يقول ابن العديم مصورًا ما انطبع في نفسه من شخصية التيفاشي: " اجتمعت به القاهرة؟ فوجدت شيخًا كيسًا ظريفًا "، وفي هاتين اللفظتين خلاصة السمات التي كان يتميز بها التيفاشي، فالكيس - وهو صفة قلما يوصف بها الشيوخ - صفة تشير إلى خفة وتوقد معًا، وتلحق بالظرف حتى تلتبس به، وصاحب هاتين الخلتين يكون بحسب مفهومنا اليوم " رجلًا اجتماعيا " يلابس الناس ويخف على نفوسهم، وهذا القبول الاجتماعي يصبح ضرورة إذا كان صاحبه " طُلَعَةً " - مثل التيفاشي - لا يفتأ يرود كل الميادين، ويواجه أصنافًا مختلفة من الناس، ويطرح مختلف الأسئلة، يتغلغل في صميم المشكلات، ويحاول أن يدرس
_________________
(١) نفح الطيب ٢: ٣٢٥ وبغية الطلب ٢: ١٦٠، وانظر ملحق هذه المقدمة.
(٢) بغية الطلب ٢: ١٥٩ - ١٦٠.
(٣) انظر اختصار القدح: ٢١٢ «فلم يسمعه لثقل كان في سمعه» .
(٤) الوافي ٨: ٢٩٠ - ٢٩١.
(٥) بغية الطلب ٢: ١٦١.
[ ١ / ١٤ ]
الطبيعة وظواهرها، والمجتمع في شتى نماذجه، حتى ولو كانت تلك النماذج مما يتصل بالعالم الخفي - عالم المباذل والشذوذ؛ ولقد علمته التجربة أن الظرف والانبساط لا يصلح في كل الأحوال، وأنه قد يكون خطرًا على صاحبه في بعض المواقف، ولذا نجده يقول: " الواجب بعد هذا كله تجنب الانبساط مع غير أهل الأدب، فإن الانبساط مع العوام مهلك للعرض متلف للجاه والحرمة " (١)، ولكن يبدو أن هذا المبدأ قاعدة نظرية، وحسب.
ولقد كسب له حب استطلاعه سعة في التجربة، وفهمًا لدواخل الأمور وبواطن الظواهر، وطبعه على الحذر والترقب، ولكن يبدو أن التجربة الواسعة لم تستطع أن تنزع من نفسه طيبة متأصلة، كانت تبادر حذره فتسبقه وتأخذ عليه الطريق، ولعل في القصة التالية ما يشير إلى ذلك، كان ذات يوم مارًا بدمشق يجتاز جسرًا على نهر بردى، فإذا بغلام صغير السن دون البلوغ عريان يبكي، والغلمان يسبحون في النهر دونه، والناس يمرون به يمينًا وشمالًا ولا يكلمونه، فأدركته عليه شفقة وأراد أن يتعرف خبره، فسأله عما به، فلم يرد وأمعن في البكاء والضجيج، وتبرع غلام آخر بالحديث نيابة عن الأول وقال للتيفاشي: يا سيدي هذا غلام جاء يسبح، ووضع ثيابه على الحجر فسرقت، وله أم عجوز صالحة تقتله اليوم إن رجع لها عريانًا، وقد جمع له الناس بعض النقود ليشتري بها قماشًا، فحفزت الأريحية التيفاشي إلى أن استخرج منديل نقوده ليدفع له شيئًا، وإذا بشاب من بعد يشير إليه: لا تفعل، فمشى إليه وسأله عن السبب، فقال ذلك الشاب: هذا الغلام العريان مقامر، عادته أن يفعل ذلك ثم يأخذ ما يحصل له ويقامر به، وهو شيطان والناس يعرفون ذلك منه، وإنما يصطاد الغرباء. قال التيفاشي: فوفر علي دراهمي، فجزيته خيرًا وانصرفت (٢)؛ طيبة تشبه الغفلة، ومع ذلك فإنها وسعت مجال تجربته، وكشفت له عن نموذج لم يكن يعرفه من التحيل، وربما أفادته فزادته حذرًا.
مثل هذه الشخصية يخضع لواقع الحياة أكثر مما يخضع لقانون أخلاقي، ولذلك لم استبعد أن يكون قد عزل عن القضاء لشربه الخمر؛ ذلك لأن الإقبال على الخمر كغيره من المباذل الاجتماعية، موجود يأخذه على أنه قضية مسلمة، ويتحدث عنه حديث عالم الاجتماع. ومن هذه الواقعية أن يقول:
_________________
(١) نزهة الألباب (نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم: ١٥٣٣) ص: ٥.
