٢٦٥ - الفجر أول ضوء تراه من الصباح ويقال له ابن ذكاء، وذكاء من أسماء الشمس؛ قال الراجز (١):
وردُتهُ قبلَ انبلاجِ الفجرِ وابنُ ذكاءٍ كامنٌ في كَفْرِ والكفر ما غطاه، يعني به الليل، والفجر مأخوذ من انفجار الماء، لأنه ينفجر كالماء شيئًا بعد شيء، وهما فجران: الأول منهما ذَنَبُ السرحان تشبيها له بذلك وهو الذي لا يحرم الطعام على الصائم، ويسمى الفجر الكاذب، لأنه يلوح ثم يخفى؛ والثاني هو الفجر الصادق وهو الذي يحرم الطعام على الصائم.
٢٦٦ - والذي يلي الفجر من الليل هو السحر، يقال: أتيته بسحرٍ وبسحرة، وبالسحر الأعلى لآخر السحر، وسحيرًا لأوله.
٢٦٧ - والسدفة: ظلمة يخالطها ضوء يكون من أول الليل ومن آخره يذهب إلى بقايا الشفق، لأن الشفق في أول الليل كالفجر في آخره.
٢٦٨ - ويقال انبلج الصبح انبلاجًا فهو أبلج، وتبلج يتبلج، وساح يسيح، وانساح ينساح انسياحًا، وانفسح ينفسح، وانصاح ينصاح انصياخًا، - كل ذلك إذا اتسع وانبسط - وتنفس يتنفس، وفي التزيل العزيز (والصبح إذا تنفّس) وصاح يصيح إذا علا وظهر؛ قال الفرزدق:
والشيبُ ينهض في الشباب كأنه ليلٌ يصيح بجانبيه نهارُ
_________________
(١) الأنواء: ١٣٦ والحيوان ٥: ١٣٠ واللسان (ذكا، كفر) .
[ ١ / ٨١ ]
لما علا وظهر شبهه بالصائح الذي دل على نفسه بصياحه. فإذا علا بعد ذلك بشيء فعرفت المارَّ وإن كان منك بعيدًا قلت: أسفر الصبح.
٢٦٩ - وفي التنزيل العزيز: (حتّى يَتَبيَّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفجر) والعرب تشبه رقة البياض البادي من الفجر أولًا ورقة السواد الحافّ به بخيطين أبيض وأسود على جهة الاستعارة والتمثيل. قال أبو دواد:
فلما بَصُرْنَ به غُدْوَةً ولاح من الفجرِ خيطٌ أَنارا والكتاب العزيز نزل على ما تفهمه العرب في لغتها وتألفه في عرفها. ونزل " الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود "، ولم يكن فيها " من الفجر " ومضى على ذلك عام. فجاء عدي بن حاتم (١) إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني جعلتُ تحت وسادتي عقالين أبيض وأسود أعرف الليل والنهار، فقال له رسول الله ﷺ: إنما هو سواد الليل وبياض النهار.
فاستدل الفقهاء بهذا القول على أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وعلى ذلك العمل في الصوم والصلاة والإيمان وغير ذلك من جميع ما يناط به حكم شرعي.
وأما على ظاهر اللغة فاختلف فيه. فروى أبو حنيفة الدينوري في " كتاب الأنواء " أن النهار محسوب من طلوع الشمس إلى غروبها، والليل من غروب الشمس إلى طلوعها، ولا يعد شيء قبل طلوعها من النهار ولا شيء فبل غروبها من الليل؛ وقال الزجاج في " كتاب الأنواء " أيضًا: أول النهار ذرورُ الشمس. ومن أهل اللغة من جعل وقت النهار من الإسفار إذا اتسع الضوء وانبسط وهو موافق لمن قال بالذرور. واعتبر في ذلك التسمية اللفظية وقال: النهار مأخوذ من اتساع الضوء واتضاح نوره، وأ نشد (٢):
ملكتُ بها كفي فأَنْهَرتُ فَتْقَهَا يرى قائمًا من دونها ماوراءَهَا والحكم عند عامة الفقهاء في النهار ما ورد في الحديث وهو: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأما تحديد تبيين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر،
_________________
(١) صحيح مسلم ١: ٣٠١.
(٢) البيت لقيس بن الخطيم، انظر ديوانه: ٨.
[ ١ / ٨٢ ]
وهو الذي بسببه تجب الأعمال، فقد اختلف فيه ووقع العمل على أنه الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة. فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك عن الأكل للصيام. لما خرجه مسلم في صحيحه (١) أنه ﷺ قال: ليس الفجر الذي يقول هكذا وهكذا - وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض - ولكن الذي يقول هكذا - ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه. وروي عن أبن عباس وغيره أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال. وعن علي ﵇ أنه صلّى بالناس الصبح وقال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وإنما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هم في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس، لأن آخره غروبها فكذلك أوله طلوعها؛ وذكر عن الخليل بن أحمد أن النهار من طلوع الفجر، واستدل بقوله (وأقم الصلاة طرفي النهار) وهذا من أهل اللغة موافق للحديث ومن أكل وهو يشكّ في طلوع الفجر فعليه عند مالك القضاء.
٢٧٠ - ومما نقل من كتاب " ديوان المعاني " للعسكري (٢): من أجود ما قيل في الصباح، قال الأصمعي: نزلت بقوم من غنيّ قد جاوروا قبائل العرب من بني صعصعة. فحضرت ناديهم وشيخ طويل الصمت عالم بالشعر، يأتونه الناس من كل ناحية ينشدونه أشعارهم، فإذا سمع الشعر الجيد قرع الأرض بمحجنه فينفذ حكمه على من حضر منهم. بشاةٍ إن كان ذا غنم، أو ابنِ مخاض إن كان ذا إبل، فتذبح أو تنحر لأهل النادي، قال: فحضرته يومًا وأنشده بعضهم يصف ليلًا:
كأنّ شميطَ الصبح في أخرياته ملاءٌ يُنَقَّى من طيالسةٍ خُضْرِ
تخالُ بقاياه التي أَسْأَرَ الدجى تمدّ وشيعًا فوق أرديةِ الفجر فقام الشيخ كالمجنون مصلتًا سيفه حتى خالط البرك، فجعل يضرب يمينًا وشمالًا ويقول:
لا تفرغنْ في أذنيَّ بعدها ما يستفزّ فأريكَ فقدها
إني إذا السيف تولى مدَّها لا أستطيع بعد ذاك ردَّها
_________________
(١) صحيح مسلم ١: ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) ديوان المعاني ١: ٣٥٤ - ٣٥٥.
[ ١ / ٨٣ ]
قال العسكري: وهذا دليل على أن علم الشعر وتمييز جيده من رديئه عزيز عند أهل البوادي، وهم أصوله ومعدنه، واستفزاز هذا الشعر لهذا الشيخ قريب مما روي عن الأمين: " إني لأطرب على جيّد الشعر كما أطرب على حسن الغناء ".
٢٧١ - قال (١): ومن غريب ما قيل في الصبح قول ذي الرمة:
وقد لاح للسّاري الذي كمَّل السُّرى على أُخرياتِ الليل فَتْقٌ مُشْهَّرُ
كلونِ الحصانِ الأنبطِ البطنِ قائمًا تمايل عنه الجُلُّ واللونُ أشقر الانبط: الأبيض البطن، شبه بياضَ الصبح تحت حمرته ببياض بطن الفرس الأشقر؛ اخذه ابن المعتز فقال (٢):
وما راعنا إلا الصباحُ كأنَّهُ جلالُ قباطيٍ على فَرَسٍ وَرْدٍ (٣) ٢٧٢ - ولغيره (٤):
بدا والصبحُ تحت الليلِ بادٍ كمهرٍ أشقرٍ مُرْخى الجلالِ ٢٧٣ - ومن أغرب ما قيل فيه قول ابن المعتز (٥):
وقد رفع الفجرُ الظلامَ كأنه ظليمٌ على بَيْضٍ تكشَّفَ جانبه ٢٧٤ - وله (٦):
قد أغتدي والليل في جلبابِهْ كالحبشيِّ فرَّ من أصحابه
والصبحُ قد كشَّرَ عن أنيابه كأنما يضحكُ من ذهابه ٢٧٥ - ولأبي هلال (٧):
_________________
(١) النقل مستمر عن العسكري ١: ٣٥٥ - ٣٥٨ وانظر تشبيهات ابن أبي عون: ١٤ - ١٥ ومحاضرات الراغب (٢: ٢٤٤) والشريشي ١: ١٧٣.
(٢) لم أجده في ديوانه، وهو في تشبيهات ابن أبي عون: ١٥.
(٣) التشبيهات: على سابح.
(٤) كذا عند العسكري، وهو عند ابن أبي عون: لابن المعتز.
(٥) انظر أيضًا ابن أبي عون: ١٧ ومحاضرات الراغب ٤: ٥٤٧ (٢: ٢٤٤) ولم يرد في ديوانه.
(٦) انظر أيضًا ديوانه: ٢٨٩ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٨ ومحاضرات الراغب ٤: ٥٤٧ (٢: ٢٤٤) .
(٧) مقطعات العسكري في ديوان المعاني ١: ٣٥٦ وفي مجموع شعره: ١٠٠، ١٢٦، ١٢٥.
[ ١ / ٨٤ ]
باكرتها والخيرُ في بكوري والصبحُ بالليلِ مَلُوثُ النور كما خَلَطْتَ المسكَ بالكافور ٢٧٦ - وله:
وقد باشر الليلُ النهارَ كأنه بقيةُ كحلٍ في حماليق أزرقِ ٢٧٧ - وله:
إلى أن طوينا الليلَ الا بقيةً يزلُّ ضياءُ الشمسِ عنها فيزلقُ
وجلَّلَ وجهَ الشرق بُرْدٌ ممسَّكٌ وقابله للغرب بُرْدٌ مُمَشَّقُ
فلاح لنا من مشرق الشمس مغربٌ وبان لنا من مغربِ الشمسِ مشرق
ومدَّ علينا الليلُ ثوبًا منمقًا وأشعلَ فيه الفجر فهو يحرق
وصبَّحنا صبحٌ كأن ضياءَهُ تعلَّم منا كيف يَبْهى وَيُشْرِق ٢٧٨ - ابن المعتز (١):
والليل قد رقَّ وأصغى نجمُهُ واستوفز الصبحُ ولما يَنْتَصِبْ
معترضًا بفجره في ليله كفرسٍ دهماءَ بيضاء اللبب ٢٧٩ - العلويّ الأصبهاني:
إلى أن تجلّى الصبحُ من خلل الدجى كما انخرط السيفُ اليماني من الغمدِ ٢٨٠ - ابن المعتز في النجم يبدو في حمرة الفجر (٢):
قد أغتدي على الجياد الضمَّرِ والصبحُ قد أسفرَ أو لم يسفر
حتى بدا في ثوبهِ المعصفر ونجمه مثلُ السراج الأزهر كأنه غُرَّةُ مُهْرٍ أشقر ٢٨١ - الشمردل بن شريك (٣):
_________________
(١) انظر أيضًا ديوانه: ١٦.
(٢) انظر أيضًا ديوانه: ٢٩٤ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٦.
(٣) انظر أيضًا تشبيهات ابن أبي عون: ١٧؛ والشمردل شاعر يربوعي إسلامي من شعراء الدولة الأموية، وله ترجمة في الأغاني ١٣: ٣٥٢ والشعر والشعراء: ٥٩٣ والمؤتلف: ١٣٩ والسمط: ٥٤٤ وقد جمع شعره الدكتور نوري حمودي القيسي (بغداد ١٩٧٦) في القسم الثاني من (شعراء أمويون) والشطران في ذلك المجموع ص: ٥٦٠.
[ ١ / ٨٥ ]
ولاح ضوءُ الصبحِ فاستبينا كما رأيتَ المفرِقَ الدَّهينا ٢٨٢ - التنوخي (١):
أسامرُهُ والليلُ أسودُ أزرقٌ إلى أن جلا الإصباحُ عن أشقرٍ وَرْدِ
تبسَّمَ محمرًا خلالَ سواده تَبَسُّمَ وردِ الخدِّ في الصُّدُغِ الجعد ٢٨٣ - ابن المعتز في الشفق (٢):
ساروا وقد خضعت شمس الأصيل لهم حتى توقد في جنح الدجى الشفق ٢٨٤ - وله في الصبح (٣):
والصبحُ يتلو المشتري فكأنَّهُ عريانُ يمشي في الدجى بسراجِ ٢٨٥ - الصنوبري (٤):
وليلةٍ كالرفْرَفِ المُعْلَم محفوفةِ الظلماءِ بالأنجمِ
تعلَّقَ الفجرُ بأرجائها تعَلُّقَ الأشقرِ بالأدهم ٢٨٦ - ابن المعتز (٥):
لما تفرَّى أُفُقُ الضياءِ مثلَ ابتسامِ الشفةِ اللمياءِ ٢٨٧ - التنوخي (٦):
كأنَّ سوادَ الليلِ، والفجرُ ضاحكٌ يلوحُ ويخفى، أسودٌ يتبسَّمُ ٢٨٨ - شاعر:
والفجرُ في روض الدجى جَدْولٌ ساحَ ليسقي زَهَرَ الأنجمِ
_________________
(١) عن العسكري ١: ٣٥٨.
(٢) انظر أيضًا ديوانه: ٥٢.
