١ - في التنزيل العزيز (وآية لهم الليل نسلخُ منه النهار فإذا هم مظلمون، والشمسُ تجري لمستقرٍ لها ذلك تقديرُ العزيز العليم. والقمرَ قَدَّرْنَاهُ منازلَ حتَّى عاد كالعُرْجونِ القديم. لا الشمسُ يَنْبَغِي لها أَنْ كل تُدْرِكَ القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ وكلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُون) . (١)
٢ - الليل والنهار يسميان الملوين، ويسميان الجديدين والاحدين والعصرين والقرنين والبردين والأبردين والخافقين والدائرين والحاذقين والخيطين، وهما زنمتا الدهر وابنا سمير وابنا سبات. وذكر أبو العلاء المعري الحَرْسَين، والحَرْسُ الدهر، ولم يسمع مثنىً إلاّ في قوله (٢):
ويحقُّ في رُزْءِ الحُسَيْن تَغَيُّرُ ال حَرْسَينِ بَلْهَ الدر في الأَصدافِ وجمع الحرس أحْرُس، وقد يجمع ما لا يثنى ويثنى ما لا يجمع، وما ذكر من مثنى هذا الباب مسموع لا مقيس. وسميا ملوين لأنهما يملآن الآفاق نورًا وظلمة، وسميا جديدين لتجددهما بالضياء والإظلام على الدوام وسمي النهار نهارًا لظهور ضوء الفجر يجري كالنهر من المشرق إلى المغرب معترضًا حتى يأتي على الظلام، وسمي الليل ليلًا لأنه يلالي بالأشخاص حتى يتشكك الناظر في الشيء فيقول: هو هو، ثم يقول: لا لا - فقد لالا بها. والنهار ضد الليل، ولا يجمع، كما لا يجمع العذاب والسراب، فإن جمعت قُلت في قليله نُهُر، وفي الكثير نُهُر. والنهار ذكر الحُبارَى.
_________________
(١) راجع في تفسير هذه الآية القرطبي ١٥: ٢٦ - ٣٣ وزاد المسير ٧: ١٧ - ٢١ والبحر المحيط ٧: ٢٣٥ - ٣٣٧.
(٢) شروح السقط: ١٢٧٠ من قصيدة في رثاء الشريف الموسوي والد الرضي المرتضى.
[ ١ / ٩ ]
٣ - وقوله: (نسلخ منه النهار) أي ننزع عنه الضوء فيظهر سواده، لأنّ أصل، ما بين السماء والأرض من الهواء والظلمة. والنهار في اللغة الضوء، والليل الظلمة.
٤ - (والشمس تجري) جري الشمس سيرها على عكس دور الفلك. فتقطع الفلك في ثلاثماثة وخمسة وستين يومًا وربع يوم وجزءٍ من يوم عند أهل الهند. وعند أهل الروم في ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا إلا جزءًا من ثلاثمائة جزء يوم.
(لمستقر) أي محل استقرار الليل والنهار على الاستواء، اعتدال الزمان عند حلولها أول نقطة الحمل أو الميزان، وقيل استقرارها استعلاؤها على جانب الشمال عند نهاية طول النهار في الأقاليم السبعة المائلة نحو الشمال (١) عن خط الاستواء، فيطول اليوم في الإقليم الأول ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة إلى أن ينتهي في الإقليم ست عشرة ساعة بتفاوت نصف ساعة بين كل إقليمين، حسب بعد الأقاليم من خط الاستواء نحو الشمال وقربها منه. وقيل: لمستقر لها أي محل شرف لها، في الدرجة التاسعة عشرة من الحمل عند ظهور أثرها في نفي آثار الشتاء، واعتدال الزمان والهواء، ومحل رفعه في أوجها يعني الجوزاء عند استقامة الحر وبدوّ الثمار وتمام الرياحين، أو محل قوة لها في بيتها، يعني الأسد عند إدراك الزروع وينع الثمار. وقيل لمستقر لها أي محل استقرار الدَّور واستمرار السير على الاستقامة من غير رجعة وانعكاس، كالخمسة المتحيرة أعني زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد.
