قال أبو محمد " شتان ما هما بنصب النون ولا يقال ما بينهما قال الأعشى ":
وقد أسلّي الهمّ حين اعترى بجسرة دوسرة عاقر
شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر
الجسرة العظيمة من النوق والدوسرة مثلها والعاقر التي لم تحمل وذلك أصلب لها يقول أسلى الهمّ بركوب ناقة هذه صفتها ثم قال شتان ما يومي على كورها والكور الرجل بأداته وحيان رجل من بني حنفيه كان ينادم الأعشى وله أخ يقال له جابر يقول أن يومي في الرحيل والركوب على كور هذه الناقة ليس مثل يومي مع حيان وشربنا وتنعيمنا أي هذا مفترق وحيّان كان خليلا للأعشى ولم يكن جابر مثله فغضب لما ضمه الأعشى إليه ولم ينادمه فاعتذر إليه بالقافية.
قال أبو محمد " وليس قول من قال لشتان ما بين اليزيدين بحجة " وأنشد لربيعة الرقي ويكنى أبا أسامة.
لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليم والأغر بن حاتم
فهمّ الفتى الأزديّ إتلاف ماله وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
[ ٢١٣ ]
اليزيدان يزيد بن حاتم المهبلي وهو الممدوح ويزيد بن أسيد وكان المنصور قد عقد ليزيد بن أسيد على ديار مضروعقد ليزيد بن حاتم على ديار إفريقية وسارا معا فكان يزيد بن حاتم يمون الكتيبتين جميعا أصحابه وأصحاب يزيد بن أسيد وقال ربيعة أيضا فيهما:
يزيد الخير أن يزيد قومي سميك لا يجود كما تجود
يقود كتيبة وتقود أخرى فترزق من تقود ومن يقود
وقال يزيد قومي لأنه كان مولى بني سليم ويزيد بن أسيد سلمى وربيعة الرقي لا يستشهد بشعره وكان ربيعة مدح يزيد بن حاتم فأنح له ولم يكفه فكتب إليه.
أراني ولا كفر إن الله راجعا بخفّي حنين من يزيد بن حاتم
فدعاه وحشا خفيه دنانير وأمر له بغلمان وجوار وكسى فقال لشتان ما بين البيتين. وشتان مصروفة عن شتت والفتحة في النون هي الفتحة في التاء والفتحة تدل على أنه مصروف عن الفعل الماضي وقيل هـ يكسبحان من التسبيح اسم المصدر. قال ابو محمد " ويقال سمكٌ مليحٌ ولا يقال مالحٌ وقد قال غدافر وليس بحجة " وعذافر فقيميٌّ.
لو شاء ربي لم أكن كريا ولم أسق بشعفر المطيا
بصرية تزوجت بصريا يطعمها المالح والطريا
وجيد البرّ لها مقليّا حتى نتت سرتها نتيّا
وفعلت ثنتها فريّا عذافر هذا من بني فقيم وكان يكري إبله إلى مكة وأكرى معه رجل من بني حنفة من أهل البصرة بعيرًا يركبه هو وزوجته وكان اسمها شعفر وكان الحنفي وزوجته سمينين فنزل الفقيميّ يزجر بهما فقال هذه الأبيات والمطي جمع مطية وهي الناقة وقد مضى اشتقاقها والمقلي المشوي على المقلى ونتت أصله نتأت وأبدل الهمزة ألفا وحذفها رلتقاء الساكنين ونتيًا أراد نتوءًا فقلب الهمزة ياء وقبلها واو ساكنة فقلبت واو ساكنة فقلبت الواو ياء وادغمت الياء في الياء والثنة ما بين السّرّة والعانة
[ ٢١٤ ]
وهي مراق البطن والفريّ العجب. وقد جاء المالح في شعر من قوله حجة وهو جرير قال يهجو آل المهلب:
كانوا إذا جعلوا في صيرهم بصلا ثم اشتووا مالحا من كنعد جدفوا
الصير الصحناة والكنعد ضرب من السمك يريد كانوا ملاحين.
وقال أبو محمد " يقال فاظ الميت يفيظ فيظًا ويفوظ فوظًا كذاروه الأصمعي وأنشد لرؤبة ".