(٣) انظر أيضًا محاضرات الراغب ٤: ٥٧ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٥ والذخيرة ١/ ٢: ٥١٨ وإلى هنا ينتهي النقل عن العسكري.
(٤) قطب السرور: ٦٩١ والذخيرة ٢/١: ٥١٨ ونهاية الأرب ١: ١٤٥ وديوان الصنوبري: ٤٨٧.
(٥) ديوان ابن المعتز: ٢٨٧ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٦.
(٦) اليتيمة ٢: ٣٣٧ وغرائب التنبيهات: ٥٧.
[ ١ / ٨٦ ]
٢٨٩ - ابن بابك:
كَمْ صَحِبنا الظلامَ وهو غلامٌ قد تبدَّى عذارُهُ المختَطُّ وسحبنا ذيولَهُ وكأنّ الصبح جَيْبٌ على الظلام يُعَطّ
ادرعناه والثريَّا وشاحٌ وخلعنا سوادَهُ وهيَ قُرْطٌ ٢٩٠ - السري الموصلي (١):
انظر إلى الليلِ كيف يَصْدَعُهُ رايةُ صبحٍ مبيضّةُ العَذَبِ
كراهبٍ حنَّ للهوى طربًا فشقَّ جلبابَهُ من الطرب ٢٩١ - شاعر من أفريقية:
وكأنما الصبح المطلُّ على الدجى ونجومُهُ المتأخراتُ تقوضا
نهرٌ تعرَّضَ في السماء وحوله أشجارُ وردٍ قد تفتَّحَ أبيضا ٢٩٢ - الأمير تميم (٢):
شربنا على نَوْحِ المطوقةِ الورقِ وأرديهِ الروضِ المفوَّفَةِ البُلْقِ
معتقةً أفنى الزمانُ وجودَهَا فجاءت كَفَوْتِ اللحظ أو رقَّةِ العشق
كأنَّ السحابَ الغُرَّ أصبحنَ أكؤسًا لنا وكأنَّ الراحَ فيها سنا البرق
فبتنا نحثُّ الكاسَ (٣) فينا وإننا لنشربها بالحثِّ صرفًا ونستسقي
إلى أن رأيت النجم وهو مغرّبٌ وأقبلَ راياتُ الصباح من الشرق
كأنَّ سوادَ الليلِ (٤) والفجرُ طالعٌ بقيةُ لَطْخِ (٥) الكحلِ في الأعينِ الزرق ٢٩٣ - الأرَّجاني (٦):
والليلُ سيف الفجرِ في فَرْقِهِ يقتلُهُ والديكُ ينعاهُ
_________________
(١) ديوان السري: ٦٣ ومن غاب عنه المطرب: ٦٠.
(٢) اليتيمة ١: ٣٠٩ وديوان تميم: ٢٩٦.
(٣) الديوان: حثًا.
(٤) الديوان: والصبح.
(٥) الديوان: بقايا مجال.
(٦) ديوان الأرجاني: ٤٣٠.
[ ١ / ٨٧ ]
٢٩٤ - أبو العلاء المعري (١):
تخيَّلَتِ الصباحَ مَعينَ ماءٍ فما صَدَقتْ ولا كَذَبَ العيانُ
فكاد الفجرُ تَشْرَبُهُ المطايا وَتُمْلأُ منه أَسقيةٌ شنَان ٢٩٥ - ظافر الحداد (٢):
وصبيحةٍ باكرتُها في فتيةٍ أَضحَوْا لكلِّ نفيسةٍ كالأنسِ
والليلُ قد ولَّى بعبسةِ راحلٍ والصبحُ قد وافى ببشرِ مُعَرِّس
والفجرُ قد أخفى النجومَ كأنه سيلٌ يفيضُ على حديقةِ نرجس ٢٩٦ - شرف الدين التيفاشي المصنف:
نَبِّهْ نديمَكَ إن الديكَ قد صخبا والليلُ قَوَّضَ من تخييمه الطُّنبا
والفجرُ في كبدِ الليلِ السقيم حكى سرَّ المتيم عن أجفانه غلبا
كأنه بظلام الليلِ ممتزجًا سمراءُ تفترُّ أبدتْ مبسمًا شَنِبَا
كأنما الفجرُ زندٌ قادحٌ شررًا في فحمة الليل لاقى الفحمَ والتهبا
كأن أولَ فجرٍ فارسٌ حُمِلَتْ راياتُهُ البيضُ في إِثر الدجى فكبا
كأن ثانيَ فجرٍ غرةٌ وضحتْ تسيلُ في وجهِ طِرْفٍ أدهمٍ وثبا ٢٩٧ - أبو علي ابن رشيق (٣):
كأنما الصبحُ الذي تَفَرَّى ضمَّ إلى الشرقِ النجومَ الزهرا فاختلطتْ فيه فصارتْ فجرا ٢٩٨ - شاعر من العرب وأبدع فيه:
فأَدْبَرَ الليلُ مشمطًّا ذوائبه وأقبلَ الصبح موشيًّا أكارعُهُ جعل ذوائب الليل شمطًا ممازجة الصبح، وجعل أكارع الصبح موشيّة من ممازجة الليل، وجعل أخذ الليل من آخره وهو المتصل بأول الصبح، وأخْذَ الصبح من مقادمه وهو المتصل بآخر الليل، وأصاب في التشبيه كأنه أومأ إلى الصبح فجعله كالثور
_________________
(١) شروح السقط: ١٨١ - ١٨٢.
(٢) ديوانه: ١٦٨ والخريدة (قسم مصر) ٢: ٧ وغرائب التنبيهات: ٥٥ - ٥٦.
(٣) ديوان ابن رشيق: ٧٦ ومنها شطران في الوافي ٣: ٢٦٥.
[ ١ / ٨٨ ]
الوحشي، والثيران الوحشية كلها بيض وأكارعها خاضبة موشية. وهو معنى لم يقع لغيره.
٢٩٩ - عبد الله بن محمد الازدي (١):
يا ربّ كاسِ مدامةٍ باكرتُهَا والصبحُ يرشحُ من جبينِ المشرقِ
والليلُ يعثرُ بالكواكبِ كلّما طردته راياتُ الصباحِ المشرقِ ٣٠٠ - ابن المعتز (٢):
يا ربَّ ليلٍ سحرٌ كلُّهُ مفتضَحُ البدرِ عليلُ النسيمْ
تلتقط الأنفاسُ بردَ النَّدى فيه فتهديه لحرِّ السموم أخذه من أبي تمام (٣):
أيّامُنَا مصقولةٌ أطرافُهَا بكَ والليالي كلُّها أسحارُ ٣٠١ - ابن الرومي (٤):
كأنَّ نسيمها أرجُ الخزامى ولاها بعد وسميٍّ وليُّ
بقيةُ شمألٍ هبَّتْ بليلٍ لأفنانِ الغصونِ بها نجيّ
إذا أنفاسها نسمتْ سُحَيْرًا تنفَّسَ كالشجيِّ بها الخليّ ٣٠٢ - شاعر:
والفجرُ كالسيف الخفيّ الرونقِ أو بدءِ شيبٍ في سوادِ مَفْرِقِ
والديكُ قد صاح بهذا (٥) المشرق في سَدَفٍ مثلِ الرداءِ المخلق
حتى بدا في ثوبه الممزَّق كالكسرويّ بارزًا في يلمق
قاطع زِرَّيْ طوقِهِ المشقَّق أو ثمد من باردٍ مصفّق
_________________
(١) هو المعروف بالعطار أحد شعراء الانموذج قال ابن رشيق فيه: وكان له عند عبد الله بن حسن بمدينة طرابلس حال شريفة وجراية ووظيفة إلى أن نازعته نفسه إلى الوطن فتخلص على غرر (المسالك ١١: ٢٣٥) والبيتان في المسالك: ٢٣٧.
(٢) زهر الآداب: ٢٩٩ وديوانه: ٢٤٩ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٤٩ ومن غاب عنه المطرب: ٢٢.
(٣) زهر الآداب: ٣٠٠ وديوان أبي تمام ٢: ١٨١.
(٤) ديوان المعاني ٢: ٤٧ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٤٨.
(٥) ص: به أشرق.
[ ١ / ٨٩ ]
صافٍ شعاعيِّ السنا معتق (١) في قريات بابلٍ أو جلق ٣٠٣ - شاعر من أفريقية:
وكم ليلةٍ هانتْ عليَّ ذنوبها بما بات يرويني من الريقِ والخمرِ
أقبّلُ منه الوردَ في غير حينه وألثمُ بدرَ التمِّ في غَيْبَةِ البدر
إلى أن بدا نورُ التبلّجِ في الدجى كنورِ جبينٍ لاح في ظلمة الشعر ٣٠٤ - ابن الرومي (٢):
حيَّتك عنا شمالٌ طاف رَيّقُها بجنةٍ فَحَوَتْ رَوْحًا وريحانا
هبَّتْ سُحَيرًا فناجى الغصنُ صاحبهُ سرًّا بها وتداعى الطيرُ إعلانا
ورقٌ تغني على غُصْنٍ تهدِّلهُ يسمو بها وتمسُّ الأرضَ أحيانا
تخال طائرها نشوانَ من طربٍ والغصنَ من هزّهِ عِطْفَيْهِ سكرانا ٣٠٥ - شاعر:
جنَّةٌ من قَرْقَفٍ جَدْوَلُهَا وهديرُ الوُرْقِ منها في ارتفاعِ
لا تلمْ أغصانها إن سكرتْ فهي ما بين شرابٍ وسماع ٣٠٦ - آخر:
زارنا سحرةً نسيمٌ عليلٌ مبطئُ الخطوِ طيِّبُ الأنفاسِ
فكأن السرى على البعدِ أعيا هُ وفي جفنه بقايا النعاس ثملٌ من سلافةِ الطلِّ في الزهر وناهيك حُسْنُها من كاس ٣٠٧ - ابن الرومي (٣):
وأنفاسٍ كأنفاسِ الخزامى قُبَيْلَ الصبحَ بلَّلها السماءُ
تنفّسَ نشرها سحرًا فجاءتْ به سحرية المسرى رُخَاء
_________________
(١) ص: المعتق.
(٢) ديوان المعاني ٢: ٤٧ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٤٩ ووردت في الشريشي ٤، ١٦٧ منسوبة للبحتري.
(٣) ديوان ابن الرومي ١: ١٠١ ونهاية الأدب ٢: ٢٢٦.
[ ١ / ٩٠ ]
٣٠٨ - وفي الخبر أنه ﷺ كان يعجبه أن ينظر إلى الخضرة وإلى الحمام الأحمر؛ وفي حديث آخر: كان يعجبه النظر إلى الأترجّ وإلى الحمام والطير. والطير جماعة مؤنثة واحدها طائر. وجمع الطائر أطيار وطيور، وقيل جمع الطائر طوائر كفارس وفوارس. وجاء تذكير الطير وهو قليل والتأنيث أكثر وأفصح، وجاء في التنزيل العزيز (والطير محشورة) (والطير صافات) وأما في التذكير فعلى قول الشاعر (١):
لقد تركت فؤداك مستجنا مطوقةٌ على فَنَنٍ تغنَّى
يميل بها ويرفعها بلحنٍ إذا ما عنّض للمحزون أنّا
فلا يحزنكَ أيامٌ تولَّى تذكُّرها ولا طيرٌ أَرَنَّا ٣٠٩ - وكلُّ طائر يهدل ويرجّع، كالقمري والفاختة والورشان واليمامة واليعقوب وما أشبه ذلك، فالعرب تسميه حمامًا، والحمام عند العرب القماري والدباسي، وهي التي يصفون بكاءها في بلادهم. والفاختة جنس من القماريّ إلا أنه هجين لا عتق له.
٣١٠ - جهم بن خلف (٢):
تذكرتُ ليلى إذ رميتُ حمامةً وأنَّى بليلى والفؤادُ قريحُ
يمانية أمستْ بنجرانَ دارها وانت عراقيٌّ هواكَ نزوح
فإن سجعتْ ورقاءُ في رونق الضحى على الأيكِ حمّاءُ العلاطِ صدوح
مطوقةٌ طوقًا من الريش لا ترى لنائحه طوقًا سواه يبوح
وأسْعَدْنَها بالنَّوْحِ من كلِّ جانبٍ صواحبُ في أعلى الأراكِ تصيحُ
فهيَّجن صبًّا بالعراق مروعًا بصوتٍ يُعِلُّ القلبَ وهو صحيحُ
وكدتُ من الشوق المبرح إذ بكتْ بأسرارِ ليلى في الفؤاد أبوح
_________________
(١) الشريشي ٤: ١٦٦ لسويد بن الأعلم.
(٢) البيتان الأولان من قصدية طويلة نسبت في حماسة الخالديين ٢: ٣١٦ ليزيد ابن الطثرية؛ وجهم بن خلف أعرابي علامة بالغريب والشعر كان في عصر الأصمعي وخلف الأحمر وأكثر شعره في وصف الطيور والحشرات (معجم الأدباء ٧: ٢١١) .