٥ - (والقمرَ قدَّرناهُ منازلَ) يعني منازله الثمانية والعشرين المعروفة وهي الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدم، الفرغ الموخر، بطن الحوت. وهذه المنازل مقسومة على البروج الاثني عشر لكل برج منها منزلتان وثلث، منزلة بالتقريب، فينزل القمر كل يوم منزلًا، حتى إذا اجتمع مع الشمس في منزل انتقص الهلال في ثاني ذلك المنزل كالعرجون القديم. وقيل: قدَّرناه منازل أي قدرنا نوره في منازل، فيزيد في مقدار النور كل يوم في المنازل الاجتماعية، وينقص في المنازل الاستقبالية. وقيل: أي جعلنا أجزاء جرمه
_________________
(١) ص: السماء.
[ ١ / ١٠ ]
منازل لعكس أنوار الشمس " فإن جرم القمر مظلم ينزل فيه النور بقبوله عكس ضياء الشمس "، مثل المرآة المجلوَّة إذا قوبل بها الشعاع تضاحل إلى الظل ويضرب بالنور المقبول عليه، وكذا القمر يقبل نور الشمس ويؤديه إلى الأرض، ولا يزال نصف القمر مقابلًا للشمس ونصفه غائبًا عنها، فعند اجتماع الشمس يكون نصفه الذي يلي الشمس مضيئًا كله، فيظلم نصفه الذي يلي الأرض، فإذا جاوزها ليلة الاستهلال انحرف عن موازاتها فمالت الظلمة من النصف لم الأسفل إلى النصف الأعلى بقدر ما ينجلي منها ليلة الهلال كالعرجون القديم لا يزال ينحرف عنها حتى يدبر عن الشمس نصفه الأعلى، ويقابلها نصفه الذي يلي الأرض عند الامتلاء، وهو الاستقبال، فيأخذ النور في الاستقبال من نصفه الأسفل إلى نصفه الأعلى، حتى ينتهي إلى الاجتماع وتدور الشمس والقمر على جانب من الأرض إلا ليلة الخسوف، تحول الأرض بينهما فتحجب القمر عن الشمس، فيخسف بظل الأرض.
٦ - وقوله ﷿: (لا الشمسُ ينبغي لها أن تدركَ القمر) أي لا يمكنها أن تدرك القمر في سرعة سيره، لأن دائرة فلك القمر في فلك عطارد، وفلك عطارد داخل في فلك الزهرة، وفلك الزهرة داخل في فلك الشمس فإذا كان طريق الشمس أبعد قطع القمر جميع أجزاء فلكه - أعني البروج الإثني عشر - في زمان تقطع الشمس برجًا واحدًا من فلكها. وقيل لم يكن يليق بمصلحة العباد لو جُعلت الثمس في سرعة السير كالقمر، فإنها لو قطعت الفلك في ثلاثين يومًا لولدت الفصول الأربعة في كل شهر، واختلّت الزروع والثمار واستقامة الأحوال.
٧ - وقوله ﷿: (ولا الليلُ سابقُ النّهارِ) أي الشمس التي بها الضياء خلقت مضيئة والليل بكرة الأرض التي يغيب ضوء الشمس بطرف منها عن الأرض، وهي في بعدها من الأفلاك بُعدٌ واحد من جميع الجهات، لأنها في العالم بمنزلة الثقل، والأفلاك والكواكب في غاية اللطف، لما أديرت وقعت كثافة الأرض إلى أسفل، فإن اللطيف يتحرك إلى الأعلى، والثقيل الكثيف إلى أسفل، فلما دفعت أجرام الفلك عنه التراب من جميع النواحي دفعة واحدة اجتمع إلى الوسط، وقد جرب ذلك في قنّينة ملئت ماء وألقي فيها حفنة من تراب، ثم أديرت بالخرط، فبدأت أجزاء التراب تجتمع من جميع النواحي حتى استمسكت في الوسط. فإذا كان الليل بالأرض، والأرض تدفع الأفلاك أجزاءها - كما ضربنا من المثال - كان النهار سابقًا لليل، فذلك قوله ﷿: (ولا الليلُ سابقُ النهار وكلٌّ في فَلَكٍ يسبحون)
[ ١ / ١١ ]
أي يعومون على عكس سير الفلك، كالسباحة على خلاف جري الماء. وخصّ الشمس والقمر بالذكر ههنا، وفي سورة الأنبياء، لأن سيرهما سباحة أبدًا على عكس دور الفلك، وسير الخمسة المتحيرة قد يكون موافقًا لدور الفلك عند الرجعة، والجري للاستقامة، والكنوس للدخول تحت الشعاع والاحراق. هذا كلام السجاوندي (١) .
