ليبيا - تونس ١٩٧٨) .
(٧) الأبيات في زهر الآداب: ١٩٠.
(٨) الحصري: عقد النزق.
[ ١ / ٤٩ ]
من أخضرٍ ناضرٍ في الماء يلحفه (١) وأبيضٍ تحت قبطيِّ الضحى يَقَق
تهزُّهُ الريحُ أحيانًا فيمنحها للزجر خَفْقَ فؤادِ العاشق القلق
كأنَّ حافاتِهِ نُطِّقْنَ من زَبَدٍ مناطقًا رُصِّعَتْ من لؤلؤ نَسَق
كأنّ مثبتَهُ من سندسِ نمطٍ حسناءُ مجلّوةُ اللَّبات والعُنُق
إذا تبلّج نجمٌ فوق زرقته حسبتَهُ فرسًا دهماءَ في بلق
أو لازَوَرْدًا جرى في مَتْنِهِ ذَهَبٌ فلاح في شارقٍ من مائه شرق
عشيّة كَمُلَتْ حُسنًا وساعدها ليلٌ يمدِّدُ أطنابًا على الأفق
تُجْلَى بغرةِ وضاحِ الجبين له ما شئتَ من كرم دانٍ (٢) ومن خلق ١٥٠ - ولأبي عبد الله محمد بن إدريس الجزيري من جزيرة شقر، وهو المعروف بمرج كحل (٣):
عّرِّجْ بمنعرج الكثيب الأعفر بين الفرات وبين شاطي الكوثر
وعشيةٍ قد بِتُّ أرقُب وقتها سمحتْ بها الأيامُ بعد تعذر
نلنا بها آمالنا في روضةٍ تهدي لناشقها نسيمَ العنبر
والدهرُ من ندمٍ يسفّهُ رأيه فيما صفا من عيشِهِ المتكدر
والورقُ تشدو والاراكةُ تنثني والشمسُ ترفلُ في قميصٍ أصفر
والروضُ بين مفضّضٍ ومذهبٍ والزهرُ بين مُدَرْهَمٍ ومدنَّر
والنهرُ مصقولُ الأباطح والربى بمصندلٍ من زهره ومعصفر
وكأنما ذاك الحبابُ فرنده مهما صفا في صَفْحِهِ كالجوهر
وكأنه وكأن خُضْرَةَ بُسْطِهِ سيفٌ يُسَلُّ على بساط اخضر
وكأنما وجناتُهُ محفوفةً بالآسِ والنعمان خدُّ معذر
روضٌ يهيم بحسنه من لم يهمْ ويجيدُ فيه الشعرَ من لم يشعر
ما اصفرَّ وجهُ الشمسِ عند غروبها إلا لفرقةِ حُسْنِ ذاك المنظر ١٥١ - وللحسن بن على ببجاية يصف اغتباقه مع أمير بجاية:
ولما نزلنا ساحةَ القصر راقنا بكلِّ جمالٍ مبهج الطرف مونقِ
_________________
(١) الحصري: والظل يلحقه.
(٢) الحصري: وافٍ.
(٣) ترجمته في الذيل والتكملة ٦: ١١١ والإحاطة ٢: ٢٥٢ (٢: ٣٤٤ عنان) وأزهار الرياض ٢: ٣١٥ والنفح ٥: ٥١.
[ ١ / ٥٠ ]
بما شئتَ من ظلٍ يرفُّ وجدولٍ وروضٍ متى تُلممْ به الريحُ يعبقِ
وشادٍ معاني الشعر في نَغَماتهِ يطارحه شدوُ الحمام المطوق
إذا ما رقصنا بالروؤسِ لشدوه رمونا بكاساتِ الرحيق المعتق
فيا حُسْنَ ذاك القصرِ لا زال آهلا ويا طيبَ ريّا نَشْرِهِ المتنشَّقِ
رَتَعْنَا به في روضةِ الأُنسِ بعدما هَصَرْنا بِغُصْنٍ للمسرةِ مونق
ويضحكنا طيبُ الوصالِ وربما يمرُّ على الاوهام ذكرُ التفرق
فتضحي مصوناتُ الدموعِ مذالةً يَنُحْنَ على طِرْفٍ من الدهر أبلق
فلّله ساعاتٌ مضينَ صوالحًا عليهنّ من زيّ الصبا أيُّ رونق
خلعنا عليها النسكَ إلا أقلَّهُ وان عاودتْ نخلعْ عليها الذي بقي ١٥٢ - علي بن أحمد من شعراء بلنسية (١):
قمِ اسقني والرياضُ لابسةٌ وشيًا من النَّوْرِ حاكه الزَّهْرُ
والشمسُ مصفرةٌ غلائلها والروض تبدو ثيابُهُ الخضر
في مجلسٍ كالسماء (٢) لاح به مِنْ وجه من قد هَوِيتُهُ بدر
والنهرُ مثلُ المجرِّ حفَّ به من الندامى كواكبٌ زهر ١٥٣ - أبو الفضل ابن الاعلم (٣):
وعشيّةٍ كالسيف إلا حدَّهُ بسطَ الربيعُ بها لنعليَ خَدَّهُ
عاطيتُ كأسَ الأُنسِ فيها واحدًا ما ضره أَنْ كان جمعًا وحده ١٥٤ - إبراهيم بن خفاجة (٤):
وعشيِّ أُنسٍ أضجعتني نشوةٌ فيه تمهِّدُ مضجعي وتدمِّثُ
خلعتْ عليّ يد الاراكة ظلَّها والغصنُ يُصغي والحمامُ يحدث
والشمسُ تجنحُ للغروب مريضةً والرعدُ يَرْقي والغمامةُ تنفث
_________________
(١) قلائد العقيان: ٦٩ ونفح الطيب ١: ٦٥٨.
