هو أحمد بن يوسف بن أحمد بن أبي بكر بن حمدون بن حجاج بن ميمون بن سليمان بن سعد القيسي، القفصي التيفاشي، ويلقب شرف الدين ويعرف بكنيتين هما: أبو الفضل وأبو العباس.
ويمكن أن نستخلص من الأخبار المتيسرة لدينا أن أبا بكر ابن حمدون زرق - فيما رزق - ولدين هما محمد وأحمد، فأما الأول منهما فكان شاعرًا، وقد كان في جماعة الشعراء الوافدين على الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي، وأنشده قصيدة مطلعها (٢):
ما هز عطفيه بين البيض والأسل مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي فقيل أن عبد المؤمن قال له: لا تنشد بعدها شيئًا (أو لا تنشد بعده - أي البيت - شيئًا) وأمر له بألف دينار.
_________________
(١) ابن فرحون: الديباج المذهب ط. (القاهرة ١٣٥١): ٧٤ - ٧٥.
(٢) الخريدة (قسم المغرب والأندلس) ١: ١٢٨ - ١٢٩؛ وانظر ورقات ٢: ٤٤٨ ومجلة المجمع: ١٧.
[ ١ / ٢ ]
وأما أحمد جد المؤلف فنعرف له من الأولاد اثنين يحيى ويوسف؛ وقد كان يحيى شاعرًا كذلك، انتقل من قفصة إلى قابس، ومدح أبا الحملات مدافع بن رشيد الهلالي - آخر الأمراء من بني جامع بقابس، وقد نحاه عنها عبد المؤمن (١) - كما مدح غيره من بني هلال؛ وقد أورد له العماد الأصفهاني أبياتًا في مدح مدافع (٢)؛ كما أورد له التيفاشي المؤلف أبياتًا من تلك القصيدة نفسها في كتابه هذا (٣)؛ ويبدو أن يحي لقي مصرعه بصقلية. فأما يوسف - وهو والد المؤلف -
فقد اتجه وجهة أخرى، فدرس العلوم الدينية، وأصبح قاضيًا في مسكانة، ولكنه كان يضم إلى معرفته بشؤون القضاء معرفة بالأحجار، فقد روي عنه ابنه أنه كان جالسًا مع طلبة الحضر (٤) على باب ملك المغرب المنصور بن عبد المؤمن
_________________
(١) رحلة التجاني (تحقيق حسن حسني عبد الوهاب، تونس ١٩٥٨) .
(٢) الخريدة (قسم المغرب والأندلس) ١: ١٢٧.
(٣) الفقرة: ١١٨ من سرور النفس.
(٤) كتبت في مطبوعة أزهار الأفكار (١٤٠) .
[ ١ / ٣ ]
(٥٨٠ - ٥٩٥) وهم ينتظرون الإذن بالدخول عليه والمذاكرة بين يديه، ومعهم القاضي والعدول والأطباء والعلماء في كل فن، فخرج عليهم الخادم الموكل بالإذن ومعه درج عليه ورقة مكتوبة فيها: تحضر الأطباء ومقدمو الجوهريين وتعتبر ما في هذا الدرج من الحجارة "؟ ومعنى الدعوة أن الخليفة كان يريد من العلماء العارفين بالأحجار فحص ما احتواه الدرج وتمييز حجر البازهر من بينها، لأنه من بينها، لأنه نافع ضد السموم، ثم إعطاء الخليفة عشرة أحجار منه وتفريق الباقي على أمناء السوق ومشايخ الأرباع لمنفعة الناس. وكان الذي تولى فحص تلك الأحجار هو يوسف التيفاشي نفسه، يقول: " ففعلت ذلك وامتحنت الأحجار بأن أحضرت الأفاعي، وأرسلت على الفواريج بعد إطعامها حكاكتها، وكانت الحجارة نيفًا عن مائتي حجر، فصح بالمحنة (يعني بالامتحان) دون الستين، وتزيف الباقي فكسر وسحق، وفعل بالباقي منها ما أمر " (١) .
وهذه المعرفة إذن لا تقتصر في الحقيقة على الأحجار، بل هي تدل على اتجاه علمي قائم على التجربة؛ سيكون له من بعد أثره البالغ في نفس الابن، ولا ندري هل كانت هذه الحادثة قبل توليه القضاء أو بعده، ولكني أرجح أن تكون قبل ذلك، ولعلها أن تشير إلى أن يوسف التيفاشي طلب العلم في المغرب (بعد طلبه بأفريقية) وانتسب إلى طلبة الحضر (٢)، وتوثقت صلته بدولة الموحدين، وبالخلفية المنصور منهم على وجه خاص، مكملًا بذلك تلك الصلة التي بدأها عمه محمد وأخوه يحيى، وكفلت لهؤلاء التيفاشي حظوة لدى خلفاء الموحدين؛ فاصبح يوسف جليسًا للمنصور - فيما نقدر، يشهد ما يدور في ذلك المجلس من حوار ديني أو فلسفي، وقد أصبحت عن مناظرة جرت بين الفقيه أبي الوليد ابن رشيد والرئيس أبي بكر ابن زهر في المفاضلة بين قرطبة وإشبيلية (٣) .
