١٦٤ - لما كانت محاسن الأشجار، وما تشتمل عليه من الأزهار، وما يتخللها من الجداول والأنهار، إنما تظهر للأبصار بالنهار. وكان في ضيائه أُنس القلوب وتنفيس الكروب، وانتشار الحرارة الغريزية في الأبدان، ونزهة العيون في محاسن الألوان، كان الشرب فيه تجاه الرياض المشرقة، وتحت ظلال البساتين المونقة، وعلى حافات البرك والأنهار المتدفقة، ألذَّ من الشرب في الليل الحائل بين الناظر وبين إدراك حُسن المناظر إلا أن ذلك مقصور على فصل الربيع لتزيُّن الأرض بأنواع الزخارف، ولما تلبسه من خُضْر المطارف، حتى تُبْدي لمبصرها من أزهارها ما هو أبهى من الجوهر، ويهدي أَرَجُهَا ما هو أطيب من المسك الأذفر، ففي هذا الفصل خاصة ينبغي لمن أَلانت له الدنيا أعطافَهَا، ومهَّدت له أكنافها، وأدرَّت عليه النعم أخلافَها، أن يغتنم صبوحه قبل الشروق، ويواصل قائلته بالغبوق. فأما العرب (١) ومن هو في طبقتهم فإنما آثروا الصبوح فرارًا من العواذل على الخلاعة، ليسبقوا من يعذلهم قبل أن يغدو عليهم، لأن من شأن العواذل أن يُبكروا على من يريدون عَذْله على الشرب في أمسه، لأن ذلك وقت صحوةٍ وإفاقة، فاستعملوا الاصطباح ليسابقوا عذالهم بمباكرة صبوحهم، قال عدي بن زيد (٢):
بكَرَ العاذلونَ في وَضَحِ الصُّب حِ يقولون لي أَلا تستفيقُ
_________________
(١) ورد هذا الرأي في قطب السرور: ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٢) ديوان عدي: ٧٦ واللسان (وهق) والغفران: ١٤٦ ومعجم الأدباء ٤: ١٣٩ والشريشي ٣: ٢٦٨ وحلبة الكميت: ٦٠ وابن خلكان ٢: ٢٠٨ والأغاني ٦: ٧٣، ٧٤، ٨٧.
[ ١ / ٥٧ ]
وقال طرفة بن العبد (١):
ولولا ثلاثٌ هنَّ من لذَّةِ الفتى وجدّك لم أحفلْ متى قام عُوَّدي
فمنهنَّ سبقُ العاذلاتِ بشربةٍ كُمَيْتٍ متى ما تُعَلَ بالماءِ تُزْبِدِ ١٦٥ - ولابن المعتز أُرجوزةٌ في مدح الصَّبوح وتفضيله على الغبوق، ناقض فيها نفسه في ارجوزته في مدح الغبوق وتفضيله على الصبوح، ومناقضة الشاعر نفسه في أي معنى من المعاني كان، ضرب من البدبع يسمى " المغايرة "، وهو يدل على جودة الطبع وصفاء القريحة وغزارة المعاني وتوسّع الألفاظ (٢):
لي صاحبٌ أَمَلَّني وزادا في تركيَ الصبوحَ ثم عادا
قال ألا تشربُ في النهار وفي ضياء الصبح والأَسحار
إذا وشى بالليل صبح فافتضح وذكر الطائرُ شدوًا فصدح
أما ترى البستانَ كيف نوَّرا ونشرَ المنثورُ بُرْدًا أصفرا
وضحك الوردُ إلى الشقائقِ واعتنق الزهرُ اعتناقَ وامق
قل لي أهذا حَسَنٌ بالليل ويليَ مما تشتهي وعولى
بتْ عندنا حتى إذا الصبحُ سَفَرْ كأنه جدولُ ماءٍ انفجر
قمنا إلى زادٍ لنا مُعَدِّ وقهوةٍ صَرَّاعةٍ للجَلْدِ
كأنما حبابها المنثورُ كواكبٌ في فَلَكٍ تدور
ومُسمْعٍ يلعبُ بالأوتار أَرَقَّ من نائحةِ القماري ١٦٦ - عبد الصمد بن بابك (٣):
يا صاحبيَّ قضيبُ البانِ ريَّانُ والبدرُ ملتحفٌ والصبحُ عريانُ
والنرجسُ الغضُّ ساهٍ والنسيمُ نَدٍ والطلُّ في طُرَرِ الريحان حيران
فغالبا نَفَسي بالراح واختلسا عَقْلي فقد نفح النسرينُ والبان
واستوطنا وطني (٤)، واستدعيا طَرَبي (٥) قبلَ الشروقِ فللأطراب أَحيان
_________________
(١) ديوان طرفة: ٢٨ وقطب السرور: ٣٢٨.