(٢) نزهة الألباب: ٨٨ - ٨٩.
[ ١ / ١٥ ]
" اعلم أن مجلس الشراب أولى بالسماع من جميع ما عداه من سائر المجالس، وإنه يسيغ الشراب ويشيعه تشييعًا عجيبًا حتى يحس سريانه في الجسم وأثره فيه، ولهذا قالت الحكماء: السماع إدام المدام " (١) . وهو مؤرخ اجتماعي حين يحدثنا إن " عوائد الناس الابتداء بالغناء في مجلس الشراب مختلفة، أما أهل المشرق من ملوك العجم وملوك العرب في هذا التاريخ، فإن العادة عندهم أن الملك إذا اخذ القدح في يده ابتدأ المغني في الغناء بغير أمر له بذلك، كأن أخذ الملك للقدح دستوره في الغناء، فإذا ابتدأ المغني بالغناء وضع الملك القدح ثم يستمع ويشرب في وسط ذلك الغناء، وأما ملوك المغرب ورؤساؤه فإنهم يشربون في أول المجلس ساعة على الحديث أو المذاكرة بغير غناء، فإذا أراد صاحب المجلس الغناء نقر بالستارة إن كانت خشبًا أو تنحنح أو أبدى إمارة؟ الخ " (٢) .
وكان التيفاشي متنوع الثقافة حتى ليصدق فيه ما قاله التوحيدي في زيد بن رفاعة: " اينسب إلى شيء ولا يعرف برهط لجيشانه بكل شيء وغليانه في كل باب " (٣) أعني أنك تجده طبيبًا بين الأطباء، وفلكيًا بين الفلكيين، وموسيقارًا بين الموسيقيين، مثلما تجده شاعرًا وناثرًا، ولكنك لا تستطيع أن تقول إنه تميز في شيء أو نال فيه تفوقًا. كان كثير المطالعة، ولهذا تجده يقول في بعض المواقف: " إني امرؤ استنبطت العلوم وحذقت النجوم وطالعت جميع الكتب من العلوم بأسرها على اختلاف أجناسها وأصنافها " (٤)، ومع ذلك فلم تكن المطالعة مصدره الأهم في المعرفة، بل ربما كان أهم منها المعرفة التي حصلها عن طريق السماع والمشاهدة والاختبار العملي، وأعانه على ذلك دقة في الملاحظة، ومسارعة إلى تقييد ما يلاحظه أو يسمعه أو يجري فيه اختبارًا، تستوي في ذلك بسائط الأمور ومعقداتها. يقول " وقد كان عندي حجر بازهر خالص حيواني فجعلته في كيس فيه دنانير ذهب، ثم سافرت سفرًا بعيدًا، فلما استقرت فتحت الكيس وأخرجت حجر البازهر فلم أعرفه، حتى ظننت أنه قد بدّل علي بتغير جميع صفاته، ثم وزنته فوجدته أقل مما كان، فزاد تشككي، ولم يكن معي من اتهمه فعجبت من ذلك وبقيت متحيرًا في أمره، ثم جعلته في حق صغير بعد أن لفقته بابريسم، وغفلت عنه مدة، ثم
_________________
(١) متعة الأسماع (نسخة الخزانة العاشورية) - الباب الثاني، الورقة: ٦.
(٢) متعة الأسماع؛ الباب الرابع، الورقة: ٨.
(٣) الإمتاع والمؤانسة ٢: ٤.
(٤) نزهة الألباب: ٨.
[ ١ / ١٦ ]
أخرجته فوجدت الحجر الذي أعرفه أولًا، وقد زالت عنه الهيئة الرديئة التي اكتسبها من احتكاكه بخشونة الذهب ورجعت إليه جميع صفاته الأولى إلا أن وزنه نقص بما أنحك منه في الكيس» (١) .