[ ١ / ٩١ ]
٣١١ - عدي بن الرقاع (١):
ومما شجاني أنني كنت نائمًا أُعَلَّلُ من فرطِ الجوى بالتبسمِ
إلى أن بكتْ ورقاءُ في رونق الضحى تردّد مبكاها بحسنِ الترنم
فلو قبل مبكاها بكيتُ صبابةً لسعدي شفيتُ النفسَ قبل التندم
ولكنْ بكتْ قبلي فهيحَ لي البكا بكاها فقلتُ الفضلُ للمتقدم هذه رواية أهل المغرب، ورواية أهل المشرق هي قول الشاعر:
وقد كدت يوم الحزن لما ترنمت هتوف الضحى محزونةٌ بالترنّم
أموت لمبكاها أسىً ان لوعتي ووجدي لسعدي قاتلٌ لي فاعلم
ولو قبل مبكاها بكيتُ صبابةً البيتان ٣١٢ - ذكر أن مجنون بني عامر نام تحت شجرة فغرد طائر فانتبه فقال (٢):
لقد هتفتْ في جُنْحِ ليلٍ حمامةٌ على فَنَنٍ تدعو وإني لنائمُ
فقلتُ اعتذارًا عند ذاك وانني لنفسي فيما قد رأيتُ للائم
أأزعم أني عاشقٌ ذو صبابةٍ بليلي ولا أبكي وتبكي البهائم
كذبتُ وبيتِ الله لو كنتُ عاشقًا لما سبقتني بالبكاء الحمائم ٣١٣ - شقيق بن سليك (٣):
ولم أبكِ حتى هيجتني حمامةٌ تَغَنِّي الحمامِ الورقِ فاستخرجتْ وجدي
وقد هيجت مني حمامةُ أيكةٍ من الوجد شوقًا كنت أكتمه جهدي
تنادي هديلًا فوق أخضرَ ناعمٍ لوقتِ ربيع باكرٍ في ثرىً جَعْدِ
فقلت تعاليْ نبكِ من ذكر ما خلا ونذكرُ منه ما نسِرّ وما نبدي
فإن تسعديني نبكِ دمعتنا معًا وإلا فإني سوف أسفحها وحدي
_________________
(١) الزهرة: ٢٤٥ مع اختلاف في الرواية.
(٢) الزهرة: ٢٣٩ والحماسة البصرية ٢: ١٥٢ وفي الشريشي ١: ٣٨ - ٣٩ بيتان منها منسوبان لنصيب.
(٣) الزهرة: ٢٣٩ والحماسة البصرية ٢: ١٥٢.
[ ١ / ٩٢ ]
٣١٤ - قال أئمة النظم والنثر: هذا كله في باب المحبة ناقص، وأنقص منه قول جحدر الفقعسي (١):
وكنتُ قد اندملتُ فهاج شوقي بكاءُ حمامتين تَجَاوبانِ
تجاوبتا بلحنٍ أعجميّ على غصنين من غَرَبٍ وبان
فكان البانُ أنْ بانت سليمى وفي الغَرَب اغترابٌ غير داني ٣١٥ - قالوا: فإذا سلا عمن يهواه ولم يبق في قلبه أثر من حبه يكون نوح الحمام أقوى سبب في رد قلبه إلى أحبابه، ولكن الذي قاله أبو صخر الهذلي قول لا يعاب قائله ولا من انتخبه وهو (٢):
وليس المعنَّى بالذي لا يهيجه على الشوقِ إلا الهاتفاتُ السواجعُ
ولا بالذي إن صدَّ يومًا خليله يقولُ ويبدي الصبرَ إني لجازع
ولكنه سُقْمُ الجوى ومطاله وموتُ الجفا ثم الشؤون الدوامع
رشاشًا وتهتانًا ووبلًا وديمةً كذلك يبدي ما تجنُّ الاضالع ٣١٦ - آخر (٣):
ألا يا حماماتِ اللوى عُدْنَ عودةً فانّي إلى أصواتكنَّ حزينُ
فَعُدْنَ فلما عدن كِدْنَ يمتنني وكدتُ بأسراري لهنَّ أُبين
فلم ترَ عيني مثلَهُنَّ حمائمًا بكين ولم تدمعْ لهنّ عيون ٣١٧ - آخر (٤):
يا طائرين على غُصْنٍ أنا لكما من أنصحِ الناسِ لا أَبغي به ثمنا
طِيرا إذا طرتما زوجًا فكأنما لا تعدمان إذا أفردتما حزنا
هذا أنا لا على غيري أدلكما فارقتُ إِلفي فما إِنْ أعرِفُ الوسنا
_________________
(١) الزهرة: ٢٤٠ ورفع الحجب ٢: ٤٨، ١: ٥٠ وتهذيب ابن عساكر ٤: ٣٦ والخزانة ٤: ٤٨٣ ومعجم البلدان (حجر) والذخيرة ٤/ ٢: ٥٣٤ - ٥٣٥.
(٢) الزهرة: ٢٤٠.
(٣) الزهرة: ٢٤٠.
(٤) الزهرة: ٢٤١.
[ ١ / ٩٣ ]
٣١٨ - الهذلي (١):
ألا يا حمام الأيكِ إلفكَ حاضرٌ وغُصْنُكِ ميادٌ ففيمَ تنوحُ
أفِقْ لا تنحْ من غيرِ شيءٍ فإنني بكيتُ زمانًا والفؤادُ صحيح
ولوعًا فشطت غربةً دارُ زينبٍ فها أنا أبكي والفؤادُ قريح ٣١٩ - آخر (٢):
دعاني الهوى والشوقُ لما تَرَنَّمَتْ على الأيكِ من بينِ الغصونِ طروبُ
تجاوبها ورقٌ أُرِعْنَ لصوتها فكلٌّ لكلٍّ مُسْعِدٌ ومجيبُ
ألا يا حمامَ الأيكِ مالكَ باكيًا أَفارقْتَ إلفًا أم جفاكَ حبيب ٣٢٠ - آخر (٣):
أُلامُ على فيضِ الدموع وانني بفيضِ الدموع الجارياتِ جديرُ
أيبكي حمامُ الأيْكِ من فَقْد إلفه وأحبسُ دمعي، إنني لصبور ٣٢١ - آخر (٤):
لقد هيَّجَتْ شوقًا وما كنتُ ساليًا وما كنتُ لو رمتُ اصطبارًا لأصبرا
حمائمُ وادٍ هِجْنَ من بعدِ هجعةٍ حمائم ورقًا مسعدًا أو معذرا
كأن حمامَ الواديين ودومةٍ نوائحُ قامتْ في دجى الليل حُسّرا
محلاّة طوقٍ ليس يُخْشَى انفصامُهُ إذا همَّ أن يبلى تبدَّلَ آخرا
دعتْ فوق ساقٍ دعوةً لو تناولتْ بها صخرَ أعلى يذبلِ لتحدَّرا ٣٢٢ - قال مصنف " كتاب الزهرة ": هذه الأبيات من نفيس الكلام، ألا ترى إلى احترازه من أن يتوهم أن الحمام أعاد له الشوق بعد سلوته؟! ولقد أحسن القائل (٥):
_________________
(١) الزهرة: ٢٤١ والحماسة البصرية ٢: ١٥٣ ويبدو أن الأبيات لأبي كبير الهذلي وأن عوف بن محلم عارضها وأدخل البيت الأول منها في قصيدته. انظر طبقات ابن المعتز: ١٨٦ - ١٨٧ والفقرة رقم: ٣٣٨ في ما يلي.
(٢) الزهرة: ٢٤١.
(٣) الزهرة: ٢٤١ وحماسة ابن الشجري: ١٧٣.
(٤) الزهرة: ٢٤٤ ومنها أبيات لعكرمة بن مخاشن البلوي في حماسة الخالديين ٢: ٣٢٠.
(٥) الزهرة: ٢٤٥ ونهاية الأرب ١٠: ٢٦٥.
[ ١ / ٩٤ ]
وقبليَ أبكى كلَّ من كان ذا هوى هتوفُ البواكي والديار البلاقعُ
وهنّ على الأطلال (١) من كل جانب نوائحُ ما تخضلُّ منها المدامع
مزبرجةُ الأعناقِ نُمْرٌ ظهورُهَا مخطَّمَةٌ بالدرِّ خضرٌ روائعُ
ومن قطع الياقوت صيغتْ عيونها خواضبُ بالحنّاء منها الأصابع ٣٢٣ - قال عبد الله محمد بن المكرم مختار هذا الكتاب عفا الله عنه: ولقد عمل محيي الدين عبد الله بن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر كاتب الإنشاء (٢) بعد موت هذا المصنف في هذا المعنى شيئًا ظريفًا اخترتُ إيراده هنا وهو (٣):
نسب الناسُ للحمامة شجوًا وأَراها في الشجو ليستْ هنالكْ
خضبتْ كفَّها وكحَّلتِ العَيْنَ وغنتْ وما الحزينُ كذلك ٣٢٤ - حميد بن ثور (٤):
وما هاج هذا الشوق إلا حمامةٌ دَعَتْ ساقَ حرٍّ ترحةً وترنّما
بكتْ شجوَ ثكلى قد أُصيبَ حميمها مخافةَ بينٍ يترك الحبلَ أجْذَما
فلم أرَ مثلي شاقه صوتُ مثلها ولا عربيًا ساقه صوتُ أعجما ٣٢٥ - آخر (٥):
رويدك يا قمريُّ لستَ بمضمرٍ من الشوق إلا دونَ ما أنا مضمرُ
ليكفِكَ أن القلبَ منذ تنكرتْ أُمامةُ عن معروفها متنكر
سقى الله أيامًا خَلَتْ لأُمامةٍ فلم يبقَ إلا عهدها والتذكر
لئن كانتِ الدنيا أتتْ باساءَةٍ لما أَحْسَنَتْ في سالفِ الدَّهرِ أكثر ٣٢٦ - المنازي البندنيجي الشاعر، وبندنيج قصر بالرافقان بين بغداد وحلوان، وقد اجتاز بسوق باب الطاق ببغداد حيث يباع الطير، فسمع حمامة تلحن في قفص، فاشتراها وأرسلها وقال (٦):
_________________
(١) ص: الاخلال.
(٢) توفي محيي الدين بن عبد الظاهر سنة ٦٩٢ بالقاهرة وكان منشئاص مشهورًا في عصره، انظر ترجمته في الفوات٢: ١٧٩ والنجوم الزاهة ٨: ٣٨ وابن الفرات ٨: ١٦٢ والبداية والنهاية ١٣: ٣٣٤ والصقاعي: ١١٨ وهو مؤلف سيرة الملك الظاهر، وتشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور.
(٣) حلبة الكميت: ٢٨٦ والصقاعي: ١١٩ والفوات: ١٨٥.
(٤) الزهرة: ٢٤٥ والوحشيات: ١٩٣ وزهر الآداب: ٢٢٣ وحماسة الخالديين ٢: ٣١٨ والشريشي ١: ٣٩ وديوانه: ٢٤ - ٢٧.
(٥) الزهرة: ٢٤٤.
(٦) الزهرة: ٢٤٣.
[ ١ / ٩٥ ]
ناحتْ مطوقةٌ ببابِ الطاقِ فجري سوابقُ دمعيَ المُهَراقِ
حنَّتْ إلى أرضِ الحجازِ بحرقةٍ تُشْجي فؤادَ الهائم المشتاق
إن الحمائمَ لم تزلْ بحنينها قدمًا تبكي أعينَ العشاق
كانتْ تفرّخُ في الأراك وربما كانت تفرخُ في فروع الساق
تَعِسَ الفراق وَجُذَّ حبلُ وتينِهِ وسقاه من سُمِّ الأوساد ساقي
ياوَيَحْهُ ما بالُهُ قمريةٌ لم تدرِ ما بغدادُ في الآفاق
فأتى الفراقُ بها العراقَ فأصبحتْ بعد الأراكِ تنوحُ في الأسواق
فشريتها لما سمعتُ حنينها وعلى الحمامة عُدْتُ بالإطلاق
بي مثلُ ما بكِ يا حمامةُ فاسألي من فكَّ أسرك أَنْ يحلَّ وثاقي ٣٢٧ - أبو تمام (١):
أتصعصعتْ عبراتُ عينِكَ أن دَعَتْ (٢) ورقاءُ حين تصعصعَ الإظلامُ
لا تنشِجَنَّ لها فان بكاءها ضحكٌ وأن بكاءك استغرام
هنَّ الحَمامُ فإن كسرتَ عِيافَةً من حائِهنَّ فإنهنّ حِمام ٣٢٨ - ابن المعتز (٣):
وبكيتُ من حَزَنٍ (٤) لنوحِ حمامةٍ دعتِ الهديلِ فظلَّ غيرَ مجيبها
ناحتْ ونُحْنَا غيرَ أنّ بكاءَنَا بعيوننا وبكاءَها بقلوبها ٣٢٩ - محمد بن يزيد بن مسلمة (٥):
أشاقك برقٌ أم شَجَتْكَ حمامةٌ لها فَوْقَ أطراف الأراكِ رنيم (٦)
أَضافَ إليها الهمَّ فقدانُ آلفٍ وليلٌ يسدُّ الخافقين بهيم
_________________
(١) الزهرة: ٢٤٢ وديوان أبي تمام ٣: ١٥٢ والشريشي ١: ٣٩.
(٢) تصعصعت: تفرقت، ويروى: اتحدرت.
(٣) حماسة الخالديين ٢: ٣٢١ وحماسة ابن الشجري: ١٧٣ وديوانه: ١٢٥.
(٤) الديوان: جزع.
(٥) حماسة الخالديين ٢: ٣١٩ والحماسة البصرية ٢: ١٥٠ وانظر التعريف بن يزيد بن مسلمة في معجم المرزباني: ٣٥٥ وهو شاعر عباسي كان ينزل حصن مسملة بديار مضر، وعاش في عصر المأمون وله في مدائح.
