١٨٩ - يقال: أهلنا بشهر كذا، ولا يقال هلَّ الشهر ولا أهل لكن أهلَّ الهلال واستهل، واستهلاله هو أن ينير كما يستهلّ الصبي فيعرف أحيّ هو أم ميت، قال حميد بن ثور (١):
إذا الشهرُ كان لنا موعدًا نشاب إلى القابلِ المستهَل الهاء مفتوحة.
ويقال: أهل الهلال نفسه إذا طلع، واهللنا نحن: رأيناه.
١٩٠ - ويقال لأول ليلة من الشهر: النحيرة، وقيل النحيرة آخر ليلة من الشهر لأنها تنحر الشهر الداخل؛ وغرة الشهر أول ليلة منه، سميت بذلك لأن الهلال يظهر فيها كالغرة في وجه الفرس، ويقال لآخر ليلة منه السرار لأن القمر يستسر فيها، أي ينكتم ويخفى، كما يخفى السر المكتوم، وهو محاق الشهر لأن الشهر ينمحق فيه ولا يبقى له أثر.
١٩١ - الشيخ المصنف والتشبيه لمحمد بن أبي بكر الارموي:
أما ترى مستهَلَّ الشهرِ حين بدا هلالُهُ والدجى تسطو غياهبُهُ
كأنما الدَّجْنُ فيه والهلالُ معًا شيخٌ من الزنج قد شابتْ حواجبه
_________________
(١) ورد البيت في ديوانه: ١٢٨ (نقلًا عن نثار الأزهار) .
[ ١ / ٦٥ ]
١٩٢ - وأنشد ثعلب (١):
كأنَّ ابن مُزْنَتِهَا جانحًا فُسَيْطٌ لدى الأُفقِ من خِنْصَرِ الفسيط: قلامة الظفر.
أخذه ابن المعتز فقال (٢):
وجاءني في قميص الليل مستترًا يستعجلُ الخطو من خوفٍ ومن حذرِ
ولاح ضوءُ هلالٍ كاد يفضحنا مثلُ القُلامة قد قُصَّتْ من الظفر ١٩٣ - أبو العلاء المعري (٣):
ولاح هلالٌ مثلُ نونٍ أَجادَها بجاري النُّضارِ الكاتبُ ابنُ هلالِ ١٩٤ - السري الموصلي (٤):
وقد سَلَّتْ أَكفُّ الفطر جهرًا على شهر الصيام سيوفَ باسِ
ولاح لنا الهلالُ كشطرِ طَوْقٍ على لبَّاتِ زرقاءِ اللباس ١٩٥ - ابن المعتز (٥):
كأنه إبنُ ليلتيه من سُهدِهِ الدائمِ القديمِ
فخّ بوسطِ السماء ملقى ينتظرُ الصيدَ للنجوم ١٩٦ - وله أيضًا (٦):
قم هاتها حمراءَ في مبيضَّةٍ كالجلّنارة في جنى نسرينِ
أَوَما رأيتَ هلالَ شهرِكَ قد بدا في الأُفق مثلَ شَعِيْرَةِ السكّين
_________________
(١) ديوان المعاني ١: ٣٣٩ والشريشي ١: ١٩٣ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٣ والبيت لعمرو بن قميئة.
(٢) تشبيهات ابن أبي عون: ١٣ والشريشي ١: ١٩٢ والثاني في غرائب التنبيهات: ١٦ والصناعتين: ٢٢٢ وحلبة الكميت: ٢٧٥ والأوراق: ١٨٧ - ١٨٨ وحماسة ابن الشجري: ٢٥٨ - ٢٥٩ وديوان ابن المعتز ٣: ٥٠ وشطر الثاني في الذخيرة ١/١: ٥٢١.
(٣) شروح السقط: ١١٩٧ والذخيرة ١/١: ٥٢١.
(٤) ديوان الشري: ١٥٢ واليتيمة ٢: ١٧٨.
(٥) لم يردا في ديوانه، والثاني منهما في غرائب التنبيهات: ٢١.
(٦) وردا في ديوان المعاني ١: ٣٤٢ منسوبين للسري.
