قولهم " حلب الدهر أشطره " كأنه استخرج درّة الدهر في حلبة لطول تجربته
[ ١١٦ ]
وهي بدل من الدهر بدل الاشتمال والتقدير حلب أشطر الدهر. وقولهم " أخذ الشيء برّمته " فيه قولان أحدهما أن الرّمة في هذا الموضع قطعة حبل يشدّ بها الأسير وذلك أنهم كانوا يشدون الأسير فإذا قدموه ليقتل قالوا أخذناه برمته أي بالحبل المشدود به ثم استعمل في غير هذا والقول الآخر قد ذكره ابو محمد وأنشد للأعشى بيتا قبله:
تنخّلها من بكار القطاف أزيرق آمن أكسادها
كحوصلة الرأل في دنها إذا اجنئت بعد أقعادها
فقلت له هذه هاتها بأدماء في حبل مقتادها
تنخلها أي تخير هذه الخمرة. وألازيرق الخمار وجعله أزرق لأنه كان علجا. وبكار القطاف أوله حين يقطف فيعصر أراد أول الخمر. وقوله آمن أكسادها يقول قد علم أنها جيدة فهو لا يخاف كسادها يقال أكسد الرجل إذا كدت سوقه وشبهها بحوصلة الرأل لحمرتها والرأل فرخ النعامة وحوصلته حمراء. ويقال بل أراد أن السنين أتت عليها فقللتها حتى اجنئت أي أضحت وأميلت بعد ما كانت منتصبة وهو إقعادها فقلت له أي للخمار هذه هاتها أي يعني هذه الخمرة فإني لا أريد غيرها. بأدماء أي بناقة أدماء وهي الصادقة البياض السوداء الأشفار والذكر آدم وفي الظباء الحمراء وفي الناس السمراء ومقتادها عبدها الي يقودها ويروي هاتها إلينا بأدماء مقتادها أي بالتي يقتاد عبدها الذي يقودها ويروي هاتها إلينا بأدماء مقتادها أي بالتي يقتاد صاحبها مثلها كما تقول امرأة حاطبها وجارية طالبها أي بالتي يطلب مثلها ويقال في قولهم " مابه قلبةٌ " أنه داء يصيب الإبل في رؤوسها فتقلبها إلى فوق. وأنشد أبو محمد لحميد بن ثور وذكر فرسا:
لا رحح فيها ولا اصطرار ولم يقلب أرضها البيطار
ولا لحبليه بها حبار
الرحح سعة الحافر وهو عيب يقال حافر أرحّ إذا كان واسعا والاصطرار ضيقة وهو عيب يقال حافر مصطر إذا كان ضيقا. ولم يقلب أرضها أي قوائمها والبيطار العالم بأحوال الخيل وأدوائها ويقال له ايضا بيطر ومبيطر. وقوله ولا لحبليه بها حبار يقول لم يشدها بحبليه فيؤثرا فيها وحبلاه الزيار والشكال.
[ ١١٧ ]
وقولهم " فلان نسيج وحده " أي هو واحد في معناه ليس له فيه ثان كأنه ثوب نسج على حدته لم ينسج معه غيره. ووحده منصوب في جميع كلام العرب إلا في ثلاثة مواضع نسيج وحده وعيير وحده وجحيش وحده وهما ذم يراد بهما رجل نفسه لا ينتفع به غيره وهي نكرات وهو في غير هذا منصوب كقولك لا آله إلا الله وحده لا شريك له وفي نصبه ثلاثة أقوال قال قوم من البصريين هو منصوب على الحال وقال يونس وحده عندهم بمنزلة عنده وقال هشام وحده منصوب على المصدر وفعله وحد يحد. وقولهم " لئيمٌ راضع " فيه أربعة أقوال أحدهما أنه الذي رضع اللؤم من ثدي أمّه أي ولد في اللؤم ونشأ فيه وقيل الراضع الذي يأخذ الخلالة من رأس الخلالة فيأكلها بخلا وحرصا على أن لا يفوته شيء وقيل الراضع هو الراعي لا يمسك معه محلبا فإذا جاءه إنسان فسأله أن يسقيه احتج بأنه لا محلب معه وإذا أراد هو الشرب رضع الناقة والشاة والوجه الرابع الذي ذكره. وقولهم " وضع على يدي عدل " هو العدل بن جزء بن سعد العشيرة وفي الكتاب هو العدل بن فلان وأخبرت عن محمد بن سعد أنه قال إنما سمي سعد العشيرة لأنه طال عمره وكثر ولده فكان ولده وولد ولده ثلاثمائة رجل فكان يركب فيهم فيقال من هؤلاء معك يا سعد فيقول عشيرتي مخافة العين عليهم فقيل سعد العشيرة. وقولهم " برح الخفاء " يقال برح الخفاء من قولهم ما برحت من مكاني أي ما زلت ومن قال برح أراد انكشف وزال الخفاء وأول من قاله شقّ الكاهن. وقولهم " لا تبلم عليه " فيه قولان أحدهما الذي ذكره وهو قول الأصمعي والثاني هو تفعّل من الأبلمة وهي خوصة المقل والمعنى لا يجمع عليه أنواع المكروه كجمع الخوصة لبقل وفي الأبلمة ثلاث لغات أبلمةٌ وأبلمةٌ وابلمة. وقولهم " طعنه فقطره " إذا ألقاه على أحد قطريه فإن ألقاه على وجهه قيل قحطبه وإن ألقاه على رأسه قيل نكته وإن ألقاه على قفاه قيل نكته وإن ألقاه على قفاه قيل سلقه وسلقاه وأنشد أبو محمد عن أبي زيد:
قد أركب الاله بعد الآله وأترك العاجز بالجداله
منعفرًا ليست له محاله قوله الآله بعد الآله أي الحالة بعد الحالة والمنعفر المتلطخ بالعفر وهو التراب. والمحالة ههنا الحيلة. وقوله " بكى الصبيّ حتى فحم " مصدره الفحم
[ ١١٨ ]
والفحم والفحم. وقولهم " غضب واستشاط " يجوز أن يكون من شاط إذا هلك كأنه احتدّ حتى أشرف على الهلاك قال الأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله وقد يشيط على أرماحنا البطل
وقد يجوز أن يكون معنى استشاط هلك حلمه ومنه الغضب غول الحلم وسمى الشيطان لأنه يشيط بقلب ابن آدم أي يميل فقولهم غضب واستشاط يجوز أن يكون أيضا من الميل عن الحق والجور عنه إذا كان غضبه فيما لا يرضى فإن كان الغضب في حق فمعنى استشاط أي حاد عن طبعه الذي كان عليه. وقولهم " عدا فلان طوره " إذا افتخر فوق مقداره وادعى رتبة ليس لها وذلك أن الطوار فناء الدار وليس لأحد حقٌ ما عدا فناءه والطور في غير هذا الحال. وقيل في قولهم " أمر لا ينادي وليده " قال ابن الأعرابي معناه أمر كامل ما فيه خلل ولا اضطراب قد قام به الكبار فاستغنى بهم عن نداء الصغار وقال الفراء هذه لفظة تستعملها العرب إذا أرادت الغاية وأنشد:
لقد شرعت كفّا يزيد بن مزيد شرائع جود لا ينادى وليدها
وقوله وقال أبو العميثل العميثل الرجل الطويل وقيل الأسد. وقولهم " لكل ساقطة لاقطة " معناه لكل كلمة ساقطة أي يسقط بها الإنسان لاقط أي متحفظ لها فكان يجب أن يقال لكل ساقطة لاقط أي لكل كلمة خطأ متحفظ لها فأدخلت الهاء في اللاقطة ليزدوج الكلام كما قالوا أني لآتيه بالغدايا والعشايا وقال الفراء العرب تدخل الهاء في نعت المذكر في المدح والذم للمبالغة يذهبون في المدح إلى معنى الداهية وفي الذم إلى معنى البهيمة ولم يقل هذا غير الفراء ومن أخذ بقوله. وقولهم " على ما خيّلت " معناه على ما أرت الحال وشبهت فأضمر الحال ولم يجر لها ذكرٌ لعلم المخاطب بها كما قال تعالى " حتى توارت بالحجاب " يعني الشمس فاضمرها ولم يجر لها ذكر. ويقال معنى قولهم على ما خيّلت أي ما أرتك نفسك أنه الصواب ويقال على ما تخيلت وخيلت هو الكلام الجيد والأصل فيه من قولهم خيلت السحابة وتخيلت إذا أرت مخيلة المطر والمخيلة نفس السحابة فإذا أردت الفعل قلت
[ ١١٩ ]
مخيلة والفعل منه خالت وأخالت وأخيلت وتخيلت. وقولهم " تركته يتلدد " معناه بقي متحيرا ينظر مرة إلى هذا اللديد ومرة إلى هذا اللديد وقال الأصمعي هو مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه ومن ذلك اللدود وهو ما سقيه الإنسان في أحد شقي الفم وقولهم " كبر حتى صار كأنه قفة " اشتقاق القفة من تقفف أي تقبّض واجنمع يقال استقفّ الشيخ إذا انضم وتشنّج وقال بعضهم القفة شجرة مستديرة ترتفع من الأرض قدر شبر وتيبس فيشبّه بها الشيخ إذا عسا فيقال كأنه قفة قال أبو بكر بن الأنباري وجائز أن يشبه الشيخ بقفة الخوص. وقولهم " خبيثٌ داعر " الداعر الخبيث الفاجر يقال دعر الرجل دعرًا إذا كان يسرق ويزنى ويؤذي الناس وهو الدّعار أيضا فهو بالدال وأما الذاعر بالذال معجمة فالمفرغ يقال قد ذعرت الرجل إذا أفزعته، وقولهم " مائة ونيف " النيف وزنه فيعل ولا يجوز تخفيفه لعلتين أحداهما أن المخفف من المشدد إنما يستعمل فيما يستعملونه ولا يجعل قياسا والأخرى أن الميت والهين كثر استعماله وهذا قل استعماله لأن كل شيء معلوم أنه يموت من جماد وحيوان يقال مات الثوب بلي وماتت الأرض لم تنبت وليست كل مائة تزيد ولو قيل لجاز وقد خففت النية فقالوا النية. وقال أبو العباس الذي حصلنا من كلام حذاق البصريين والكوفيين أن النيف من واحد إلى ثلاث والبضع من أربع إلى تسع ولا يقال نيّفٌ إلا بعد كل عقد. قال أبو محمد وقولهم " لاجرم " قال الفراء هي بمنزلة لا بد ولا محال ثم كثرت في الكلام حتى صارت كقولك حقًا واصله من جرمت أي كسبت قال الشاعر هو أبو أسماء بن الضريبة.