(٦) ح الخالديين: نثيم.
[ ١ / ٩٦ ]
تداعت (١) على ساقٍ بلَيْلٍ فرجَّعَتْ وللوجد (٢) منها مُقْعِدٌ ومقيم
تميلُ إذا ما الغصنُ مادَتْ متونُهُ كما مالَ من ريِّ المدام نديم
فباتت تناديه وأنى يجيبها (٣) منوطٌ بأطراف الجناح رميم
أتيح له رامٍ بصفراءَ نبعةٍ على عَجْسِهَا ماضي الشباةِ صميم
رماه فأصماها فطارتْ ولم تَطِرْ فظلَّ لها ظلٌّ عليه تحوم
وظلَّتْ بأجراعِ (٤) الغوير نهارها مولهةً كلَّ المَرام تروم
قرينةُ إلفٍ لم تفارفه عن قِلَىً غَداةَ غدا يومٌ عليه مشوم
وراحتْ بهمٍّ لو تضمّنَ مثله (٥) حشا آدميّ ما استطاع يريم
فللبرق ايماضٌ وللدمعِ واكفٌ وللريح من نحو العراق نسيم
فطورًا أَشيمُ البرقَ أين مَصَاُبُه وطورًا إلى إعوال تلك أهيم
غناء يَروعُ المنصتينَ وتارة بكاء كما يبكي الحميم حميم
إذا ما استهلّتْ بالغناء تطلَّعَتْ وأصغىَ لها طَبٌّ بذاك عليم
فمن دون ذا يشتاقُ من كان ذا هوىً ويعزبُ عنه الحلمُ وهو حليم ومن ههنا أخذ المنازي قوله (٦):
شجا قلبَ الخلي فقال غنَّى وبرَّح بالشجيِّ فقال ناحا ٣٣٠ - شاعر:
وآلفةِ التغريدِ قاسمتها الهوى فكان عليها النوحُ والدمعُ من عندي
وعارضتها بالنوحِ حتى تَشَبِّهَتْ بإلفي بلبسِ الطَّوقِ في موضع العقد ٣٣١ - سليمان بن حيان (٧):
_________________
(١) ح الخالديين: أنافت.
(٢) ص: وبالوجد.
(٣) ح الخالديين: سهيم.
(٤) ص: الغدير.
(٥) حماسة الخالديين: راح وهو رميم.
(٦) الغزولي ١: ٧٠ والشريشي ٤: ١٦٧ لابن قاضي ميلة، وقبله: لقد عرض الحمام لنا بسجع إذا صغى له ركب تلاحى (٧) تشبيهات ابن أبي عون: ٣٠١.
[ ١ / ٩٧ ]
وهتوفٍ ورقاءَ أَرَّقَتِ العي نَ وزادتْ خبلَ الفؤاد خبالا
ذاتُ طوقِ من الزبرجدِ يحكي صَفْوَ عيشٍ عنّا تولَّى فزالا
أيقظتني والصبحُ قد خالط الليلَ كما خالط الصدودُ وصالا
وتراها كأنما خَضَبوها بدموعي أو خاضَتِ الجريالا ٣٣٢ - المعتمد بن عباد وهو معتقل بأغمات (١):
بَكَتْ أَنْ رأتْ إِلفينِ ضَمَّهُمَا وَكْرُ مساءً وقد أَخنى على إِلفها الدهرُ
وناحتْ وباحتْ فاستراحتْ بِسِرِّها وما نطقتْ حرفًا يبوحُ به سر
فما ليَ لا أبكي أم القلبُ صخرةٌ وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر
بكتْ واحدًا لم يشجها فَقْدُ غيرِه وأبكي لألآفٍ عديدهمُ كثر ٣٣٣ - أحمد بن عبد ربه (٢):
ويهتاجُ قلبي كلَّما كان ساكنًا دعاءُ حمامٍ لم تَبتْ بُوكُونِ
وانّ ارتياحي من بكاءِ حمامةٍ كذي شَجَنٍ داويتَهُ بشجون
كأن حمامَ الأَيْكِ لما تجاوبَتْ حزينٌ بكى من رحمةٍ لحزين ٣٣٤ - وللرمادي في الهزار (٣):
وخرساءَ إلاّ في الربيع فإنها نظيرةُ قسٍّ في العصور الذواهبِ
اتت تمدحُ النوارَ فوقَ غصونها كما يمدحُ العشاقُ حُسْنَ الحبائب
تبدِّل ألحانًا إذا قيل بدّلي كما بَدَّلَتْ ضربًا اكفُّ الضوارب ٣٣٥ - جدّ ابنِ قزمان (٤):
ومما شجاني هاتفٌ يبعثُ الأَسى يهيّجُ من قلبي ومن خفقانِهِ
يكاد القضيبُ اللدنُ يعشقُ شَدْوَهُ فيشغله بالمَيْسَ عن طيرانه ٣٣٦ - عبد الكريم النهشلي:
_________________
(١) القلائد: ٢١ والذخيرة ٢/ ١: ٦٨ والنفح ٤: ٢٥١ والديوان: ٦٨.
(٢) منهما بيتان في تشبيهات الكتاني: ٥٦ وانظر ديوانه: ١٦٥ والعقد ٥: ٣٩٧.
(٣) تشبيهات الكتاني: ٥٥.
(٤) هو أبو بكر ابن قزمان الوزير الكاتب (انظر قلائد العقيان: ١٨٧) .
[ ١ / ٩٨ ]
أواجدةٌ وجدي حمائمُ أَيكةٍ تميلُ بها ميلَ النزيف غصونُها
نشاوى وما مالَتْ بخمرٍ رقابُهَا بواكٍ وما فاضتْ بدمع عيونها
أفيقي حمامات اللوى إنّ عندنا لِشَجْوِكَ أَمثالًا يعودُ حنينها
وكلُّ غريبِ الدارِ يدعو همومَهُ غرائبَ محسودًا عليها شجونها ٣٣٧ - الحصري (١):
يا هل بكيتَ كما بَكَتْ وُرْقُ الحمائمِ في الغصونِ
هتفتْ سُحَيْرًا والربى للقطرِ رافعةُ العيونِ
فكأنَّما صاغَتْ على شجوي شجى تلك اللحون
ذكَّرنني عهدًا مضى للأُنْسِ منقطعَ القرين
فتصرَّمَتْ أيَّامُهُ وكأنها رَجْعُ الجفون ٣٣٨ - قال عوف بن محلم الشيباني (٢): عاد عبد الله بن طاهر إلى خراسان فدخلنا الريّ في السحر، فإذا قمرية تغرد، فقال عبد الله بن طاهر: أَحسنَ أبو كبير حيث يقول:
ألا يا حمامَ الأَيْكِ إلفكَ حاضرٌ وغصنُكَ ميّادُ ففيمَ تنوحُ ثم قال: يا عوف أجِزْ فقلت: أعزك الله، شيخ غريب حملته على البديهة، ولا سيما في معارضة أبي كبير، ثم قلت:
أفي كلِّ عامٍ غربةٌ ونزوحُ أما للنوى من أَوْبَةٍ فتريحُ
لقد طلَّحَ البينُ المشتُّ أَحبتى فهل أَرَيَنَّ البينَ وهو طليح
وأرقَّني بالريِّ صوتُ حمامةٍ فنحتُ وذو الشَّجْوِ الحزينُ ينوح
على أنها ناحت ولم تُذْرِ دمعة وَنُحْتُ وأسرابُ الدموعِ سفوح
وناحت وفرخاها بحيثُ تراهما ومن دونِ أفراخي مهامهُ فيح
عسى جودُ عبدِ الله أن يعكسَ النوى فنلقي عصا التطوافِ وهي طريح
فإن الغنى يُدْنِي الفتى من صديقِهِ وَبُعْدُ الغنى للمقترين طروح
_________________
(١) هو أبو إسحاق بن علي بن تميم الحصري صاحب زهر الآداب، انظر ترجمته في ابن خلكان، ومعجم الأدباء ٢: ٩٤ والمسالك ١١: ٣٠٩ وعنوان الأريب ١: ٤٣ والذخيرة ٤/ ٢: ٥٨٤.
(٢) انظر طبقات ابن المعتز: ١٨٧ ومعجم الأدباء ١٦: ١٣٩ والفوات ٣: ١٦٣ والحماسة البصرية ٢: ١٥٣ والفقرة: ٣١٨ فيما تقدم.
[ ١ / ٩٩ ]
فأذن لي من ساعتي، ووصلني بمائة ألف درهم، وردّني إلى منزلي.
٣٣٩ - حدث رجل من قريش قال: حججنا وعدنا، فأتينا في بعض المنازل امرأة في خبائها، فاستأذنا عليها، فقالت: يا هؤلاء أفيكم أحد من أهل البصرة؟ قلنا نعم، قالت: ههنا رجل لما به، يريد أن يوصي إلى بعضكم وتشهدوا وفاته، فقمنا إليه وإذا رجل مدنف، فكلمناه فنظر إلينا، وإذا طائر سقط على شجرة وصوَّت، فنظر إليه وبكى وأنشد (١):
يا بعيد الدار عن وطنه مفردًا يبكي على شَجَنِهْ
ولقد زاد الفؤاد شجىً هاتف يبكي على سكنه ثم أغمي عليه، فقلنا: قضى نحبه، ثم فتح عينيه والطائر يصوت على حاله فقال:
كلما جدَّ البكاءُ به زادتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ
شفه ما شفني فبكى كلنا يبكي على سكنه ثم تنفس وأغمي عليه فظنناها كالأولى وإذا هو قد مات، فسألنا المرأة عنه فقالت: هذا العباس بن الأحنف، فغسلناه ودفناه.
٣٤٠ - قال يوسف بن هرون (٢): بكرت إلى باب أبي المطرف بن مثنى بقرطبة، وهو أميرها فألفيت يحيى بن هذيل قد بكر قبلي، فقال لي: ما عندك؟ فقلت: ليس عندي كبير معنى، ولكن (٣) ما عندك أنت؟ فأخرج قصيدة منها:
وَمُرِنَّةٍ والدَّجْنُ ينسجُفوقها بُرْدَيْنِ من حَلَكِ ونوءٍ باكي
مالت عن طيِّ الجناح كأنما جعلتْ أريكَتَها قضيبَ أراك
وترنَّمتْ لحنين قد خلَّتهما كغناء مُسْمِعَةٍ وأنّهِ شاكي
ففقدتُ من نفسي لفرط صبابتي نَفَسَ الحياة وقلتُ من أبكاك فأنشدنيها وأنا أعدّ محاسنها، فلما أكملها قال: أنصرف إلى المكتب وتأدب حتى
_________________
(١) انظر ابن خلكان ٣: ٢٦ وتاريخ بغداد ١٢: ١٣٣ وديوان العباس: ٢٧٨.
(٢) هو الرمادي، انظر الذخيرة ٣/ ١: ٣٤٦.
(٣) ص: فالآن.
[ ١ / ١٠٠ ]
تحكم مثل هذا، فحركني كلامه ولم يخرج أبو المطرف ذلك اليوم، فبكرت إليه وأنشدته:
أحمامةً فوق الأراكةِ بيّني بحياةِ من أبكاك ما أبكاك
أما أنا فبكيتُ من حُرَقِ الهوى وفراقِ مَنْ أهوى، فأنت كذاك فلما سمعها ابن هذيل قال لي: عارضتني، قلت: لا إنما ناقضتك، فقال: اذهب فقد أخرجتك من المكتب.
عارض هاتين القصيدتين أبو مروان المعروف بالبلينة فقال (١):
أحمامةً بكتِ الهديلَ وانما طربت فغنتْ فوق غُصْنِ أَراكِ
معشوقة التثويبِ ذاتُ قلائدٍ غَنِيَتْ جواهرُهَا عن الأسلاك
ناحتْ على فَنَنٍ وكلُّ شجٍ بكى يومًا بلا دمعٍ فليس بباكي
لو كنتِ صادقةً وكنتِ شجيّةً جادتْ دموعُكِ حين جدَّ بكاك ٣٤١ - علي بن حصن كاتب المعتضد (٢):
وما هاجني إلا ابن ورقاءَ هاتفٌ على فَنَنٍ بين الجزيرة والنهرِ
مُفَسْتَقُ طوقٍ لازورديُّ كَلْكَلٍ موشَّى الطلا أَحْوى القوادمِ والظهر
أَدار على الياقوتِ أجفانَ فضةٍ وصاغ من العقيان طوقًا من الشفر
حديدُ شبا المنقار داجٍ كأنه شبا قلمٍ من فضّةٍ مُدَّ في حبر
توسَّدَ من فرع الأراكِ أَريكةً ومال على طيِّ الجناح مع النحر
ولما رأى دمعي تُؤامًا أَرابَهُ بكائيَ فاستولى على الغُصُنِ النضر
وحثَّ جناحيه وَصَفَّقَ طائرًا وطار بقلبي حيثُ طار ولا أدري
_________________
(١) الذخيرة ٣/ ١: ٣٤٧ - ٣٤٨ والبلنية: لقب له ومعناه الحوت (Ballena)؛ وهو سعيد بن عثمان ابن مروان، وله ترجمة في الجذوة: ٢١٤ (البغية رقم: ٨٠٧) والمغرب ١: ١٩٢ واليتيمة ١: ٥٤ (وكنيته في المغرب أبو عثمان) .
