قال العتبي رؤي مروان بن أبي حفصة واقفًا بباب الحسن، كئيبًا أسفًا ينكث بسوطه على معرفة دابته فقيل له يا أبا السمط ما الذي نراه بك؟ قال أخبركم بالعجب، مدحت أمير المؤمنين فوصفت له ناقتي من خطامها إلى خفيها.
ووصفت الفيافي من اليمامة إلى بابه أرضًا أرضًا، ورملةً رملة، حتى إذا أشفيت منه على غنى الدهر جاء من بياعة الفخاخير يعنى أبا العتاهية، فأنشده بيتين فصحصح بهما شعري وسواه في الجائرة بي فقيل له، وما البيان فأنشده: [الكامل]
إن المطايا تشتكيك لأنها قطعت إليكَ سبابًا ورمالَ
فإذا رحلنَ بها رحلنَ مخفَّةً وإذا بنا رجعنَ ثقالًا
يقال لا تنجع الحكم في الطباع القاسية، كما لولا يزكو الزرع ي البقاع الجاسية، قدم أبو الجهل بي أبي حذيفة على معاوية ومعه ابن له فصيح، فلما جلس واستقر، قال له معاوية: سل حاجتك، قال: كذا وكذا، وأطال معاوية يسمعه لكل ما يسأل فأكثر، وألح، فقال له ابنه: يا أبت عن أمير المؤمنين، ولا تملله، فقال يا بني ما وراءه مطلب، ولا عذر مذهب، ولا على كرمه لمحتد مطعن، وما مثلنا إلا، كما قال عبد المسيح الهذلي: [الوافر]
نقلبهُ لنخبرَ حالتيهِ فنخبرُ منهما كرمًا ولينًا
نميلُ على جوانبهِ كأنا نميلُ إذا تميلُ على أبينا
كانت أم الفضل بنت الحارث الهلالية ترقص عبد الله بن العباس، وتقول:
ثَكلتُ نفسي وثكلتُ بكري إن لم يسدْ فهرًا وغيرَ فهرِ
أبو النواس قال: دخلت على الأمير فقلت: يا أمير المؤمنين قد قلت فيك أبياتًا، آليت أن لا آخذ لكل بيت إلا عشرة آلاف درهم، فقال: هات فأنشده: [مجزوء الكامل]
قدْ قُلتَ، والغيمُ دانٍ يكادُ يدفعُ باليد
يا غيمُ أرعدْ وأبرقْ محمدٌ منكَ أجودِ
على الأمينِ تمنتْ بالله رب محمدِ
أنْ لا يقولُ لراجٍ أتاهُ لا عنْ تعمدِ
فأعطاه أربعين ألفًا، يقال نعم الناصر الجواب الحاضر. ذكر الأصمعي، قال كنت مع الرشيد بالرقة، فبعث إلي وقت الصلاة العصر أجب أمير المؤمنين، فقمت مبادرًا، فأدخلت عليه، وهو جالس على كرسي من الخيزران.
وإلى جانبه صبية خمسية، فيلت، فلم يرد السلام، وإذا هو يخط على الأرض، ويكتب بإصبعه، ثم رفع رأسه إلي وقال: يا أصيمع فقلت لبيك يا أمير المؤمنين قال: ألا ترى إلى الدعي ابن الدعي اليهودي بن اليهودي، عبد بني حنيفة ودعي بني أمية مروان بن أبي حفصة، يقول: لمعن بن زائدة وإنما هو عبد بن عبيدي: [الوافر]
أقمنَا باليمامةِ إذ يئسنَا مقامًا لا نريدُ به ارتجالًا
وقلنا أينَ نرجلُ بعد معنٍ وقد ذهبَ النوال لا نوالًا
وكان الناس كلهمُ لمعنٍ إلى أن زار حفرتهُ عيالًا
فجعلني، وولدي وحشمي عيالًا لمعن، وإذا كان قد ذهب النوال، فلا نوال فيما يصنع ابن الزانية ببابي؟ فقلت ببابك يا أمير المؤمنين، وأنت أولى به، فقال، يحضر الساعة فأحضروه من ساعته إليه فقال: السياط، فأحضرت، فقال صبوها عليه الدعي الفاجر، فجعلت تأخذه من هاهنا وهاهنا وهو يصيح، يا أمير المؤمنين ارع حرمتي بك وبأبيك، ومدائحي فيه وفيك، وهو يقول: أوجع ابن الزانية، حتى ضرب ثلاثمائة سواط، وهو يقول: اسمع بحق جدك وابن عمك ما قلته فيك، فقال هات ما قلته فأنشده:
طرقتكَ زائرةً فحيّ منالها
حتى أتى على آخرها، فضحك، ثم قال يعطى سبعين ألف درهم فقبضتها وانصرفت محمولًا، ثم قال يا أصيمع أتدري من هذه الجويرية؟ قلت لا، والله يا أمير المؤمنين قال: هذه نواسة بنت أمير المؤمنين قم فقبل رأسها، فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون، أفلت من واحدة، وأقع في أخرى، أغلظ منها أقبل رأسها فتداخله غيرة هاشمية فيقتلني فتغافلت فأخذ الحزن، ليحذفني به، فقمت فوضعت كمي على رأسها، ووضعت كفي على كمي، ثم قلت كفي، فقال، والله لو أخطأت لضربت عنقك.
فقلت يا أمير المؤمنين، فما جزاء من يرافق محبتك؟ فضحك، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، ثم أخذ يعد حديثه عودًا من الأرض، فقال مثل من حظ خير من جبل عظيم من العقل بلاحظ.
[ ٢٦ ]
قال: دخل البلاذري على أبي عيسى بن المتوكل، فسأله حاجة تعذرت عليه، فرأى البلاذري لأبي عيسى، وهو يتغمز من يعذر حاجته، والخمر في وجهه، ويصفر من الغم لذلك، فقال أبها الأمير حسبك، فقد، والله بان في وجهك الاغتمام يتعذر حاجتي، وذكرته، قول الشاعر:
يكادُ يخرجُ في ديباجِ أوجههم خوفُ الملامةِ حتى يقطرنِ دمًا
قال تميم بن نصر بن سيار لأعرابي: هل أصابتك تخمة قط؟ قال أما من طعامك فلا. وقال أحمد بن المعذل [البسيط]
وأنتم أهل بين الفضل نائلكم ستر علينا من المعروف ممدود
نرجو لباقيةِ الأيامِ باقيكم ومنْ مضى فهو موجود ومحمودُ
في ضده لبعض الشعراء.
يتباهونَ وخبزهم عددٌ وإدامهم ملحٌ إذا احتسدوا
وإذا ادعوا الخلافَ مكرمةٌ قاموا وإن يدعوا لها قعدوا
سأل أبو النواس أبي الشمقمق عن حاله فأنشده: [الخفيف]
كنتُ فيما مضى فتى أمدحُ الناس وأهجوُ وذاكَ ذلٌ ذليلْ
فأنا اليومُ ليسَ قولي إلا حسبنا الله وهو نعمَ الوكيلْ
قال له أبو النواس: يا ابن الزانية، قل لهذا يطعمك الخبز فبلغت الرشيد، فقال ليعلمن الزنديق أذاك سينفعه، فيعث إلة أبي الشمقمق بعشرة آلاف درهم، وأمر أن يجري عليه في كل شهر ألف درهم.
قال زيد بن الحباب ما رأيت سفيان الثوري (﵁) رضي عن السلطان إلا مرة واحدة، وذلك أنه خرج إلينا من منزله فقال: يا أيها الناس اعذروا السلطان، فإني ذبحت شاة. فما استطعت أن اعدل في تفرقتها بين قومي وجيراني.
نظر أعرابي إلى رجل يكتب دفترًا بخط دقيق، فقال إنك لعلي ثقة من الدهر. قال أمير المؤمنين على بن أبي طال كرم الله وجهه. من أحب أن ينظر إلى أحسن منظر فليأت منزل عمي العباس، يجد عبد الله أعلم الناس، وعبيد الله أسخى الناس، والفضل أفضل الناس.
وقع المأمون إلى أحمد بن هشام على رقعة رجل تظلم منه، أكفني أمر هذا وإلا كفيته أمرك. وقع السفاح إلى صاحب أرمينية، وقد بلغه شغبهم عليه، ونهبهم للمال الذي قبله اعتزل، عافاك الله عملنا لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا، لبعض الأعراب: [الطويل]
إذا لم تكن جلدًا على بدعِ الهوى غروفًا إذا شيء أمرتْ مرائرهُ
فمتْ واسترخْ فالموت من ذاك راحةٌ وتقطيع أسباب الذي أنت ذاكرهُ
دخل وفد من المسلمين على ملك الروم، وكانوا ثلاثة أحدهم مختضب بالوسمة عشرة آلاف دينار، والأبيض خمسة آلاف.
ولم يعط المختضب بالحناء، فقال له: ولم أعطيتهم ومنعتني؟ قال: لأن صاحب الوسمة ابتلى بالبياض فصبغه صبغًا رده إلى شبابه، والمحبوب المطلوب، وألطف الحيلة، وأما صاحب البياض لما ابتلي صبر، ولم يغير، فلم يحسن، ولم يسيء.