_________________
(١) التيفاشي: أزهار الأفكار في جواهر الأحجار: ١٤٠ - ١٤١.
(٢) يمثل طلبة الحضر عنصرًا هامًا في «مركب» النظام الموحدي، فهم يتلقون تدريبًا رياضيًا وتثقيفيًا خاصًا، ويشاركون في الجهاد في وحدة خاصة بهم. ومنهم يختار رجال «الدعوة» والقضاة الخ.
(٣) خلاصة هذه المناظرة التي تبدو في صورة نادرة ان ابن رشد كان يحب بلده قرطبة ويفضلها، وابن زهر يحب إشبيلية لأنها بلده، فلما أمعن ابن زهر في تفضيل بلده قال له ابن رشد: ما أدري ما تقول، غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإن مات مطرب بقرطبة فأريد بيع آلاته حملت إلى إشبيلية (انظر نفح الطيب ١: ١٥٥) .
[ ١ / ٤ ]
وكانت قفصة قد دخلت مع سائر إفريقية تحت حكم الموحدين، منذ سنة ٥٥٤ " ووحدت "، وقدم صاحبها علي عبد المؤمن فوصله بألف دينار (١)، وولي عبد المؤمن عليه واليًا من قبله، ولكن القفصيين ثاروا عليه وقتلوه ونصبوا عليهم واليًا من بني الرند (٢)، فعاود عبد المؤمن استيلاءه على المدينة " ٥٦٣/ ١١٦٨ " وهدأت الأحوال مدة إلى أن أصبحت قفصة وغيرها هدفًا لنشاط ابن غانية فاضطر المنصور الموحدي إلى قصدها ومنازلتها، فقتل أتباع ابن غانية وهدم سور المدينة وأمن أهلها، وجعل أملاكهم بأيديهم على حكم المساقاة (٣) .
إن الصلات المبكرة التي عقدها التيفاشيون مع الدولة الموحدية تدل على أنهم لم يكونوا يشايعون بلدهم - قفصة - في انقلابهم على الموحدين، وأن يوسف على الأرجح كان قد التحق بطلبة الحضر في عهد عبد المؤمن نفسه، وكان في أيام ابنه المنصور " طالبًا " مقدمًا، معروفًا بولائه للدولة؛ وكان قد تزوج قبل مجيء المنصور إلى الخلافة، ففي أول سنة من حكم المنصور (٥٨٠/ ١١٨٤) رزق بابنه أحمد، الذي نحاول أن نتعرف إليه في هذه المقدمة، وكانت ولادة أحمد في قفصة نفسها، لا في تيفاشي، وشاهد ذلك قول أحمد نفسه في كتابه الجواهر: " وأخبرني صياد ممن كان يصيد الايايل بأفريقية بمقربة من مدينة قفصة - مسقط رأسي - " (٤) وهذا التحديد وإن لم يرد إلا في نسخة واحدة من النسخ التي اعتمدها المحققان، فإنه مؤكد بقول ابن العديم: " وذكر لي [يعني أحمد التيفاشي] أنه ولد بقفصة من بلاد أفريقية " (٥)، وكذلك قول الذهبي: " أحمد بن يوسف بن أحمد أبو الفضل المغربي القفصي - وقفصة من بلاد أفريقية - ولد بها سنة ثمانين وخمسمائة " (٦) .
أما بلنسبة إلى تيفاش، فهي نسبة حملتها العائلة منذ عهد بعيد، لأنها تنتمي إلى تيفاش - إحدى قرى قفصة - ويقول الأستاذ حسن حسيني عبد الوهاب أنها الآن " بشمال عمالة قسنطينة من القطر الجزائري " (٧) وتوصف في المصادر الجغرافية
_________________
(١) أبو العباس الناصري: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (الدار البيضاء ١٩٥٤) ٢: ١٣٧.
(٢) المصدر السابق ٢: ١٥٣، والاستبصار لمؤلف مجهول (تحقيق د. سعد زغلول عبد الحميد، الإسكندرية ١٩٥٨) ص: ١٥١. وقد كان بنو الرند هم حكام قفصة قبل قدوم الموحدين.