(٢) ديوان ابن المعتز: ٣٠٦، ٤: ٧٢ وقطب السرور: ٣٣٠ والأوراق: ٢٥١.
(٣) اليتيمة ٣: ٣٨٣.
(٤) اليتيمة: واسترجعا لمتي.
(٥) اليتيمة: أوطان.
[ ١ / ٥٨ ]
وعرِّضا بهوى سُعْدَى (١) فلي ولها وللزجاجة إن عَرَّضْتُما شان ١٦٧ - أبو عمر الزعفراني (٢):
وليلٍ دعاني فَجْرُهُ فأَجبتُهُ بمجلسِ طَلْقِ الوجهِ سَهْلِ التخلُّقِ
إذا شئتُ خضنا في حديثٍ منمنم وإن شئتُ عمنا في رحيقٍ معتَّق
يردُّ شبابي وهو منِّيَ شاسعٌ ويدني التصابي بعد ما شاب مفرقي ١٦٨ - أبو بكر الخالدي (٣):
هو الفجر قابلنا بابتسامِ ليصرفَ عنّا عبوسَ الظلامِ
ولاحَ فحلَّلَ كأسَ الشمولِ صرفًا وحرّمَ كأسَ المنام
ظللنا على شمِّ وردِ الخدود ومسكِ النحورِ ونقلِ اللثام
نعينُ الصباحَ على كَشْفِهِ قناعَ الظلامِ بضوء المدام ١٦٩ - أبو الحسن الجوهرى (٤):
ياسقيطَ الندى على الأُقحوانِ شأْنَكَ اليوم في الصَّبوح وشاني
أنت أذكرتني دموعي وقد صوَّب ن بين العتاب والهجران
إنْ يكنْ للخليع فيكَ أوانٌ لتقضّي المنى فهذا أَواني
سَحَرٌ مُدْنَفٌ وجوٌّ عليلٌ وصباحٌ يميلُ كالنشوان ١٧٠ - كشاجم (٥):
هذا الصباحُ فما الذي بِصَبُوح صُبْحِكَ تَنْتَظِرْ
خذْ من زمانك ما صفا ودعِ الذي فيه الكدر
فالعمرُ أَقصرُ من معا تبة الزمانِ على الغِيَرْ ١٧١ - وله (٦):
_________________
(١) اليتيمة: لبنى.
(٢) اليتيمة ٣: ٣٥٠.
(٣) اليتيمة ٢: ١٧٣ ومن غاب عنه المطرب: ٦١ والديوان: ٩٥.
(٤) اليتيمة ٤: ٣٣.
(٥) ديوان كشاجم: ٢٦٩.
(٦) قطب السرور: ٥٢٦، وهي من مختار القطب: ٧٦ بي هفان الأسدي.