وأنا أنت فابتليت، فلا صبرت، ولا أحسنت، فما دبرت وهذا يدل على فساد رأي، وخلل في الطبيعة، ومن هذا عقله لا تصلح معه الصنيعة، ولما دخل الشعبي على ملك كابل، رآه مختضبًا بالحناء، فقال الملك لترجمانه، قل له: ما هذا الخضاب، وما دعاك إليه؟ فقال سنة سلفنا، فقال الملك ما أدري ما سنتكم، إلا أنه قد كان ينبغي لو خلفتم على هذه الخلقة أن تغيروها لبعضهم: [الكامل]
ودعُ المشيبِ شراستي وغرامي ورمى جفونِ العينِ بالشجام
ولقد حرصتُ بأن أورايَ شخصه عن مقلتي فرميتُ فير مرامي
فصبغتُ ما صبغ الزمانُ فلم يدمْ صبغي ودامتْ صبغةُ الأيام
لبعضهم: [الوافر]
إذا لبسوا عمائمهم ثنوها على كرمِ، وإن سفروا أناروا
يبيعُ وبشرى لهمُ سواهمُ ولكنْ بالطعانِ همُ نحارُ
إذا ما كنتَ جارَ بني عقيلٍ فأنت لأكرمُ الثقلينِ جارُ
في بعض من قلد أمانته على العمال: [الكامل]
إن الألى ولكَ حفظَ أمانةِ ما صادفوا بكَ حافظًا مأمونا
بكت الضياعُ من الضباعِ بأعينٍ أبكينَ من أنسأتهنَّ عيونا
ذكروا أنه لما أتي عبد الملك بن صالح وفد الروم، أقام على رأسه رجالًا لهم قصر وهام ومناكب، وأجسام وشعور، فينا هم يكلمونه، والبطريق جالس عنده، ووجه رجل من الذين اختارهم للمباهاة في قفا البطريق.
[ ٢٧ ]
إذ عطس عطسة ضئيلة، فلحظه عبد الملك بن صالح لحظة منكرة لم يدر العاطس ما سببها، فلما انصرف الوفد: قال له: الرجل رأيت عينيك تلحظاني لحظًا منكرًا، فما سببه؟، فقال له: فهلا إذا كان منخراك ضيقين وخيشومك في كرارتها خيشوم الأرنب، اتبعت عطستك اتبعت عطستك بصيحة تخلع به قلب العلج، ثم أنشد، قول العتابي في الرشيد: [المتقارب]
جهيرُ العطاس شديدُ النياط جهير الرواء جهيرُ البعسمِ
ويخطو على الأينِ خطو الظليمِ ونمى السماط بجسم عميمِ
وأنشد أبو عمرو بن العلاء لرجل من الخوارج، في وصف شبيب بن يزيد الخارجي، المعروف بابن الديلمية، وكان شبيب يصيح في الخيل إذا أتته، فلا يلوي أحد إلى أحد: [البسيط]
إن صاح يومًا حسبت الصخر منحدرًا والريح عاصفة والبحر ملتطمًا
شكا بعض الناس إلى صديق له رجلًا ما يلقاه من شره، فقال له: اصبر عليه واحتمله، وأنشد: [الطويل]
فلو كان منهُ الخير أو كان شرهُ عتيدًا جعلتُ الخيرَ منهُ مع الشر
ولكنهُ شر ولا خير عندهُ وليس على شرٍّ إذا دام من صبرِ
مر رجل ببعض الولاة، وهو يعذب قومًا في الخراج، ويصل قومًا بدراهم، فقال له: إن كنت تصل من ترحم فارحم من تعذب، قال رجل لعمر بن [٥٥] الخطاب (﵁) يا أمير المؤمنين: أعطي الشعراء، فقال خير المال ما وقى العرض. قيل إنه أبطأ ابن عبدل الأسدي أيامًا عن عبد الملك بن بشر بن مروان، وهو والي العراق.
فقال يا ابن عبد الله لم أرك منذ أيام، فقال أصلح الله أمير، كنت خطبت امرأة من أهلي فحلفت لا تتزوج بي، حتى أخرج حقها، وأقضي دينها، وأقتصي مالها، فخرجت إلى البادية فمدحت هذا، وهجوت هذا، وحمدت هذا، وذممت ذا، فلما فرغت أتيتها تنجز الوعد فملت لي رفعة فيها مكتوب أما والله لو كرهت يميني شمالي، ما وصلت بها شمالي. [الوافر] .
سيعيبكُ الذي حاولتَ مني إذا انتقصتْ عليكَ فقوي خبالي
كما أعياكَ معروفُ بن يشرٍ وكنتَ تعدهُ رأس مالي
فقال له عبد الملك: قاتلك الله ما أحسن ما ألطفت المسألة، وأمر له بمال وصرفه.
لما التاث عبد الله بن علي عم المنصور عليه، كتب إله: [الطويل]
وخدراء لوْ أطلقتها من عقالها تضايقَ عنها الأفق، والأفق واسعُ
فأين عليٌ ما بيننا من قرابة وراجعٌ فخيرُ المذنبينَ المراجع
فإنكَ إن وليتَ ذمةً بيننا خلافًا تولتكَ السيوف القواطع
قيل لعيسى ﵇، لو تزوجت يا روح الله، فيكون لك ولد، فقال الولد إن عاش كدني، وإن مات هدني، قال أمير المؤمنين على ﵇، لا تطيعوا النساء على حال، ولا تأمنوهن على مال، ولا تذروهن إلا لتدبير العيال، إن تركن، وما يردن أو ردن المهالك، وأذكن الممالك، لا دين لهن عند لذتهن، ولا ورع لهن عند شهوتهن، ينسين الخير، ويحفظن الشر، يتهاوين بالبهتان، ويتمادين في الطغيان، ويتصدين للشيطان.
بعض الحكماء قال: ما أطاع عرسه لم يرفع نفسه. وقال آخر اعص هواك، والنساء، واعمل ما شئت، وقال آخر: النساء شر كلهن، ومن شرورهن قلة الاستغناء عنهن، وقال أرسطاطاليس: القينة ينبوع الأحزان. نظمه أبو الفتح البستي: [المتقارب]
يقولون مالكَ لا تقتني من الذخرْ مالًا يفيدُ الغنى
فقلت وأفحمتهم في الجواب لئلاَّ أخافَ ولا أحزنا
يقال إن جمال الرجل في طي لسانه لا في طيلسانه. وقال ﵇: ما أكل من قدر على المعروف، وكانت له فيه نية، إذن له فين فإذا اجتمعت النية، والقدرة فهناك تمت السعادة، وله ﵇: من عاش أبصر في الأعداء بغيته، وإن يمت فله الأيام تنتصر.
قال بعض الحكماء: لو صور العقل لأظلم معه الشمس، ولو صور الحق لأمنا معه الليل، قيل لريض: ما تشتهي؟ أشتهي أن أشتهي.
مر بعض ملوك الفرس على شيخ كبير يغرس شجرة جوز، فقال له: يا هذا أتطمع أن تعيش لتأكل منها، فقال: لا، ولكن الدنيا سلمت إلينا عامرة. فندفعها إليهم عامرة. فقال الملك هذا حكيم أعطوه أربعة آلاف درهم، فقال الشيخ ما أسرع ما أدركت خير هذه الجوزة، فقال الملك أعطوه أربعة آلاف درهم أخرى، وأمسكوا لسانه، لئلا يتكلم بما يستحق به العطاء.
[ ٢٨ ]
قيل لسعيد بن المسيب: مات إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال: كيف مات؟ قيل سقط قصره، فقال هيهات لا يموت مثله هكذا، فلما أخرج من الهدم وجدوه حيًا ما برجله كسر، فقيل لسعيد كيف قلت ما قلت؟ فقال: لأنه واصل للرحم، وواصل الرحم يوقى سيئه السوء.
يقال: إن القرابة تحتاج إلى المودة، والموجة لا تحتاج إلى القرابة، والود أعطف من الرحم. ذكر بعض الحكماء: أن غسل الوجه بالماء البارد عقب الخروج من الحمام يبقي طراوته مع كبر السن، أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عيه السلام:_تدري لم اتخذتك خليلًا) . قال الحسن البصري: ما لا، (لأني رأيتك تحب أن تعطي، ولا تحب أن تأخذ وهذه صفتي، فاتخذتك خليلًا) . قال الحسن البصري: ما أنصفك من كلفك لحلاله ومنعك ماله؟ [الطويل]
إذا لم تكنْ نفسُ الشريفِ شريفةٌ وإنْ كانَ ذا قدرِ فليس له شرفُ
قال أكثم بن صيفي: السخاء حسن الفظنة، واللؤم سوء التغافل، ومن [٧٥] حسن الفطنة تبليغ التعريض. مت حكى عن بعض الأمراء أن رجلًا سايره، فقال له: ما أهزل برذونك، فقال له: أيها الأمير يده مع أيدينا فوصله بصلة سنية، اكتفى بهذه الإشارة، ومن ذلك ما حكى عبيد الله بن سليمان أنه لما تقلد الوزارة للمعتضد، كتب إليه عبد الله بت عبد الله بن طاهر. [الطويل]
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا وأسعفنا، فمن نحبُ ونكرمُ
فقلتُ لهُ نعماكَ فيهم أتمها ودع أمرنا إن المهمَّ المقدمُ
فقال الوزير: ما أحسن ما شكا حاله من إضعاف مدحه، وقضى حاجته. قال بعض الحكماء: الضرورة توقح الضرورة يعني العاجز، وفي معناه: [الطويل]
ألا قبح الله الضرورةَ إنها تكلفُ أعلا الخلقَ أدنى الخلائقِ
وللهِ درُّ الاختيارِ فإنهُ يبينُ حدَّ السبقِ منْ غير سابقِ
قال الفضل بن سعيد لرجل سأله حاجة: أعدك اليوم، وأحبوك غدًا بالإنجاز، فتذوق حلاوة الأمل، وأتزين بثوب الوفاء. وروى النبي (ﷺ) أنه قال "لكل شيء ثمرة، وثمرة المعروف تعجيل السراح".
وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ فقال: أن تقدر على المعروف، فلا تصطنعه، حتى لا يفوت. وقال أبو عبد الحميد: من أضاع الفرصة وعن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. روي عن النبي (ﷺ) أنه ذكر عنده رجل فذكر فيه خير، وقالوا: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم: خرج معنا حاجًا فإذا نزلنا منزلًا لم يزل يصلي، حتى نرحل، فإذا ارتحلنا لم يزل يذكر الله سبحانه، حتى ننزل، قال: "فمن كان يكفيه علف ناقته وصنيع طعامه" قالوا: كلنا قال: "فكلكم خير منه".