[ ١ / ٦٦ ]
١٩٧ - سرقه كشاجم فقال (١):
أهلًا وسهلًا بالهلا ل بدا لعينِ المُبْصِرِ
كَشَعيْرةٍ من فِضَةٍ قد رُكِّبَتْ في خنجر ١٩٨ - شاعر:
سنانٌ لواه الطعنُ في سنِّ عاملِ ١٩٩ - أبو عاصم البصري فيه وفي الثريا والزهرة (٢):
رأيتُ الهلالَ وقد حلَّقتْ (٣) نجومُ الثريا لكي تلحقَهْ
فشبهته وهو في إِثرها وبينهما الزهرةُ المشرقه
بقوسٍ لرامٍ رأى طائرًا فأرسلَ في إثرِهِ بُنْدُقَه ٢٠٠ - ابن النبيه في الهلال (٤):
انظرْ إلى حُسْنِ هلال بدا يُذْهِبُ من أَنواره الحندسا
كمنجلٍ قد صيغ من عَسْجَدٍ يَحْصُدُ من شُهْبِ الدجى نرجسا ٢٠١ - الخالدي (٥):
وهلالٍ يلوحُ في ساعدِ الغر بِ كدملوجِ فضةٍ أو سوار ٢٠٢ - الطغرائي (٦):
قوموا إلى لذاتكم يا نيامْ وأترعوا الكأسَ بصرف المدامْ
هذا هلالُ الفطرِ قد جاءنا كمنجل (٧) يصحدُ شهرَ الصيام ٢٠٣ - الحصكفي (٨):
_________________
(١) ديوان كشاجم: ٢٤١ ومن غاب عنه المطرب: ٥٧.
(٢) غرائب التنبيهات: ١٩ ونهاية الأرب ١: ٥٤ ومعاهد التنصيص ٢: ٢٢.
(٣) النهاية والمعاهد: أحدقت.
(٤) هما لابن المعتز في ديوانه: ٣٢٠ وحلبة الكميت: ٢٩٦ والغيث ١: ٢٨ ولم يردًا في ديوان ابن النبيه.
(٥) اليتيمة ٢: ١٩٤.
(٦) ديوان الطغرائي: ١١٩ والغيث ١: ٢٨.
(٧) الديوان: بمنجل.
(٨) الخريدة (قسم الشام) ٢: ٤٨٧ والحصكفي هو ابو الفضل يحيى بن سلامة (انظر معجم الأدباء ٢٠: ١٨ والمنتظم ١٠: ١٨٣ وابن خلكان ٦: ٢٠٧) .
[ ١ / ٦٧ ]
تباشروا بهلال الفطرِ حين بدا وما أقام سوى أنْ لاح ثم غدا
كالحِبِّ واعد وصلًا وهو محتجبٌ فحين بان تقاضوه فقال غدا ٢٠٤ - شاعر (١):
قد جاء شهرُ السرورِ شوالُ وغال شهرَ الصيام مغتالُ
أما رأيتَ الهلال يرمقه قومٌ لهم ان رأوه اهلال
كأنه قَيْدُ فضةٍ حَرِجٌ فُضَّ عن الصائمين فاختالوا ٢٠٥ - ابن وكيع في الهلال والجوزاء (٢):
أما ترى الليلَ قد ولَّتْ عساكرُهُ وأقبلَ الصبحُ في جيشٍ له لجبِ
وجدَّ في أَثَرِ الجوزاء يطلبها في الجوّ ركضَ هلالٍ دائم الطلب
كصولجانِ لجينٍ في يدي ملكٍ أدناه من كرةٍ صيغتْ من الذهب ٢٠٦ - أبو الفضل الميكالي (٣):
أما ترى الزهرة قد لاحتْ لنا تحتَ هلالٍ نوره نور (٤) اللهبْ
ككرةٍ من فضّةٍ مجلوةٍ أوفى عليها صولجانٌ من ذهب ٢٠٧ - ظافر الحداد (٥):
أما رأيت هلالَ العيد حين بدا للعين منه بقايا جرم دائِرِهِ
كحرف جامٍ من البلّورِ قابلهُ ضوءٌ وأخفى الدجى إشراق سائرِهِ
أو درهمٍ فوق دينارٍ تَجَلَّلَهُ علوًا (٦) فضاق عن استيعابِ آخره ٢٠٨ - الشريف العقيلي (٧):
وذوي دلالٍ زارني من غير وعْدٍ يُرْتَقَبْ
في ليلةٍ خلستها من بين أنيابِ النوب
_________________
(١) وردت في من غاب عنه المطرب: ٥٧ منسوبة للسري الرفاء.
(٢) اليتيمة ١: ٣٩٤ وديوانه: ٤٠.
(٣) اليتيمة ٤: ٣٧٣ وزهر الآداب: ٤١٥.
(٤) اليتيمة: لونه يحكي.
(٥) ديوان ظافر: ١٣٦ وغرائب التنبيهات: ١٦.
(٦) غرائب: سترًا.
(٧) لم ترد في ديوانه.
