قال أبو محمد " وبدّن الرجل إذا أسنّ وهو رجل بدن " قال الأسود ابن يعفر:
هل لشباب فات من مطلب أم ما بكاء البدن الاشيب
هذا استفهام على سبيل التفجع والتوجع لفقد الشباب يقول هل لما مضى مرّد وقوله من مطلب أي من وجه يطلب فيه ثم رجع على نفسه يوبخها ويعاتبها فقال أم ما بكاء البدن الاشيب أي لايحسن بالكبير أن يبكي تحسرا على فقد الشباب.
وقال أبو محمد " زغت الناقة عطفتها قال ذو الرمة ":
كأن رجليه رجلا مقطف عجل إذا تجاوب من برديه ترنيم
وخافق الرأس فوق الرحل قلت له زغ بالزمام وجوز الليل مركوم
قوله كأن رجليه أي رجلا الجندب الذي ذكره في قوله يضحي بها الارفش وهو الجراد رجلا مقطف أي رجلا صاحب بعير قطوفٍ او برذونٍ أو حمار شبه ضرب رجليه على الارض بضرب رجل المقطف بعيره وهو عجل وأراد ببرديه جناحيه وترنيم صوت وخافق الرأس يريد وربّ رجل يخفق رأسه من النعاس وشدة السير ويروى مثل السيف وشبهه بالسيف في مضائه وزغ أي اعطف ويروى زع أي كف وجوز الليل معظمه ووسطه والمركوم الذي تراكمت ظلمته بعضها على بعض يخاطب رفيقه بذلك.
قال أبو محمد " فان قتله عشق النساء أو الجن فليس يقال فيه الا اقتتل قال ذو الرمة ":
اذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل
تبسّمن عن نور الاقاحي في الثرى وفترن من أبصار مضروجة نجل
حاولن اجتهدن في قتله يعني النساء والاحنة الحقد والذحل الوتر والطائلة وتبسمن جواب إذا والتبسم أول الضحك والنور من الزهر الابيض والاقحوان البابونج ونوره يشبه به الثغر شبه ثغورهن بنوره وفترن أي ضعفن ومضروجة واسعة الضرج أي واسعة شق العين ونجل واسعات العيون ويروى كحل.
قال أبو محمد " تأيّبت بالتشديد والقصر تحسبت " وأنشد للكميت:
قف بالديار وقوف زائر وتأيّ انك غير صاغر
[ ١٩٨ ]
يقول صاحبه تلبّث بالوقوف على الديار فلست صاغرا في فعلك ذلك والصاغر الذليل يقال صغر الرجل يصغر صغرًا وصغارًا فهو صاغر إذا رضى بالضيم فأقربه. قال أبو محمد " وثغر الرجل فهو مثغور إذا كسر ثغره قال جرير " يهجو عبيد الله بن غاضرة لأنه فضل الفرزدق:
أيشهد مثغور علينا وقد رأى سميرة منا في ثناياه مشهدا
مثغور هو عبيد الله بن غاضرة بن عمرو بن قرط العنبري ويروى وقد رأى ثميلة وثميلة عنبري قال السكري وكان من قصة مثغور أن عثمان بن عفان ﵀ استعمل سمرة بن عمر بن قرط على هوافي النعم والهوافي الضوال تهفو تذهب فتقع في إبل الناس وكان لا يخبر في نعم قوم بضالة إلا أخذها فعرّفها فكان من ذهب له بعير أتاه فطلبه عنده فبلغه أن ناقة ضالة في نعم سحيل بن وثيل الرباحي فأتى الإبل وفيها غلمة لسحيم وأم سحيم وسحيم غائب ومعه أعبد له فقال أعرضوا على إبلكم فأبت أم سحيم وهي ليلى بنت شداد أحد بني ثعلبة بن يربوع فقال لها سمرة مري غلمانك يعرضوا على الإبل فأبت عليه فوقع بينها وبينه كلام فأهوى إليها فقالت فمى فمى فأراد العبيد عرضها فأهوت لبعضهم وهي عجوز كبيرة فدفعها فنادت فمى وزعموا أن ثنيتها سقطتا قبل ذلك بزمان فكانتا مصرورتين في خمارها فلما رأى ذلك سمرة انصرف ولم يكن سحيم شاهدًا فلما أتاه الخبر أتى على عبيد بن غاضرة ابن سمرة فانتزع تثنيته فكان يدعى مثغورًا فاستعدى سمرة عثمان فرفع سحيم إلى المدينة وحبست إبله حتى ضاعت فشكا ذلك إلى عثمان فقال أبعدك الله ما حملك على ما صنعت قال كسر فم أمي قال فهلا استعديت؟ فحسبه ثم إن بني العنبر اصطلحوا على أن يعقلوا فم صاحبهم وبنو يربوع على أن يعقلوا فم صاحبهم ففعلوا وخلى سبيل سحيم.