كتب بعض ذوي الحاجات إلى عامل بلد في رعاية حرمته: [الكامل]
أعلى الصراطِ تريدُ تظهرُ حرمتي أن في الحسابِ تمنُّ بالأنعامِ
للنفعِ في الدنيا أريدك فانتبهْ الحيَّ أنجى من رقدة النوامِ
وكتب أبو علي البصير إلى بعض الوزراء، وقد اعتذر إليه بكثرة الأشغال:
لنَا كلُّ توبةٌ قدْ نتوبها وليسَ لنا رزقٌ، ولا عندنا شغلُ
فلا تعتذرْ بالشغلِ عنا فإنما تناطُ بكَ الآمالُ ما اتصلَ الشغلُ
قال بعض البلغاء المقادير الغالية لا تنال بالمغالبة، والأرزاق، لا تنال بالشدة، والمكالبة، فذلك للمقادير نفسك، واعلم بأنك غير نائل بالحرص إلا حظك، وقد قيل رب حظ أدركه غير طالبه، ودر أحرزه غير جالبه ودر حصله غير طالبه، لبعض الأدباء، وهو محمد بن حازم: [مجزوء الكامل]
يا أسيرَ الطمعِ الكا ذب في أسْر الهوانِ
إن عزَّ الناس خيرٌ لك منْ ذلك الأماني
سامح الدهرَ إذا أعزَّ وخذْ صفوَ الزمانِ
ربما أعدمَ ذو الحرْ صِ وأثرى ذو الثواني
قال بعض الحكماء: في تقلب الأحوال نتعرف جواهر الرجال، الكره يسهل بالمرون، قال في تأويل قوله تعالى: حياة طيبة، قال القناعة. وقال أكثم بن صيفي من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة وقال بعض الشعراء: [الطويل]
إذا كنتَ ذا مالٍ ولم تكُ ذا ندىً فأنت إذن والمقترونَ سواءٌ
على أنَّ في الأموال يومًا تباعة على أهلها والمقترونَ براءُ
(وقال آخر): [الطويل]
إذا أسود وجه المرء وأبيض شعرهُ تنغصَّ من أيامه مستطابها
[ ٢٩ ]
وغرهُ عُمر المرءِ قبل مشيبه وقد فنيتْ نفسٌ تولى شبابها
فدعْ عنكَ فضلاتِ الأمور فإنه حرامٌ على نفس الكريم ارتكابها
ومنْ يدقِ الدنيا فأنى طعمتها وسيق إلى عذبها وعذابها
وما هي إلا جيفةٌ مستحيلة عليها كلابٌ همهنَّ اجتذابها
قال بعض الحكماء إن من قنع كان غنيًا، وإن كان مقترًا، ومن لم يقنع كان فقيرًا، وإن كان مكثرًا، وقال بعض السلف من البلغاء، إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، وإذا طلبت العز، فاطليه بالطاعة، فمن أطاع الله (عز جلاله) نصره، ومن لزم القناعة زال فقره. قيل لبعضهم: صف لنا حال الأخ الصالح، فقال: يلقاني بوجه لا غني به عني، وأما إليه محتاج، وإن أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن أسأت أحسن وكأنه المسيء له بشر مقبول، ونائل مبذزل، وعفاف معروف وأذى مكفوف لبعضهم: [الطويل]
خبتْ نارُ نفسي إذا أضاءتْ مفارقي وبان شبابي حين لاحَ شبابها
فيا بومةً قد عششتِ فوق هامتي على الرغم منَّي حين طارَ غرابُها
عرفتِ طرَابَ العُمرِ منَي فررتني ومأواكِ منْ كلّ الديارِ خرابها
قال عمر لابن عباس (﵁): من ترى أوليه مص؟ قال: رجلًا صحيحًا منك صحيحًا لك، قال: فكن أنت ذلك الرجل، قال لا ينتفع بي مع سوء ظنك بي، ولا أنتفع بك مع ظني بك. قال بعض الحكماء من يرى من ثلاث نال ثلاثًا من يرى: [الطويل]
فطوبا لنفس لا رمتَ بابَ دارها مغلقةَ الأبوابِ مرخىً حجابها
وأدي زكاةَ الجاهِ واعلمْ بأنه كمثلِ زكاة المالٍ ثم نصابها
وأحسن إلى الأحرار تلمكَ رقابهم فخيرُ الخيارات الكرامُ اكتسابها
وما تخربُ الدنيا بموتِ شرارها=ولكن يموتُ الأكرمينَ خرابُها من يرى من الشر نال العز، ومن يرى من البخل نال الشرف، ومن يرى من الكبر نال الكرامة، قال معصب بن الزبير: التواضع مصائد الشرف، وفي منثور الحكم، من دام كتواضعه كثر صديقه. قال بعض الناس في الولاية رجلان، رجل يجل العمل ليفضله ومروءته، ورجل يجل بالعمل لنقصه ودنائته، فمن جل عن عمل ازداد تواضعًا وبشرًا، ومن جل عنه عمله لبس به تجبرًا وكبرًا، يروي النبي (صبى الله عليه وسلم) أنه قال: "إن الله اختار لكم الإسلام دينًا فأكرموه بحسن الخلق، والسخاء فإنه لا يكمل إلا بهما" قال الأحنف بن قيس: ألا أخبركم بأدواء الداء؟ قالوا بلى، قال: الخلق الرديء، واللسان البذيء.
قال بعض الحكماء الحسن الخلق من نفسه في راحة، والناس منه في سلامة، والسيء الخلق الناس منه في بلاء، وهو من نفسه في عناء، قال بعض الأدباء: عاشر أهلك بالمعروف، وبأحسن أخلاقك، فان الثواء فيهم قليل.
يروي عن النبي (ﷺ) أنه قال:"حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار" قال بعض الحكماء في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، يقال إن ذلك العزل ثمرة نية الولاية. حكى حميد الطويل، وكان من الصلحاء، والتابعين عن عمار بن ياسر أنه عزل عن ولاية فاشتد عليه ذلك وقال: إني وجدتها حلوة الرضاع، مرة الفطام، ولبعض الشعراء: [الطويل] .
فإن تكنْ الدنيا أنالتكَ ثروةً فأصبحت ذا يسرٍ، وقد كنت ذا عسرِ
لقد كشفَ الإثراء منك خلائقًا من اللومِ كانتْ تحت ثوبٍ من الفقر
في معنى هذا أن قتيبة بن مسلم كتب إلى الحجاج: إن أهل الشام قد التاثوا علي فكتب إليه اقطع عنهم الأرزاق ففعل، فساءت أحوالهم، فاجتمعوا إليه وقالوا: أقلنا، فكتب إلى الحجاج بذلك الأكبر يذل به كل جبار تكبر، وقد روى عن النبي (ﷺ) أنه قال: "إنكم لن تسعوا بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه، وحسن الخلق" في معناه الشاعر: [المنسرح]
بني إنّ البشرَ شيءٌ هينُ وجهٌ طليقٌ وكلامٌ لينُ
قال عبد الله بن جعفر لا تستحي من القليل فإن البخل أقل منه، ولا تجبن عن الكثير فإنك أكثر منه، قال الشاعر:
اعملَ الخيرَ ما استطعتَ وإن كان يسيرًا فلن تحيطَ بكله
ومتى تفعل الكثيرَ من الخيرِ إذا كنتَ تاركًا لأقلهِ
روي عن النبي (صلى الله عيه وسلم) أنه قال:"إذا أراد الله بعبد خيرًا جعل ضايعه في أهل الحفاظ".
[ ٣٠ ]
وفي منثور الحكم: لا خير في معروف، إلى غير عروق. وقال حسان بن ثابت: [الكامل]
إنّ الصنيعةَ لا تكونُ صنيعةً حتى يصابُ بها طريقُ المصنعِ
فإذا صنعتَ صنيعةً فاعمل بها للهِ أو لذي القاربةِ أودعِ
قال بعض الحكماء: على قدر المغارس يكون اختبار الفارس، وقد نظمه بعض الشعراء: [الطويل]
لعمركَ ما المعروفُ في غير أهلهِ وفي أهلهِ إلا كبعضٍ الودائع
فمستودعٌ ضاعَ الذي كانَ عندهُ=ومستودعٌ ما عنده غيرُ ضائعِ
وما الناس في شكر الصنيعةِ عندهم وفي كفرها إلا كبعض المزارعَ
روى عن النبي (ﷺ) أنه قال: "من أودع معروفًا فلينشره، وإن نشره، فقد شكره، وإنّ كتمه، فقد كفره".
روي عن عائشة (﵂) قالت: دخلت على رسول الله (ﷺ) وأنا أتمثل بهذين البيتين: [البسيط]
ارفعْ ضعيفَكَ لا يجزيكَ ضيعتهُ يومًا فتدركهُ العواقبُ قد نما
يجزيكَ أو يثني عليكَ وإنّ منْ أثنى عليكَ بما فعلتَ فقد جزا
فقال النبي (صلى الله عبيه وسلم): "ردي علي، قول اليهودي قاتله الله لقد أتاني جبريل برسالة من ربي: أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة، فلم يجد لها جزاء إلى الدعاء، والثناء، فقد كافأنا".
وقال عبد الحميد من لم يشكر الأنعام فأعدده من الأنعام. قال بعض البلغاء شكر الإله بطول الثناء وشكر الولاة بصدق الدعاء، وشكر النظير بحسن الجزاء، وشكر من دونك بسبب العطاء. وقال الشاعر:
فلو كان يشغلني عن الشكر منعمٌ لعزةِ ملكِ، أو علوًّ مكان
لما أمر الله العبادَ بشكرهِ فقال اشكروا لي أيها الثقلان
ولآخر [البسيط]
لأشكرنك معروفًا هممتَ بهِ إنّ اهتمامكَ بالمعروف معروف
ولا ألومكَ إن لم يمضهِ قدرٌ فالشيء بالقدرِ المحتومِ مصروفُ
قال بعض الحكماء: من شكرك على معروف لم تسده إليه فعاجله بالبر وإلا انعكس فصار ذمًا، وقد قال ابن الرومي: [الطويل]
وما الشكر إلا توائم الشكرِ في الفتى وبعضُ السجايا تنشئن إلى بعضِ
فحيث ترى حقدًا على ذي إساءةٍ فثمَّ ترى شكرًا على حسن القرضِ
إذا الأرضُ أدتْ ربعَ ما أنتَ زارعٌ من البذرِ فيها فهي ناهيكَ من أرضِ
قال النبي (ﷺ): "لا يشكر الله من لا يشكر الناس".