[ ١ / ٦٨ ]
كأنما هلالُها مِقْبَضُ ترسٍ من ذهب ٢٠٩ - عبد المحسن الصوري (١):
فاسقينها ملأى فقد فضح الليل هلالٌ كأنه فتر زَنْدِ
والثريا خَفَّاقةٌ بجناح الغرب تهوي كأنها رأسُ فهد في أوانِ الشبابِ عاجلني الشيبُ فهذا في أوّلِ الدنِّ درُدي ٢١٠ - العسكري (٢):
وكأنَّ الهلالَ مرآةُ تبرٍ تنجلي كلَّ ليلة إصبعين ٢١١ - أبو الفرج الوأواء (٣):
وكأنَّ الهلالَ تحت الثريا ملكٌ فوقَ رأسِهِ إكليلُ ٢١٢ - السري الموصلي (٤):
ضحكتْ أوجُهُ اللذادة بالقط ر ولاحتْ طوالعُ السرَّاءِ
وكأنَّ الهلالَ نونُ لجينٍ عرِّقَتْ في صحيفةٍ زرقاء ٢١٣ - البحراني في الأمير يوسف بن بكتمر ينظر إلى الهلال:
تقابلتما فاستجمع الحسنُ كُلُّهُ فمن نَظَرٍ يرنو ومن نظر يُغْضي
هلالانِ هذا للظلام يُزيلُهُ سناهُ وهذا للمظالمِ في الأرضِ ٢١٤ - دخل عبد الله بن عمر بن غانم قاضي أفريقية على أميرها يزيد بن حاتم (٥)، فجرى بينهما كلام ذُكِرَ فيه هلال رمضان، فقال ابن غانم: أهللنا هلال رمضان فتشايرناه بالأيدي، فقال يزيد: لحنت يا ابن غانم إنما هو تشاورناه، فقال ابن غانم: تشاورنا من الشورى وتشايرنا من الاشارة بالأيدي، قال: ما هو
_________________
(١) اليتيمة ١: ٣٢٥.
(٢) ديوان المعاني ١: ٣٤٠ ومجموع شعره: ١٦٤.
(٣) ديوان الوأواء: ١٧٨.
(٤) ديوان السري: ١٢ - ١٣ والثاني في نهاية الأرب ١: ٥٤.
(٥) ولي أفريقي في زمن أبي جعفر المنصور (أي عام ١٥٥ - ١٧١) انظر ابن عذاري ١: ٧٨ وما بعدها.
[ ١ / ٦٩ ]
كذلك، قال: بيني وبينك أيها الأمير قتيبة النحوي (١)، وكان إذ ذاك قَدِمَ على يزيد، وهو إمامُ الكوفة، فبعث إليه، وكان في قتيبة غفلة، فقال له يزيد: إذا رأيت (٢) الهلال وأشرتَ إليه وأشار غيرك إليه كيف تقول؟ قال: أقول ربى وربك الله، فقال يزيد: ليس هذا أردنا، فقال ابن غانم: دعني أفهمه من طريق النحو، قال: فلا تلقنه إذًا، فقال له ابن غانم: إذا أَشرت وأشار غيرك وقلت تفاعلنا في الإشارة إليه كيف تقول؟ قال: تشايرنا، وأنشد لكثير عزة (٣):
وقلتُ وفي الاحشاءِ داءٌ مخامرٌ ألاحبَّذا ياعزُّ ذاكَ التشايرُ قال يزيد: فأين أنت يا قتيبة من التشاور؟ قال: هيهات أيها الأمير، ليس هذا من عملك، هذا من الإشارة وذاك من الشورى، فضحك يزيد وعرف جفاءَ قتيبة فأعرض عنه واستحيى من ابن غانم.
٢١٥ - صعد الرشيد والاصمعي علية ينظران إلى هلال رمضان، فقال الأصمعي: يا أمير المؤمنين، ما معنى قول هند بنت عتبة (٤):
نحنُ بناتِ طارقْ نمشي على النمارقْ فقال أصبت يا أصمعي، فقال: يقول أمير المؤمنين، فقال: الطارق الكوكب، تقول نحن في الأرض مثل ذلك الكوكب الذي في السماء، قال: أصبت يا أمير المؤمنين، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
٢١٦ - القاضي أبو عبد الله محمد بن النعمان (٥):
انظرْ إلى حُسْنِ ذا الهلالِ وقد مضى لسبع مَضَيْنَ من عُمُرِهْ
مثل زنادٍ قد صيغ من ذهبٍ يقدح نارًا وهنَّ من شروره
ثم تولَّى يريدُ مغربه في شَفَقِ الشمس وهي في أَثَره
_________________
(١) قتيبة بن مهران (أو مروان) النحوي كوفي أخذ عن الكسائي. انظر انباه الرواة ٣: ٣٧ والزبيدي: ١٣٥.
(٢) ص: رأينا.
(٣) ديوان كثير: ٥٠٢ (عن نثار الأزهار) .