ولا ريب في أن التيفاشي كان يتمتع بروح علمية دقيقة، لأنه كان يحاكم ما يسمع إلى التجربة ويتحمل المشاق في سبيل المعاينة الذاتية؛ فقد كان يسمع مثلًا عن أن الزمرد الذبابي إذا عرض للحيات انفقأت عيونها على المكان، وكان عنده فص زمرد ذبابي خالص، فاستأجر حواء ليصيد له أفعى، ففعل، وجعلها في طشت ثم قرب الفص من عينيها، فما لبث أن سمع فرقعة خفيفة كمن يقتل صؤابةً على ظفره، ثم برزت عيناها بروزًا ظاهرًا، وبقيت حائرة في الطشت لا تدري أين تتوجه (٢) . وقد مكنته هذه الدقة العلمية من التمرس ببعض الصناعات وإتقانها؛ فقد صنع وهو القاهرة من اليشم الأبيض أواني أهداها لبعض الأمراء ممن يعرف اليشم بدقة فلم يشك ذلك الأمير أن ما أهدي له كان من صنع الصين، ولم يكد يصدق إنها ليست كذلك إلا حين صنع له التيفاشي أواني على شكل مخصوص ووزن مخصوص بحسب اقتراحه (٣) . وفي مثل هذه الشؤون، استطاع التيفاشي أن يقع على حقائق يؤكدها العلم الحديث، ولكنه - على خلاف ما يقوله محققًا كتاب الأحجار - لم يبرأ من الخضوع للخرافة (٤)، فقد كان في ذلك ابن عصره، ينقل ما جاء في الكتب دون محاكمة، ومن قرأ الفصول التي عقدها عن خواص القطبين وما أشبه ذلك في «سرور النفس» عرف مصداق ما أقول (٥)؛ ويقارب هذا النقل ضعفًا تلك التعليلات التي كان يظنها في عصره علمية أو طبية، وهي نتيجة لقصور العلم والطب حينئذ. وليس يؤاخذ التيفاشي في كل ذلك، فهذه التعليلات نفسها - على فسادها - تدل على أنه كان يحاول أن يجد تفسيرًا يقبله العقل.
ذلك بعض ما يمكن أن يقال في الاتجاه العلمي لدى التيفاشي، ولو وصلتنا مؤلفاته الأخرى، لا تسع القول في هذا الاتجاه.
_________________
(١) أزهار الأفكار: ١٢٤ - ١٢٥.
(٢) أزهار الأفكار: ٨٤ - ٨٥.
(٣) أزهار الأفكار: ١٩٥.
(٤) انظر مقدمة أزهار الأفكار: ١٧.
(٥) راجع مثلًا الفقرة: ٥٧٧.
[ ١ / ١٧ ]
فأما الاتجاه الأدبي، فقد يبدو في بعض الأحيان ظلًا للاتجاه العلمي، فهذا الشغف بالعشر الذي قيل في النجوم والرياح وتقلب الفصول والحر والبرد والشموع والنيران، يشير إلى ذلك؛ وعلى هذا لم يسمح التيفاشي لصوت النقد بأن يرتقفع عاليًا إلا حين رأى التنوخي يكثر من تشبيه المحسوس بغير المحسوس فيقول: " إني لينغص علي إحسان هذا الرجل مع كثرته - ما أخذ به نفسه من تشبيه الأظهر بالأخفى، وهو شيء كرهه أكابر العلماء ونصوا عليه، وهو قد أغري به لا يكاد يخلي منه تشبيهاته " (١) . وأحيانًا يعثر في النقد عثرة من لا يعرف أولياته، فيورد بيتين لأحد الشعراء المحدثين ثم يقول وهذا أبلغ من قول امرئ القيس، إلا أنه لا يدخل في مختار الكلام لابتذال لفظه (٢)، فكيف يكون أبلغ وهو مبتذل اللفظ؟ وهو أحيانًا يعمم الحكم استنادًا إلى سعة مروياته من الأشعار، كأن يقول: وشعراء المغرب حازوا قصب السباق في وصف الاغتباق " (٣) وفي سائر المواقف النقدية يعد عالة على من تقدمه من النقاد.
وقد ذكر من ترجموا له بأن له شعرًا حسنًا ونثرًا جيدًا (٤)، ولم يصلنا شيء من نثره الفني، فأنا نثره في كتبه، فهو بسيط سائغ، دقيق في إبراز الفكرة التي يعالجها؛ وأما شعره فقد وصلنا منه عدد من المقطعات تبلغ أربعًا وعشرين تتراوح بين بيتين وتسعة عشر بيتًا، ولكن أكثرها من القصار؛ وتدور في معظمها على موضوع الوصف (وصف الليل، الهلال، السماء، الزلزال، النار، الشمعة، الفانوس، الأهرام..) ومن الواضح فيها سيطرة الفكرة والعمل الذهني، وطلب الصورة، دون احتفال بمستوى التعبير، ولا يخرج التيفاشي في هذا عن الاتجاه الغالب على شعراء عصره، ولا يتجاوز الموضوعات التي كانت تستأثر باهتمامهم، إذا هم تجاوزوا مقام المدح والرثاء (٥) .