[ ١ / ٥٩ ]
إذا ما اصطبحتُ وعندي الكِبابُ وكان الطُّباهجُ في جانبي
وكانت رياحينُنا غَضَّةً وصفراءُ من صَنْعَةِ الراهب
فليس الخليفةُ في مُلْكه بأنعمَ منّي ومن صاحبي ١٧٢ - ابن شراعة (١):
قد عُزِلَ الليلُ على رغمه وقد أَتتنا دولةُ الصّبحِ
فانهضْ إلى الراح فقفلُ الأَسى ما لم تُدرْهَا عَسِرُ الفتح
واربحْ على دهرك في شربها فلذةُ العاقلِ في الربح ١٧٣ - شاعر (٢):
طاب شربُ الرَّاحِ مصطبحا لا تدعْ من كفِّكَ القدحا
إنّما عمرُ الفتى فَرَحٌ فاغتنمْ من دهرِك (٣) الفرحا ١٧٤ - آخر:
باكرِ الراحَ ودعني من حماقاتِ النَّصيحِ
ما رأينا قطّ أَنقى لهمومٍ من صبوح ١٧٥ - من قانون الأدب:
جنانٌ إذا لاح الصباحُ تنسمتْ بنشر شذا تُثني عليه بآلاءِ
وأشبهتِ الأسحارَ طيبًا ظلالُها فجال خيالُ الغصنِ في مقلة الماء ١٧٦ - ابن المعتز (٤):
ياربَّ صاحبِ حانةٍ نبهتُهُ والليلُ قد كحل الورى برقادِ
في ساعةٍ فيها الجفونُ سواكنٌ قد شِمْنَ أعينهنَّ في الأغماد
فأتى بها كالنارِ تأكل كفَّهُ بشعاعها من شدةِ الإيقاد ١٧٧ - ابن وكيع (٥):
_________________
(١) نسبت في قطب السرور: ٥٥٣ لابن وكيع.
(٢) وردت في قطب السرور: ٥٦٣ منسوبة لأبي نواس.
(٣) قطب السرور: عمرك.
(٤) قطب السرور: ٥٧٢ والديوان ٣: ٤١ والأوراق: ١٨٦.
(٥) ديوانه: ٩٢ (نقلًا عن نثار الأزهار) .
[ ١ / ٦٠ ]
ضحك الفجرُ ساخرًا بالظلامِ حين فُلَّتْ جيوشُهُ بانهزامِ
لاح في الحندسِ البهيم يحاكي ملكَ الروم بين أبناءِ حام
فدعِ اللومَ واسقنيها كُمَيْتًا سَبَكَتْ تبرَها يدُ الأيام ١٧٨ - شاعر (١):
ومغرمٍ باصطباح الراح باكرها في فتيةٍ باصطباح الراحِ حُذَّاق
فكلّ شيءٍ رآه ظنَّه قدحًا وكلّ شخص رآه ظنَّه الساقي ١٧٩ - آخر (٢):
ألا سقِّياني قبلَ أنْ نتفرَّقا وهاتِ فسقّيني
فقد كاد ضوءُ الصبحِ أن يفضحَ الدجى وكادَ قميصُ الليلُ أن يتمزّقا ١٨٠ - الصوفي:
عاقر عُقَارَكَ واصطبح واقدحْ سرورك بالقدحْ
واخلعْ عذارك في الهوى وأَرِحْ عذولَكَ واسترح
وافرحْ بيومِكَ إنما عُمْرُ الفتى يومُ الفرح ١٨١ - ابن حمديس (٣):
قمْ هاكها من كفِّ ذاتِ الوشاحْ فقد نعى الليلَ نسيمُ الصباحْ
وباكر اللذات واركبْ لها سوابقَ الليلِ ذوات المراح
من قبل ان ترشفَ شمسُ الضحى ريقَ الغوادي من ثغور الاقاح ١٨٢ - شاعر (٤):
أديراهاعلى الزهر المندَّى فحكمُ الصبح في الظلماءِ ماضي
وما غربت نجومُ الأفقِ لكنْ نُقِلْنَ من السماءِ إلى الرياض
_________________
(١) قطب السرور: ٦٥٣ وتنسب لأبي نواس، وفي المختار منه: ٣٨٩ لابن المعتز.
(٢) قطب السرور: ٦٥٥ وينسبان لأبي نواس وانظر المختار منه: ٢٢٠.
(٣) ديوان ابن حمديس: ٨٩.
