قال أبو محمد " ألام الرجل أتى بما يلام عليه " وأنشد.
ومن يخذل أخاه فقد ألاما.
[ ٢٢٨ ]
قال أبو عبيدة كان رجل من بني نفيل بن عمرو بن كلاب أتى عمير بن سلميّ فأجاره وكتب له على سهم عمير أجار فلانا وعمير هذا هو أحد الأوفياء الثلاثة في الجاهلية وهم السموءل ابن عادياء والحارث بن ظالم وعمير بن سلميّ وكان لعمير أخوان وهما مرارة وقرين ابنا سلمي وكان مع الكلابي أخ له صبيح الوجه فقال قرين أخو عمير للكلابي ذات يوم لا تقربن أبيات نسائنا بأخيك هذا فوجده يوما يتحدث إلى بنت امرأة فرماه بسهم فقتله وكان عمير المجير غائبًا فلما رأى ذلك الكلابي أتى سلمىّ فعاذ به وقال:
وإذا استجرت من اليمامة فاستجر زيد بن يربوع وآل مجمع
وأتيت سلميّا فعذت بقبره وأخو الزمانة عائذ بالأمنع
أقرين إنك لو شهدت فوارسي بعمايتين إلى جوانب ضلفع
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغلّ الإصبع
فلما عاد عمير أخذ أخاه وبلغ ذلك وجوه بني حنيفة فأتوه وكلموه فقال لا والله إلا أن يعفو عنه جاري فأتوا أخا المقتول فأضعفوه له الدية فأبى وكلمت عميرا أمه وهي أم قرين فأبى ثم أخرج أخاه حتى قطع وادي اليمامة فربطه إلى نخلة وقال أما إذا أبيت أن تعفو وتأخذ الدية فأمهل حتى أقطع الوادي راجعًا وشأنك ولا أرينك تقتله فقالت أمهما:
يعد معاذرا لا عذر فيها ومن يخذل أخاه فقد ألاما
وعمايتان وضلفع موضعان يقول لو رأيت فوارسي في هذا الموضع لهبتهم وامتنعت عن قتل أخي والمغل الخائن والمعاذر جمع معذرة وهي مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار ومعنى الاعتذار محو أثر الموجدة من قولهم اعتذرت المنازل إذا درست ويقال بل معناه قطع ما في القلب.
" أفعلت الشيء جعلت له ذلك " قال أبو محمد أرعى الله الماشية جعل لها ما ترعاه قال وأنشد أبو زيد:
كأنها ظبية تعطو إلى فنن تأكل من طيب والله يرعيها
تعطو تتناول والفنن الغصن وقوله من طيب أي من عشب طيب يصف امرأة
[ ٢٢٩ ]
شبه عنقها بعنق الظبية إذا مدتها وذلك أحسن لها وإذا شبهت المرأة بالظبية فإنما يراد حسن عنقها وإذا شبهت بالبقرة فإنما يراد حسن عينيها.
" أفعلت وأفعلت بمعنيين متضادين " إحدى الهمزتين في هذا الباب للتعدية والأخرى للسلب فقوله " أشكيت الرجل احوجته إلى الشكاية " هذه الهمزة للتعدية شكا هو واشكيته أنا شكيته نزعت عن الأمر الذي شكاني له إذا أزلت شكايته وكذلك طلب الرجل الشيء وأطلبته الشيء جعلته يطلبه فالهمزة هنا للتعدية وقوله أطلبته اسعفته بما طلب الهمزة للسلب المعنى أغنيته فأزلت طلبته وأفزعت القوم أحللت بهم الفزع الهمزة للتعدية فزعوا وأفزعتهم وقوله وأفزعتهم إذا فزعوا إليك فأغثتهم والمعنى أزلت فزعهم وقوله وأودعت فلانا مالا دفعته إليه وديعة هذه للتعدية هذه التعدية وقوله " وأودعته قبلت وديعته " الهمزة فيه للسلب لأنه أخذها منه فكأنه شاركه إياها. أسررت الشيء أظهرته الهمزة فيه للسلب كأنك أزلت ما تغطيه فظهر وأسررته كتمته الهمزة فيه للتعدية.
" أفعل الشيء في نفسه وافعل الشيء غيره " قال أبو محمد " أضاءت النار واضاءت النار غيرها قال الجعدي ":
فلما دنونا لجرس النبوح وما نبصر الحي إلا التماسا
أضاءت لنا النار وجهًا أغر ملتبسًا بالفؤاد التباسا
لما علمٌ للظرف وهي تجيء لوقوع الشيء لوقوع غيره يقول لما لحقنا بالحيّ الذي قصدناه ليلًا ودنونا من جرس أي سمعنا أصواتهم والجرس الصوت والنبوح ضجة الحي وجلبتهم والنبوح أيضًا جماعات الناس الكثيرة أي سمعنا أصوات الجماعات وقوله وما نبصر الحي إلا التماسًا أي ما نبصرهم من ظلمة الليل معاينة لكن لمسناهم وجواب لما قوله أضاءت لنا النار وجهًا أغر وهذا يسمى التضمين والمعنى أبدت لنا النار لما قربنا من أصوات الحي وجها أبيض ملتبسا بالفؤاد أي مختلطا حبه بقؤادي ويقال ضاءت النار وأضاءت غيرها.