(٢) الذخيرة٢/ ١: ١٦٦ والمسالك ١١: ٢١٨ وعنوان المرقصات: ٢٦ ونهاية الأرب ١٠: ٢٦٧ وحلبة الكميت: ٢٨٦ ورايات المبرزين: ٣٩ (١١ط. غرسية) ولابن حصن ترجمة في الذخيرة ٢/ ١: ١٥٨ والجذوة: ٢٩٦، ٣٧١ (البغية رقم: ١٢٣٢، ١٥٢٣) والمغرب ١: ٢٤٥ ونقل ابن سعيد عن الحجاري أن ابن حصن نشأ مع المعتضد ثم استوزره إلا أنه كان فيه طيش وخفة.
[ ١ / ١٠١ ]
٣٤٢ - كشاجم يرقي قمريًّا (١):
وَفُجِعْتُ بالقمرىِّ فجعةَ ثاكلٍ وفقدتُ منه أَمتعَ السمَّارِ
لونُ الغمامةِ والغمامةُ لونُهُ ومناسبُ الأقلامِ بالمنقار
ومطوّق من صُنْعِ خِلْقَةِ ربه طَوْقَيْنِ خلتُهُمَا من النوار
ولطالما استغنيتُ في غلس الدجى بهديله عن مُطْربِ الأوتار
مرح (٢) الأصائلِ يستحثُّ كؤوسنا ويقيمنا للفرضِ في الأسحار
لهفي على القمريِّ (٣) يبقى دائمًا يكوي الحشا بجوىً كلذعِ النار
ولقد هجرتُ الصبرَ بعد فراقه ولقد مزجتُ دمًا بدمع جاري
ما كنت في (٤) الأطيار إلا واحدًا هيهات أودى سيّدُ الأطيار ٣٤٣ - في وصف الحمام:
سجعت هاتفةُ الوُرْ ق عناها شَحْطُ بينِ
ذاتُ طوقٍ مثلِ خط ال نون أَقْنى الطرفين
وترى ناظرها يل معُ في ياقوتتين
تخرجُ الأنفاسُ من ثق بين كاللؤلؤتين ٣٤٤ - أبو إسحاق الصابى في الببغا (٥):
أنْعِتُهما صبيحةً مليحهْ ناطقةً باللغةِ الفصيحه
عُدَّتْ من الأطيار واللسانُ يوهمنا بأَنها إنسان
تُنْهي إلى صاحبها الأَخبارا وتهتكُ الأَسرارَ والأستارا
صمَّاءُ إلا أنها سميعه تعيدُ ما تسمعُهُ طبيعه
وربما لُقّنتِ العضيهه فتغتدي بذيَّةً سفيهه
زارَتْكَ من بلادها البعيدهْ واستوطنت عندكَ كالقعيده
ضيفٌ قِراهُ الجوزُ والأَرُزّ والضيفُ في أَبياتها يُعَزّ
_________________
(١) ديوان كشاجم: ٢٧٧ - وانظر محاضرات الراغب ٢: ٣٠٠ ونهاية الأرب ١٠: ٢٥٨.
(٢) الديوان: هزج.
(٣) الديوان: لهفا.
(٤) ص: للأطيار.
(٥) اليتيمة ١: ٢٦٩ وبعضهاعند الغزولي ١: ٦٧.
[ ١ / ١٠٢ ]
تراه في (١) منقارها الخلوقي كلؤلؤٍ يُلْقَطُ بالعقيق
تنظرُ من عينين كالفصّين في النور والظلماء بصاصين
تميسُ في حلّتها الخضراءِ مثلَ الفتاةِ الغادةِ العذراء
خريدةٌ خدورها الأَقفاصُ ليس لها من حبسها خلاص
نحبسها وما لها من ذنبِ وإنما نحبسها للحبّ
تلك التي قلبي بها مشغوفُ كَنَيْتُ عنها واسمها معروف ٣٤٥ - عبد الواحد بن فتوح الوراق في الحمام الداجن (٢):
يجتابُ أَوديَةَ السحابِ بخافقٍ كالبرق أومضَ في السحاب فأبرقا
لو سابقَ الريحَ الجنوبَ لغاية يومًا لجاءك مثلها أو أسبقا
يستقربُ الأرض البسيطة مذهبًا والأفْقَ والسُّقُفَ الرفيعة مرتقى
ويظلّ يسترقُ السماعَ مخافةً في الجوِّ يحسبه الشهابَ المحرقا
يبدو فيعجبُ من رآه لحسنه وتكادُ آيةُ عِتْقِهِ أن تنطقا
مترترقٌ من حيثُ دُرْتَ كأنما لبسَ الزجاجةَ أو تجلبَبَ زئبقا ٣٤٦ - أبو العلاء المعري في الخطاف (٣):
ولابسةٍ من حِنْدسِ الليلِ ظُلمةً مُفَرجَةً عن صدرها تشبهُ القبا
برأسٍ يحاكي شاهَ بلوطَ أعجم تُغَني بصوتٍ معجم ليس معربا
لها ذنب كالتاجرين وخنجرا (٤) جناحين قد قدا بها يَجرح الصبا
لقد أتقنَ الصباغُ جَرْيَ سوادها وقد طوَّسوا منها قذالًا ومنكبا
تراها إذا ما أقبلَ الصبحُ ضاحكًا وولَّى الدجى عنها هزيمًا مقطبا
تسقسق (٥) لا أدري أخزنًا على الدجى وإمّا إلى ضوءِ الصّباح تطرُّبا
إذا أَقبلتْ في دارِ قومٍ تباشروا وقالوا لها أهلًا وسهلًا ومرحبا
_________________
(١) ص: مزمارها.
(٢) مسالك الأبصار ١١: ٣١٥ ونهاية الأرب ١٠: ٢٧٩ وعبد الواحد بن فتوح كتامي، ترجم له ابن رشيق في الأنموذج، وقال في أبياته هذه: «ولا أعرف أحدًا وصف (اي الحمام الداجن) بمثلها.
(٣) لم أجدها له، واستبعد أن تكون من شعره.
(٤) كذا ورد هذا البيت في الأصل، ولعله أن يقرأ: لها ذنب كالناجذين وخنجرا جناحين قد مدّا، بها تجرح الصبا (٥) ص: تصقصق.
[ ١ / ١٠٣ ]
٣٤٧ - الصابي (١):
وهنديةِ الأَوطانِ زنجيّةِ الخلقْ ومسودةِ الأَلوانِ محمّرةِ الحَدَقْ
كأن بها حزنًا وقد لبست له حدادًا وأذرت من مدامعها عَلَقْ
تصيفُ إلينا ثم تشتو بأرضها وفي كلِّ عامٍ نلتقي ثم نفترق ٣٤٨ - أبو الشيص في الهدهد (٢):
لا تأمِنَنَّ على سرّي وَسِرِّكمُ غيري وغيرَكِ أو طيَّ القراطيسِ
أو طائرًا ساجليه وابعثيه لنا ما زال صاحبَ تبيينٍ وتأسيس
سودٌ ترائبه ميلٌ ذوائبه صفرٌ حماليقُهُ في الحبر مغموس
وكان همَّ سليمانٌ ليذبَحَهُ لولا سياسَتُهُ في مُلْكِ بلقيس ٣٤٩ - روى ابن عباس أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: من الدوابّ أربع لا يقتلن: النحلة والنملة والصرد والهدهد.
٣٥٠ - ومن أعاجيب الخفاش (٣) أنه طائر، وهو مع أنه طائر من عرض الطير، شديد الطيران كثير التكفي في الهواء سريع التقلب فيه، ولا يجوز أن يكون طعمه إلا من البعوض وقوتُهُ إلا من الفراش وأشباه الفراش، ثم لا يصيده إلا في وقت طيرانه في الهواء في وقت سلطانه، لأن البعوض إنما يتسلط بالليل فلا يجوز أن يبلغ ذلك إلا بسرعة اختطاف واختلاس، وشدة طيران ولين اعطاف، وحسن تأت ورفق بالصيد. وهو ليس بذي ريش وإنما هو لحم وجلد، وطيرانه بلا ريش عجب.
ومن أعاجيبه (٤) أنه لا يطير في نور ولا ظلمة، وهو قليل شعاع العين، ولذلك لا يظهر في الظلمة لأنها تكون غامرة لضياء بصره، غالبة لمقدار شعاع ناظرة، ولا يظهر نهارا لأن ضعف ناظرة يلمع في شدة بياض النهار، ولأن الشيء المتلألئ ضارّ لعيون من يوصف بحدَّة البصر، ولأن شعاع الشمس لمخالفة مخرج أصوله ومذاهبه يكون
_________________
(١) اليتيمة ٢: ٢٦٨ ونهاية الأرب ١٠: ٢٤٠.
(٢) الحيوان ٣: ٥١٨ وشرح المختار: ١٥٧ والحماسة البصرية ٢: ٣٤١ وعيون الأخبار ١: ٤١ ونهاية الأرب ١٠: ٢٤٨ والديوان: ٦٩.
(٣) النقل عن الحيوان ٣: ٥٢٦.
(٤) الحيوان ٣: ٥٢٧.
[ ١ / ١٠٤ ]
رادعا لشعاع ناظره ومفرقًا له، فهو لا يبصر ليلًا ولا نهارًا، فلما علم ذلك واحتاج إلى الكسب والطعم التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون قاهرًا غالبًا ولا من الضياء ما يكون معشيًا مانعًا، والتمس ذلك في وقت غروب الشمس وبقية الشفق، لأنه وقت هيج البعوض، وهو وقت ارتفاعها في الهواء وانتشارها وطلب أرزاقها. فالبعوض يخرج للطعم وطعمه دماء الحيوان، والخفافيش تخرج للطعم، فيقع طالب رزق على طالب رزق.
وزعموا (١) أن السُّكَّ الآذان والممسوحة من جميع الحيوان أنها تبيض بيضًا، وكل أشرف الآذان يلد ولا يبيض، ولا يدرى علة ذلك. ولآذان الخفافيش حجم ظاهر، وهي وإن كانت من الطير فإن هذا لها، وهي تحبل وتلد وتحيض وترضع. وزعم صاحب المنطق إن ذوات الأربع كلها تحيض على اختلاف في القلة والكثرة والزمان والخضرة والصفرة والغلظ والرقة، وليس في سائر الطير ما يحيض ولا يبيض إلا الخفافيش. وبلغ من ضن أنثى الخفافيش بولدها وخوفها عليه أنها تحمله تحت جناحها. وربما قبضت عليه بفيها قبضًا رفيقًا، وربما أرضعته وهي تطير، وتقوى من ذلك ويقوى ولدها على ما لا يقوى عليه الحمام وسباع الطير. وربما أتأمتِ الخفاش فتحمل معها الولدين جميعًا، فإن عظما عاقبت بينهما.
ومن أعاجيب (٢) الخفاش أنه من الطير وليس له منقار مخروط، وله فم فيما بين مناسر السباع وأفواه البوم. وفيه أسنان حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك إلى أصول الفك إلا ما كان في نفس الخطم، وقد عرفت ذرب أسنانها فإذا عضت على الفرخ جعلته أزمًا لا عضًّا.
ومن أعاجيبها (٣) تركُها البراري والقفار وقصدها منازل الناس وأرفع مكان وأحصنه من البيوت فتوطنه، وأنها على ضؤولة جسمها طويلة العمر حتى تجوز حدَّ العقاب والورشان إلى النسر، وتجوز حدَّ الفيلة (٤) والأُسْدِ وحمير الوحش إلى أعمار الحيّات، وأن أبصارها تصلح على طول العمر فيقال أن التي يَطِرْنَ في القمر من
_________________
(١) الحيوان ٣: ٥٢٩.
(٢) الحيوان ٣: ٥٣٠.
(٣) الحيوان ٣: ٥٣٢.
(٤) ص: الأفيلة.
[ ١ / ١٠٥ ]
المسنّات المعمّرات، وإن أولادهنّ إذا بلغن لم تقو أبصارهن على ضياء النور، وأنها تصبر على فقد الطعام، وأنها تضخم وتجسم وتقبل اللحم على الكبر والسن.
والنساء (١) وأشباه النساء يزعمون أن الخفاش إذا عضَّ إنسانًا فلا يدع سنَّهُ من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحش. قال: فما أنسى فزعي من مسِّ الخفافيش ووحشتي من قربها إلى أن بلغت.
والذي لا يبصر بالليل من الناس تسميه الفرس " شبكور " وتأويله " أعمى ليل "، وليس له في لغة العرب اسم أكثر من أنه يقال للذي لا يبصر بالليل من الناس " به هُدَبْدٌ "، وأما الأغطش فإنه السّيئ البصر بالليل والنهار، وإذا كانت المرأة رديئة البصر بالنهار قيل لها جَهْراء، وقيل: الجهراء التي لا تبصر في الشمس.
وقالوا السحاة - مقصور - اسم الخفاش والجمع سِحَاء. وأنشدوا لغزًا في الخفاش:
أَبى شعراءُ الناسِ لا يخبرونني وقد ذهبوا في الشعرِ في كلِّ مذهبِ
بجلدةِ إنسانٍ وصورةِ طائرٍ وأظفارِ يربوعٍ وأنيابِ ثعلب وعن عبد الله بن عمر (٢) أنه قال: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقهنَّ تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه إذا خرب بيت المقدس قال: يا ربِّ سلطني على البحر حتى أُغرقهم. وفي رواية: لا تقتلوا الخفاش فإنه استأذن البحر أن يأخذ من مائه فيطفئَ بيت المقدس حين حرق. وروي عنه ﷺ أنه نهى عن قتل الوطواط وأمر بقتل الأوزاغ.