(٤) هو فيما يروى رجز رددته متمثلة يوم بدر. انظر مثلًا السيرة ٣: ٦٨.
(٥) اليتيمة ١: ٤٠٢ وهذا القاضي هو ولد القاضي النعمان الذي عمل للفاطميين وألف لهم الكتب في الأحكام والتاريخ وغيرها؛ وولي محمد قضاء القضاة بعد أخيه علي سنة ٣٧٤، وكانت وفاته سنة ٣٨٩ (انظر حسن المحاضرة ٢: ١٤٧) .
[ ١ / ٧٠ ]
فخلته غائصًا ببحر دم يقذفُ بالرائعات من درره ٢١٧ - ابن المعتز (١):
أهلًا بفطرٍ قد أَنارَ هلالُهُ الآن فاغدُ على الشرابِ وبكّرِ
وانظر إليه كزورق من فضة قد اثقلته حمولة من عنبر ٢١٨ - أبو عاصم البصري (٢):
قارن الزهرة الهلالُ وكانا في افتراقِ من غير صدٍّ وهِجْرَه
فإذا ما تقاربا قلتَ طَوْقٌ من لُجَيْنِ قد عُلِّقَتْ فيه دُرَّه ٢١٩ - شاعر من أفريقيه:
كأنما النجم قرطٌ صيغ من ورقٍ معلق من هلال الأفق في أذنِ ٢٢٠ - ابن الرومي:
وكأن الهلالَ نصفُ سوارٍ والثريا كفٌّ تشيرُ إليه ٢٢١ - ولم يقلْ أحد في امتلاء نصفه كما قال ابن المعتز، وهو من نادر التشبيهات الملوكية (٣):
ما ذقتُ طعمَ النوم لو تدري (٤) لأن احشائي على جَمْر
في قمرٍ مُسْتَرَقٍ نصفُهُ كأنه مِحْرَقَةُ (٥) العطر ٢٢٢ - وللقمر من أول ظهوره إلى آخر سراره أسماء الهلال والطالع والرمد ونمير والزبرقان والباهر والزمهرير والغاسق وطويس (٦) وأويس وزرين وذخير والبدر والجلم وعفراء والساهور والسهر والعقيب وابن جمير وقيل ان ابن جمير اسمه إذا استسر، والسلتي، وهو اسمه باليونانية وقد نكلموا به، والقمر وسمير.
_________________
(١) ديوان ابن المعتز: ٣١٣، ٤: ٩٨ والأوراق: ٢٦١ والشريشي ١: ١٩٢ وديوان المغاني ١: ٣٤٠ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٢ ومن غاب عنه المطرب: ٥٧ وغرائب التنبيهات: ٢١ والثاني في نهاية الأرب ١: ٥٣ والذخيرة ١/ ٢: ٥٠.
(٢) اليتيمة ٢: ٣٦٩ وحلبة الكميت: ٢٩٦.
(٣) ديوان ابن المعتز ٣١٧، ٤: ٩١ والأوراق: ٢٦٢ وديوان المعاني ١: ٣٤٢ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٢.
(٤) الديوان: كأن جنبي على الجمر.
(٥) الديوان (٤: ٩١): مجرفة.
(٦) اللسان: طوس.
[ ١ / ٧١ ]
٢٢٣ - وقيل في تسميته بدرًا قولان: أحدهما أنه اشتق له من كونه يبدر بطلوعه غيبوبة الشمس، وقيل سمي بدرًا لكماله وتمامه، وذلك يكون في أربع عشرة ليلة من الشهر، كما قالوا بدرة إذا بلغ المال نهاية العدد من الفضة، وهي عشرة الآف ووزنها من الدنانير؛ وقيل في تسميته أيضًا قمرًا قولان: أحدهما أنه اشتق له ذلك من القمرة، وهو بياض تعلوه كُدْرَةٌ، وقيل لأنه يقمر النجوم ضياءها، لأنها لا تُرى في ظهوره وانارته كما ترى في مغيبه ونقصانه، ومن ذلك أخذت العرب القمار لأن لاعبه يتغير فمرة له ومرة عليه.
٢٢٤ - والفخت: ضوء القمر أول ما يظهر وبه سميت الفاختة لشبه لونها بذلك.
٢٢٥ - والعرب تسمي الشمس والقمر القمرين، فيغلبون القمر - والشمس أفضل منه - لعلّتين: احداهما التذكير والأخرى انهم أنسوا بالقمر لأنهم يجلسون فيه للسمر، ويهديهم السبل في سرى الليل في السفر، ويزيل عنهم وحشة الغاسق، وينم على المؤذي والطارق؛ وذلك كما قالوا في دولتي أبي بكر وعمر ﵄، فإنهم قالوا: دولتا العمرين فغلبوا اسم عمر ﵁، وإن كان أبو بكر ﵁ أفصل، والسبب في ذلك طول مدة دولة عمر ﵁، وكثرة الفتوحات فيها وما تمهد فيها من قواعد الاسلام.