٨ - وقال أبو الحسن الحوفي (٢): (لا الشمسُ ينبغي لها أن تدركَ القمر) أي لا يصلح لها أن تدرك القمر فيذهب نوره بضوئها، فتكون الأوقات كلها نهارًا لا ليلًا (ولا الليلُ سابقُ النهار) أي يعاقب النهار حتى يذهب ظلمته بضيائه فتكون الأوقات كلها ليلًا، أي لكل واحد منهما حدٌّ لا يتجاوزه، إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا.
٩ - وقال ابن فُوْرَك (٣): لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر في سرعة سيره، لأن سير القمر أسرع من سير الشمس. وروي أن ابن عباس - ﵄ - قرأ: لا مستقر لها، أي أنها تجري في الليل والنهار، لا وقوف لها ولا قرار.
١٠ - وقال يحيى بن سلام (٤): لا تدرك الشمس القمر ليلة البدر خاصة، لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها.
و(العُرْجُون القديم) العذق اليابس إذا استقوس. قال: وفي استدلال قوم من هذه الآية على أن الليل أصل، والنهار فرع طارٍ عليه، نظر. وفي مستقر الشمس أقوال، منها أن مستقرها آخر مطالعها في المنقلبين، لأنهما نهايتا مطالعها، فإذا استقر وصولها كرت راجعة، وإلا فهي لا تستقر عن حركتها طرفة عين.
١١ - وقال أبو نصر القُشَيْري (٥): ولا الليل سابق النهار أي غالب، فتمحي آية
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن طيفور السجاوندي، إمام مقري نحوي مفسر، كان في وسط المائة السادسة، له تفسير حسن للقرآن وكتاب عللك القراءات وكتاب الوقف والابتداء، (انظر طبقات القراء ٢: ١٥٧ والوافي ٣: ١٧٨ وبروكلمان. التاريخ ١: ٤٠٨ والتكملة ١: ٧٢٤) .
(٢) هو علي بن إبراهيم الحوفي (- ٤٣٠) صاحب البرهان في التفسير (انظر الوافيات ٣: ٣٠٠ وانباه الرواة ٢: ٢١٩) .
(٣) محمد بن الحسن بن فورك (- ٤٦٠) أحد شيوخ الأشاعرة، انظر ترجمته في السبكي ٣: ٥٢ وتبيين كذبم المفتري: ٢٧٢.
(٤) ترجم له في ميزان الاعتدال ٤: ٣٨٠.
(٥) انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٣: ٢٠٧ وعبد الغافر: ٩٣ والسبكي ٤: ٢٤٩ وتبيين كذب المفتري: ٣٠٨.
[ ١ / ١٢ ]
أحدهما بالآخر، ليكون الليل للاستراحة والنهار للتصرف ولتميز الأوقات ولعلم السنين والحساب، ولا تصير الأوقات كلها ليلًا أو نهارًا.
