ويتلخص عمل ابن منظور في الجزءين الباقيين بالخطوات الآتية:
١ - حذف من الكتاب ما عده تكرارًا، ونفي منه ما يندرج تحت عنوان ما " تمجه الأسماع " - وأغلب الظن أنه يعني شعرًا أو خبرًا فيه إحماض، فقد كان ابن منظور متحرجًا في هذه الناحية، بينما التيفاشي بعيد عن ذلك؛ ولهذا يمكن أن يقال أن ابن منظور بنى عمله على الاختيار.
٢ - ضم الشيء إلى نظيره، فأعاد ترتيب الأبواب، وقلل من عددها، ونقل مادة من موضع إلى آخر، فهو يعترف بأن " نثار الأزهار " كان بحسب تقسيم المؤلف في أبواب عدة، فرده هو إلى عشرة أبواب، وأن طل الأسحار كان في أبواب كثيرة، فجمع ما فيها في عشرة أبواب أيضًا، وكان القول في الربيع مقالة قائمة برأسها في الجزء السابع من الأقسام الكلية (١)، فجعله ابن منظور فصلًا صغيرًا نسبيًا في الباب الأول من الجزء الثاني.
٣ - سمح لنفسه مرة واحدة بإضافة شعر لم يكن في أصل الكتاب (٢)، دون أن يخفي هذه الحقيقة، ولكني لا أظنه تورط في هذا الأمر في مواضع أخرى.
٤ - أدركه التحرج إزاء بعض الغلو في بعض الأشعار، فغير الرواية، ولكنه لم يخف ذلك أيضًا، بل وضح ما أقدم عليه، فمن ذلك قول الخوارزمي:
ناقضت ما قال المؤذ ن بالفعال وبالكلام
هو قال حي على الصلاة وقلت حي على المدام فغير البيت الأول وجعله:
قال المؤذن ما أراد وقل ت من حسن الكلام (٣)
_________________
(١) هذا يعني أن القول في الربيع كان يمثل جزءًا من ٢٤ (أو من ٤٠)، وأن تقسيمات المؤلف كانت تخضع أحيانًا لاتساع الموضوع. وانظر الفقرة ٥٩٩ رقم: ١.
(٢) انظر الفقرة: ٣٢٣.
(٣) انظر الفقرة: ٣٦٩.
[ ١ / ٣٠ ]
وما أظنه أقدم على ذلك إلا في موضعين - هذا أحدهما - ومن عجيب شأن ابن منظور أن تستوقفه هذه المبالغات الشعرية فيقدم على التغيير، ولا تستفزه تخرصات المنجمين وأدعيتهم، فيبقيها على حالها.
ولكن ما فعله ابن منظور لم ينقذ الكتاب من التكرار بوجه كلي، ولا جعله حسن التبويب، فضم الحديث عن الاغتباق ومدحه وذم الاصطباح مع وصف الليل (الباب الثاني من الجزء الأول) ثم تخصيص باب لمدح الاصطباح وذك وشرب الليل بعده لا يدل على منطق في التقسيم بل الأولى أن يخصص للاصطباح والاغتباق في حالي المدح والذم باب مستقل؛ ومن تصفح فهرس المحتويات أمكنه أن يرى الاضطراب واضحًا في بعض الفصول (١)، حتى ليمكن أن يقال أن ابن منظور أحسن حقًا باستنقاذ الكتاب، إذ كان من أقدر على قراءة خط التيفاشي، ولكنه لم يعفه من التحكم المخل، والتعسف الضار.