٢٢٦ - وقيل لأعرابي (١) الشمس أحسن أم القمر؟ فقال: القمر أحسن، والشمس أجهر، قيل: وكيف صار القمر أحسن، قال لأن العيون عليه أجسر.
٢٢٧ - وتقول العرب (٢) في ليالى القمر: سافروا في يمنة الليالي فإن انس القمر يذهب وحشة السفر.
٢٢٨ - ونام اعرابي (٣) عن جمله ففقده فلما طلع القمر وجده فرفع رأسه
_________________
(١) محاضرات الراغب: (٢: ٢٤١) .
(٢) محاضرات الراغب (٢: ٢٤١) .
(٣) انظر القصة في الغيث المسجم ٢: ١٥٦ وشبهها في محاضرات الراغب (٢: ٢٤١) ومن غاب عنه المطرب: ٥٩ وربيع الأبرار، الورقة: ١١/أ.
[ ١ / ٧٢ ]
إلى السماء وقال: اشهد أنك أعليته، وجعلت السماء بيته، ثم نظر إلى القمر وقال: ان الله صورك ونورك، وعلى البروج دورك، وإذا أراد كورك، وإن أهديت إلى قلبى سرورًا، لقد أهدى الله إليك نورًا.
٢٢٩ - وأضلَّ أعرابي ناقته فطلبها أول الليل فلم يجدها، فلما طلع القمر رآها إلى جنب ربوة، فرفع رأسه إلى القمر وأنشد (١):
ماذا أقول وقولي فيك ذو (٢) حَصَرٍ وقد كفيتني التفصيلَ والجملا
إنْ قلتُ لا زلتَ مرفوعًا (٣) فأنت كذا أو قلتُ زانكَ ربّي فهو قد فعلا ٢٣٠ - والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم فيقولون: ثلاث غرر، وثلاث نفل، وثلاث تسع، وثلاث عشر، وثلاث بيض، وثلاث درع، وثلاث ظلم، وثلاث حنادس، وثلاث دآدي، وثلاث محاق. والعرب تسمي كل ليلة من لياليه باسم.
٢٣١ - شاعر في ليلة مقمرة:
وليلةٍ فضيةِ الأديم شعارها أردية النعيمِ
صدعتُ فيها كبدَ الهمومِ بين رضابَيْ قهوةٍ وريم ٢٣٢ - شاعر:
شربنا على النيلِ في ليلةٍ بدائعُ أنوارها مُعْجِبَهْ
مفضّضةَ اللونِ من قهوة مذهبة للأَسى مُذْهِبَه
وقد أشرق البدرُ في شرقه وغرَّبَ لما أتى مغربه
وقد صاغ إذ ذاك من نوره على الليل منطقةً مذهبة ٢٣٣ - الموسوي (٤):
يا مَنْ كَغُرَّتِهِ الهلالُ أما ترى بدو الهلال وقد بدا في المشرقِ
كظريفةٍ نظرتْ إلى عشاقها فتنقبتْ خجلًا بكمٍّ أزرق
_________________
(١) اللطائف والظرائف: ٩٠.
(٢) اللطائف: ذو خطل.
(٣) اللطائف: علويًا.
(٤) غرائب التنبيهات: ٢٣ وينسب لابن الرومي، ومحاضرات الراغب (٢: ٢٤١) للموسوي؛ وفي ص: السوسي.
[ ١ / ٧٣ ]
٢٣٤ - شاعر:
وَمُقَرْطَقٍ يسعى إلى الندماءِ بعقيقةٍ في دُرَّةٍ بيضاءِ
والبدرُ في أفق السماءِ كدرهم مُلْقىً على ديباجةٍ زرقاء ٢٣٥ - عبد الله الموصلي الكاتب:
كشف البدرُ وجهه لتمامٍ فوجوهُ النجومِ مستتراتُ
فكأنَّ البدرَ التمامَ عروسٌ وكأن النجومَ منتقبات ٢٣٦ - آخر (١):
والبدر في المرآة كاللالآءِ حَسَرَ الدجى أَذيالهُ عن ذَيلِهِ
كأنه في كبد السماء حديقةٌ فيها غديرُ ماء ٢٣٧ - ابن المعتز (٢):
قمرٌ بدا لك مشرقًا في ليله حَسَرَ الدجى أَذيالهُ عن ذَيلِهِ
خُلِعَتْ على الآفاق من أنواره خِلَعَ البياضِ فأَومضت في ليله
وإذا تقدَّمَ في النجوم حسبتَهُ ملكًا تسير مواكبٌ من حوله ٢٣٨ - السلامي (٣):
َنبَّهْتُ نَدْماني وقد عَبَرَتْ بنا الشِّعْرى العبورُ
والبدرُ في أفق السما ءِ كروضةٍ فيها غدير ٢٣٩ - الوأواء الدمشقي (٤):
ولربِّ ليلٍ فيك ضلَّ صباحُهُ فكأنما هو حيرةُ المتفكّرِ
والبدرُ أولُ ما بدا متلثمًا يبدي الضياء لنا بخدٍّ مسفر
فكأنما هو خوذةٌ من فضَّةٍ قد ركِّبت في هامةٍ من عنبر ٢٤٠ - الشريف ابن دفتر خوان:
_________________
(١) هما لابن بابك في اليتيمة ٤: ٣٩٢ وغرائب التنبيهات: ٢٥.