(٣) الاستقصا ٢: ١٦١، والاستبصار: ١٥١ ورحلة التجاني: ١٣٨.
(٤) أزهار الأفكار: ١٢٩.
(٥) بغية الطلب (صورة عن نسخة طوبقو سراي محفوظة في الجامعة الأميركية) ٢ الورقة ١٦٠.
(٦) الذهبي: تاريخ (نسخة آيا صوفيا رقم: ٣٠١٣) الورقة: ١٠٩.
(٧) حسن حسني عبد الوهاب: ورقات ٢: ٤٤٨.
[ ١ / ٥ ]
بأنها " مدينة أولية (أزلية) شامخة البناء، وتسمى تيفاش الظالمة، وفيها عيون ومزارع كثيرة، وهي في سفح جبل، وفيها آثار للأول كثير، وعليها سور قديم بالحجر، ولها بساتين ورياضات، واكثر غلاتها الشعير " (١)؛ ولعل أحمد بن يوسف لم يعرف تيفاش، وإن حمل النسبة إليها، فان توجهه لم يكن إلى الغرب، كما فعل أبوه وأقرباؤه من قبل، وإنما كان نحو المشرق.
فهو قد نشأ في ظل أبيه القاضي بمسكانه (٢)، ودرس عليه، وتقيل كثيرًا من خطواته؛ ولعل شغفه بعلوم الأوائل إنما كان تأثرًا به، واعتمادًا على الكتب التي جمعها أبوه في تلك العلوم؛ إذ من المرجح أن ذلك الأب قد وجد في بلاط الموحدين ما وثق صلته بالفلسفة والطب والعلوم الطبيعية، فقد عاشر هنالك ابن الطفيل وابن رشد وابن زهر وغيرهم، من المقبلين - دون حرج - على تلك العلوم، في ظل الخليفة أبي يعقوب يوسف الموحدي. وما كاد أحمد يحرز مبادئ العربية والدين ويحفظ القرآن في قفصة حتى غادرها إلى تونس فسمع فيها على أساتذة منهم أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن جعفر المقدسي (٣) وغادرها وهو صبي إلى مصر (٤) - كما حدث هو عن نفسه - فكان من أهم شيوخه فيها موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (٥) (٥٥٧ - ٦٢٩/ ١١٦٢ - ١٢٣١) واختياره لموفق الدين شيخًا له يؤكد نمو الاهتمام لديه بالفلسفة والطب وسائر علوم الأوائل، فقرأ عليه وتفنن، لأن موفق الدين كان يجمع إلى معرفته بالفلسفة والطب اتقانًا للنحو واللغة العربية وعلم الكلام وغير ذلك من أنواع المعارف؛ ودخول موفق الدين عبد اللطيف إلى مصر مرتبط بالخلاف بين ابني صلاح الدين العزيز والأفضل، ومهاجمة العزيز لدمشق وحصاره لها دون أن ينال شيئًا، وعوده عنها في الثالث من شعبان ٥٩٠/ ١١٩٤ إلى مصر، وفي صحبته موفق الدين (٦)، أي أن التيفاشي كان له من العمر حينئذ
_________________
(١) البكري: المغرب في ذكر إفريقية والمغرب (الجزائر: ١٨٥٧) ٥٣؛ والإدريسي: نزهة المشتاق - قسم إفريقية والأندلس (تحقيق دوزي ودي خويه، امستردام ١٩٦٩): ١٢٠ والحميري: الروض المعطار (تحقيق إحسان عباس، بيروت ١٩٧٥): ١٤٦؛ وانظر ضبط الصفدي لها في الوافي ٨: ٢٨٨ وابن فرحون في الديباج: ٧٥.
(٢) ورقات: ١: ٤٤٨.
(٣) الديباج: ٧٥.
(٤) بغية الطلب ٢: ١٦٠ وعند ابن فرحون: «وقدم الديار المصرية وهو صغير» .
(٥) انظر ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء (ظ. مصر ١٨٨٢) ٢: ٢٠١ - ٢١٣ في ترجمته.
(٦) انظر المصدر السابق: ٢٠٧ وقارن بالسلوك للمقريزي ١: ١١٦ - ١١٨.
[ ١ / ٦ ]
عشر سنين أو إحدى عشرة سنة، ولعل هجرته إلى مصر إذن كانت في حدود ٥٩٣/ ١١٩٧ إذ ما يزال يصح أن يقال إنه كان صبيًا حين هاجر رغم أنه كان قد شارف الرابعة عشرة من عمره.