١٢ - قال الشيخ شرف الدين أحمد التيفاشي المصنف: وليس في هذه الأقوال بيان في أن الليل قبل النهار في الوجود، أو أن النهار قبل الليل، وهو محط السؤال. قال، وأنا أقول: إن الليل والنهار لا يخلو إما أن نعتبر وجودهما بالإضافة الينا أو بالإضافة إلى العالم نفسه؛ فإن كانا بالإضافة إلينا كانا في منزلة المضاف في المنطق كالأب والابن؛ وإذا كانا كذلك لم يكن أحدهما متقدمًا على الاخر، فإنا لا نعرف الليل إلا وقبله نهار ولا النهار إلا وقبله ليل، كما لا نعرف الأب من حيث هو أب إلا ومعه الابن، والابن إلا ومعه أب. وسأل الاسكندر (١) بعض الحكماء عن ذلك فقال: هما في دائرة واحدة، والدائرة لا يعرف لها أول ولا آخر. وإن اعتبر وجودهما بالإضافة إلى العالم نفسه، فلا يخلو أن يكون الاعتبار بالإضافة إلى العالم العلوي، وهو من الفلك المحيط إلى مقعر فلك القمر، أو إلى العالم السفلي، وهو من مقعر فلك القمر إلى كرة الأرض، فإن كان بالإضافة إلى العالم العلوي كما اعتبره السجاوندي، كان ذلك باطلًا، إذ العالم العلوي لا ليل فيه ولا نهار، إذ لا ظلام يتعاقب عليه فيسمى نوره نهارًا، بل الأجرام العلوية أجسام شفافة مضيئة نيّرة بطبعها على الدوام، نورًا لا ظلمة تشوبه ولا عتمة تتعاقب عليه. كما في هذا العالم. وإن كنا نرى الشمس والقمر يُكسفان عندنا فإنما ذلك لحائل يحول بين أبصارنا في هذا العالم وبين إدراك نوريهما، وإلا فهما في عالمهما على وتيرة واحدة من النور والضياء والبهجة، لا تبديل لها ولا تغيير، إلى أن يشاء العزيز القدير. وإن اعتبر وجود الليل والنهار بإضافتهما إلى هذا العالم السفلي، وهو من كرة الأرض إلى مقعر فلك القمر، كان اعتبارًا حقًا، وهو موضع البحث، إلا أنه يجب أن يوجد اسما الليل والنهار ههنا دالَّين على النور والظلمة، كما قال الخليل: إن الليل عند العرب الظلام، والنهار الضوء، حتى لا يكون مدلول اسمي الليل والنهار على ما نفهمه نحن الآن من تعاقب الضياء والظلام عندنا، فإن كان ذلك كذلك كان الليل متقدمًا على النهار بالطبع والذات، على رأي المشرّعين والفلاسفة:
_________________
(١) ورد هذا النص في محاضرات الراغب ٤: ٥٣٦.
[ ١ / ١٣ ]
١٣ - أما الفلاسفة فإنهم متفقون على أن جميع أجرام العالم شفافة منيرة أو قابلة للنور مؤدية له، ما خلا كرة الأرض، فإنها كثيفة بذاتها، مظلمة (١) بطبعها، وإن الظلام الموجود في العالم إنما هو منها، وإن ذلك ذاتي فيها لا عرض لها، بل هو ملازم لها ملازمة الظلّ للشخص، والنور للشمس، والضياء فيها إنما هو عرض لها طارٍ على الظلام الذاتي الملازم. قال أبو معشر: الأرض لما وُجِدَت كانت مظلمة من جميع جهاتها، فما قابله منها نور الشمس انزاح الظلام عنه إلى الجهة التي لم تقابلها الشمس، فإذا دارت الشمس إلى الجهة الأخرى المظلمة أنارت وانزاح الظلام إلى الجهة التي كانت مضيئة، هكذا على الدوام.
