كان التيفاشي في تردده على جلال الدين المكرم يذكر له أنه ألف كتابًا كبيرًا أفنى فيه عمره واستغرق دهره، وسماه «فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب» وكان محمد بن جلال الدين في ذلك الوقت في سن الطفولة، يسمع باسم الكتاب، ولا يفقه كثيرًا مما يتحدث به الأدباء والعلماء المتحلقون في بيتهم، إلا أنه استنكر هذه التسمية وعدها جرأة من المؤلف، إذ إن «فصل الخطاب» خاص بالنبي داود الذي قال الله تعالى فيه (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) (ص: ٢٠) فكيف يجرؤ مؤلف على أن يسمي كتابه «فصل الخطاب»؟.
ويقول ابن منظور الذي كان عمره يوم توفي التيفاشي يقارب الثانية والعشرين، إنه أنسي أمر الكتاب وشغل عنه ثم تذكره وقد جاوز الستين (٣)، فأخذ يبحث عنه، حتى اهتدى إليه أخيرًا عند واحد من أصدقاء التيفاشي، فحاول الحصول عليه منه فلم يستطع وأنفق ذلك جهدًا كثيرًا، وأخيرًا حصل عليه سنة ٦٩٠ (٤) . فوجده في مسودات وجزازات وظهور، وقد جعله المؤلف من أربعين
_________________
(١) يقوم على تحقيقه ونشره صديقنا الدكتور رضوان السيد الأستاذ بالجامعة اللبنانية.
(٢) لعل الذهبي هو الذي رسم الخطوط العريضة لترجمة ابن منظور، وعنه أخذ الصفدي ترجمته في الوافي وأعيان العصر ونكت الهميان، وعن الصفدي أخذ الكتبي في الفوات ٤: ٣٩ والزركشي في عقود الجمان: ٣٠٧، ثم لخص هذه الترجمة كل من ابن حجر في الدرر الكامنة ٥: ٣١، وابن العماد في شذرات الذهب ٦: ٢٦ والسيوطي في بغية الوعاة ١: ٢٤٨؛ ولدى الادفوي في البدر السافر: ١٦٧ بعض استقلال فيما يورده ولكن ذلك موجز كثيرًا.
(٣) لو قال وقد جاوزت الخمسين لكان أصح (انظر الحاشية التالية) .
(٤) إذا كان ابن منظور قد ولد أول سنة ٦٣٠، وتذكر الكتاب حين تجاوز الستين فمعنى ذلك أنه لم يذكره قبل سنة ٩٦٠، فإذا حصل عليه سنة ٩٦٠ فهذا يعني أن محاولته لم تستغرق وقتًا طويلًا، كما يحاول أن يوحي للقارئ في مقدمته.
[ ١ / ٢٦ ]
جزءًا، غير إن ابن منظور لم يجد منها سوى ست وثلاثين ربطة (١) . فهل الربطة تساوي جزءًا أو أقل من ذلك؟.
ذلك ما قاله ابن منظور وهو مصدق فيما يقول، إلا أن الصفدي يقول شيئًا آخر، يقول: " له كتاب كبير إلى الغاية وهو في أربع وعشرين مجلدة جمعه في علم الأدب، وسماه " فصل الخطاب؟ " ورتبه وبوبه وجمع فيه من كل شيء وتعب عليه إلى الغاية " (٢)، فلم هذا التفاوت في عدد الأجزاء؟ أغلب الظن أن المجلدة عند الصفدي لا تقتصر على جزء واحد، بل ربما جمعت - في بعض الحالات - جزءين من تجزئة المؤلف.
وينفرد الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب بفرضية لابد من أن يكون لها ما يسوغها، فهو يرى أن فصل الخطاب موسوعة كبيرة لا تقتصر على الآداب كما يقول الصفدي بل تشمل الآداب والعلوم والتاريخ وأنها في أربعين جزءًا لا يقل حجم الجزء عن مائتي صحيفة في القالب الربعي، تتناول:
١ - مظاهر الطبيعة كالليل والنهار والشمس والقمر والسماء والكواكب، وهذا يقع في جزءين.
٢ - العالم الحيواني بما فيه من أصناف المخلوقات (لا ندري كم جزءًا) .
٣ - عالم الأحجار والمعادن (وهذا يجعل كتاب أزهار الأفكار جزءًا من فصل الخطاب) .
٤ - جزء في الطب عنوانه الشفاء انظر رقم: ١٣ في مؤلفات التيفاشي) .
٥ - جزء في الموسيقى عنوانه متعة الأسماع (انظر رقم ١٧ في مؤلفات التيفاشي) .
٦ - تاريخ الأمم (جزءان) .
وهذا في مجموعة ربما لم يتجاوز ثمانية أجزاء أو تسعة، فماذا تحتوي الأجزاء الأخرى حتى تبلغ أربعين؟.
إن الذي يشجع على وضع مثل هذا هو أن متعة الأسماع يحمل على
_________________
(١) انظر ص: ٥ - ٦ من سرور النفس.
(٢) الوافي ٨: ٢٨٨ وانظر هدية العارفين ١: ٩٤.
[ ١ / ٢٧ ]
الورقة الثانية منه ما يشير إلى أنه الجزء الحادي والعشرون (أو الحادي والثلاثون) من فصل الخطاب، وكذلك وجود الجزءين الأولين المتعلقين بمظاهر الطبيعة، ولكن حتى لو أدرجنا كل ما عددناه من مؤلفات التيفاشي ضمن هذه الموسوعة فإن ذلك لا يفي بالمطلوب. على أن بعض المؤلفات كان منذ البداية على شكل كتاب مستقل، فسيف الدين المشد يعد " المسالك " كتابًا مستقلًا إلى جانب " فصل الخطاب "، وشرح شعر ابن هاني لا يمكن أن يدخل في الموسعة، والدرة الفائقة كتاب منفرد أهداه المؤلف لابن العديم، وهناك كتب في شؤون الباه - إذا صحت نسبتها إلى التيفاشي - لا يمكن أن تندرج كلها في الموسوعة، وهكذا، وإذن فإن شيئًا غامضًا لا يزال يحف بتلك الموسوعة، وربما ظل الحال كذلك لأنها فقدت، ولم يرها أحد مكتملة، حتى ولا ابن منظور نفسه.