(٤) هو ابن الزقاق، انظر ديوانه: ١٩٧ والمغرب ٢: ٣٣٤ ونهاية الأرب ١٠: ٢٧٠.
[ ١ / ٦١ ]
١٨٣ - آخر:
قل لصريعِ الكاسِ قُمْ نصطبحْ فالراحُ تحيي كلَّ مخمورِ
ما أنت في نَوْمِكَ يا مالكي وقد أتى الصبحُ بمعذور
لا سيّما والشمسُ قد قابلتْ بدرَ الدجى والأفقَ بالنور
كأنما تلك وهذا معا جامانِ من تبرٍ وبلور ١٨٤ - ابن المعتز (١):
قم فاسقني والظلامُ منهزمُ والصبحُ بادٍ في كفِّه عَلَمُ
والطيرُ قد صَفَّرَتْ فأفصحتِ ال ألحانُ منها وكلُّها عُجُمُ
وميَّلتْ رأسها الثريا بأسرا ر إلى الغرب وهي تحتشمُ
في الشرقِ كاسٌ وفي مغاربها قُرْطٌ وفي أَوسطِ السما قدم ١٨٥ - وله (٢):
قمْ فاسقني قد تبلج الفَلَقُ من قهوةٍ في الزجاج تأتلقُ
كأننا والمدامُ دائرةٌ نشربُ نارًا وليس نحترق ١٨٦ - ولما صنع ابن المعتز أرجوزته في ذم الصبوح: " على الصبوح لعنة الرحمن " - وقد تقدمت - كتب إليه النميري يعيبُ عليه ذم الصمبوح والامتناع منه، وكان هو مشهورًا بذلك:
قبَّح الله شربَ كلِّ نبيذٍ يُتَوَخَّى في وقتِ شُرْبِ التجارِ
إنما يشربُ الملوكُ مع الفجر وفي الروح قبل نصفِ النهار
قد تأذَّتْ منا الشياطينُ والجنّ جميعًا وصالحُ العمار
ودعوا ربَّهم علينا وقد أمَّنَ أيضًا غلمانُ هذي الديار
حيث نحيي ليلَ التمام إلى الصبح ونهدا في ساعةِ الانتشار
_________________
(١) قطب السرور: ٦٨٥ وهي في المعاهد ١: ١٣٩، ٢: ٢٠ للصنوبري، وانظر ديوانه: ٤٨٧.
(٢) في ديوانه (تحقيق يونس أحمد السامرائي، بغداد: ١٩٧٧) ٢: ١٩٠ - ١٩١ برواية مختلفة ووقع الثاني أولًا.
[ ١ / ٦٢ ]
١٨٧ - أبو نواس (١):
نَبِّهْ نديمك قد نَعسْ يسقيك كاسًا في الغَلَسْ
صرفًا كأنَّ شعاعها في كفِّ شاربها قبس
مما تخيَّر كرمها كسرى بعانةَ واغترس
تَذَرُ الفتى وكأنما بلسانه منها خَرَسْ
يدعى ليرفعَ رأسه فإذا استقلَّ به نكس ١٨٨ - ابن وكيع (٢):
غَرَّدَ الطيرُ فنبهْ مَنْ نَعَسْ وأَدِرْ كأسك فالعيشُ خُلَسْ
سُلَّ سيفُ الفجرِ من غمد الدجى وتعرَّى الصبحُ من قُمْصِ الغلس
وبدا في حُلَلٍ فضيّةٍ نالها من ظلمةِ الليل دنس
فاسقني من قهوةٍ مسكيَّةٍ في رياضٍ عنبرياتِ النفس
_________________
(١) قطب السرور: ٦٢٩، والمختار منه: ٣٩٠.
(٢) قطب السرور: ٦٣٠ وديوانه: ٨٠ ونهاية الأرب ١: ١٤٤ ومعاهد التنصيص ٢: ١٥٤.
[ ١ / ٦٣ ]
فراغ
[ ١ / ٦٤ ]