(٢) لم يرد هذا الشعر في ديوانه.
(٣) اليتيمة ٢: ٤١٦.
(٤) اليتيمة ١: ٢٩٢ ومن غاب عنه المطرب: ٣٣ والديوان: ١٠٧.
[ ١ / ٧٤ ]
أقولُ لذا القمرِ الأَسحم ال مشفِّ من الشمس يمتارُ نورا
سوادُكَ من حيثُ تمسي هلالًا إلى حيث تكملُ بدرًا منيرًا
نقابٌ لتركيةٍ أسودٌ تنزّلُ منه يسيرًا يسيرا ٢٤١ - الشريف العقيلي (١):
لا تسمعنَّ إلى العذولِ وسقّني مشمولةً من خمرة الباذينجِ
أو ما ترى زُهْرَ النجوم كجوهرٍ نثرته غانيةٌ على فيروزج
والبدرُ في (٢) كبدِ السماءِ كوردةٍ بيضاءَ تضحكُ في رياضِ بنفسج ٢٤٢ - وله أيضًا (٣):
شربنا على ثوبِ السماء المنيّر عُقارًا لها في الكأس أَبهجُ مَنْظَرِ
وقد برز البدرُ المنيرُ ووجهُهُ كجامِ لجينٍ فيه آثار عنبر ٢٤٣ - ابن المعتز في البدر مع الشمس (٤):
يا ليلةً ما كان أَط يبها سوى قِصَرِ البقاء
أَحْيَيْتُهَا وأَمَتُّها وطويْتُها طيَّ الرداء
حتى رأيتُ الشمسَ تت لو البدر في أُفُقِ السماء
فكأنها وكأنه قَدَحان من خمرٍ وماءِ ٢٤٤ - سهل بن المرزبان (٥):
كم ليلةٍ أحييتها ومؤانسي طرف الحديث وطيبُ حثِّ الأكؤسِ
شبهتُ بدر سمائها لما دنتْ (٦) منه الثريا في ملاءة سندسِ
ملكًا مهيبًا قاعدًا في روضةٍ حيَّاهُ بعضُ الزائرينَ بنرجس ٢٤٥ - ابن المعتز (٧):
_________________
(١) ديوان العقيلي: ٩٠.
(٢) الديوان: أفق.
(٣) لم ترد هذه المقطوعة فيديوانه.
(٤) ديوان ابن المعتز ٤: ٥٠ ومن غاب عنه المطرب: ٥١ ونهاية الأرب ١: ١٤١.
(٥) اليتيمة ٤: ٣٩٢ ومعاهد التنصيص ٢: ١٨ ومن غاب عنه المطرب: ٥٨.
(٦) ص: ملاءة نرجس، اليتيمة والمعاهد: قنيص سندسي.
(٧) ديوان ابن المعتز ٢٥٤، ٣: ١٢٣ والأوراق: ٢٠٦ - ٢٠٧ ومن غاب عنه المطرب: ٦٠.