١٤ - وأما المتشرعون فإنهم - على اختلاف مللهم - متفقون على تقديم الليل على النهار في الوجود، وفي نص التوراة في مفتتحها (٢): " أولُ ما خلقَ الله السمواتِ والأرضَ كانت تيهًا وتيهًا وظلامٌ على وجه الغمْر، وأرواحُ الله مرفرفةٌ على وَجْهِ الماء، وقال الله: يكونُ نور فكان النور، ورأى الله النور حَسنًا، وفصل الله ببن النور وبين الظلام، فسمَّى عند ذلك النهار نهارًا والظلام ليلًا. وكان مساءٌ وما يليه، وصباحٌ وما يتبعه، الجميعُ يومٌ واحد ". هذا نص التوراة، وهو تصريح جلي. قوله (تيهًا وتيهًا) أي قاع صفصف خالية من العمران، والغَمْر ههنا الماء.
١٥ - قال الشيخ المصنف: ومن كتاب " فردوس البيعة " للقسّ أبي الفرج الطبيب (٣) في العلة التي من أجلها خلق الله الظلمة أولا ومن بعدها النور، قال: لأن الفاعل الحكيم شأنه، أن يدرّج مفعولاته من النقصان إلى الكمال، ومثال ذلك تصيبره الجنس الآدمي - الذي هو علّة المخلوقات - آخر المخلوقات، فالواجب أن يجعل النور آخرًا لأنه أشرف من الظلمة، ولكيما - إذا وجد النور - بانَ الملائكة الروحانيون به وهو ينظر شريف ما تقدم بخلقه من عظيم أفعاله، وكان هذا علة جاذبة
_________________
(١) ص: ظلمة.
(٢) جاء في الاصحاح الأول من سفر التكوين: في البدء حلق الله السموات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة دعاها ليلًا وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا.
(٣) لعله أبو الفرج بن الطيب من مشاهير أطباء القرن الخامس الهجري ببغداد، وكان متميزًا في النصارى (ابن أبي أصيبعة ١: ٢٣٩ - ٢٤١ ولم يذكر «فردوس البيعة» بين كتبه) .
[ ١ / ١٤ ]
لهم إلى حسن الطاعة، فالمرئيات في النور بينة جدًا، ولو خلق الظلمة بعد النور لكان هذا مما يخفي حسن الإنارة، ولكيما لا يصير للذين يعتقدون أن ههنا خالقين متضادين حجة، بأن يكون خالق الظلمة إذا كان يضاد خالق النور لما رآه قد خلق النور ضادَّه بخلق الظلمة.
فهذه آراء اليهود والنصارى بعد إيراد أقاويل المسلمين والمتفلسفين.
١٦ - وأما مذاهب العرب: فإنهم متفقون في كلامهم على تقديم الليل على النهار، وعلى هذا يؤرخون فيقولون: لخمس بقين ولست بقين من الشهر، والعلة الموجبة لذلك عندهم أن الشهر إنما تعلم بدايته بالهلال، فيكون أوله على ذلك الليل. وفي الحديث: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " (١) وفيه: " من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر " (٢) فقال ستًا ولم يقل " ستة " فدلّ على أنه ﷺ جعل بداية الشهر الليل، وإنما أراد بالصيام الأيام، إذ الليل لا يصام. وفى رواية " وأتبعه خمسًا من شوال ". ووجه الحديثين أن الحسنة بعشر أمثالها، فشهر رمضان بعشرة أشهر، والستة التي بعده بستين يومًا، فذلك عام كامل. ومن روى خمسًا فالشهر بعشرة، والخمسة بعده بخمسين يومًا، فتبقى عشرة منها ستة أيام تسقط بنقصان الشهر وأربعة أيام يوم الفطر وثلاثة أيام التشريق.
١٧ - ولأبي منصور صدرُ معنى مستطرف في تقديم الليل على النهار، يصف سوداء:
عُلّقْئُهَا (٣) سوداء مصقولةً سوادُ عيني صفةٌ فيها
ما انكسفَ البدرُ على تِمّهِ ونورِهِ إلا ليحكيها
لأجلها الأَزمانُ أوقاتُهَا مؤرخاتٌ بلياليها ١٨ - وروى أنه ﷺ قال (٤): " لا تسبوا الليل والنهار ولا الشمس ولا القمر ولا الريح فإنها ترسل رحمة لقوم. وعذابًا لآخرين. وقال
_________________
(١) الحديث في النسائي (صيام: ٨) ومسند أحمد ٤: ٣٢١ والجامع الصغير ٢: ٤٧ واتقان الغزي: ١١٤.