(٢) ص: كالسماح.
(٣) المطمح: ٦٥ ونفح الطيب ٤: ٣٣ وأبو الفضل هو جعفر بن محمد بن الأعلم وهو حفيد أبي الحجاج يوسف الأعلم الشنتمري وله ترجمة في المطمح والنفح والمغرب ١: ٣٩٦ والخريدة (قسم المغرب) ٣: ٤٦٩.
(٤) ديوان ابن خفاجة: ٢٨٥ ونفح الطيب ٣: ٢٠٠.
[ ١ / ٥١ ]
١٥٥ - الرصافي (١):
وعشيٍ رائقٍ منظرُهُ قد قَصَرْناهُ على صَرْفِ الشمولِ
وكأن الشمس في أثنائه ألصقتْ بالأرضِ خدًّا للنزول
والصبا يرفع أذيال الربى ومحيّا الجوّ كالسيف الصقيل
حبّذا منزلنا مغتبقًا حيث لا يطربنا غيرالهديل
طائرٌ شادٍ وغصنٌ منثنٍ والدجى يشربُ صهباء الأصيل ١٥٦ - أبو الحسن ابن عبد الكريم:
أقولُ لخلِّي والمدامةُ تجتلى كلمع بروقٍ في سجوفِ غمامِ
ألا فاسقني وقتَ الأصيلِ ولا تَرُعْ فؤاديَ يا خلَّ الهوى بملام
فقد نعستْ عينُ الغزالةِ للكرى وقد رنَّقَتْ أجفانُها بمنام
ألم تر أُفقَ الغرب كيف يغرني ويشربُ شمسًا مثل جام مدام ١٥٧ - الرصافي (٢):
وكنت أراني في الكرى وكأنني أناوَلُ كالدينار من ذهب الدنيا
فلما انقضى ذاك الوصال وطيبه على ساعةٍ من أُنسنا صحَّتِ الرؤيا ١٥٨ - ابن أفلح يصف غبوقًا من المغرب إلى شروق الشمس:
ولربّ مغتبَقٍ خلعتُ منشطًا فيه العذارَ لفاترٍ لم ينشط
وسروجُ لهوي في ظهورِ خلاعتي مذْ شَدَّها داعي الصبا لم تُحْطَطِ
ناديتُ حيَّ على الغبوق وفي يدي نارٌ متى صافحتُها لم تعلط
صفراءُ كالذهب السَّبيك ترى لهال في بَزْلها سور الذّبالِ المسلط
يبدي (٣) المذلةَ طعمها فإذا سَرَتْ فعلتْ كفعلِ الغادر المتسلط
تعطي الجبانَ شجاعةً عرضية والنكسَ تيهَ الماجدِ المتخمِّط
ما خامرتْ عقلَ امرئٍ إلا غدا متبسّطًا سكرًا وان لم يبسط
يسعى بها صَلِفُ الشمائلِ أهْيَفُ لدنٌ كغصنِ البانةِ المتخوط
_________________
(١) ديوان الرصافي: ١٢٣ ونفح الطيب ٣: ٢٠٣ ورايات المبرزين: ٨٥.
(٢) ديوان الرصافي: ١٢٤ والمعجب: ٢٩١.
(٣) ص: بيد.