ولا ندري كم أقام في صحبة شيوخه بمصر، ولكنا نجده ينتقل إلى دمشق ليقرأ بها على أشهر علمائها حينئذ تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي (٥٢٠ - ٦١٣/ ١١٢٦ - ١٢١٧) (١) الذي يقول فيه ابن العديم: " ورحل إليه الناس من البلاد لقراءة القرآن واللغة والنحو والحديث والأشعار " (٢)، ويقول ابن خلكان: " كان أوحد عصره في فنون الآداب وعلو السماع " (٣) . وإذا كان أحمد لم يتميز بصلة قوية تربطه بهذين الأستاذين، شأنه في ذلك شأن مئات الطلبة، الذي أفادوا من علومها، فهذا لا يعني أن موهبته في التحصيل لم تكن متميزة، ولا أن الفوائد التي حصلها منهما كانت قليلة، ولكن يبدو أن صغر السن، وقف به عند حد الأخذ والتلقي، ولم يسمح له أن يتعدى ذلك إلى شيء من صداقة أو علاقة وثيقة. ومهما يكن من شيء فإن أفراده هذين الأستاذين بالذكر، يدل على أنه ربط اسمه بشهرتهما الواسعة، منذ البداية، ليقول إنه كان له حظ الطلب على اثنين من أقدر العلماء في ذلك العصر. وقد طابت له الإقامة بدمشق وأخذ يحدث نفسه بالاستقرار فيها، ولكن حنينه إلى وطنه دفعه إلى مبارحتها (٤)، فعاد إلى قفصة، وتولى فيها القضاء بعد رجوعه هذا من المشرق (٥)، وفي هذه الفترة تزوج، ورزق ثلاثة أطفال. ولكن شعوره بالاستقرار في بلده أخذ يضطرب، رغم ذلك كله، ويرتبط ذلك بعاملين، أولهما: أن حنينه إلى دمشق استبد به " وطالبته نفسه بالمقام بدمشق " (٦)؛ ويبدو أن هذا العامل لم يكن حاسمًا إلا حين اتحد به عامل ثان، وهو فقدانه لوظيفة القضاء؛ إذ يقال إنه عزل، وإن عزله إنما كان بسبب العثور على خمر في داره (٧) - وذلك أمر غير مستبعد لمن يقرأ كتبه، ويرى ما فيها من حديث عن الخمر - فقرر مغادرة قفصة،
_________________
(١) انظر ترجمته في بغية الطلب ٨: ٩٢ ومرآة الزمان ٨: ٥٧٥ وابن خلكان ٢: ٣٣٩ وانباه الرواة ٢: ١٠ وذيل الروضتين: ٩٥ وفي حاشية الوفيات ذكر لمصادر أخرى.
(٢) بغية الطلب ٨: ٩٣.
(٣) وفيات الأعيان ٢: ٣٤٠.
(٤) بغية الطلب ٢: ١٦٠.
(٥) المصدر السابق نفسه.
(٦) المصدر السابق نفسه.
(٧) المصدر السابق.
[ ١ / ٧ ]
وفيما هو آخذ في ترتيب شؤون الرحلة رأى فيما يرى النائم كأنه جالس وبين يديه ثلاثة سرج موقودة، وإلى جانبه زوجته أم أولاده، وهي تنفخ إلى أحد السرج لتطفئه، قال: " فأدركني عليها غيظ شديد، ونهيتها عن ذلك، فألحت في النفخ عليه، فاضطربت من الغيظ وقلت لها: إن طفيتيه فأنت طالق، فقامت فنفخت في السرج الثلاثة فأطفأتها وبانت بالطلاق، ولم أكن قبل ذلك جرى على لساني للطلاق ذكر، ولا حدثت نفسي بطلاقها قط، ولا حدثت نفسها في خلاف أمر آمرها به قط، وكان لي منها ثلاث بنين؟ " (١) ويبدو أن التيفاشي لم يعر هذه الرؤيا اهتمامًا حينئذ، وأن معرفته بالتعبير كانت محدودة أو معدومة، ولكن الأحداث التالية بدأت تربط نفسها بهذه الرؤيا ربطًا وثيقًا، إذ بعد أيام قلائل من تلك الرؤيا توفيت الزوجة (فبانت بينونةً تامة)، ولم يثنه حزنه عليها عن عزمه على الهجرة، بل لعله وضعه في حال نفسية حرجة تستدعي النأي عن قفصة، " فباع أملاكه وما يثقل عليه حمله " واتخذ لنفسه مركبًا، وشحنه بما تبقى من متاعه، وحمل فيه أبناءه الثلاثة، وأقلع قاصدًا الإسكندرية (٢) . وفيما هو بحذاء ساحل برقة، هبت على المركب ريح شديدة حطمته فغرق أولاده الثلاثة ومعظم ما معه من المتاع، ونجا هو بحشاشة نفسه على لوح من خشب، واستنقذ عرب برقة بعض متاعه، وأخذوا المتاع معهم ليبيعوه في إسكندرية، فوجد الفرصة سانحة لمرافقتهم، ولكنه خاف أن هو أعلن أنه صاحب ذلك المتاع أن يقتلوه طمعًا في الاستيلاء على أمواله، فصاحبهم متنكرًا - يعني يخفي حقيقة شخصيته - وكان إذا تذكر هذه الحادثة من بعد روى أن عرب برقة سألوه: من هو ومن أين هو وما صنعته. فأخبرهم أنه قواد، فقالوا: الله الأحد - كلمة تدل على نفورهم منه ومن صنعته - وكانت أنفتهم منه سبب خلاصه منهم، حسب تقديره (٣) .