[ ٢٣٠ ]
" فعل الشيء وفعل الشيء غيره " قال أبو محمد " جبرت اليد وجبر الرجل واليد. قال العجاج " يمدح عبيد الله بن معمر التيمي وكان غزا أبا فديك بهجر فقتله.
قد جبر الدين الآله فجبر وعور الرحمن من ولي العور
جبر الدين أي أصلحه فصلح وعور الرحمن أي أفسد من ولى العور أي من ولاه ترك الحق والفساد وأصل العور الفساد من ذلك عور العين هو فساد بصرها والعور في الكلام قبحه وفساده ومنه الكلمة العوراء وعورت الركية أفسدتها بالكبس لينضب ماؤها يقول أصلح الله الدين بعمر فانصلح به وأفسد أمر أبي فديك لأنه ولاه العور والفساد أي ملكه الإفساد فأصلح الفاسد بتولية عمر.
" فعلت وأفعلت بمعنين متضادين " قد مضى القول في الأضداد قال أبو محمد " هجدت صليب ونمت قال وقال بعضهم تهجدت سهرت وهجدت نمت قال لبيد ":
ومجود من صابات الكرى عاطف النّمرق صدق المبتذل
قال هجدنا فقد طال السرى وقدرنا أن خنى الدهر غفل
المجود الذي أخذه النعاس يقول رب صاحب لي يأخذه النعاس والصبابات جمع صبابة وهي هاهنا بقية النوم ويقال لبقية كل شيء صبابة والكرى النوم والنمرق والنمرقة والميرة ما افترشه الراكب على الرحل كالمرفقة غير أن مؤخرها أعرض من مقدمها ولها أربعة سيور تشد بآخره الرحل وواسطه. الصّدق الصلب يريد أنه نزل عن رحله فعطفها ونام عليها ولم يحط رحله يريد أنه صبور عند ابتذاله نفسه وقوله هجدنا أي نوّمنا يقول دعنا ننام وقدرنا دنونا وخنى الدهر أحداثه يقول قد دنونا إن لم يعقنا الدهر الأصمعي قدرنا على التهجد أن غفل عنا الدهر.
[ ٢٣١ ]
" أفعلته ففعل " قال أبو محمد " قد جاء في هذا انفعل وافتعل قال الكميت ":
ولن أخبر جاري من حليلته عما تضمنت الأبواب والكلل
ولن أبيت من الأسرار هينمة على دقارير أحكيها وافتعل H أن
لا خطوتي تتعاطى غير موضعها ولا يدي في حميت السكن تندخل
يمدح نفسه بالعفة في الفرج واللسان يقول لا أصف امرأة جاري في الشعر فيسمع بذلك زوجها ولا أذكر عما تضمنت أبواب بيتها وكللها أي لا أخبر عن أخبار داخل بيتها والكلل جمع كلة وهي الستر والكلة أيضا غشاء من ثوب رقيق يتوقى به من البعوض والذباب وغير ذلك ولا أصنع حديثًا لا أصل له من الوقيعة في الناس وإشاعة الحديث السيء عنهم تخرضًا والهينمة الكلام الخفي والدقارير الدواهي واحدها دقرارة وقوله لا خطوتي تتعاطى غير موضعها أي لا أتخطى أفنية الجيران على الوجه المكروه والحميت زق السمن والعسل والسكن أهل الدار وهذا مثل.
وأنشد بيتا للفرزدق قبله:
أنى بني لي دارم عادية في المجد ليس أرومها بمذال
وأبي الذي ورد الكلاب عشية بالخيل تحت عجاجها المنجال
دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وهو جد الفرزدق وأراد بالعادية الشرف القديم والأروم الأصل والمذال المهان ويروى بمزال أي بمنحى عن موضعه وقوله وأبي الذي ورد الكلاب هو جده سفيان بن مجاشع كان في الكلاب الأول مع شرحبيل المقتول ابن الحارث بن عمرو آكل المرار وقتل مع سفيان يومئذ ابنه مرة ومسوما معلما والسومة العلامة والمنجال الجائل وهو المقبل والمدبر وقيل المنجال المنكشف انجالت السحابة وانجابت أي انفرجت والعجاج الغبار.
[ ٢٣٢ ]