[ ١ / ٥٢ ]
سيّانِ فعلُ مدامِهِ ولحاظِهِ ورضابه للخابر المستنبط
ما بين جامٍ بالمدام مكلَّل فينا وكأسٍ بالحباب مقرَّط
وعلى الهضابِ من النهار ملاءة سَحْقُ الحواشي ان تُخَطْ تتمعط
والشمسُ خافضةُ الجناحِ مُسِفّةٌ في الغرب تنسابُ انسيابَ الأرقط
أو كالعروس بَدَتْ فأُسْدِلَ دونها جنباتُ سترٍ كالجساد مخطط
وأتى الظلامُ على الضياء كما أتى أَجَلٌ على أَمَلٍ فلم يتثبط
واستلأمتْ منه السماءُ بنَثْرَةٍ حَصْداءَ شَرْطُ قتيرها لم يمعط
والزُّهْرُ تقمصُ في المجرةِ عوَّمًا عومَ المَهَا في جَدْولٍ متغطمط
والنجمُ يرقى في السماءِ محلّقًا كنزوّ طفلٍ في المهاد مقمط
واللهو قد سلب الجفونَ رقادها منا اغتباطًا بالسرور المفرط
حتى تبدَّى الفجر في ذيل الدّجى يحكي نصولَ خضابِ شَعْرٍ أشمط
وتلاه مبيضُّ الصباحِ كأنه عَمَلٌ لمجتهدٍ زكا لم يحبط
والتاج قرنُ الشمسِ عند ذروره كالتاج فوق جبينِ كسرى المقسط
هذاك آخر ما عهدتُ وطاح بي (١) برق رعشت به ارتعاشَ مبرقط
وتحكَّمَتْ فينا الشمولُ فلم تَدَعْ فينا صحيحَ تصوّرٍ لم يخلط ١٥٩ - أبو الحسن علي بن عطية البلنسي المعروف بابن الزقّاق (٢):
وعشيةٍ لبست رداءَ شقيق تُزْهَى بلونٍ للخدودِ أنيقِ
أبْقَتْ بها الشمسُ المنيرةُ مثلما أبقى الحياءُ بوجنة المعشوق
لو أستطيعُ شربتها كلفًا بها وعدلتُ فيها عن كؤوس رحيق ١٦٠ - أبو العلاء المعري (٣):
ووالبدرُ قد مدَّ عماد نوره والليلُ مثلُ الأدهمِ المُقفَّزِ المقفز: الذي بلغ تحجيله إلى ركبتيه.
١٦١ - ومن أوقات الشرب وقتان غير الاصطباح والاغتباق، وهما الجاشريّة وهي شُرْبُ
_________________
(١) ص: ترف مرقط.
(٢) ديوان ابن الزقاق: ٢٠٦ والمطرب: ١٠٤ والشريشي ١: ٧٢ والمغرب ٢: ٣٣٤ ونفح الطيب ٤: ٣٠٠.
(٣) شروح السقط: ٤٢٢.
[ ١ / ٥٣ ]
نصف النهار، والفحمة وهي شرب نصف الليل. ولم يعتن الشعراء بوصف الشرب فيهما لكراهة استعمال الشراب فيهما لأنهما وقتا الهدوء والمنام، وإجمام النفس وراحة الجسم لاستمراء الشراب والطعام.
١٦٢ - القاضي السعيد ابن سناء الملك في ذمِّ الشمس (١):
لا كانت الشمس فكم أَصدأتْ صفحةَ خدٍّ كالحسام الصقيلْ
وكم وكم صدَّتْ بوادي الكرى طيفَ خيال جاءني من خليل
وأعدمتني من نجوم الدجى ومنه روضًا بين ظلٍّ ظليل
تكذب في الوعد وبرهانُهُ أنْ سَرابَ القفرِ منها سليل
وتحسبُ النهرَ حسامًا فتر تاع وتحكي فيه قلب الذليل
ان صَدِئ الطرفُ فما صَقْلُهُ إلا التملّي بمحيا جميل
وهي إذا ابصرها مبصرٌ حديدُ طرف راحَ عنها كليل
يا علة المهموم ياجلْدَةَ ال محموم يا زَفْرَهَ صَبٍّ نحيل
يا قرحةَ المشرق وقتَ الضحى يا سلحةَ المغرب وقتَ الأصيل
انت عجوزٌ لم تبرجتِ لي وقد بدا منك لعابٌ يسيل
وأنتِ بالشيطانِ قرنانةٌ فكيف تهدينا سواءَ السبيل ١٦٣ - الشيخ شرف الدين المصنف (٢):
في خلقةِ الشمس وأَخلاقها شتَّى عيوب جمة تُذْكَرُ
رَمْداءُ عَمْشَاءُ إذا أصبحت عمياءُ عند الليل لا تبصر
وهي رقيبٌ في الهوى كاشحٌ تنمُّ بالإِلْفَيْنِ لا تستر
وخلقها خُلْقُ المَلول الذي ينكثُ في العهدِ ولا يصبر
من صبحها النور لإمسائها مغاير الأشكال لا تفتر
والظلُّ منها زائلٌ دائمًا شبهَ خليلِ السوء إذ يغدر
ويغتدي البدرُ لها كاسفًا وجرمه من جرمها أصغر
حَرورها في القيظِ لا يتقى ودفؤها في القرِّ مستنزر
ليست بحسناءَ وما حُسْنُ مَنْ تنبو لحاظٌ عنه إذ تنظر
_________________
(١) ديوان ابن سناء الملك: ٥٧٧ ونهاية الأرب ١: ٤٧ والغيث المسجم ٢: ١٥٥.
(٢) نهاية الأرب ١: ٤٧ والغيث المسجم ٢: ١٥٥.
[ ١ / ٥٤ ]
لا تملأ العينين من وجهها فالشمسُ مرأىً ساقط يحقر
البدرُ يهدي وهي من شؤمها تُضِلُّ فالخلقُ بها كفروا
وعمرها يومٌ وفي ليله تُقْبَرُ في مالحة تنشر
تبيتُ في الحمأةِ من خِسّةٍ وتغتدي منها لنا تظهر
[ ١ / ٥٥ ]
فراغ
[ ١ / ٥٦ ]