ويبدو أنه اتخذ نفورهم منه ذريعة للانفصال عنهم، بعد أن أصبحت الإسكندرية قريبة، فأغذ إليها السير وحده ووصلها قبلهم، وصنع مقامة يذكر فيها ما جرى في طريقه، وبلغ النبأ مسامع الملك الكامل أبي المعالي محمد بن الملك
_________________
(١) الفقرة: ١٢١٩ وانظر ورقات ١: ٤٤٩.
(٢) بغية الطلب ٢: ١٦٠ وقد ذكر ابن العديم أنه أيضًا حمل زوجه معه في المركب، وهذا مناقض لما قاله في «سرور النفس» من أنها ماتت قبل الرحيل، إلا أن نفترض أنه كانت له زوجة أخرى وهذا أمر غير مستبعد.
(٣) بغية الطلب ٢: ١٦٠.
[ ١ / ٨ ]
العادل، ملك الديار المصرية يومئذ، فكتب له إلى الإسكندرية بتخليص ماله فخلص له منه جملة (١) ولم تكن مبادرة الكامل محض تدخل رجل غريب منكوب، وإنما كانت تعني تقديرًا منه لعلم التيفاشي وفضله، وظرفه أيضًا، إذ لا يبعد أن تكون المقامة التي أنشأها، والنوادر التي ارتبطت بتلك الفاجعة، قد حملت إلى الكامل صورة مغربي ظريف، وكان الكامل معروفًا بمحبة أهل العلم ومجالستهم ومناظرتهم، وكان بيت عنده بالقلعة جماعة منهم، ينصب لهم أسرة ليناموا عليها بجانب سريره ليسامروه، فنفقت العلوم والآداب عنده وقصده أرباب الفضائل ونالوا منه الأرزاق الوفيرة (٢)، وكان للمغاربة من ذلك حظ غير قليل، ولهذا خف التيفاشي على نفسه - فيما أرجح - وعاش في كنفه، ونراه في القاهرة حتى سنة ٦٣٠/١٢٣٣ وهي السنة التي خرج فيها الكامل إلى فتح مدينة آمد؛ فانتهز التيفاشي الفرصة، ليستعد عهده بدمشق التي كانت قبلة خواطره منذ أن عزم على فراق الوطن، ويقول ابن العديم إن التيفاشي توجه من دمشق " إلى حلب ومنها إلى آمد فوجد الملك الكامل راجعًا إلى الديار المصرية فعاد معه إليها وسكن بها " (٣)، وهذه السرعة في ربط مفارقة مصر بالأوبة إليها ربما أشارت إلى أن التيفاشي لم يقض فترة طويلة في الشام؛ وإذا صح هذا فإنه يعني أنه اتخذ مصر دار إقامة، إلا أنه ظل كثير الارتحال إلى الشام وغيرها من الأقطار المشرقية، وعلى هذا فيجب أن نقدر أنه عاد يجدد الصلة بديار الشام والجزيرة العراقية وغيرهما بعد وفاة الكامل (٦٣٥/ ١٢٣٨؛ وهذه مسألة ليس من السهل أن نقطع فيها، أعني: هل سافر إلى الشام وتجول في الجزيرة العراقية مدة طويلة ثم عاد إلى مصر مع الكامل في إحدى عوداته من الأراضي المشرقية (قبيل ٦٣٥) أو أنه سافر سنة ٦٣٠ وعاد مع الكامل بعد إخضاع آمد في السنة نفسها واستقر بمصر، ثم عاد بعد وفاة الكامل إلى الترحال؟ أيًا كان الأمر فنحن نعلم أنه قضى فترة من التجواب، تعرف فيها إلى حلب وآمد وحرّان والموصل وجزيرة ابن عمر وغيرهما من البلدان؛ وهو يحدثنا أنه سار من جزيرة ابن عمر إلى آمد ستة أيام بلياليها، وكان الفصل شتاء، فلم يشاهد شمسًا لتكاثف السحب، ولم يشاهد أرضًا ولا جبلًا ولا واديًا ولا شجرة لأن كل شيء كان مغطى بالثلج، وكان يعبر على الأنهار وهي جامدة. وفي ذلك الشتاء
_________________
(١) بغية الطلب ٢: ١٦٠.