[ ١ / ٧٥ ]
يا خليليَّ اسقياني قهوةً ذاتَ حميا
ان يكنْ رشدًا فرشدا أو يكنْ غيًّا فغيا
قد تولَّى الليل عنَّا وطواهُ الصبحُ (١) طيا
وكأن (٢) البدر لما لاحَ من تحت الثريا
ملكٌ أقبلَ في التا جِ (٣) يفدَّى ويحيا ٢٤٦ - الشريف الموسوي في القمر تحت الشعاع:
خُذْ صفاتِ البدر المنير إذا ما قارنَ الشمسَ في احتراقٍ وَشَيْنٍ
صار تحت الشعاع سرًا ففيه الن ور منها في عَرْضِ أنملتين
مثلَ ياقوتةٍ بكفِّ فتاةٍ تحتها نصفُ حَلْقَةٍ من لجين ٢٤٧ - نظر شرف الدين (٤) ابن الوزير عون الدين ليلة إلى القمر يدخل تحت السحاب تارة وينكشف تارة، فقال لمن حضر من الادباء: ليقلْ كلّ منكم في ذلك شعرًا، فقال الأديب مفلح:
كأنما البدرُ حين يبدو لنا ويستحجبُ السَّحابا
خريدةٌ من بني هلالٍ لاثتْ على وجهها نقابا وقال ابن عون الدين:
إذا تطلع هذا البدر (٥) من فرجٍ من السحاب وغارتْ حوله الشُّهُبُ
تخاله في رقيقٍ (٦) من ملاءته خرقاءَ تَسْفِرُ أحيانًا وتنتقب وقال الأكرم من بني هبيرة:
وكأنَّ هذا البدر حيث تظلّهُ سُحُبٌ فيخفى تارةً ويؤوبُ
حسناءُ تبدو من خلالِ سجوفها طورًا وننطر نحوها فتغيب
_________________
(١) الديوان: الغرب.
(٢) الديوان: الصيح.
(٣) الديوان: تاج.
(٤) انظر القصيدة والشعر في الخريدة (قسم العراق) ١: ١٢٠ - ١٢١ وبدائع البدائه: ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٥) الخريدة: بدر التم.
(٦) الخريدة: من رثيث في.
[ ١ / ٧٦ ]
٢٤٨ - شرب عبد الملك (١) بن إدريس مع المنصور أبي عامر، والبدر يظهر تارة ويخفى بالسحاب تارة، فقال:
أرى بدرَ السماء يلوح حينًا فيبدو ثم يلتحفُ السحابا
وذاك لأنه لما تبدَّى وأبصرَ وجهك استحيا وغابا ٢٤٩ - أبو طاهر إسماعيل بن عمر في غلام مليحٍ بارد الحركات:
وممنّع كالظبي في الفلوات لكنه مُسْتَبْرَدُ الحركاتِ
فكأنه قمرُ الشتاءِ وقد بدتْ أنوارُهُ في أبردِ الأوقات ٢٥٠ - شاعر:
هذا هلالُ الأُفقِ يشرقُ ضاحكًا يحكيكَ في نور وحُسْنِ بهاءِ
فكأنه طوقٌ من الذهب ابتدا في جيدِ لابسٍ حُلَّةٍ زرقاء ٢٥١ - سعيد المرزباني في محاق القمر:
والبدر في كبدِ السماء قد انطوى طرفاه حتى عاد مثلَ الزورق
تشراه من تحت المحاق كأنما غرقَ الجميعُ وبعضه لم يغرق ٢٥٢ - آخر في محاق الشهر (٢):
لقد سرني أنَّ الهلالَ غُدَيَّةً بدا وهو محقورُ الخيالِ دقيقُ
طواه مرورُ الشهرِ حتى كأنه عنانٌ لواه باليدين رفيق
وإني بشهرِ الصومِ ما عشتُ شامتٌ وإنك يا شوالُ لي لصديقُ ٢٥٣ - ابن الرومي (٣):
شهرُ الصيام مباركٌ لكنَّه جُعلَتْ لنا بركاته في طُولِهِ
إني ليعجبني كمالُ هلالِهِ وَأُسَرّ بعدَ كماله بنحوله
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس: ٢٦٢ والمطمح: ١٣ وبدائع البدائه: ٣٤٩ والنفح ١: ٥٨٨، ٣: ٢٦٠ ومعاهد التنصيص ٣: ٧٤.
(٢) نسب الشعر لأعرابي في ربيع الأبرار، الورقة: ١٣/ أ.
(٣) ديوانه ٥: ٢٠٤٠.