والخفاش (٣) يأتي الرمانة في شجرتها فينقب عنها فيأكل كلَّ شيء فيها حتى لا يدع إلا القشر وحده، فهم يحفظون الرمان من الخفافيش بكل حيلة. ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصقور ولكثير من جوارح الطير، وتسمن عليها وتصحُّ أبدانها، ولها في ذلك عمل بيّن الأثر.
٣٥١ - العسكري في الخطاف (٤):
_________________
(١) الحيوان ٣: ٥٣٤.
(٢) الحيوان ٣: ٥٣٧.
(٣) الحيوان ٣: ٥٣٨.
(٤) ديوان المعاني ٢: ١٣٩.
[ ١ / ١٠٦ ]
وزائرةٍ في كلِّ عام تزورنا فيخبرُ عن طيبِ الزمان مَزَارُها
تخبّرُ أنّ الجوَّ رقَّ قميصُهُ وأنَّ الرياضَ قد توشَّى (١) إزارها
وإن وجوه الغُدْرِ راقَ بياضها وإن وجوه الأرضِ راعَ اخضرارها
تحنُّ إلينا وهي من غيرِ شكلنا فتدنو على بُعْدٍ من الشكلِ دارها
أغارَ على ضوءِ الصباح قميصُهَا وفات بألوانِ الليالي خمارها
تصيحُ كما صَرَّتْ نعالُ عرائسٍ تَمَشَّتْ إلينا هندها ونوارها عاد الحديث إلى الحمام:
٣٥٢ - العرب تقول (٢): إن نوحًا أرسل الغراب والحمام من السفينة لما استقرت على الجوديّ، فلم يرجع الغراب فدعا عليه، ورجعت الحمامة فدعا لها، فتزينت بالطوق عن سائر الطير.
٣٥٣ - قال جهم بن خلف (٣):
وقد شاقني نوحُ قمريّةٍ طروبُ العشيّ هتوفُ الضحى
مطوقة كُسِيَتْ زينةً بدعوة نوح لها إِذ دعا
فلم أَرَ باكيةً مثلها تَبَكَّى ودمعتُهَا لا تُرَى ٣٥٤ - عبد الله بن أبي بكر الصديق ﵄ (٤):
ولم أَر مثلي طلَّقَ اليوم مثلَها ولا مثلَها في غير جُرْمٍ تُطَلَّقُ
أعاتكَ لا أنساكِ ما هبَّتِ الصبا وما ناح قمريُّ الحمامِ المطوَّقُ ٣٥٥ - ومن " كتاب الطير " للجاحظ قال (٥): كل طائرٍ يعرف بالصوت الحَسَن والدعاء والهديل والترجيع فهو حمام، وإن خالف بعضه بعضًا في بعض الصور واللون والقد ولحن الهديل، كما تختلف الإبل والبقر والمعز والدجاج في أنواعها وأشكالها،
_________________
(١) ص: وان الرياض الحسن يوشي.
(٢) الحيوان ٣: ١٩٥ - ١٩٦.
(٣) الحيوان ٣: ١٩٩ ونسبت في حماسة الخالديين ٢: ٣١٧ لأبي صفوان السدي، وانظر أمالي القالي ٢: ٢٤٣ وتخريج الأبيات في اللآلي: ٨٦٥.
(٤) الحيوان ٣: ١٩٩ والعقد ٤: ١٧٥.
(٥) الحيوان ٣: ١٤٤ - ١٤٧.
[ ١ / ١٠٧ ]
ولا يخرجها ذلك عن أن تكون إبلًا أو بقرًا أو معزًا أو دجاجًا. والقمريّ والفاختة والورشان والشفنين واليمام واليعقوب وضروب أُخر كلّها حمام؛ وزعم أفليمون صاحب الفراسة أن الحمام تتخذ لضروب: منها ما يتخذ للأُنس، ومنها ما يتخذ للفراخ. ومنها ما يتخذ للطيران والتلهي بذلك، ومنها ما يتخذ للزجال (١) والسباق. ومن مناقب الحمام حُبُّه للناس وأُنس الناس به، وهو أن جميع طبقات الأمم تحبه وتتخده.
ثم ذكر قَمْطَ الحمام فقال (٢): يبتدئ الذكر بالدعاء والطّرد، وتبتدئ الأنثى بالتأني والاستدعاء، ثم تزيف وتتشكَّل، ثم تمكّن وتمنَع، وتجيب وتصدف بوجهها، ثم يتعاشقان ويتطاوعان، ويحدث لهما من التغزل والتفتل (٣) والمص والرشف والتنفج والخيلاء والكبرياء ومن إعطاء التقبيل حقه كله وإدخال الفم في جوف الفم، وذلك هو التطاعم، هذا مع إرسالها جناحيها وكتفيها (٤) على الأرض، وهو مع تدريجها وتنقيلها (٥) ومع تنفجه وتنفخه مع ما يعتريه من الحكة والتفلّي والتنفش، ثم الذي يرى من كسحه بذنبه، وارتفاعه بصدره، وضربه بجناحه، وفرحه ومرحه بعد قمطه والفراغ من شهوته، ثم إنه يعتريه ذلك في الوقت الذي يفترُ فيه أنشطُ الناس، وتلك خصلة يفوق بها جميع الحيوان من الإنسان فمن دونه.
ومن عجيب (٦) فطن الحمام أنه في كل حين يقلب بيضه حتى يصير ما كان يلي الأرض منه يلي بدن الحمام من بطنه وباطن جناحيه، حتى يعطي جميع البيضة نصيبها من الحضن. ومما أشبه فيه الحمام الناس أن ساعات الحضن على البيض أكثرها على الأنثى، وإنما يحضن الذكر في صدر النهار يسيرًا، كالمرأة التي تكفل الصبي فتقمطه وتمرّخه وتتعاهده بالتمهيد والتحريك، حتى إذا ذهب الحضن وصار البيض فراخًا وصار في البيت عيال وما يحتاجون إليه من الطعام والشراب صار أكثر ساعات الزق على الذكر، كما أن أكثر ساعات الحضن على الأنثى.
_________________
(١) ص: للترحال.
(٢) الحيوان ٣: ١٥٧.
(٣) ص: الغزل والقبل.
(٤) الحيوان: وكفيها.
(٥) الحيوان: تدرعها وتبلغها.
(٦) الحيوان ٣: ١٦٢ - ١٦٣.
[ ١ / ١٠٨ ]
قال مثنى بن زهير، وهو إمام في البصر بالحمام (١): لم أرَ شيئًا في الرجل والمرأة إلا وقد رأيت مثله في الذكر والانثى من الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها كالمرأة التي لا تريد إلا زوجها وسيدها، ورأيت حمامة لا تمنع شيئًا من الذكور ورأيت امرأة لا تدفع يد لامس، ورأيت حمامة لا تزيف إلا بعد طرد كثير وشدة طلب ورأيتها تزيف لأول ذكر يريدها ساعة يصل (٢) إليها، ورأيت الحمامة لها زوج وهى تمكن ذكرًا آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك في النساء، ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلا وذكرها يطير أو يحضن، ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ورأيت الحمام الذكر يقمط الحمام الذكر، ورأيت أنثى لا تقمط إلا الإناث ويقمطها الإناث، ورأيت أنثى لا تقمط إلا الإناث ولا تدع أنثى تقمطها، ورأيت ذكرًا يقمط الذكر ويقمطه الذكر، ورأيت ذكرًا يقمط الذكور ولا يدع ذكرًا يقمطه، ورأيت أنثى تزيف للذكورة ولا تدع شيئًا منها يقمطها، ورأيت هذه الأصناف كلّها في السحاقات من المذكرات والمؤنثات وفي الرجال الحلقيين واللوطيين، ورأيت من النساء من تزني أبدًا ولا تتزوج، ومن الرجال من يلوط ويزني أبدًا ولا يتزوج، ورأيت حمامًا يقمط ما لقي ولا يتزاوج ورأيت حمامة تمكن كل حمامٍ أرادها ذكرًا أو أنثى وتسفد الذكور والإناث ولا تزوج. ورأيتها تزاوج ولا تبيض، وتبيض فيفسد بيضها كالمرأة تتزوج وهي عاقر، وكالمرأة تلد وتكون خرقاء، ويعرض لها العقوق والغلظة على أولادها كما يعتري ذلك العقاب.
قال الجاحظ (٣): ورأيت الجفاء بالأولاد شائعًا في اللواتي يحملن من الحرام، ولربما ولدت من زوجها فيكون عطفها وتحننها كتحنن العفيفات المتسترات، فما هو إلا أن تزني أو تقحب فكأنها لم يكن بينها وبين ذلك الولد رحم وكأنها لم تلده.
والحمام (٤) والفواخت والأطرغلّة (٥) والحمام البريّ يبيض مرتين في السنة، والحمام الأهليّ يبيض عشر مرات، وإذا باض الطير لم تخرج البيضة من جهة
_________________
(١) الحيوان ٣: ١٦٥.
(٢) الحيوان: يقصد.
(٣) الحيوان ٣: ١٦٦.
(٤) الحيوان ٣: ١٧٠.
(٥) الحيوان: والأطرغلات.
[ ١ / ١٠٩ ]
التحديد (١) والتلطيف بل يكون الذي يبدأ بالخروج الجانب الأعظم، وكان الظنّ يسرع إلى أن الرأس المحددة (٢) هي التي تخرج أولا، والبيضة عند خروجها لينة القشر غير يابسة ولا جامدة والبيضة في بطن الطائر مستوية الطرفين، فإذا خرجت وهي لينة فبرز نصفها، انضمَّ الرحم عليها بطبعه فيحدّد النصف الباقي لمكان لينها، وكلما انسلتت من الرحم زاد التحديد. ويقولون إن البيض يكون من أربعة أشياء: يكون من الثراب، ومن السفاد، ومن نسيم يصل إلى أجوافها في بعض الزمان، ومنه شيء يعتري الحجل وما شاكله في الطبيعة، فإن الأنثى ربما كانت على سفالة الريح التي تهب من شقِّ الذكر في بعض الزمان فتحتشي من ذلك بيضًا.
قال الجاحظ (٣): ولا شك في أن النخلة المطعمة تكون بقرب الفحّال وتحت ريحه فتلقّح بتلك الريح وتكتفي بذلك؛ قال: ويكون بيض الريح من القبج والحمام والطاووس والأوز، قال: وبيض الصيف المحضون أسرع خروجًا منه في الشتاء، ولذلك تحضن الدجاجة في الصيف ثمان عشرة ليلة، وربما عرض غيم في الهواء ورعد في وقت حضن طائر، فيفسد البيض، وفساده في الصيف أكثر وفي هبوب الجنائب.
وكان ابن الجهم لا يطلب من نسائه الولد إلا والريح شمال.
والرعد (٤) إذا اشتد لم يبق طائر على وجه الأرض واقعًا إلا غدا فزعًا وإن كان يطير إلا رمى بنفسه إلى الأرض، وكذلك الرعد تلقي له الحمامة بيضها.
وليس (٥) التقبيل إلا للحمام والإنسان، ولا يدع ذكر الحمام ذلك إلا بعد الهرم.
والفرخ (٦) يخلق من البياض، ويغتذي بالصفرة، ويتم خَلقه لعشرة أيام، والرأس وحده أكبر من سائر الجسد.
_________________
(١) ص: التحذير.
(٢) ص: المحدودة.
(٣) الحيوان ٣: ١٧٣.
(٤) الحيوان ٣: ١٧٦.
(٥) الحيوان ٣: ١٧٧.
(٦) الحيوان ٣: ١٧٧ - ١٧٨.
[ ١ / ١١٠ ]
ويبلغ (١) من تعظيم الحمام لحرمة بيت الله الحرام أن أهل مكة عن آخرهم لم يروا حمامًا قط سقط على ظهر الكعبة إلا من علة عرضت له، فإن كانت هذه المعرفة اكتسابًا فالحمام فوق جميع الطير وكل ذي أربع، وإن كان إنما هو من طريق الإلهام فليس ما يُلْهَم كما لا يلهم.
وأول (٢) من اتخذ الحمام للهدي أن ملكين طلب أحدهما مُلْكَ صاحبه، وكان المطلوب أكثر مالًا وأشجع رجالًا وأخصب بلادًا، وكان بينهما مسافة بعيدة، فخافه الطالب على ملكه فاستشار وزراءه، فأشاروا عليه بآراء منها مصاهرة الملك والخطبة إليه ليستكفي بذلك سره، فأظهر الملك خطبته وأرسل رسولًا إليه وهدايا، وأمر رسله أن يصانعوا جميع من يصلون إليه، ودسّ رجالًا من ثقاته وأمرهم باتخاذ الحمام ببلاده وتوطينهن، واتخذ أيضًا عند نفسه مثلهن، فرفعهن (٣) من غاية إلى غاية إلى أن بلغ الغرض، وجعل هؤلاء يرسلون من بلاد الملك والآخرون يرسلون من بلاد الملك الآخر وأمرهم بمكاتبته بالخبر كل يوم، وتعليق الكتب في أصول أجنحة الحمام، فصار لا يخفى عليه شيء من أمر عدوه فأطمعه عدوّه في التزويج وطاوله ليطلب غِرَّتَهُ، ودسَّ لحرسه رجالًا فلاطفوهم حتى صارا يبيتون بإيوانه، فلما وجدوا منه غرة كتبوا إليه بغرته، فأتاه الخبر من يومه، فسار إليه بجند انتخبهم وأخذ بمجامع الطرق، ووثب أصحابه من داخل، وهو وجنده من خارج، ففتحوا الأبواب وقتلوا الملك وغلب على تلك المملكة، فعظَّمته الملوك وهابوه، وطار صيته بالحزم والكيد وأطاعوه، وكان ذلك بسبب الحمام.