(٢) السلوك ١: ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٣) بغية الطلب ٢: ١٦٠.
[ ١ / ٩ ]
نزل في إحدى المدارس، فوضع يده على شباك حديد في تلك المدرسة فما نزع يده إلا وجزء من جلدة كفه قد لصق بالحديد لشدة البرد؛ أصابته وعكة وهو في حران، واحتاج إلى مزورة تعمل باسفاناخ (سبانخ) وبيض، وأخذ خادمه بيضة ليكسرها ويلقيها في المزورة (١)، فلم تنكسر، فغضب التيفاشي من الخادم وأخذ البيضة وجعل يضربها على جانب الصحفة فلم تنكسر فقوى الضرب، فكان حالها كذلك، فضرب بها الحائط، فانكسرت الطوبة والبيضة صحيحة، إلا أن شقًا خفيًا حدث في البيضة كالشعرة، فأدخل السكين فيه وعالج قلع القشرة فإذا البيضة جامدة، فألقاها في المزورة، فنضج بياضها، وظل الصفار منها جامدًا قد استلان بعض لين (٢) .
وتستحق إقامته في جزيرة ابن عمر بالقرب من الموصل، وقفة خاصة، فقد كانت تلك الجزميرة قبل الهجرة التيفاشي إلى المشرق تحت حكم شمس الدين الجزري محمد بن سعيد بتفويض من السلطان معز الدين سنجر شاه، حيث بقي يصرف الأمور تصريفًا حسنًا حتى وفاته في سنة (٦١٠/ ١٢١٣) (٣) وكان لشمس الدين ابنان كلاهما يسمى باسم محمد وهما الصاحب محيي الدين الكبير، وأبو القاسم العماد، وكان الأول منهما فاضلًا أديبًا وزر للملك المعظم عيسى واجتمع بالملك الكامل بمصر، فأمسكه مدة، وصار عنده من أكابر دولته، وقد استقل بحكم الجزيرة حتى وفاته (٦٥١/ ١٢٥٧) وكان أخوه العماد عاقلًا لبيبًا عالمًا أديبًا، وتوفي في آخر سنة ٦٥١ أيضًا (٤) .
وفي بلاط الصاحب نحيي الدين احتشد عدد كبير من العلماء والأدباء منهم (٥):
١ - شرف الدين التيفاشي، موضوع هذه الدراسة.
٢ - رشيد الدين الفرغاني.
٣ - أثير الدين الأبهري.
٤ - صدر الدين الخاصي.
_________________
(١) المزورة: حساء يصنع للمريض، ولكن دون لحم.
(٢) الفقرة: ٧٠٦ من سرور النفس.
(٣) الوافي للصفدي ٣: ١٠٥.
(٤) البدر المسافر، الورقة: ١٠٤ - ١٠٥.
(٥) الوافي للصدفي ١: ١٧٢.
[ ١ / ١٠ ]
٥ - ضياء الدين أبو طالب السنجاري.
٦ - شهاب الدين أبو شامة.
٧ - نور الدين ابن سعيد الأندلسي.
٨ - نجم الدين القمراوي.
وقد تبارى هؤلاء العلماء في التأليف لخزانته، كما نباري الشعراء في مدحه (١)، فألف له ابن سعيد كتاب " المغرب في محاسن أهل المغرب " و" كتاب المشرق في أخبار المشرق " (٢)، وألف له ابن أبي الإصبع كتابًا جمع فيه أمثال القرآن العزيز وكتب الحديث المشهورة، وغير ذلك من عيون الأمثال نظمًا ونثرًا (٣)؛ والأرجح أن التيفاشي وضع خطة لتأليف موسوعة كبيرة، أثناء إقامته عند الصاحب محيي الدين، معتمدًا على ما كان لدى الصاحب من كتب، ويؤكد ابن سعيد هذا بقوله في كتابه " المشرق ": " هو - أي التيفاشي - مقر بأنه استعان في هذا الكتاب بالخزائن الصاحبية " (٤)، وتلك الموسوعة هي " فصل الخطاب " الذي سيكون موضوع بحث مستقل في ما يلي.