[ ١ / ٧٧ ]
٢٥٤ - شاعر:
اسقني الكاسَ يا نديمي فقد عا د بُعَيْدَ الصيام عهدُ الوصالِ
ما رأينا الهلالَ حتى رأينا كلَّ شخص منا شبيهَ الهلال ٢٥٥ - طلع الملك المعظم ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب إلى مئذنة جامع دمشق لرؤية هلال شوال، ومعه القاضي والعدول، فغابت الشمس ولم ير الهلال، ثم رآه مملوك كان حظيًا عند الملك المعظم، فقال الملك المعظم لجبريل بن شكر المصري الشاعر المعروف بابن القصار، قل شيئا في ذلك، فقال:
توارى هلالُ الأُفْقِ عن أعينِ الورى وغطَّى بستر الغيم زهوًا محياه
فلما أتاة لاجتلاءٍ خليلُهُ تبدَّى له دونَ الأنامِ وحياه ٢٥٦ - شاعر:
تجلَّى علينا هلالُ الصيام بنحسٍ على الكاس والبربطِ
وكان نشيطًا فلما رآ هـ هم بهمٍّ فلم ينشط
فأعرضَ عنه كما أعرَضتْ فتاةٌ عن الحاجب الأشمط ٢٥٧ - أبو سعد ابن نصير في خسوف القمر:
كأنما البدر به الكسوف جامُ لجينٍ أبيضٌ نظيفُ في نصفه بنفسجٌ قطيف (١) ٢٥٨ - آخر:
انظر إلى البدر في حال الكسوفِ بدا مستسلمًا لقضاءِ الله والقَدَرِ
كأنه وجهُ معشوقٍ أدلَّ على عشاقه فابتلاه الله بالشعر ٢٥٩ - آخر (٢):
والبدرُ كالمرآةِ غيَّرَ صَقْلَها عَبَثُ العذارى فيه بالأنفاس
والليلُ ملتبسٌ بضوءِ صباحه مثلَ التباسِ النقْسِ بالقرطاس ٢٦٠ - والعرب تقول في ذم الهلال إذا رأته: لا مرحبًا بحجين، مُحِلّ الدَّيْنِ،
_________________
(١) ص: نظئيف.
(٢) هو أبو حفص بن برد الأصغر، انظر الذخيرة ١/ ١: ٥٢٠ وحلبة الكميت: ٣٠٠.
[ ١ / ٧٨ ]
ومقرّبِ الحين. قالوا: وفي القمر عيوب عدة، لونه لون الابرص، ووجهه وجه المجذوم، يحلّ الدين ويعجل كراء السكن، وينهك الابدان، ويخلق الكتان، وينمُّ على العاشق، ويفضح السارق.
٢٦١ - ابن المعتز (١):
يا سارقَ الأنوارِ من شمس الضحى يا مُثكلِي طيبَ الكرى ومنغّصي
أمّا ضياءُ الشمس فيك فناقصٌ وأرى حرارةَ حرِّها لم تنقص
لم يظفر التشبيهُ منك بطائل متسلخ بَهَقًا كجلدِ الابرص ٢٦٢ - على بن سعيد:
لَبَذْلُ وجهي إلى لئيمٍ أَمَرُّ من وقفةِ الوداعِ
فالبدرُ في وجههِ كدوحٌ حين اجتدى الشمسَ في الشعاع ٢٦٣ - ابن إلرومي (٢):
ربِّ عِرضَ مُنزَّهٍ عن قبيحٍ دنَّسَتْهُ تعرُّضاتُ الهجاءِ لو أراد الأديبُ أن يَهْجُوَ البدرَ رماه بالخطّةِ الشنعاء قال يا بدرُ انت تغدرُ بالساري وتغري (٣) بزورةِ الحسناء
كلفٌ في اديمِ (٤) وجهك يحكي نَمَشًا (٥) فوقَ وجنةٍ برصاء يعتريك النقصانُ (٦) ثم يخلّيكَ شبيه القُلامةِ الحنفاء (٧) ويليك السرار (٨) في آخر الشهر فيمحوك من أديمِ السماء
_________________
(١) ديوان ابن المعتز: ٣٢٠، ٤: ١٠٢ والأوراق: ٢٦٣ والشريشي ٢: ٢٧٠ والغيث المسجم ٢: ١٥٦ واللطائف والطرائف: ٩٠.
(٢) ديوان ابن الرومي ١: ١٣٥ ونهاية الأرب ١: ٥٦ والغيث المسجم ٢: ١٥٥ - ١٥٦ ووردت في تتمة اليتيمة ١: ٤ منسوبة لأبي محمد طاهر بن الحسين المخزومي البصري.
(٣) الديوان: وتزري.
(٤) الديوان والتتمة: شحوب.
(٥) الديوان: نكتًا.
(٦) الديوان: المحاق.
(٧) الديوان: الحجناء.
(٨) الديوان: النقصان.
[ ١ / ٧٩ ]
إذا البدرُ نيلَ بالهجو فليخشَ أولو الفضل (١) ألسنَ الشعراء ما بقدر (٢) المديح بل خيفةَ الهجوِ أَخذنا جوائزَ الخلفاء ٢٦٤ - ابن طباطبا في ليلة مقمرة:
وليلةٍ مثل يومٍ شَمْسُهَا قَمَرٌ بدت بدوَّ الضحى ظلًا وآلاءَ
يا حُسْنَها ليلةً عاد النهار بها أنسًا وطيبًا وإشراقًا ولألاء
_________________
(١) الديوان: هل يأمن ذو الفضل.
(٢) الديوان: لا لأجل.
[ ١ / ٨٠ ]