وقال أبو محمد " أدين بالفتح آخذ بالدين " وأنشد لسويد بن الصامت الأنصاريّ:
أدين وماديني عليكم بمغرم ولكن على الشم الجلاد القرواح
المغرم الغرم والشم الطوال والجلاد اللواتي تصبر على الجدب والعطش وغيرهما والقراوح جمع قرواح وهي التي انجرد كربها وطالت وجمعها قراويح
[ ١٩٩ ]
بالياء وحذفها ضرورة يخاطب قومه يقول آخذ بالدين ويقضيه عني ثمر نخلى ولا أكلفهم قضاءه.
قال أبو محمد " وأدين بالضم أعطى الدين " قال أبو ذؤيب:
أدان وأنبأه الأولون بأن المدان مليّ وفي
أدان إذا باع بيعًا إلى أجل فصار له على الناس دين وأبنأه الأولون أي الناس الأولون يعني المشايخ أن الذي بايعته مليّ وفي فكتب عليه كتاب شبه آثار الدار وقد درست بكتابه هذا الكتاب في قوله عرفت الديار كرقم الدواة. قال أبو محمد " فإذا جاؤا بالباء قالوا أوعدته بالشر " قال العديل بن الفرخ العجلي وكان الحجاج طلبه فهرب منه وهجاه:
أوعدني بالسجن والأداهم رجلي ورجلي شئنة المناسم
الأداهم القيود الواحد أدهم وشثنة غليظة وأراد بالمناسم هنا باطن رجليه واصابعهما على طريق الاستعارة وإنما المنسم للبعير خاصة بمنزلة الظفر من الإنسان وهذا كما استعار الآخر الحافي للقدم فقال: على البكر يمريه بساق وحافر ورجلي في موضع نصب عظف على ضمير المفعول في أوعدني تقديره وأوعد رجلي بالأداهم فعطف على عاملين كما قال أبو النجم:
أوصيت من برّة قلبًا حرا بالكلب خيرًا والحماة شرّا
ولا يحسن أن يجعل رجلي بدلا من الضمير المنصوب في أوعدني فيكون التقدير أوعد رجلي بالسجن وبالأدهم لأنه لايقال سجن رجله وإنما يقال سجنه وقيد رجله بالسجن للشخص والقيد للرجل والعطف على عاملين قد جاء في القرآن وهو في الشعر كثير.
قال أبو محمد " لاح النجم إذا بدا وألاح إذا تلألأ " قال المتلمس: هجعوا ناموا والهجوع النوم وسهيل هذا الكوكب الذي يراه الناس بالعراق أربعين يوما ومسيره من اليمن ويدوم طلوعه بها ولا يراه أهل الشام ولا خراسان
[ ٢٠٠ ]
والضرم دق الحطب الذي يسرع اشتعاله الواحدة ضرمة ومقبوس مشعل والقبس النار.