قال بعض الأدباء: من لم يشكر لمنعمه استحق قطع النعمة. قال المأمون: الناس على أربعة أقسام: زراعة فصناعة، وتجارة وإمارة، فمن خرج عنها كان كلًا عليها، قال النبي (صلى الله عيه وسلم): "خير المال عين ساهرة لعين راقدة".
وقال بعض السلف: خير المال عين خرارة في أرض خوارة في جفجرها القارة، تسهر إذا نمت، وتشهد إذ قمت، وتكون عمياء إذا مت. وقال النبي (ﷺ): "التمسوا الرزق في خبايا الأرضي لجني الزرع".
حُكي عن المعتضد بالله أنه قال: رأيت عليًا ﵇ في المنام، فناولني مسحاةً وقال خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض. قال كسرى للموبد ما قيمة تاجي هذا؟ فأطرق الموبد ساعة، ثم قال: مطرة في نيسان تُصلح من معايش الرعية، ما يكون قيمته مقدار تاج الملك. يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: "خير المال مأمورة، أو سكة مأثورة".
يعني بالمهرة المأمورة الكثيرة النسل.
ومن قوله تعالى: (أمرنا مترفيها) [الإسراء: ١٦] أي أكثرنا عددهم المأثورة النخلة المؤثرة للحمل. في التوراة مكتوب يا ابن آدم حدث سفرًا أحدث لك رزقًا. حكى أن الإسكندر لما أراد الخروج إلى أقاصي الأرض، قال لأرسطاطاليس أخرج معي، قال قد نحل جسمي وضعفت قواي عن الحركة، فلا تزعجني، قال: فما اصنع في عمال خاصة؟ قال من كان له عبيد فأحسن سياستهم فوله الجند، ومن كانت له ضيعة فأجاد تدبيرها فوله الخراج. قال النبي ﷺ أنه قال: "أوحى الله إلي [٦٢] كلمات قد دخلن أذني، ووقرن في قلبي: من أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا تلم الله على كفاف".
وقال حميد بن معاوية بن جيدة للنبي ﷺ: "ما يكفيني من الدنيا"؟
[ ٣١ ]
قال: ما سد جوعتك، وستر عورتك، فإن كان دارًا غذاك، وإن كان فبخٍ بخٍ فلق من خبز وجرة من ماء، وأنت مسؤول عما فوق ذلك".
يقال من قل توقيه، كثرت مساوئه، أنشدنا الشيخ أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن الدهان المرتب بجامع المنصور، قال: أنشدنا الشيخ أبو علي محمد بن الحسين بن شبل لنفسه: [مجزوء الكامل]
ليس المصرُّ سعيدًا بلْ التقيُّ سعيدُ
طِلابُ مَا لَم تقْدرْ على النفوسِ شديدُ
والعجُزُ كثرُهُ فِكرٌ في فايتٍ لا يعودُ
وراحةُ القلب ملكٌ عِند الملوكِ رقودُ
في كل يومٍ جديدٍ رزقٌ يجيءُ ويعودُ
وروي أن أعرابيًا جاء إلى عمر بن الخطاب (﵁) فقال: [الرجز]
يا عمرَ الخيرِ جزيتَ الجنةَ أكْسُ بنياتِي وأمَّهُنَّهْ
وكُنْ لنا من الزمانِ جنَّة أقسْمُ باللهِ لتفعلُنَّهْ
فقال عمر إن لم أفعل تكن ماذا؟ فقال: [مخلع البسيط]
يكونُ عنّ حالي لتسألنَّ يومَ تكونُ الأعصياتُ هُنَّهْ
وموقِفْ المسؤولِ بينهُنَّ إمَّا إلى نارٍ وإمَّا جنَّهْ
فبكى عمر، حتى اخضلت لحيته وقال: يا غلام أعطه قميص لذاك اليوم لا لشعره، أما والله لا أملك غيره. كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي: إن استطعت أن تدع مما أحل الله له ما تكون حاجزًا نفسه إلى الحرام.
قال بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيء مثلها فالغني، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيءٌ مثله فالفقر بعض الشعراء [الطويل]
أعوذُ بكَ اللهم من بطرِ الغنَى ومنْ نهكةِ البلوى ومن ذلةِ الفقرِ
ومنْ أملٍ يرتدُّ بي كلَّ شارقٍ ويُرجعني منهُ بحظِّ يدٍ صفرِ
إذا لم تدنسني الذنوبُ بعارها فلستُ أبالي ما تشعثّ من أمري
قال عمر بن الخطاب (﵁): من نبل الفقر أنك لا تجد أحدًا يعصي الله ليفتقر فنظمه ابن المقفع. شعر: [الطويل]
دليلك إن الفقر خيرٌ من الغنى وإن القليلَ المالِ خيرٌ من المثري
لقاؤك مخلوقًا عصى الله بالغنى ولم ترى مخلوقًا عصى الله بالفقرِ
قال بعض الحكماء هيهات منك بالغنى إن لم ينفعك ما حويت. قيل لأبي الزناد: لم تحب الدنانير، والدراهم، وهي تدنيك ن النار: قال: وإن ادعني منها، فقد صانتني عنها. عن بعض الحكماء: من اصلح ماله، فق صان الأكرمين: الدين، والعرض، وفي منثور الحكم من استغنى كرم على أهله. قال عبد الحميد: كيف تبقى على حالتك، والدهر في إحالتك؟، ويقال: إن الدهر حسود لا يأتي على شيء إلا غمره. وقال آخر: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها، لشاعر: [الطويل]
ومنْ كلفتْهُ النفسُ فوقَ كفافِها فما ينقضي حتى المماتِ عناؤهُ
يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا شئت أن تحيا غنيًا، فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها"، وعنه ﵇: "ما من عبد إلا بينه وبين رزقه حجاب، فإن قنع واقتصد أتاه رزقه، وإن هتك الحجاب لم يزده في رزقه". وقال المتدير:
إنّ القناعةَ والعفافَ ليغنيان عن الغنى وإذا صبرْتَ عنِ المنى فأشكرْ فقد نلتَ
قال مهنوز الشريف: العديم الأدب كالبنيان الخراب، الذي كلما كان أشد لغورته كان أشد لوجسته، وكالنهر اليابس، الذي كلما كان أعرض، وأعمق كان أشد لغورته، وكالأرض الجدية المعطلة، التي كلما طال خرابها ازداد نباتها غير المنتفع به، وصارت للهوام مسكنًا، حكى [٦٤] الأصمعي أن أعرابيًا قال لابنه: يا بني الأدب دعامة أيد الله بها أولى الألباب وحلية زين ها عواطل الأحساب، لشاعر: [المتقارب]
فما خلقَ الله مثلَ العقولِ ولا اكتسبَ الناس مثلَ الأدبِ
وما كرمُ المرءِ إلا التقى ولا حسبُ المرءِ إلا النسبُ
وفي الحلم زينٌ لأهل الحجى وآفة ذي الحلم طيشُ الغضبِ
[ ٣٢ ]
قال بعض الحكماء ذك قلبك بالأدب، كما تُذكى النار بالحطب، وقد قيل إن الأدب أحد المنصبين، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (﵁) العاجز من عجز عن سياسة نفسه، بعض الحكماء قال: من ساس نفسه ساد نفسه، وقال الأحنف بن قيس من ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن هدم مجده كان لمجد غيره أهدم، قال بعض الحكماء: من رضى عن نفسه أسخط عليه الناس، وقال كشاجم: [الكامل]
لم أرضَ عن نفسي مخافة سخطها ورضي الفتى عن نفسه إغضابُهَا
ولو أنني عنها رضيتُ لقصرتْ عما تزيدُ بمثله آدابُها
وتبينتْ آثارَ ذاكَ فأكثرتْ عذلي عليه وطال فيه عتابُها
قال النبي ﷺ لعِّمه العباس: "أنهاك عن الشرك بالله، والكبْر فإن الله (﷿) يحتجب منها".
نظر مطرف بن عبد الله السخير إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة يسحبها، ويمشي الخيلاء، فقال له: يا عبد الله ما هذه المشية، التي يبغضها الله ورسوله؟، فقال ته المهلب: أو ما تعرفني؟ قال: بلى أنت الذي أوَّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وحشوك بين ذلك بولٌ وعذرة، قال ابن المعتز، لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال، استعانوا بالكبير ليعظم صغيرًا. ويرفع حقيرًا وليس بفاعل، وقال بزرجمهر: النعمة، التي لا يحسد عليها صاحبها هي التواضع، والبلاء الذي لا يرحم منه صاحبه العجب، ذكر عمر بن حصن أنه قيل للحجاج، كيف وجدت منزلك بالعراق؟ فقال: خير منزل لو كان الله سبحانه ملكني فيه أربعة نفر أتقرب إليه بدمائهم، قيل، ته، ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع، والي سجستان، فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما غزل دخل مسجدا بالبصرة، فبسط له الناس أرديتهم، فمش! ى عليها وقال لرحل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون، وعبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي جرى لأهل ١٦٥١ البصرة أقر، فخطب خطبة أوجز فيها فتنادى الناس من أعراض المسجد، كثر الله فينا أمثال فقال: لقد كلفتم الله شططًا، ومعبد بن زرارة كان ذات يوم جالسا في الطريق فمرت به امرأة فقالت يا عبد الله كيف الطريق؟.
فقال لها: يا هذه مثلي يكون عبد الله، وأبو سمَّاك الأسدي أضل راحلته فالتمسها الناس، فلم يجدوها فقال: والله لئن لم تردنا فتى لا صليْتُ له أبدًا، فالتمسها الناس فوجدوها، فقالوا قد ردَّها الله فضل فقال: إن يميني يمين مصر.