(٢) اتقان الغزي: ١٨٧ والجامع الصغير ٢: ١٧٤.
(٣) ص: حمراء.
(٤) في اتقان الغزي: ٢٢٠ ولا تسبوا الريح فإنها من روح تأتي بالرحمة والعذاب، وثمة تخريجه، ولم يرد قوله: لا تسبوا الليل الخ، ولكن هذا مضمن في قوله: «لا تسبوا الدهر» ويزاد في رواية «أقلب ليله ونهاره» .
[ ١ / ١٥ ]
ﷺ: " الليل والنهار مطيّتان يقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود ". هذا كلام النبوة المشرق بنور المعرفة.
١٩ - وقال بعض الحكماء: الليل والنهار فرسان يركضان بالبشر إلى إنقضاء الأعمار وقال آخر: الليل والنهار رحيان (١) لطحن الأعمار.
٢٠ - وللشيخ المصنف في ذلك:
يا سائلي في شيبِ رأسي شيْبه اسمعْ جوابي فيه غيرَ مُعَرّضِ
طحنتْ رحى المَلوينِ عمري فانثنى في مفرقي أثرُ الغبارِ الأبيض ٢١ - وللشريف ابن دفتر خوان (٢):
جيشانِ مختلفان جيشُ دُجُنَّةٍ يتغالبان معًا وجيشُ نهارِ
والليلُ يكسو الجوَّ مِسْحًَا أسودًا متحرقًا عند الشروقِ بنار
والصبحُ مدَّ على النجوم مُلاءةً بيضاءَ يمنعها عن الإبصار ٢٢ - وفي كتاب كليلة ودمنة (٣) تمثل أيام العمر بغصنين نابتين على فم بئر، وإنسان قائم عليها، والليل والنهار كجرذين أبيض وأسود مُجِدّين في قطع الغصنين، وهو لاه عنهما.
٢٣ - شاعر في الأيام (٤):
ما سبعةٌ كلُّهُمُ إخوانُ ليس يموتون وهم شبّانُ لم يَرَهُمْ في موضعٍ إنسانُ
_________________
(١) ص: رحاتان.
(٢) هو الأمير علي بن محمد بن الرضى الحسيني الموسوي الطوسي الشريف دفتر خوان (- ٦٥٤) انظر تاريخ بروكلمان ١: ٣٥٢ وله ترجمة في حرف العين من الوافي. ومن الضروري أن يميز المرء بينه وبين دفتر خوان آخر واسمه المنتجب أحمد بن عبد الكريم كان يقرأ الدفاتر للملك العادل ابن أيوب وتوفي ٦١٥ (راجع الوافي ٧: ٧٨ ونفح الطيب ٢: ٣٠٠) وللأول منهما يشير التيفاشي باسم الشريف الموسوي والشريف الطوسي في ما يلي.
(٣) كليلة ودمنة: ٤١.
(٤) انظر محاضرات الراغب ٤: ٥٣٦ (٢: ٢٤٠) وربيع الأبرار، الورقة: ٣/أوالبصائر ٣: ٤٧٢.
