فربما وضع الناس أحدهما موضع الآخر قال أبو محمد " وكبر الشيء معظمه " قال: وقال الله ﷿ " والذي تولى كبره منهم " وقال قيس بن الخطيم:
كأن لبّاتها تبدّدها هزلى جراد أجوافه جلف
تنام عن كبر شأنها فإذا قامت رويدًا تكاد تنغرف
جمع اللّبة بما حولها وشبّه ما نظم في عقدها بالجراد لأنه يصاغ على صيغة الجراد وتنغرف وتنقصف بمعنى واحد يصف امرأة بالنعمة والرفاهية وقلة العمل وهذا يحسنها وينعم بدنها وقال تنام عن معظم شأنها لأنها كفية تخدم ورويدًا معناه برفق ودعةٍ وتنغرف أي تنقطع من نعمتها.
قال أبو محمد " والحرق النار نفسها يقال في حرق الله " قال رؤبة:
تكاد أيدين تهوى في الزهق شدًا سريعًا مثل أضرم الحرق
يصف الحمر تهوي أي تسقط هوّة والزهق مجاوزة القدر في كل شيء يريد أنهن يمددن أيديهن فوق القدر يقال للفرس إذا جرى مع خيل فتقدمها وسبقها قد انزهق منها والشد العدو الشديد والأضرم الأشعال شبه عدوهن باشتعال النار.
قال أبو محمد " والعرّ قروح تخرج في مشافر الإبل وقوائمها قال النابغة ":
أتوعد عبدًا لم يخنك أمانة وتترك عبدًا ظالما وهو ضالع
وحملتني ذنب امرئ وتركته كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع
يخاطب النعمان بن المنذر ويعتذر إليه مما وشت به بنو قريع وقوله أتوعد أي أتهدد وقوله وتترك عبدا ظالما أي ظالما ربّه في خيانته وتركه لقضاء حقه والضالع الجائر ويروى طالع بالطاء أي معوج عن الحق أخذ من طلع البعير والعر قروح تخرج في مشافر الإبل وأعناقها مثل القوباء وكان أهل الجاهلية
[ ١٩٤ ]
بجهلهم يعترضون بعيرا من الإبل الصحيحة فيكوون مشفره وفخذه وعضده يرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب القرح من إبلهم يقول فأنا بريء وغيري السقيم المذنب فحملتني ذنبه وأعفيته ضربه مثلا.
قال أبو محمد " الطعم الطعام والطعم الشهوه " وأنشد لأبي خراش:
أردّ شجاع البطن قد تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح فأتنهي إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
يخاطب امرأته أم الأديبر شجاع البطن حية تكون فيه والطعم ما أكل وشجاع البطن في الحقيقة إنما هو لذع الجوع وليس هناك حية وإنما هذا شيء كان يعتقده أهل الجاهلية ويسمونه الصفر وقد أبطله النبي ﷺ في قوله " لا عدوى ولا طيرة ولا صفر " والماء القراح الخالص يقال لكل خالص من ماء أو غيره مما يؤكل ويشرب قراح والمزلج المدفع ويقال لكل ما لا يبالغ فيه مزلج وذا طعم طيبا في فيه وقوله فأنتهي أي أكف نفسي عن الطعام إذا شربت الماء القراح وإذا كان الزاد طيبا في المزلج فأنا أشرب الماء القراح وأوثر أضيافي باللبن. ومثله بيت عروة بن الورد: أقسّم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد ويقال زاد ذو طعم إذا كان طيبًا.
قال أبو محمد " والحور النقصان " وأنشد لسبيع بن الخطيم التيمي:
لولا الآله ولولا مجد طالبها للهو جوها كما نالوا من العير
واستعجلوا عن حثيث المضغ فازدردوا والذم يبقى وزاد القوم في حور أغار بنو صبح على إبل سبيع فاستغاث بزيد الفوارس الضبي عليهم فانتزعها منهم فمدحه يقول لولا الآلة ولولا شرف زيد وكرمه لأخذ هؤلاء القوم إبلي والهوجة ألا يبالغ في انضاج اللحم يريد أكلوا لحمها غير نضيج وابتلعوه من غير مضغ جيد والازدراد الابتلاع يريد الذم يبقى على الأيام والأكل يذهب.
[ ١٩٥ ]
قال أبو محمد " والمروحة الأرض التي تخترق فيها الريح " وأنشد: كأن راكبها غصن بمروحةٍ إذا تدلت به أو شارب ثمل شبه راكب هذه الناقة في تحريكه لسرعتها بغصن شجرة والشجرة في مكان كثير الريح فالغصن لا يستقر يذهب يمينا وشمالا أو برجل سكران يتمايل من السكر وقوله إذا تدلت به يريد إذا هبطت به الناقة من نشاز إلى مطمئن من الأرض وهذا البيت تمثل به عمر بن الخطاب ﵁ وذلك أنه كان في بعض أسفاره على ناقة صعبة قد أتعبته إذ جاءه رجل بناقة قد ريضت وذللت فركبها فمشت به مشيًا حسنا فأنشد هذا البيت ثم قال أستغفر الله. قال الأصمعي فلا أدري أتمثل به أم قاله.