قال ابن السمَّاك لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك، قال ابن المقفع: قابل المدح، كما دح نفسه، وقال بعض الحكماء من رضي أن يمدح بما ليس فيه، فقد أمكن الساخر من نفسه لبعضهم: [البسيط]
يا جاهلًا غرّهُ إفراطُ مادحهِ لا يغلبَّن جهلُ من أطراكَ علمك بكَ
أثنى وقالَ بلا علمٍ أحاطَ بهِ وأنتَ أعلمُ بالمحصولِ منْ قبلكِ
وما شرفٌ أن يمدحَ المرء نفسه ولكنّ أعمالًا تذمُّ، وتمدحُ
وما كلُّ خيرِ يصدقُ المرء ظنه ولا كلُّ أصحاب التجارة تمدحٌ
ولا كلُّ من ترجو لغيبكَ حافظًا ولا كلُ من ضمَّ الوديعة يصلحُ
قال بعض البلغاء: حياة الوجه بحائه، كما أن حياة بمائه، وقال آخر: من كساه الحياء ثوبه لم يرى الناس عيبه. للشاعر: [الوافر]
إذا لمْ تخشَ عاقبةَ الليالي ولمْ تستح فافعلْ ما تشاءُ
فلا، والله مافي العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
قال النبي ﷺ: "من ألقى جلبابالحياء فالغيبة له".
وقال بشار بن برد: [الخفيف]
ولقد أصرفُ الفؤاد عن الشيء حياءً وحيهُ في الفؤادِ
أمسكَ الناس بالعفاف وأمسي=ذاكرًا في غدٍ حديثَ الأعادي آخر: [الوافر]
وربَّ قبيحةٍ ما حالَ بيني وبينَ ركوبها إلا الحياءُ
إذا رزقَ الفتى وجهًا وقاحًا=تصرَّفَ في الأمورَ، كما يشاءُ قال بعض الأدباء: من عمل في السر عملًا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر، قال علي بن أبي طالب ﵇: أول عوض الحليم عن حلمه [٦٦] أن الناس أنصاره على عدوه، واغتاضت عائشة (﵁) على خادم لها، ثم رجعت إلى نفسها فقالت: لله در التقوى ما ترك لذي غيضِ نفسًا، وقال بعض البلغاء: أحسن المكارم عفو المقتدر وجود المفتقر، وقد أحسن الشاعر حيث قال: [البسيط]
[ ٣٣ ]
لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ، وإن كرمُوا حتى يذلوا، وإن عزُّوا لأقوامِ
ويشتموا فترى الألوانَ مسفرةً لا صفح ذلٍ ولكنْ صفحَ أحلامِ
حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق، نادى مناديه أين عمرو بن جرموز، وهو الذي قتل أباه، فقيل له: أيها الأمير إنه قد باعد في الأرض فقال: أفظن الجاهل أنني أقيده بأبي عبد الله؟ فليظهر آمنًا وليأخذ عطاءه مسلمًا، فعد الناس ذلك من مستحسن الكبر، لبعض الشعراء: [الكامل]
أو كما طنَّ الذباب طردتهُ إنَّ الذباب إذن عليَّ كريمُ
ولآخر في معناه: [المتقارب]
فكن كيفَ شئتَ وقل ما تشاءُ وارعدْ يمينًا وابرقْ شمالًا
نجَّا لؤمكَ منجا الذباب حمته مقاديرهُ أنْ يُنالاَ
آخر في المعنى: [الكامل]
فاذهب فأنتَ طليقُ عرضكَ إنهُ عرضٌ غررتَ بهِ وأنتَ ذليلُ
وقال بعض الحكماء: احتمال السفيه أيسر من التحلي بصورته، والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته، وقال لقيط بن زرارة: [الطويل]
وقلْ لبني سعدٍ فما لي وما لكمُ ترقونَ مني ما استطعتم وأعتقُ
أعدكُم أني بأحسن شيمةٍ تصيرُ وأني بالفواحش أحدقُ
وإنكَ قدْ ساببتني فقهرتني=هنيئًا مريئًا أنتَ بالفحش أحدقُ فيل للإسكندر: إن فلانًا وفلانًا ينتقصانك، ويسبانك، فلو عاقبتهما فقال: هما بعد العقوبة أعذر في تنقيصي وسبي، فكان ذلك سبب تآلفهما، قال علي ﵇ لعامر بن مرة الزهري: من أحمق الناس؟ قال: منْ ظن أنه أعقلهم، قال: صدقت، فمن أعقلهم؟ قال: منْ لم يتجاوز الصمت في عقوبة.
وقد قال بعض الحكماء: منْ لم يغضب عندما يغضب الجاهل كان ذلك من ذل نفسه وقلة حميته، وإنما المحمود من لا ينفد غضبه، ولا يسترسل معه لأن حد الحلم ضبط [٦٧] النفس عن هيجان الغضب، ولهذا قالت الحكماء: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن لا يُعرف الجواد إلا في العسرة، ولا الشجاع إلا في الحرب، ولا الحليم إلا في الغضب، لشاعر في المعنى: [البسيط]
منْ يدعي الحلمَ أغضبْهُ لتعرفهُ لايعرفُ الحلمُ إلا ساعةَ الغضبِ
وقدْ أنشد النابغة الجعدي بين يدي رسول الله ﷺ: [الطويل]
فلا خيرَ في حلمٍ إذا لم تكنْ لهُ بوادرُ تحمي صفوةُ أن يكدَّرَا
ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكنْ له حليمٌ إذا ما أوردَ الأمرَ أصدرَا
ولم يذكر قوله، بل صوته، ومن فقد الغضب من نفسه، فقد فَقَد من فضائلها الشجاعة، والحمية، والغيرة، والألفة، والدفاع، والأخذ بالثأر، والانتصار، وقد قال المنصور: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، يقال من رد غضبه، فقد هدَّ من أغضه فسبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن دونها، وسبب الحزن ما تكرهه ممن فوقها.
فالغضب يتحرك من داخل الجسد إلى خارجه لح والحزن بخلاف ذلك، ولهذا يُقتل الحزن، ولا يقتل الغضب لكمون الحزن وبروز الغضب، وصار الحادث عن الغضب السطوة، والانتقام لبروزه، والحادث عن الحزن السقم، والمرض لكمونه. لابن دريد: [الطويل]
إذا أمِنَ الجهالُ أمركَ مرةً فعرضُكَ للجهالِ غنْمٌ منَ الغُنْمِ
فعم عليه الحلمَ والجهلَ، والقهِ بمنزلةِ بينَ العداوةِ والسلمِ
إذا أنتَ جازيتَ السفيه، كما جزى فأنتَ سفيهٌ مثلهُ غيرُ ذي حلمِ
ولا تغصبَنْ عرضَ الشفيه ودارهُ بحلمِ فإن أعيا عليكَ فالصرْمِ
فيرجوكَ تاراتِ ويخشاكَ تارةً وتأخذُ فيما بينَ ذلك بالحزمِ
فإن لمْ تجدْ عليه فاستعِنْ عليه بجهَّالِ فذاك منَ العزْمِ
في التوراة مكتوب: "يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق" وقيل: من ذكر قدرة الله عليه لم يستعمل قدرته في ظلم العباد، قال عبد الله بن مسلم بن محارب للرشيد: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وهو على عقابك أقدرك منك على عقابي، لما عفوتَ عني فتركه وعفى عنه، بعض الأدباء قال: إياك وعزة [٦٨] الغضب، فإلها تق! ى بك إلى ذل العذر، أجمع رجل لعمر بن عبد العزيز كلامًا.
[ ٣٤ ]
فقال عمر: أردت أن يستفزني الشيطان بعزَّة السلطان، فأنال منك اليوم ما نال مض غدا انصرف رحمك الله. قال رجاء بن حيوة لعبد الله بن مروان في أسره ابن الأشعث، إن الله قد أعطاك ما تحب من الظفر، فأعط الله من ما يحب من العفو. قال المأمون لإبراهيم بن المهدي: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك، إلا أني وجدتُ قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل للازم حرمتك.
فقال يا أمير المؤمنين: إن المُشار أشار. مما جرت به العادة في السياسة، إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو، فإن قتلت فلك نظير، وإن عفوت، فلا نظير لك، وأنشأ يقول: [البسيط]
البرُّ بي منكَ وطَّا العذرَ عندكَ لي فما فعلتَ فم تعدلْ ولم تلمِ
وقامَ عذركَ لي فاحتجَّ عندكَ لي مقامُ شاهد عدلٍ غيرَ متَّهمِ
لئنْ جحدتُكَ ما أوليتَ منْ نعمٍ إني لفي اللومِ أولى منكَ بالكرمِ
تعفو بعدلٍ وتسطو إن سطوتَ به فلا عدمناكَ من عافٍ ومنتقمِ
قال بعض البلغاء: الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا قال حكيم: العينان أنم من اللسان. وقال بعض الشعراء في ذلك المعنى:
تُريك أعينهمْ ما في صدورهم إن العيونَ يؤدي سرَّها النَّظرا
قال النبي ﷺ: "في المعاريض مندوحة عن الكذب".
وسأله رجل كن أنت؟ فقال: "من ماء وطين".
الرجل إنه من القبيلة المنسوبة إلى ماء، ولم يكن يعرفه، وهو ﵇، أراد من الماء الذي يخلق منه الحياة. قال بعض الحكماء: الناس في الدنيا كصور في صحيفة، كلما نشر، بعضها طوي بعضها، أسر معن بن زئدة ثلاثمائة رجل، وأمر بضرب أعناقهم، فقام إليه غلام منهم.