[ ١ / ١٦ ]
٢٤ - وذكر أنه وجد قبل الإسلام بألف عام على حجر مكتوبًا في بعض غيران نجد (١):
خِدْنان (٢) لم يُريا معًا في منزلٍ وكلاهما يجري به المقدارُ
لونان (٣) شتى يكسوان خُلُوقةً ما عاورته الشمسُ والأمطار ٢٥ - شاعر:
فما مقبلاتٌ مدبراتٌ تواتَرَتْ مخالفةَ الاسماءِ واللونُ واحدُ
تصرَّفُ في أبنائهنَّ مرارةٌ ومنهن حُلْواتٌ وَسُخنٌ وبارد ٢٦ - ابن الشبل البغدادي (٤):
ما أسودٌ في حِضْنِهِ أبيضٌ وأبيضٌ في حضنه أَسودُ
ما افترقا قطُّ ولا استجمعا كلاهما مِنْ ضِدَّه يولد ٢٧ - أعرابي في الليل والنهار (٥):
والليلُ يطردُهُ النهارُ ولن ترى كالليل يطرده النهارُ طريدا
فتراه مثلَ البيت زال بناؤه هَتْكَ المقوض سِتْرَهَ الممدودا ٢٨ - والمولّدون يشبّهون الليل والنهار بالزنجيّ والروميّ والحبشيّ والتركي، فمن ذلك قول أبي العلاء المعري (٦):
ودانَتْ لكَ الأيامُ بالرغم وانضوتْ إليك الليالي فارمِ من شئت تُقْصِدِ
بسبعِ إماءٍ من زَغَاوةَ زُوِّجَتْ من الروم في نعماك سبعةَ أَعْبُدِ
_________________
(١) محاضرات الراغب ٤: ٥٣٦ (٢: ٢٤٠) .
(٢) ص: جرمان.
(٣) ص: لو كان شيء.
(٤) ابن الشبل البغدادي أبو علي محمد بن الحسين بن عبد الله بن يوسف بن شبل (- ٤٧٣) ولد ونشأ ببغداد وكان حكيمًا فيلسوفًا وشاعرًا مجيدًا (ابن أبي أصيبعة ٢: ٢٤٧ - ٢٥٢) واسمه عنده الحسين بن عبد الله وكذلك في معجم الأدباء ١٠: ٢٣) وانظر ابن خلكان ٤: ٣٩٣ والوافي ٣: ١١ والمنتظم ٨: ٣٢٨ وتكملة المنذري ١: ٧١ والمحمدون: ٢٧٠ والبدر السافر: ٩١ ودمية القصر ١: ٣٥٢ وبيتاه في «المحمدون»: ٢٧٨..
(٥) ديوان المعاني ١: ٣٥٧ وزهر الآداب: ٧٥٢.
(٦) شروح السقط: ٣٥٩ في مدح الشريف أبي إبراهيم العلوي.
[ ١ / ١٧ ]
٢٩ - أبو بكر بن اللبانة (١):
يجري النهارُ إلى رضاكَ وليلُهُ وكلاهما متعاقبٌ لا يسأمُ
فكأنما الإصباحُ تحتك أَشقُر وكأنما الإظلامُ تحتك دهمُ ٣٠ - أسعد بن إبراهيم المغربي (٢):
وقد ذاب كُحْلُ الليلِ في دمع فجرِهِ إلى أن تبدَّى الصبحُ كاللمّةِ الشَّمْطَا
كأنّ الدُّجَى جيشٌ من الزَّنجِ نافرٌ وقد أرسل الإصباحُ في إِثرِهِ القبطا ٣١ - أحمد بن درّاج القسطلّي (٣):
وليلٍ كريعان الشبابِ قطعتُهُ بجهدِ السُّرى حتى استثيبت (٤) ذوائبُهْ
وصلتُ به يومًا أَغرَّ صحبته غلامًا إلى أنْ طُرَّ بالليل ِشاربه
_________________
(١) ابن اللبانة: هو محمد بن عيسى الداني (- ٥٠٧) وله ترجمة في الذخيرة ٣/ ٢/ ٦٦٦، وقد ورد البيتان في الخريدة (قسم المغرب والأندلس) ٢: ١١٧ (ط. تونس) وشعر ابن اللبانة: ٩١.
(٢) هو المعروف بابن بليطة (الذخيرة ١: ٧٩٠ - ٨٠١) والبيتان في النفح ٤: ١٠٠ والخريدة ٢: ٩٠ والثاني في الذخيرة ١: ٧٩٩.
(٣) ديوان ابن دراج: ٢٣ ورايات المبرزين: ٧٣.
(٤) ص: استنبت الديوان: اشيبت.
[ ١ / ١٨ ]