قال الجاحظ (٤): وللحمام من الفضيلة والفخر أن الحمام الواحد يباع بخمسمائة دينار، ولم يبلغ ذلك باز ولا شاهين ولا صقر ولا عُقاب ولا طاووس ولا بعير ولا حمار ولا بغل، وذلك معروف في بغداد والبصرة. والحمام إذا جاء من الغاية (٥) بيع الفرخ الذكر من فراخه بعشرين دينارًا وأكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير وأكثر، وبيعت البيضة بخمسة دنانير وأكثر، فيقوم الزوج منها في الغلة مقام الصنعة (٦) الفاخرة حتى
_________________
(١) الحيوان ٣: ١٩٣ - ١٩٤.
(٢) الحيوان ٣: ٢٨٤.
(٣) ص: مثلهم فرفعوهن.
(٤) الحيوان ٣: ٢١٢.
(٥) ص: غاية.
(٦) الحيوان: الضيعة.
[ ١ / ١١١ ]
ينهض بمؤنة العيال ويقضي الدين، ويبنى من غلاّته وأثمان رقابه الدور الجياد، ويبتاع الحوانيت المغلة، وهو في ذلك ملهىً عجيب ومعتبرٌ لمن تذكر.
وللحمام (١) حسن الاهتداء وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ والذكر، وقوة النزاع إلى أربابه والإلف لوطنه، وكفاك اهتداء ونزاعًا أن يكون طائر من بهائم الطير يجيء من خَرْشَنَةَ ومن لؤلؤة - وهما بدرب الروم - إلى بغداد والبصرة. ثم الدليل على أنه إنما يستدل بالعقل والمعرفة والعتاقة (٢) أنه إنما يجيء كل من الغاية بالتدريج والتدريب. على ترتيب. والدليل على علم أربابه بأن تلك المقدمات قد نَجَعْنَ فيه وعطر في طباعه أنه إذا بلغ الرقة غمّروا به. فطير إلى الدرب وما فوق الدرب من بلاد الروم، ولو كان الحمام مما يرسل بالليل لكان مما يستدل بالنجوم، لأنا رأيناه يلزم بطن الفرات أو بطن دجلة أو بطن الأودية التي قد مر بها وهو يرى ويبصر ويفهم انحدار الماء، ويعلم بعد طول الجولان إذا هو أشرف على الفرات أو دجلة أن طريقه وطريق الماء واحد، وأنه ينبغي أن ينحدر معه، وما أكثر ما يستدل بالجواد من الطرق إذا أعيته بطون الأودية، فإن لم يدر أَمُصْعِدٌ هو أو مُنْحَدِرٌ (٣) تعرف ذلك بالريح ومواضع قُرْص الشمس في السماء، وإنما يحتاج إلى ذلك كلّه إذا لم يكن وقع بعد على رسم يعمل عليه، وربما (٤) كرَّ حين يزجل شمالًا وجنوبًا وصبًا ودبورًا الفراسخ الكثيرة وفوق الكثيرة.
وللحمام (٥) نَسَبٌ اشتملت عليه دواوين أصحاب الحمام أكثرمن كتب الأنساب التي تضاف إلى الكلبي وغيره من النسَّابة.
وقال صاحب الحمام (٦): ليس في الأرض جنس تعتريه الأوضاح والشيات ويكون فيها المصمت والبهيم أكثر ألوانا وأصناف تحاسين مما تكون في الحمام، فمنها أخضر مُصْمَتٌ وأسود مصمت وأحمر مصمت وأبيض مصمت وضروب كلها مصمتة الألوان، إلا أن الهداية للخضر والنمر فإذا ابيض الحمام كالفقيع فمثله الناس الصقالبة، فإن الصقلبيّ فطيرٌ خام لم تُنْضِجْهُ الأرحام، لأنها كانت في البلاد التي شمسها أضعف من غيرها وإذا اسودَّ الحمام فإنما ذلك احتراق ومجاوزة لحدِّ
_________________
(١) الحيوان: ٣: ٢١٤ - ٢١٦.
(٢) الحيوان: والعناية.
(٣) ص: منهبط.
(٤) ص: فربما.
(٥) الحيوان ٣: ٢٠٩.
(٦) الحيوان ٣: ٢٤٤.
[ ١ / ١١٢ ]
النضج، ومثله في الناس الزنج فإن أرحامهن جازت حد الإنضاج إلى الاحتراق، وشيّطت الشمس شعورهم فتقصفت، والشعر إذا أدنيته إلى النار تجعّد، فإن زدته تفلفل، فإن زدته احترق؛ فكما أن عقول سودان الناس وحمرانهم دون عقول السمر، فكذلك بيض الحمام وسودها دون الخضر في المعرفة والهداية. والفقيع من الخيل لا ينجب وليس فيه إلا حسن بياضه لمن اشتهى ذلك لا غير.
والحمام (١) طائر ألوف مألوف محبّب، موصوف بالنظافة، حتى ان ذرقه لا يُعاف، ولا نتن له كسلح الدجاج والديكة، وقد يتعالج بذرقه صاحب الحصاة، وللفلاحين فيه منافع، والخباز يلقي الشيء منه في الخبز لينفخ العجين ويعظّم الرغيف ثم لا يبين ذلك فيه. ولذرقه غلات.
وليس الأطواق إلا للحمام.
وفي ذمِّ الحمام (٢) روي أن عثمان بن عفان - ﵁ - أراد أن يذبح الحمام وقال: لولا أنها أمة من الأمم لأمرت بذبحها، ولكن قُصُّوهنّ. فدلَّ بقوله: قصوهن على أنها إنما تذبح لسوء رعة من يتخذهنّ ويلعب بهن من الفتيان والشطار، وأصحاب المراهنة والقمار، والذين يُشْرِفُون على حُرَمِ الجيران، ويخدعون بفراخ الحمام أولاد الناس، ويرمون الجلاهق، وما أكثر من قد فقأ عينًا وهشم أنفًا وهتم فمًا وهو لا يدري ما صنع، ثم تذهب جناحيه جبارًا ويعود ذلك الدّم مطلولًا، إذ كان صاحبه مجهولًا. وكان عمر - ﵁ - أمر بذبح الديكة، وأمر النبي ﷺ بقتل الكلاب. وروي أن عثمان ﵁ شكوا إليه الحمام فقال من أخذ منهن شيئًا فهو له.
قال الجاحظ (٣): وقد علمنا أن اللفظ وإن كان وقع على شكاية الحمام أن المعنى إنما هو في شكاية أصحاب الحمام، لأنه ليس في الحمام معنى يدعو إلى شكايته. وسئل الحسن عن الحمام الذي يصطاده الناس فقال: لا تأكله فانه أموال الناس، فجعله مالًا ونهى عن اصطياده بغير إذن أهله، وكل ما كان مالًا فبيعه حسن وابتياعه حسن، فكيف يجوز لشيء هذه صفته أن يذبح إلا أن يكون
_________________
(١) الحيوان ٣: ٢٥٣.
(٢) الحيوان ٣: ١٩٠.
(٣) الحيوان ٣: ١٩٢.
[ ١ / ١١٣ ]
ذلك على سبيل العقاب والزجر لمن اتحذه لما لا يحل. ونهى عثمان ﵁ عن لعب الحمام وعن رمي الجلاهق.
قال الجاحظ (١): شهد أبو أحمد المتكلم صاحب حمامٍ يوم مجيء حمامه من واسط، وكانت واسط يومئذ هي الغاية، فرآه كلما جاء طائر من حمامه نعر ورقص فقال له: إني أرى منك عجبًا، أراك تفرح بمجيء حمامك من واسط، وهو ذاك الذي كان، وهو الذي جاء، وجاء ولم يجيء معه بشيء (٢)، فما سبب الفرح؟ فقال: فرحي أني أرجو بيعه بخمسين دينارًا، قال: ومن يشتريه منك بخمسين دينارًا؟ قال: فلان وفلان؛ فمضى إليهما فقال: زعم فلان أنك تشتري منه حمامًا جاء له من واسط بخمسين دينارًا، فقال: صدق، فقال: لم تشتريه بخمسين دينارًا؟ قال: لأنه جاء من واسط، قال: وإذا جاء من واسط لم تشتريه بخمسين دينارًا؟ قال: لأني أبيع الفرخ منه بثلاثة دنانير والبيضة بدينارين، قال: ومن يشتريه منك؟ قال: مثل فلان وفلان؛ فمضى إليهما فقال: زعم فلان أنك تشتري منه فرخًا جاء أبوه من واسط بثلاثة دنانير والبيضة بدينار، قال: صدق، قال: فلم تشتريهما بذلك؟ قال: لأن أباه جاء من واسط، قال: فإذا جاء أبوه من واسط فهو ماذا؟ قال: لأني أرجو أن يجيء هو من واسط، قال: فإذا جاء من واسط؟ قال: أبيعه بخمسين دينارًا، قال: ومن يشتريه منك بخمسين دينارًا؟ قال: فلان وفلان، فمضى إليهما فقال: زعم فلان أن فرخًا من فراخه إذا جاء من واسط تشتريه منه بخمسين دينارًا، قال: صدق، قال: ولم تشتريه إذا جاء من واسط بخمسين دينارًا؟ فأعاد عليه مثلما قال له الأول بعينه، فقال: لا رزق الله من يشتري حمامًا جاء من واسط بخمسين دينارًا رزقًا.
ومما جاء في صراخ الديك وإيذانه بالصباح:
٣٥٦ - قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٣): صرخ ديك عند النبي ﷺ فسبّه بعض أصحابه، فقال: لا تسبه فإنه يدعو إلى الصلاة.
_________________
(١) الحيوان ٣: ٢٩٤.
(٢) في هذه العبارة إيجاز شديد بالنسبة لما ورد في الحيوان.
(٣) نهاية الأرب ١٠: ٢١٩، والحديث: لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة، أورده الفزي في الاتقان: ٢٢٠ مع تخريجه.
[ ١ / ١١٤ ]
٣٥٧ - وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن مما خلق الله ﷿ لديكًا عرفه تحت ساق العرش ورجلاه في الأرض السفلى، وجناحه في الهواه، فإذا ذهب ثلثا الليل وبقي ثلث ضرب بجناحه ثم قال: سبحان الملك القدوس، سبوحٌ قدوس، ربي لا شريك له، فعند ذلك تضرب الطير بأجنحتها وتصيح الديكة.
وروي (١) أنه ﷺ قال: الديك الأبيض صديقي وعدوّ عدوّ الله، يحرس دار صاحبه وسبعَ دور.
وكان ﷺ يبيّته معه في البيت.
٣٥٨ - وزعم أهل التجربة أن كثيرا ما يرون الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لا يزال يُنْكَبُ في أهله.
٣٥٩ - والديك يسمى العترفان، قال عدى بن زيد يصف الحُمُر (٢):
ثلاثةَ أحوالٍ وشهر تجرَّما يضيءُ كعينِ العترفانِ المجاوبِ قال الجاحظ: سماه بالمجاوب كما سماه بالعترفان؛ قال المصنف: وأنا أرى أنه لم يسمه بالمجاوب وإنما وصفه بذلك، لأن عين الديك المجاوب أشد حمرةً وأحدُّ نظرًا من غير المجاوب، فيكون مبالغة في وصف حمرة العين وبصيصها، ويكون لقوله " المجاوب " في البيت موقع حسن من البديع يسمى: " التتميم " كقول امرئ القيس:
كأن عيونَ الوحشِ حَوْلَ خبائنا وأرحلنا الجَزْعُ الذي لم يُثْقَّبِ فقوله " لم يثقب " أتم في التشبيه.
٣٦٠ - وفي الديك الصيصة وهي طرف عرفه الحادّ، وهي سلاحه الذي يقاتل به، وبها سمي قرن الثور صيصة، وسميت آطام المدينة للامتناع بها صياصي. وفي التزيل العزيز، (وأَنْزلَ الذين ظاهروهم من أهلِ الكتابِ من صَياصيهم) .
٣٦١ - ويقال لصوت الديك: الدعاء والزقاء والهتاف والصياح والصراخ
_________________
(١) نهاية الأرب ١٠: ٢١٩ وحديث «الديك الأبيض صديقي..» ورد مع تخريجه في اتقان الغزي: ٩٣ وذكر أن السيوطي أفرد في أخبار الديك جزءًا وانظر ألف باء ٢: ٣٩٦. والجامع الصغير ٢: ١٨.
(٢) الحيوان ٢: ٣٥٠ والدميري ٢: ١٥٧ واللسان (عترف) .