فقال: يا معن لا تقتل أسراك عطاشًا، فقال اُسقوهم، فلما اسقوهم، قال له: يا معن لا تقتل أضيافك، فقال خلوا عنهم، وأطلقهم، حكى أن مجنون ليلى لما طردوه عن الحي، قيل إنه آيس من لقائها، واستأنس يبعدها ونأيها فأنشد: [الوافر]
أليسَ الليلُ يجمعني وليلى كفاكَ به وذاكَ لنا تداني
ترى وضحَ الهلالِ كما أراهُ ويعلوهَا النهارُ كما علاَني
وفي معناه: [الطويل]
أقلِبُ طرْفي في السماءِ لعلُّهُ يصادفُ منها نظرةً حينَ ينظرُ
قال بعض الحكماء: إياك، والعجلة فإن العرب تسميها أم الندامات، لأن صاحبها يقول: قبل أن يعلم، ويجيب قبل أنأ يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويحمد قبل أن يجرب، ومن صحب هذه الأخلاق صحب الندامة، واعتزل السلامة، قيل إن الله (!) لم يخلق شيئًا، والمعروف أحسن منه إلا الشكر، فإنه أحسن من المعروف.
قال عبد الله بن العباس المعروف أوثق الحصون، وأفضل الكنوز، وأزكى الزروع، غير أنه لا يصلح إلا بثلاث: هي تعجيله، وتصغيره وسترهُ فإنك إذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته تممته. لما حبس الرشيد يزيد بن جرير أمر إحضاره لتأديبه، فلما مثل بين يديه، قال: يا أمير المؤمنين، كذي نعمتك وسليل منتك وخريج دولتك، فجزاك الله قي وقت الغضب جزاء الكاظمين وعند الرضاء أمر المنعمين، فاستحسن قوله، وأمر بإطلاقه لبعضهم: [الكامل]
شيئانِ لو بكتِ الدماء عليهما عينايَ، حتى يؤذنا بذهابِ
لم يبلُغَا المعشارَ مِنْ حقيهِمَا فقدُ الشباب وفرقهُ الأحبابِ
للمعري: [الخفيف]
حيِّ منْ أجلِ أهلهن الديارا وابك هندًا لا للنؤى والآثارا
فهي قالتْ لما رأت شيْبَ رأسي وأرادَت تعتُّبَا وازورارا
أنتَ بدرُ وقد بدا الصبحُ في رأسكَ والصبح يطردُ الأقمار
حكى الأصمعي قال: أتى عبد الملك بن مروان برجل قامت عليه البينة بسرقة فأمر بقطعه، فقال الرجل: يدي يا أمير المؤمنين أعندها يعفوك أن تلقى مكانًا يشينها:
فلا خيرَ في الدنيا ولا نعيمها إذا ما شمالٌ فارقتها يمينُها
فقال عبد الملك: هذا حدٌّ من حدود الله أقامه عليه، فقال: يا أمير المؤمنين فاجعله من بعض ذنوبك، إلى تستغفر الله فيها فأطلقه. قبل: أنه كان لمحمد بن حميد بنت فتوفيت، فدخل عليه أبو تمام الطائي، فقال ما أقدمك يا أبا تمام؟ فقال: تعزية الأمير، فقال: أو ما علمت أني لا أقبل العزاء؟ قال: فأنشدُك بيتين من الشعر، فقال: وما هما
[ ٣٥ ]
تعرَّ إذا رزئتَ فخير درعٍ تُسربْل للمصائبِ ثوبُ صبْرِ
ولمْ أرَ نعمةً شملت كريمًا كعورة ذي حجي سُترت بقبرِ
قال أحسنت يا أبا تمام، وفض رافعًا الحزن. يُروى عن النبي ﷺ عاد رجلًا من الأنصار، فلما أراد الانصراف، قال: "جعل الله ما مضى كفارة، وأجرًا، وما بقي عاقبة وذكرًا".
قال أبو لكر بن عباس: كنت، إذ كنت شابا إذا أصابتني مصيبة تصبرت لها، ولم أبكِ، ورددت البكاء ولزمته فكان ذلك يؤذيني، ويوجعني، حتى رأيت إعرابيًا واقفا بالكناس على جمل ينشد:
خليلي عُوجا من صدور الرواحلِ بجمهور حزوى وابكيا في المنازلِ
لعلَّ انحدارَ الدمعِ يبعثُ راحةً من الوجدِ أو يشفي غليلَ البلابلِ
فقلت من هذا؟ فقالوا: ذو الرمَّة، فأصابني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكى فوجدت لذلك راحة، فقلت في نفسي، قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره، وفي المعنى: [السريع]
أبكِ، فمن أنفعِ ما في البكاءِ بأنهُ للحزنِ تسهيلُ
وهوَ إذا أنتَ تأملتهُ حزنٌ على الخدينِ محلولُ
كان يقال: أسرع الاستماع، وأبطئ التحقيق. هجا أبو الهول الحميري الفضل بن يحيى، ثم أتاه راغبًا إليه فقال: ويلك بأي وجه تلقاني؟ قال: بالوجه الذي ألقى الله تعالى به وذنوبي عنده اعثر، فضحك منه، ووصله.
في دعاء داود ﵇، قال: اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأي حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أذاعها، سأل النعمان بن المنذر الصقعُب النهدي: فقال: ما الداءُ العياء؟ قال: جار السوء، إن قاولته تهتك، وإن غبت عنه سلبك، قال خلاد الأرقط، إعطاء الشاعر من بر الوالدين، ومدح رجل الرهري بشعر، فأعطاه وقال: من ابتغى الخير اتقى الشر لمسكين الدرامي. [الرمل]
وإذا الفاحشُ لاقى فاحشًا فهناكم وافقَ الشنُّ الطبقْ
إنما الفحشُ ومن يعتاده كغرابِ السوء ما شاءَ نعقْ
أو حمارِ السوءِ إن أشبعتهُ رمحَ الناس وإن جاعَ نهقْ
أو غلامِ السوء إن جوعتهُ سرق الجار وإن يشبعْ فسقْ
أو كغيرى رفعتْ عن ذيلهَا هل جديدٌ مثلُ ملبوسٍ خلِقْ!
قيل لابن شبرمة: إن فلانًا لا يدري ما الشر يكفيه ذلك، أحرى أن يقع فيه. وقال الطائي: إذا كان الشريد يكفيه الترك فاتركه. قال النبي ﷺ: "ألا أبلغكم بشر الناس، قالوا بلى، قال: من لا يقبل عثرة معذرة، ألا أنبئكم بشر من ذلك، قالوا: بلى، قال: من يبغض الناس يبغضونه.
سمع الأحنف رجلًا يقول: ما أبالي أمُدحت أم هُجيت، فقال له الأحنف: استرحت يا هذا من حيث تعب الكرام. تبع داود بن المعتمر امرأة ظنها من الفواسد، فقال لها: لولا ما رأيت عليك مني سيماء الخير لم أتبعك، فضحكت الامرأة تعجبًا، وأسندت ظهرها إلى حائط وقالت: إنما يعتصم مثلي من مثلك بسيماء الخير، فأما إذا صار سيماء الخير هو الدال لمثلك على مثلي فالله المستعان. كتب أحمد بن علي الظاهري إلى الوزير أبي محمد المهلبي: [مجزوء الكامل]
قد مسَّ حالَ أولئكَ الضرُ يا منْ إليهِ النهيُ والأمرُ
وصلاحُ عبدِك أنتَ تعرفُهُ وإليكِ فيه النفعُ والضرُ
لا تتركنَّ الدهر يظلمني ما دام يقبل قولك الدهرُ
حكي عن أبي كثير محمد بن إبراهيم أنه، قال: لما جيء يرأس الحسين بن على ﵉ إلى دمشق، كبّر الناس، فقال أعرابي: [الكامل]
لكأنما بكَ يا بنَ بنتِ محمدِ قتلوا جهارًا عامدينَ رسولاَ
ويكبرونَ لأن قتلتَ وإنما قتلوا بكَ التكبيرَ والتهليلاَ
فبكيكَ أجفانُ الأجفانُ السحائبِ بكرةً وبكيكَ أنفاسُ الرياض أصيلاَ
يا منْ إذا حسنَ العزاءُ على امرئٍ كانَ البكاءُ حسنًا عليهِ جميلاَ
قال الأوزاعي: إذا أراد الله بقومٍ شرًا، أعطاهم الجدل ومنعهم العمل. وقال سفيان جوارحك سلاح الله عليك، بأيها شاء قتلك. وقال بعضهم خرجنا من دارنا يكرم المعشر فاجتزنا بدار أبي محمد بن البادرائي الكاتب، وقد كان الخراب استمر عليها، واستولى، فقرأت على الحصن مكتوب شعر: [مجزوء الكامل]
يا منزلَ القومِ الذين تفرقتْ بهمُ المنازلُ أصبحتَ بعدَ عمارةٍ قفرًا تخرقك
[ ٣٦ ]
فلئنْ رأيتكَ موحشًا فلقدْ رأيتُ وأنتِ أهلُ
قال الجاحظ: رأيت جارية تباع في بغداد بسوق النخاسين، ينادي عليها، فدعوت بها وجعلت أقبلها، وكان على خدها خال، فأعجبتني، فقلت لها، ما اسمك؟ فقالت: مكه، قلت، وما هذا الخال الذي على خدك؟ قالت: الحجر الأسود، قلت مرادي أقبل الحجر الأسود، فقالت: إليك عني ألم تسمع إلى، قول الله تعالى: (لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) [النحل:٧] شكا رجل إلى أفلاطون حاله، فقال له ة إنك لن تجد الناش إلا رجلين: إما موقر في نفسه قدمه حطه، أو مقدَمًا في نفسه، أخره دهره، فارض. مما أنت فيه اختيارًا وإلا رضيت به اضطرارًا. قيل إن عيسى بن موسى: دعا جارية إلى فراشه، فلم يقدر على وطئها وعجز فأنشا يقول: [البسيط]
القلبُ يطمعُ والأسبابُ عاجزةٌ والنفسُ تهلكُ بينَ العجز والطمع
قال الأصمعي: كنت مع الرشيد بطريق مكة فرأى نارًا من بعيد عالية، فقال ما هذا النجم؟ فقالوا: هذه نار، فقال: كأنها نجم، ما أشك أن العرب قد قالت في هذا أشياء، أين الأصمعي، فأحضرت، وأنشدته لكثير: [الطويل]
نظرْتُ وأصحابي بأيلةٍ موهنًا وقدْ حانَ من نجمِ الثريَّا تصوبُ
لغرَّةَ نارًا ما تبوحُ كأنها إذا ما رمقناها من البعدِ كوكبُ
قال جعفر بن هشام بن عبد الملك يومًا سمعت مثل الأول إذا رمت عنها سلوةً فالشافع. من الحب ميعاد المقابر، فقلت أشعر منه الأحوص حيثُ يقول: [الطويل]
سيبقى لها في مضمر القلبِ والحشى سريرةُ حبٍ يومَ تبلى السرائرُ
دخل أعرابي على خالد بن صفوان، فقال: أصلح الله الأمير، الأمير يأمر بملء جرابي هذا حنطة، فقال املأه دراهم فمليء، فحمله وخرج إلى الناس، فقالوا: ما صنعت في حاجتك؟ قال: سألت الأمير ما يشبهني فأمر لي ما يشبهه ابن المعتز: [البسيط]
إني غريبٌ بدارٍ لا كرامَ بها كغربةِ الشعرة السوداء في الشمطِ
ما نشرحُ العينَ في شيءٍ تسرُّ بهِ ولستُ أبدي الرضا إلا على سخطِ
ما أحسن، قول الديلمي، وأجمله، وأكثر حكمته حيث يقول: [الطويل]
وعدد من الرحمنِ فضلًا ونعمةً عليكَ إذا ما جاءَ للخيرِ طالبُ
وإني امرؤٌ لا يُرتجى الخيرُ عندهُ يكن هينًا ثقلًا على من يصاحبُ
فلا تمنعنَّ ذا حاجةٍ جاءَ طالبًا فإنكَ لا تدري متى أنتَ راغبُ
إذا قلتَ في شيء نعمْ فأتمهُ فإنْ نعمَ دينًا على الحرِّ واجبُ
وإلا قفُلْ لا واسترحْ وترحْ بها لكيلا يقولُ الناس إنكَ كاذبُ
ومنْ ذا الذي يرجو الأباعدَ قربَهُ إذا هو لمْ تصلحْ عليهِ الأقاربُ
وكذلك للمقنع الكندي: [الكامل]
أبلُ الرجالَ إذا أردتَ إخاءهم وتوسَّمنَّ أمورهم وتفقدِ
فإذا ظفرْتَ يدي الأمانة والتقى فيهِ التدينُ قريرَ عينٍ فانشدِ
ومتى يريكَ ولا محالةَ زلةً فعلى أخيكَ بفضلٍ حلمكِ فاردُدِ
حُكى أن وفود العرب، وأهل الشعر، والأدب، لا يقبلون برَّ من يعطى بسؤال، ويسمح إذا حثّ على نوال. قال الأعشى.