وثمة ما يوحي بالتردد في القطع حول مكان اللقاء بينه وبين الصاحب محيي الدين. فالصفدي يتحدث عن محيي الدين حاكمًا لجزيرة ابن عمر من ٦١٠ - ٦٥١ (٥) كما تقدم القول، ويزيد قائلًا إن التيفاشي عند وروده من المغرب وما اتفق عليه في البحر من سلب ماله وكتبه أتى إلى الصاحب فآواه وأقام عنده (٦)؛ والادفوي في البدر السافر يقول إن الكامل أحب محيي الدين وأعجب به وأمسكه عنده (أي بمصر) وصار من أكابر دولته (٧)، وهذا يعني أن ابن ندى حين قدم التيفاشي إلى القاهرة كان بها، فلعله آواه في القاهرة، فلما توفي الكامل وعاد الصاحب إلى جزيرة ابن عمر صحبه التيفاشي.
_________________
(١) في الشعراء الذين التفوا حول الصاحب محيي الدين انظر الوافي ١ ١٧٣.
(٢) الوافي ١: ١٧٢ والأبحاث (٢١/ ١٩٦٨): ٩٤.
(٣) النجوم الزاهرة في حلى حضرة القاهرة: ٣١٨.
(٤) الوافي ٨: ٢٨٨.
(٥) الوافي ١: ١٧٢.
(٦) الوافي ٨: ٢٨٨.
(٧) البدر المسافر، الورقة: ١٠٤.
[ ١ / ١١ ]
وإذا اضطرب علينا مكان اللقاء بين الرجلين: التيفاشي وابن ندى، فإن اللقاء نفسه كان حقيقة واقعة، وثمراته كانت كذلك. ففي ظل بني ندى وجد التيفاشي رعاية وطمأنينة، والتقى بعلماء أفاد منهم كثيرًا، واطلع بيسر على كتب هامة أثرت في تفكيره، وبخاصة مؤلفات الموفق التلعفري (٦٠٢/ ١٢٠٦)، فقد قال ابن سعيد: " وكان أبو الفضل التيفاشي يذكر لي هذا الرجل، ويزعم أنه استفاد من تصانيفه في ضروب الفلسفة، ويمتعني بما وقع له من أخباره وأشعاره أيام صحبته رؤساء بني ندى أعيان الجزيرة العمرية " (١) .
وحين كان التيفاشي يتعب من التجول، كان يفيء إلى القاهرة، فقد أحس أنها أرحب البلدان صدرًا، حتى لقد أنسته ما كان لديه من إعجاب بدمشق، إذ وجدها مركزًا ثقافيًا واقتصاديًا يلتقي فيه المشرق والمغرب، ويجمع صنوف الثقافات والتجارات، ويمكن التيفاشي من أن يظل على صلة بالمغاربة الكثيرين الذين كانوا يؤمون مصر للاستيطان، أو ينزلون فيها في طريقهم إلى الحج، وكانت الصلة بالحياة التجارية هامة لديه مصل الصلة بالحياة الثقافية؛ إذ هما لديه مترافدتان متعاونتان، وأسواق القاهرة تمكنه من الاطلاع على نماذج السلع التي تهمه، ومن لقاء تجار دخلوا الهند وسرنديب وأقاصي الشرق، فهو يتسقط منهم المعرفة في صورة خبر؛ " اخبرني بعض من دخل الهند من الجوهريين؟ أخبرني رجل من أهل غزنة.. حدثني رجل من أهل عدن؟ أخبرني من دخل سرنديب من التجار؟ أخبرني الشريف الجوهري الذي كان بمدينة القاهرة، وهو المعروف بالخبرة والذكاء في هذا الفن وذلك أنه دخل الهند؟ وأخبرني القاضي الحسيب معين الدين بن ميسر أمين السلطان على معدن الزمرد بالديار المصرية؟ وأخبرني من لا أشك في صدق قوله وثقة نقله، الأمير الأجل الكبير العالم الفاضل سيف الدين قلج (٢)؟ هكذا هو دائمًا يلقى الناس ويدوّن عنهم الفوائد، من طبقة التجار الوافدين ومن كبار موظفي الدولة، ويتجول ويغشى الأسواق ويتفحص ويكتسب خبرة واطلاعًا فهو يقول: " ورأيت بسوق القاهرة المعزية حجارة منه (أي البازهر) كثيرة مغشوشة مصنوعة تباع على أنها بازهر حيواني بسوم دينار المثقال " (٣) . ويقول أيضًا: " وقد حضرت في دكان جوهري خبير بالأحجار من أهل الأندلس بثغر
_________________
(١) الغصون اليانعة (تحقيق إبراهيم الابياري، القاهرة ١٩٤٥): ٥٩ وانظر مجلة الأبحاث: ٩٤.
(٢) أزهار الأفكار: ١١٥، ٦٤، ٧٣، ٨٨، ١٢٠.