قال أبو محمد " جزت الموضع وأجزته قطعته وخلفته قال امرؤ القيس ":
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت ذي قفافعقنقل
هصرت بفودي رأسها فتمايلت عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
الساحة والباحة والفجوة والعروة كلها عرصة الدار ورحبتها وانتحى اعترض والخبت بطن من الأرض ويروى بطن حقف وهو ما اعوج من الرمل وانثنى وجمعه أحقاف والعقنقل المتعقد الداخل بعضه في بعض وجواب لما هصرت بفودي رأسها وقال بعضهم الجواب قوله وانتحى بنا والواو مقحمة ويجوز أن تكون الواو غير مقحمة ويكون الجواب محذوفا يكون التقدير فلما أجزنا ساحة الحي أمنا ويكون رواية البيت الذي بعده على هذا:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت وهصرت جذبت وثنيت والفودان جانبا الرأس والكشح ما بين منقطع الأضلاع إلى الورك والمخلخل موضع الخلخال يصف دقة خصرها وعبالة ساقيها وهضيم الكشح منصوب على الحال وكذلك ريّا المخلخل ومن روى إذا قلت هاتي نوليني فمعنى التنويل التقبيل ويكون إذا ظرف تمايلت وهو الجواب وهضيم عند الكوفيين بمعنى مهضمومة فلذلك كان بلا هاء وعند سيبويه على النسب وريّا فعلى من الري وهو انتهاء شرب العطشان ومعنى البيت أنه إذا قال لها نوليني تمايلت عليه ملتزمة له.
قال أبو محمد " أشررت الشيء أظهرته " قال كعب بن جعل في يوم صفين:
وقد صبرت حول ابن عم محمد لدى الموت شهباء المناكب شارف
فما برحوا حتى رأى الله صبرهم وحتى أشرّت بالأكف المصاحف
يمدح عليًّا ﵇ لأن عامتهم كانوا ربيعة وكعب تغلبي وتغلب من ربيعة وليس مدحًا لأهل الشام ولدى بمعنى عند وشهباء كتيبة الشهبة بياض يصدعه
[ ٢٠١ ]
سواد وجعلها شهباء لما فيها من بياض السلاح في حال السواد والمنكب من كل شيء مجمع عظم العضد والكتف وحبل العاتق من الإنسان والطائر وكل شيء وأراد بالمناكب النواحي والشارف الناقة المسنة واستعاره للكتيبة. ما برحوا يعني أصحاب علي وصبروا حتى رأى الله صبرهم وحتى أظهر أهل الشام المصاحف ودعوا إلى التحكيم والقصة معروفة. قال أبو محمد " بعضهم يجيز نصف النهار ينصف إذا انتصف " وأنشد للمسيب بن علسٍ:
نصف النهار الماء غامره ورفيقه بالغيب ما يدي
أراد انتصف النهار والماء غامره لم يخرج منه ذكر غائصا أنه غاص وانتصف النهار ولم يخرج من الماء وشريك الغواص ما يدري ما يلقى الغواص من الشدة والجهد في طلب الدرة التي غاص من أجلها والماء مبتدأ وغامره خبره والجملة في موضع الحال وإذا كانت الجملة حالا كان فيها عائد إلى ذي الحال فإن لم يكن فيها عائد لم يكن من الواو بدّ لتسد مسد العائد.
قال أبو محمد " أجمع فلان أمره فهو مجمع إذا عزم عليه " قال الشاعر:
نهلّ ونسعى بالمصابيح وسطها لها أمر حزم لا يفرّق مجمع
المصابيح هنا جمع مصباح وهو إناء يسقى فيه الصبوح شرب الغداة يقول نسعى على الضيفان بهذه الآنية نسقيهم فيها اللبن وقوله لها أمر حزم يعني للمرأة التي هي أمّ مثواهم أي لها جودة رأي غير منتشر ولا متفرق لأنها أشارت بمذق اللبن لقصوره عن كفاية الضيفان لأنه يقول في البيت الذي بعده:
نمدّ لهم الماء لا من هوانهم ولكن إذا ما ضاق شيء يوسع