مررتُ بأقوامٍ فعافت حياضهم قلوصى وكان الشرب منها بمائكا
وما ذاكَ إلا أنْ كفيكَ بالنَّدى تجودان بالإعطاء قبل سؤالكما
وهذا من جزل المديح سمو الكلام الجزل الصحيح، وقد أحسن كثير عزة حيثُ يقول: [الكامل]
عمَّ الرداءٌ إذا تبسَّمَ ضاحكًا ذلتْ لضحكته رقابُ المالِ
سعى ساع إلى كسرى فأجابه، إن كانت السعاية صحيحة فهي بك قبيحة، فإن كنت أردت النصح فخسرانك أكثر من الربح، ومعاذ الله أن أقبل من مهتوكٍ في مستور، ولولا أنك في خفارة شيبك لقابلناك مما يقابل به أمثالك: [الكامل]
ومُهَفهفٌ لما تملكَ مُهجتي هجرَ الوصالَ وأوصلَ الهجَرا
لو أنَّ فيهِ لمُستضامٍ نصرةً ما كانَ يظلمُ ردفُهُ الخصْرا
لبعضهم:
صن النفسَ وأحملها على ما يزينُها تعشْ سالمًا والقولُ فيكَ جميلُ
ولا ترين الناس إلا تجمُّلًا كبابِكَ دهرٌ أو جفاكَ خليلُ
يعزُّ غنيُّ النفسِ لو قلَّ مالُهُ ويغْنى غنيُّ المالِ وهو ذليلُ
[ ٣٧ ]
فلا خيرَ في ود! ِّ امرئٍ متلونٍ إذا الريحُ مالتْ مالَ حيثُ بخيلُ
جواد إذا استغنيتَ عنهُ بمالهِ وعندَ نزولِ النائباتِ بخيلُ
وما أكثرَ الأخوانَ حينَ تعدُّهم ولكنهم في النائيات قليلُ
قيل إن أبا دلف العجلي أقام ببابه أعرابيٌ شهرًا يستمحنه، فلم يصله بشيء، فكتب إليه: [الكامل]
ماذا أقولُ إذا سئلتُ وقيلَ لي ماذا لقيتَ منَ الجوادِ المفضلِ
إن قلتُ أعطاني كذبتُ وإن أقلْ بخلَ الجوادُ بمالهِ لمْ يجملِ
فاختر لنفسكَ كيفَ شئتَ فإنني لابدَّ مخيرهُم وإنَّ لم أسألِ
فنقد إليه بعشرة آلاف درهم: وكتب جوابه: [الكامل]
أعجلتنا فأتاكَ قلُّ عطائنا ولو انتظرْتَ أتاكَ غيرُ مقللِ
فخذِ القليلَ وكنْ كأنكَ لم تسلْ ونكونُ نحنُ كأننا لم نسألِ
قال عمر بن الخطاب (﵁): من عرض نفسه للتهمة، فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، ضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سواءًا، وأنت تجد له في الخير محملًا، وما كافأت من عصا الله فيك يمثل أن يطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصدق، وكن في اكتسابهم فإنهم زين عند الرخاء، وعدة عند البلاء، ولا تهاون بالحلف بالله فيهينك الله تعالى.
روى معاذ بن جبل، قال: قد شهد رسول الله ﷺ إملاك رجل من أصحابه، فقال: "على الألفة، والطائر المأمون وسعة الرزق، بارك الله لكم دففوا على رأسه".
قال: فجيء بدف وجيء بأطباق عليها فاكهة وسكر، فقال النبي ﷺ: "انتهوا"، فقال يا رسول الله: أو لم تنهنا عن النهبة؟ فقال: "إنما نهيتكم عن العساكر، أما العرسات فلا".
قال فجاذبهم النبي عليه الصلاة، والسلام وجاذبوه.
دخل رجل على ابن حاجب النعمان الوزير فاعتذر من إغبابه الزيارة، وترك الملارمة، والتردد إليه، فقال الوزير: يا هذا قلة المصير مع الود في الضمير، خير من كثرة الحضور مع الغل في الصدور. حكي عن بعض أهل البصرة: أنه رأى على باب بعض مدائن البحر القاصية. مكتوبًا: بسم الله الخالق الخلق، وصاحب الرزق.
ما أعجب قصتي، وأعظم محنتي، أقصتني الخطوب، وأقصدتني النكوب، حتى بلغت به هذا الموضع المهوب، ولو كان للبعد غاية استحق من هذا المحل لبلغني إليها، ولم يقنع لي إلا بها، وتحت مكتوب: [المتقارب]
ومنْ شدةٍ لا يموتُ الفتى ولكنْ لميقاته يهلكُ
فسبحانَ مالكَ ما في السَّماءِ والأرضِ حقّا لا يملكُ
قال بعض الشعراء: قرأت على صخرة بجيزة قبرص، يقول: فلان بن فلان البغدادي، قذف بي الزمان إلى هذا المكان، وتحته: [الطويل]
إلى اللهِ أشكو لاَ إلى النَّاس إنَّهُ على كشفِ ما ألقي منَ الهمِّ قادرُ
قال بشر بن الحارث الحافي: أشد الأعمال ثلاثة: الجود مع القلة، والورع في الخلوة، وكلمة حق عند من يخاف، ويرجأ لبعضهم: [الخفيف]
وإذا ما جهلتَ ودَّ صديقٍ فاختبرْ ما جهلتَ بالعلمانِ
إنَّ وجهَ الغلامِ يبينكَ عمَّا في ضميرِ المولى منَ الكتمانِ
قرئ على لوح قبر. مقيم إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يرجى، وأنت قريب. [الطويل]
تزيدُ بلاءً في كلِّ يومٍ وليلةٍ وتنسى كما تبلى وأتتَ حبيبُ
ووجد منقور في جبل اصطخر، رب مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه ومحسود على رخاء هو بلاؤه، سمع عمر بن دينار، أعرابيًا يقول: زهدك في راغب نقص، ورغبتك في زاهد ذل نفس قال بعض الشعراء متغزلًا، وهو بالدنيا أليق: [المنسرح]
ما كنتُ أيامَ كنتِ راضيةً عنَّي بذاكَ الرِّضا بمغتبطِ
علمًا بأنَّ الرِّضا سيتبعهُ منكِ التَّجنِّي وكثرةُ السَّخطِ
فكلَّما ساءني فعنْ خلقٍ منكِ ما سرَّني فعنْ غلطِ
لأبي بكر الخالدي: [الكامل]
والبدرُ منثقبٌ بغيمٍ أبيضَ هو فيه بينَ تستُّرٍ وتبرُّجِ
كنفسِ الحسناءِ في المرآة إذْ كملتْ محاسنها ولم تتزوجِ
وفي معناه لأبي معمر أروي: [البسيط]
يا ربَّ ليلٍ طويلِ الباعِ باعَ لهُ جفني الرُّقادَ بدمعي إذا رقرقهُ
[ ٣٨ ]
كأنَّما البدرُ لمَّا أنْ بدا كملًا والغيمُ يحسبهُ طورًا ويطلقهُ
وجهُ الحبيبِ عتابي ظلَّ يلبسهُ ثوبَ الحياءَ ولعتابي يمزِّقهُ
حكي أنه لما شهد أبو علقمة المري عند عبد الله بن نوار القاضي، ووقف في قبول شهادته، فقال له: لم وقفت في قبول شهادتي وإجرائها؟ قال: بلغني انك تلعب بالكلاب، والصقور، قال: من أخبرك أني جاد في الصيد بها غير لاعب؟ فهل وقف المخبر لك على فرق ما بين الجد، والهزل، قال: لا، ثم أجاز شهادته. لأبي علي بن شبل: [الطويل]
فمنْ مبصرٍ أمرًا تحامى دلوجهُ ومن والجٍ فيه درى كيفَ يخرجُ
واحرَّ لاَ منْ ذاولاَ ذاكَ خابطٍ لعشواءِ ليلٍ دونها الباد مريحُ
يروى أنه بالمدينة امرأة جميلة فنظرت في المرأة، وقالت: لزوجها هل أحد من الناس يرى هذا الوجه، فلا يفتنن به؟ قال: نعم، عبد الله بن عمر بن الخطاب، قالت: فتأذن لي، حتى أفتنه؟ قال: نعم، فأتته كالمستغيثة له، فاستحلت معها في ناحية المسجد، ثم سفرت له عن وجهها، وهي في غاية الحسن، والجمال.