(٣) المصدر السابق: ١٤٠.
[ ١ / ١٢ ]
الإسكندرية، ودخل السوق تاجر أعجمي، فأخرج ثمانية عشر حجرًا على أنها بازهر حيواني، ودفعها لدلال، فأوقف عليها أمين السوق، فلم ينكر منها شيئًا، ونادى عليها جملة على أنها بازهر حيواني، فلما وصلت إلينا ورآها الجوهري الذي كنت في دكانه أخرج منها حجرين فأرانيهما وأخبرني أنه ليس في الجميع بازهر خالص غيرهما، وأن الباقي معمول مدّلس، واستدل على صحة قوله بأمرات أبرزها في المعمول وغير المعمول، تظهر للذكر النظر الجيد الفطنة " (١) .
أما في حال الثقافة فقد تعرف إلى كثيرين من أهلها ومن الوافدين، وكان يلتقي المعاربة منهم في مجلس الرئيس جمال الدين موسى بن يغمور (٦٦٣/ ١٢٦٥) الذي شغل مناصب متعددة في الدولة، وكان لعطفه على القادمين من المغرب يسمى " كهف المغاربة "، ومن هؤلاء الطبيب أبو الحجاج يوسف بن عتبة الإشبيلي (٦٣٦/ ١٢٣٩) الذي جعله ابن يغمور مشاركًا مع أطباء البيمارستان (٢) واصبح صاحبًا ملازمًا للتيفاشي. وعلى مائدة ذلك الرئيس نفسه التقى أبا المحامد القرطبي (٦٤٣/ ١٢٤٥) الذي كان مولعًا بالذم (٣) . وتوكدت أواصر العلاقة بين وبين ابن سعيد الأندلسي، وكنا يصطحبان في جولاتهما للقاء الأدباء، ويتناشدان الأشعار، ويدونان الأخبار وقد أهداه ابن سعيد كتاب المغرب ثم أجازه رواية الكتاب نفسه. وجاء في تلك الإجازة: " أجزت الشيخ القاضي الأجل أبا الفضل أحمد بن الشيخ أبي يعقوب التيفاشي أن يروي عني مصنفي هذا، وهو المغرب في محاسن المغرب، ويرويه من شاء، ثقة بفهمه واستنامة إلى علمه " (٤) .
وقد سجل التيفاشي قصة الإهداء والإجازة في قطعتين من شعره، فقال إحداهما:
سعد الغرب وازدهى الشرق عجبًا وابتهاجًا بمغرب ابن سعيد
طلعت شمسه من الغرب تجلى فأقامت قيامة التقييد وقال في الثانية:
يا طيب الأصل والفرع الزكي كما يبدو جنى ثمر من أطيب الشجر
_________________
(١) أزهار الأفكار: ١٣٩.
(٢) اختصار القدح المعلى: ١٦٣ - ١٦٤.
(٣) المصدر السابق: ٢١٢.
(٤) نفح الطيب ٢/ ٣٣٢.
[ ١ / ١٣ ]
ومن خلائقه مثل النسيم إذا يبدو إلى بصري أبهى من القمر
أثقلت ظهري ببر لا أقوم به لو كنت أتلوه قرآنًا مع السور
أهديت لي الغرب مجموعًا بعالمه في قاب قوسين بين السمع والبصر (١) وفي مجلس ابن يغمور تعرف إلى كثير من الشعراء ومنهم سيف الدين المشد قريب ابن يغمور، كما كان كثير التردد على منزل جلال الدين المكرم - الذي سيأتي التعريف به. وفي القاهرة تعرف إلى ابن العديم حين حلها رسولًا، وأوقفه على شيء من تصانيفه، وأهدى إليه كتابًا من كتبه بخطه، وأنشده مقاطيع من شعره (٢) .
وقد أصيب بالصمم في السنوات الأخيرة من عمره (٣)، فأصبح عرضة لسوء الظن في بعض ما يقال، وقد اتفق أن اجتمع يومًا بسيف الدين المشد، فتوهم أنه سمع منه كلامًا لا يليق به، فعاتبه، فقال المشد قصيدة يعرض فيها بعض مصنفاته، وأنه ينشئها " اختلاسًا من كاتب وكتاب " (٤) . وكذلك أصيب بعد ذلك بنزول الماء في عينيه حتى عمي، فقدحهما وأبصر واستأنف الكتابة، وعوفي، ثم شرب مسهلًا، وأعقبه بشرب آخر، فأدركه حمامه على أثر ذلك في الثالث عشر من المحرم سنة ٦٥١/ ١٦ مارس ١٢٥٣ بالقاهرة (٥)، ودفن في مقبرة باب النصر.