[ ١ / ١١٥ ]
والصقاع، وهو يهتف ويصقع ويصيح ويزقو ويصرخ؛ ويقال للهام أيضًا يزقو، قال الراجز:
وَمَنْهَلٍ طامِسَةٍ أَعلامُهُ يَعْوي به الذئبُ ويزقو هامُهُ وقال توبة بن الحمير (١):
ولو أَنَّ ليلى الأخيليةَ سلَّمَتْ عليَّ وفوقى جَنْدَلٌ وصفائحُ
لسلمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زقا إليها صدىً من جانب القبرِ صائح ٣٦٢ - السري الرفاء (٢):
كشف الصباحُ قناعَهُ وتألَّقَا وسطا على الليل البهيمِ فأَطرقا
وعلا فلاحَ على الجدارِ موشَّحٌ بالوشي تُوِّجَ بالعقيق وَطُوِّقا
مُرْخٍ فضولَ التاجِ من لبَّاتِهِ ومشمرٌ وشيًا عليه منمقا ٣٦٣ - شاعر (٣):
غدوتَ بشرْبَةٍ من ذاتِ عرقٍ أبا الدهماءِ من حَلَبِ العصيرِ
وأخرى بالعقنقلِ ثم (٤) سرنا نرى العصفورَ أَعظمَ من بعير
كأنَّ الديكَ ديكَ بني نُمَيْر أميرُ المؤمنين على السرير
كأنَّ دجاجهم في الدار رقطًا وفودُ (٥) الروم في قُمْصِ الحرير
فبتُّ أرى الكواكبَ دانياتٍ ينلن أناملَ الرجل القصير
أدافعهُنّ بالكفينِ عني وأمسحُ جانبَ القمر المنير ٣٦٤ - عبد السلام بن رغبان ديك الجن يرثي ديكًا لأبي عمرو عمير بن جعفر كان له عنده مدة فذبحه، وعمل عليه دعوة، وبها لقب ديك الجن (٦) .
دعانا أبو عمرو عُمَيْرُ بنُ جعفرٍ على لحم ديكٍ دعوةً بعد موعدِ
_________________
(١) الاغاني ١١: ٢٢٩ والفوات ١: ٢٦٠.
(٢) ديوان السري: ١٩٠ ونهاية الأرب ١٠: ٢٣٠.
(٣) الحيوان ٢: ٢٦٠، ٣٥٦ وحماسة ابن الشجري: ٢٧٨ ونهاية الأرب ١٠: ٢٢٧ والثالث في ديوان المعاني ٢: ١٣٦.
(٤) الحيوان: ٢: ١٣٦.
(٥) الحيوان: بنات.
(٦) ديوان ديك الجن: ١٢٦.
[ ١ / ١١٦ ]
فقدم ديكا عُدْمُلِيًا مُلدَّحًا مبرنس أثيابٍ مؤذن مسجد
يحدّثنا عن قوم هود وصالحٍ وأغرب من لاقاه عمروُ بن مرثد
وقال لقد سبَّحْتُ دهرًا مهلّلًا وأسهرت بالتأذين أعين هُجَّد
أيُذْبَحُ بين المسلمين مؤذّنٌ مقيمٌ على دينِ النبي محمد
فقلتُ له يا ديكُ إنَّكَ صادقٌ وإنك فيما قلتَ غيرُ مفند
ولا ذنبَ للأضيافِ إن نالك الردى فإن المنايا للديوكِ بمرصد ٣٦٥ - العسكري (١):
مُتَوَّجٌ (٢) بعقيقٍ مفرطٌ باللجينِ
يزهى بتاجٍ وطوقٍ (٣) كأنه ذو رُعَينِ ٣٦٦ - ابن معمعة الحمصي:
يا ابنَ أقيالِ وائلٍ والكرامِ الصِّي دِ من تغلبِ قرومِ القرومِ
والأميرِ الذي عليه أمارا تُ المعالي في حادثِ وقديم
قد مدَحتُ الأميرَ بالأمس منثو رًا وجئتُ الغداةَ بالمنظوم
فاستمعْ قصتي وفرج بإحسا نِكَ ما بي من طارقاتِ الهموم
ليَ ديكٌ حَضَنْتُهُ وهو في البي ضةِ من منصبٍ كريمِ الخيم
ثم رَبَّيتُهُ كتربية الطف لِ رضيعًا وعند حالِ الفطيم
يأكلُ العفوَ كيف ما شاء من ما لي أكل الولي مالَ اليتيم
هو عندي بصورةِ الولدِ البِرِّ وفي صورةِ الصديقِ الحميم
أبيضُ اللونِ أَفْرَقُ العُرْفِ نظّا رٌ بعينٍ كأنَّها عينُ ريم
وعلى نَحْرِهِ وشاحان مِنْ شَذْ ر بديعٍ ولؤلؤٍ منظوم
رافعٌ رايةً من الذَّنَبِ المش رفِ يَسْعَى بها كسعي الظليم
وإذا ما مشى تبختر مَشْيَ الطَّ رِبِ المنتشي من الخرطوم
وَسَمَ الأرضَ وَسْمَ طينِ كتابٍ بخواتيم كاتبٍ مختوم
وله خنجرانِ في قَصَبِ الساقي ن قد رُكِّبا لحفظِ الحريم
_________________
(١) ديوان المعاني ٢: ١٣٧ ونهاية الأرب ١٠: ٢٢٨ ومجموع شعره: ١٦٣.
(٢) ص: بالعقيق.
(٣) ص: نور عين.
[ ١ / ١١٧ ]
وعليه من ريشهِ طيلسانٌ صِيْغَ من صِبْغَةِ (١) اللطيفِ الحكيمِ
وجميعُ الديوكِ تشهد في حِمْ صَ له بالجَلالِ والتعظيم
يتجاوبن بالصياح مُشِيرا تٍ إليه في ذاكَ بالتسليم
وإذا مارأيتَهُ بين خَمْسٍ من دجاجاته كبارِ الجسوم
قلتَ مَلْكٌ يَخدمنهُ فتياتٌ يتهادَيْنَ بين زنجٍ وروم
وترى عرفَهُ فتحسبُهُ التا جَ على رأسِ كسرويّ كريم
ثاقبُ العلمِ بالمواقيت ليلًا ونهارًا وحاذقٌ بالنجوم
ويحثُّ الجيرانَ حولي على البرِّ كحثِّ المديرِ كأسَ النديم
وله أيها الأميرُ عليَّ العه دُ في سالفِ الزمان القديم
أنه آمنٌ من الشرِّ عندي غيرَ يومِ المشيئةِ المحتوم
وقد احتجتُ أن أُضَحِّيَ في العي دِ به، حاجة الأديبِ العديم
وبناتي يقلن يا أبتانا أنت في ذاك بين غَدْرٍ ولوم
وتراهنَّ حوله يتباكي نَ بدمع لفقده مسجوم
وعزيزٌ سواكَ مَنْ يفتديه فافده سيدي بِذِبْحٍ عظيم
تُبْقِ في ذاك سُنّةً لك يبقى ذِكْرُهَا ذكرَ كبشِ إبراهيم ٣٦٧ - اجتمع الأمير أبو الفضل الميكالي ليلةً بحبيب له، فلما كان في السحر صرخ الديك، فقام محبوبه وقال: أصبحنا، وخرج، فقال يهجو الديك (٢):
قام بلا عقلٍ ولا دينِ يخلطُ تصفيقًا بتأذينِ
فنبَّهَ الأَحبابَ من نْومهمْ ليخرجوا في غير ما حين
كأنما غصَّ بها حلقه أَغَصَّهُ الله بسكين ٣٦٨ - شاعر (٣):
ما عُذْرُنَا في حَبْسِنا الأكوابا سقط الندى وَصَفا النسيمُ وطابا
_________________
(١) ص: صنعة.
(٢) وردت في نهاية الأرب ١٠: ٢٣٢ والغزولي ١: ٧٥ منسوبة لابن رشيق.
(٣) هو أبو بكر الخالدي كما في اليتيمة ٢: ١٧٤ وخاص: ١٢٢ ومن غاب عنه المطرب: ٦١ وغرائب التنبيهات: ٥٥ والديوان: ١٥ والمنتخل: ١٢٢.
[ ١ / ١١٨ ]
ودعا بحيَّ على الصَّبوحِ مغردًا ديكُ الصباحِ فهيَّجَ الأطرابا ٣٦٩ - أبو بكر الخوارزمي:
لما بدتْ روحُ الضيا ء تدبُّ في جسم الظلام
وغدتْ نجومُ الليل وه ي تفرُّ من حَدَقِ الأنام
والديكُ يتلو دائمًا هَجْوَ النيام على القيام
قال المؤذّنُ ما أرا د وقلتُ من حسن الكلام
هو قال حيَّ على الصلا ةِ وقلتُ حيَّ على المدام قال عبد الله محمد، مختار هذا الكتاب: لم يقل أبو بكر الخوارزمي بيت المؤذن على هذه الصورة، وإنما قاله على صورة يستقبحها من يتمسك بيسير من الأدب مع الدين، قال:
ناقضتُ ما قال المؤذن بالفعال وبالكلام.
فغيَّرته ولم أستحسن إيراده كما قاله.
٣٧٠ - كشاجم (١):
مطرّبُ الصبحِ هَيَّجَ الطربا لما قضى الليلُ نَحْبَهُ نَحَبَا
مغرِّدٌ تابعَ الصياحَ فما ندري رضىً كان ذاك أم غضبا
ما تنكر الطيرُ أنه مَلْكٌ لها فبالتاجِ راحَ معتصبا
مدَّ ليمتد صوتُهُ عُنُقًا منه وهزَّ الجناح واضطربا
طوى الظلامُ البنودَ منصرفًا حين رأى الفجرَ ينشرُ العَذَبا
والليلُ من فَتْكَةِ الصباحِ به كراهبٍ شقَّ جَيْبَهُ طربا
فباكر الخمرة التي تركت بنانَ كفِّ المدير مختضبا
فليس نارُ الهمومِ خامدةً إلا بنورِ الكؤوسِ ملتهبا ٣٧١ - الصابي (٢):
_________________
(١) بم ترد في ديوانه، وهي لأبي بكر الخالدي في اليتيمة ٢: ١٨٥ وغرائب التنبيهات: ٥٥ وديوانه: ١٧.
(٢) اليتيمة ٢: ٢٦١.
[ ١ / ١١٩ ]
كوكبُ الإصباحِ لاحا طالعًا والديكُ صاحا
فاسقنيها قهوة تأ سو من الهمِّ جراحا
ذاتَ نشرٍ كنسيم ال روض غِبَّ القَطْرِ فاحا
يا غلامي ما أرى في ها ولا فيك جناحا
حَرِّمِ الماءَ وأبْعِدْ هُ وإنْ كانَ مباحا
[أقراحٌ أنا حتَّى أشربَ الماءَ القراحا] ٣٧٢ - شاعر (١):
هتف الديكُ بالدجى فاسقنيها قهوةً تتركُ الحليمَ سفيها
لستُ أدرى لرقّةٍ وصفاء هيَ في كأسها أمِ الكأس فيها ٣٧٣ - قال إسحاق الموصلي (٢): أنشدت أمَّ الهيثم الأعرابية قول الشاعر:
وخمرٍ سُلافٍ يحلفُ الديكُ أَنها لدى المزجِ من عينيه أَصفى وأَحْسَنُ فقالت: لقد بلغني أن الديك من صالحي طيوركم وأعرفها بأوقات الصلوات، وما أحسبه يحلف كاذبًا.
٣٧٤ - النقاش الحلبي:
وليلٍ باتتِ الأوتارُ فيه تجاوبنا بأَلسنةٍ فصاحِ
جعلنا فُرْشِنا تحتَ الدوالي بها غَضَّ البنفسج والاقاحي
وباتت حُورُهُ تجلو دجانا بأوجهها الصباح إلى الصباح
طردنا ديكه فاقتصَّ منا مؤذّنه بحيَّ على الفلاح
فيا لنجاح وقتٍ وافقتنا عليه بشدوها ذاتُ الجناح ٣٧٥ - ابن التعاويذي الكاتب (٣):
أدِرْ كأس المدام عليَّ صرفًا ولا تُفْسِدْ كؤوسَكَ بالمزاجِ
فقد حان الصباحُ وحنَّ قلبي إلى عذراءَ ترقصُ في الزجاج
_________________
(١) وردا في المستطرف ٢: ٢٦٧ منسوبين لكشاجم.
(٢) المختار من القطب: ٤٢٣.
(٣) ديوان ابن التعاويذي: ٧٦.
[ ١ / ١٢٠ ]
وهذا الديكُ من طَرَبٍ يغنّي ويخطرُ بينِ إكليلٍ وتاج
ودعني من إقامةِ كلِّ فرضٍ (١) فليس على خرابٍ من خراج ٣٧٦ - محمد بن علي الدينورى:
ومشمّرِ الأَذيالِ في ممزوجة متتوّج تاجًا من العقيانِ
بالجاشرية ظلَّ يهتِفُ مَوْهنًا ويصيحُ من طَرَبٍ على الندمان
هُبّوا إلى شُرْبِ الصَّبوحِ فإنما لصبوحكم لا للصباح أذاني ٣٧٧ - الباخرزي:
وليلٍ دجوجيٍّ كأنَّ صباحَهُ يهزُّ لواءً أبيضًا فوق كِتْفِهِ
تنزَّهَ سمعي فيه من صوتِ طائرٍ غدا مشرئبَّ الجيدِ ثانيَ عطفه
فأطعمتُ خلاّني كبابًا كتاجه وأسقيتُ ندماني شرابًا كطرفه
_________________
(١) الديوان: ودعني والصلاة إذا تدانت.
[ ١ / ١٢١ ]
فراغ
[ ١ / ١٢٢ ]