فقال لها: اتقي الله يا أمة الله، قالت: إني قد فتنت بك فانظر في أمري، فقال إني سائلك الله عن شيء فإن صدقت فعلت، قالت، وما هو؟ قال: أخبريني لو أن ملك الموت دخل عليه لقبض روحك أكان يسرك قضيت لك حاجة؟ قالت: لا، قال: فاتقي الله يا أمة الله، فقد أنعم عليك، وأحسن إليك.
قالوا: فرجعت إلى زوجها، فقال لها: ما صنعت؟ قالت: نحن، والله بطالون، ثم أقبلت على الصوم، والصلاة، والعبادة، فكان زوجها يقول: ما لي ولعبد الله بن عمر أفسد علي زوجتي كانت عروسة صارت راهبة، للهذلي: [البسيط]
لوْ كانَ للدَّهرِ مالٌ كانَ متلدهِ وكانَ للدَّهرِ صخرٌ مالِ قنانِ
آبي الهضميةٍ نابٍ بالعظيمة متلاف الكريمةُ لا سقطُ، ولا وانِ
رباءُ مرقبة قوال محكمة دفّاعُ مفلتةُ قطَّاعُ أقرانِ
حامي الحقيقةِ نسَّالُ الوديعةِ معتاقُ الوسيقة جلدُ غير ثنيانِ
سهَّادُ انديةٍ حمَّالُ ألويةٍ هبَّاطُ أوديةٍ سرحانُ فتيانِ
يحمي الصِّحابَ إذا سالَ البرزُ ويكفي القائلين إذا ما كبلَ العاني
ويتركُ القرنَ مصفرًَّا أناملهُ كأنَّ في ريطتيهِ نضخُ أرقانِ
يعطيكَ ما لا تكادُ النفسُ تسألهُ منَ البلاد وهوبٍ غيرُ منَّان ِ
كان رجل يسمى وثابًا وسمي كلبه عمرو فقيل له فيه: [الرجز]
لو هيأ لهُ الله منَ التوفيق أسبابًا لسمَّى نفسهُ عمروُ وسمَّي الكلبُ وثابا
للأصمعي قال: حدثني العلاء بن أسلم، قال: عزمت على الخروج إلى مكة، فجاءني أسلم بن عقبة، وكان أخا ذي الرمة غيلان، فقال لي: يا ابن أخي إنك تريد سفرًا يحضر الشيطان فيه حضورًا لا يحضر في غيره.
فاتق الله وصل الصلاة في وقتها تصليها لا محالة، وهي تنفعك، واعلم أن لكل رفقة كلب ينبح عليهم، أن كان عادًا تقلده دونهم، فلا تكونن كلب الرفقة. كان مطرف بن عبد الله يكره أن يقول: للكلب اخسأ، ومن دعائه على قوم لا يمنعون كلابهم من دخول مصلاهم، اللهم احرمهم بركة صيدهم. أعرابي يذم رجلًا: [الطويل]
نزلنا بعمارَ فأشلا كلابهُ علينا فكدنا بينَ بيتيهِ نوكلُ
فقلتُ لأصحابي اسرِّ إليهمُ إذا اليومَ أمْ يومُ القيامةِ أطولُ
آخر يذم رجلًا: [الكامل]
ولقدْ دخلتُ على زيادِ مرَّةً فظنتهُ ممَّنْ يضرُّ وينفعُ
فإذا زيادٌ في الرِّجالِ كأنَّه مشطٌ يقلَّبهُ خصيٌ أصلعُ
قال الخبر أرزي حدثنا شيخ أديب من أهل البصرة أنه خرج يومًا من لبغداد إلى موضع بها تسمى كرخايا، قال فوصلت إلي عبارة الياسمين، فجلست أتنسم الهوى، وإذا بفتى عليه أطمار رثة ومعه دفاتر ومحبرة ينسخ، فقلت يا فتى: مع هذا الجمال، والحسن أنت بهذا الشقاء فنظرتي نظر متعجب مني وقال: شقائي هذا أحلى طعمًا.
وأحمد عافية في الأولي، والآخرة من تنعمك، فقلت، وما دليلك على قولك؟ قال لأنك تذل، ولا أذل، وتراقب، ولا أراقب، وتخدم، ولا أخدم، وتطمع، ولا أطمع، وأغدو، وأروح خالي البال قليل الأشغال، ثم قام فكتب على ساج العبارة:
[ ٣٩ ]
أسائل عن حالي، يرعوي بمنظري حبيبي، هذا في هواك قليل سأصبر، حتى يرعوي، ويرق لي وينهج من طرق الوصال سبيل.
لما ورد الوزير المهلبي البصرة وجد على حائط البيت الذي فيه مكتوبًا: [الطويل]
أحنُّ إلى بغدادَ شوقًا وإنَّما أحنُّ إلى ألفِ بهالي شائقِ
مقيمٌ بأرض سرتُ عنها وبدعة إقامةٌ معشوقٍ ورحلةُ عاشقِ
يقال إن عبد الشهوة أذل من عبد الرق، وجد على قصر معز الدولة الذي بناه بالشماسية من بغداد، واليوم يسمى آثار القصر مسناه الدار الغربة على شاطئ دجلة، مقابل جامع القطيعة، مكتوبًا حضر فلان بن فلان الجروي في سماط الملك معز الدولة، والدنيا عليه مقبلة، وهيئة الملك عليه مشتملة، ثم عدت في سنة اثنين وستين وثلاثمائة فرأيت ما يعتبر به اللبيب، ويفتكر فيه الأريب وقلت هذه الأبيات: [الخفيف]
عينُ بكّى للقصرِ قصرُ معزِّ الدولة المؤنَّقُ العجيبُ البناءِ
قد خلاَ بعدَ عزَّ ةٍ وجمال وعفًَّا بعدْ رونقٍ وبهاءِ
لوْ تبقى على الحوادثِ شيءٌ ليقي ملكهُ من الأشياءِ
كلُّ أمرٍ وإنْ تطاولَ أو دامَ إلى نقلةٍ وحال انقضاءِ
عبرٌ أبيٍّ فإنَّهُ ليسَ يغني ذو الأيادي والطَّولِ والآلاءِ
قال الأصمعي قال لبعض العرب خرجي في بعض الليالي المظلمة، وإذا بجارية كأنها صنم فراودتها عن نفسها، فقلت يا هذا أمالك زاجر من عقل، غذ لم يكن واعظ من دين؟ فقلت، والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت، ويحك فأين أنت من مكوكبها؟ فأخجلني كلامها فقلت لها غني كنت أمزح، فقالت.
إيَّاك المزاحَ فإنَّهُ يجرئُ عليك الطفلَ، والرجلَ النَّذلاَ
ويذهبُ ماءَ الوجهِ بعدَ وضائهِ ويورثُ بعدَ العزِّ صاحبهُ ذلاَّ
كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله، امنعوا الناس من المزاح تسلم لكم الأعراض، وقد قال بعض الشعراء: [الكامل]
مازحْ أخالكَ إذا أردتَ مزاحًا وثوقٌ منهُ في المزاحِ جماحًا
ولربَّما مزحَ الصديقُ بمزحةٍ كانتْ لبابِ عداوةٍ مفتاحًا
وقد أحسن محمود الوراق: [الكامل]
تلقى الفتى يلقى أخاهُ وخذنه في لحنِ منطقة بما لا يغفرُ
ويقولُ كنتُ ممازحًا وملاعبًا هيهاتَ ناركُ في الحشا تتسعَّرُ
ألهبتها وطفقتَ تضحكُ لاهيًا عمَّا بهِ وفؤادهُ يتفطَّرُ
أو ما علمتَ ومثلُ جهلكَ غالبٌ إنَّ المزاحَ هوَ السَّبابُ الأصغرُ
قال المنكدر، قالت لي أمي، وكانت أدركت النبي ﷺ: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم، وقال سعيد بن العاص لا تمازح الشريف فيحقد عليك، وقال بعضهم، ولا الدنيء فيجترئ عليك، وقال بعض الحكماء إياكم، والمزاح فإنه يذهب بالبهاء، ويورث الندامة، ويذوي بالمروءة قال مسعر بن كدام لابنه: [الكامل]
ولقدْ نصحتكَ يا كدامُ نصيحةً فاسمعْ لقولِ أبٍ عليك شفيقُ
إنَّ المزاحةَ والمراءَ فدعهما خلقانِ لا أرضاهما لصديقِ
إنِّي بلوتهما فلم أحمدهما كمجاورٍ جارًا ولا لرفيقِ
اجتمع عبد الله بن طاهر مع ندمائه على رياض في أيام الربيع، فقال ليقل كل واحد منكم في هذا شيئًا، فقال أحدهم: [الطويل]
شموسٌ وأقمارٌ منَ الزَّهرِ طلع لدى اللَّهوِ في أكتافها متمتِّعُ
فقال الآخر: [الطويل]
نشاوى تثنِّيها الرياحُ فتثني فيلثم بعضٌ بعضها حينَ ترجعُ
فقال الثالث: [الطويل]
كأنَّ عليها من مجاجةِ ريقها لآليءُ إلاَّ أنَّها هيَ ألمعُ
يقال إن ثلاثة يفسدون المروءة المنية، والحرص، والغضب.