ولقد طعنت أبا عينة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
جرمت معناه كسبت وهو يتعدى إلى مفعولين كما أن كسبت كذلك ففزارة المفعول الأول وأن تغضبوا المفعول الثاني قال أبو عبيدة معناه أحقّت الطعنة لعم الغضب وروى قوم فزارة الغضب وحقيقة معنى لا جرم أن لا نفي لكلام وجرم بمعنى كسب وقولع تعالى " لا جرم أنهم في الآخرة " لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم فردّ ذلك فقيل لا ينفعهم ذلك ثم ابتدئ فقيل " لاجرم أنهم في الأخرة هم الآخرون " أي كسب ذلك العمل لهم الخسران وفي لا جرم ست لغات لا جرم أنك محسن وهي لغة أهل الحجاز ولا جرم أنك محسن بضم الجيم وتسكين الراء وبنو فزارة يقولون لا جرانك محسن وبنو عامر يقولون لا جرم أنك قائم ويقال لا إن ذا جرم إنك عمرو لا جرم أن لهم
[ ١٢٠ ]
النار على وزن لا لا كرم. قال أبو محمد وكان الدليل بالفلاة ربما أخذ التراب فشمه ليعلم أعلى قصدٍ هو أم على جور ثم كثر ذلك حتى سمعوا البعد مسافة وأنشد لرؤية:
تنشّطته كل مغلاة الرهق مسودة الأعطاف من وشم العرق
مضبورة قرواء هر جاب فنق مائرة الضبعين مصلات العنق
إذا الدليل استاف ألاق الطرق يصف ناقة والنّشط سرعة المشي يقول رمت بيديها ثم ردتها سريعًا إلى صدرها أي أسرعت المشي في هذا المهمه. والهاء في تنشطه راجعة إلى المهمة وأصل النشط الجذب. والمغلاة السريعة السير من الغلو وهو بعد الخطوة ويقال المغلاة الناقة التي تغلو في سيرها والوهق من المواهقة وهو التباري في السير مع المواظبة عليه. والأعطاف الجوانب الواحد عطف. يقول جهدت هذه الناقة جتى عرقت فبقي أثر عرقها أسود كالوشم ويقال أن الناقة إذا وردت لخمس عرقت عرقا خاثرا كالزفت. والمضبورة هي المجموع بعضها إلى بعض الموثوقة الخلق ومنه إضبارة الكتب والقرواء الطويلة القرى وهو الظهر ولا يكاد يقال للذكر أقرى والهر جاب الطويلة على وجه الأرض الضخمة الوثيقة الخلق والفنق الكثيرة واللحم وامرأة فنقٌ أي مفتّقة منعمة. ومائرة الضبعين أي مترددتهما. والضبعان العضدان. والمصلات السهلة العنق أي ليست بكثيرة لحم العنق ولا بكثيرة الشعر. وأخلاق الطرق البعيدة القديمة الواحد خلقٌ وهي الطرق التي لا يسار فيها لقدمها. يقول هذه الناقة تهتدي في هذا الموضع الذي يضل فيه الدليل وتسرع فيه السير. وإنما يقصد بشم التراب رائحة الأبوال والأبعار فيعلم بذلك أنه مسلوك.
ومن المنسوب قول أبي محمد " القطا كدرى نسب إلى معظم القطا وهي كدرٌ وكذلك القمري منسوب إلى طير دبس " ليس بصحيح عندهم لأن الجمع لا ينسب إليه إذا لم يسم به والصحيح أنه منسوب إلى القمرة والدبسة والكدرة. وقوله: " والحداد هالكي لأن أول من عمل الحديد الهالك بن عمرو " وقيل إنما سمي الحداد بذلك لأنه يتهالك على الحديد إذا حلاه ومنه سميت الفاجرة هلوكا لتثنيها في مشيها.
[ ١٢١ ]