والأسد أمسى شلوهم لفاظا لا يدفنون منهم من فاظا
يمدح بني تميم ويهجو ربيعة والأسد وكانا متخالفين على مضر ويذكر من قتلت مضر من ربيعة والأسد في الحروب التي كانت بينهم في المربد وهي واقعة مشهورة والأسد لغة في الأزد والشلو الجسد واللفاظ الملفوظ يقول لا يدفنون قتلاهم لكثرتهم.
قال أبو محمد " ولا يقال فاظت نفسه ولا فاضت إنما يفيض الماء وأنشد الأصمعي ":
كادت النفس أن تفيظ عليه إذ ثوى حشو ربطةٍ وبرود
كاد من أفعال المقاربة وهي تستعمل بغير أن يقال كاد فلان يفعل معناه قارب الفعل ولم يفعل لأن مقاربة الفعل تمنع من ذخول أن من حيث أن أن للاستقبال ولكن كاد تشبّه بعسى كما تشبه عسى بكاد وثوى أقام والريطة الملاءة والبرود جمع بردٍ.
قال أبو محمد " قولهم ياما صّان خطأ إنما هو يامصّان ويامصّانة " وأنشد بيتا لزياد الأعجم يهجو خالد بن عتاب بن ورقاء وقبله:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا أبظراء أم مخنونة أم خالد
فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها فما ختنت إلا ومصّان قاعد
يقول أنا في شك أمختونة هي أم لا ثم قال وإن كنت أعلم أنها كذلك فإن
[ ٢١٥ ]
كانت مختونة فما ختنت إلا بعد ما كبر ابنها فختنت بحضرته وعني بمصان ابنها ويروى ختنت وخفضت ووضعت وبضعت وهي بمعنى واحد. ويقال رجل مصّانٌ وماص ولا يقال ماصان.
قال أبو محمج " هو أخوه بلبان أمه ولا يقال بلبن أمه " قوله ولا يقال بلبن أمه قد يقال في الناس لبن ولبان ولا يقال لبان في غير الناس والأكثر في الناس اللبان وجاء في الحديث في لبن الفحل أنه يحرّم ولم يرو لبان الفحل وهو أن يكون للرجل امرأة ترضع فكل من أرضعته بلبنه فهم ولد زوجها محرمون عليه وعلى ولده من ولد تلك المرأة ومن ولد غيرها لأنه ابوهم جميعا وفي حديث آخر أن خديجة بكت فقال لها النبي ﷺ " ما يبكيك " فقالت درت لبنة القاسم. وأنشد أبو محمد للأعشى يمدح المحلق من بني بكر بن كلاب واسمه عبد العزيز وإنما سمّي المحلق لأن فرسه كدمه فصار اثر ذلك كالحلقة.
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار في يفاع تحرّق
تشبّ لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلّق
رضيعي لبان ثدي أن تقاسما بأسحم داج عوض لا نتفرق
لعمري أقسم ببقائه ولاحت نظرت واليفاع المشرف وقوله وبات على النار يقول بات على هذه النار الجود والمحلق لأن الجود ضجيع المحلق لا يفارقه وقوله رضيعي لبانٍ يريد أنهما أخوان وأمهما واحدة وهذا على طريق المثل وقوله تقاسما يريد تحالفا ألا يفارق أحدهما صاحبه وقوله بأسحم داج قيل هو الرماد يقول تحالفاعند الرماد وهو صنيع الفرس وإلا سحم الأسود الداجي الشديد السواد وقيل بأسحم داج يعني الليل أي تحالفا بالليل وقيل هو الرحم وذلك أن الندى حالف المحلق في الرحم قبل ولادته وقيل هو الدم وذلك أن العرب إذا تحالفت غمست أيديها في الدم وعوض من أسماء الدهر وهو مبني على الضم والفتح والكسر يقول لا نتفرق ابدا. وأنشد ابو محمد لأبي الأسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني رأيت أخاها مغنيا لمكانها
فالا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها
يخاطب مولى له كان يحمل تجارة إلى الأهواز وكان إذا مضى إليها يتناول شيئًا من الشراب فاضطرب أمر البضاعة فقال أبو الأسود هذه الأبيات ينهاه عن
[ ٢١٦ ]
شرب الخمر ويقول إنّ الزبيب يقوم مقامها فإن لم تكن الخمر نفسها من الزبيب فهي أخته اغتديا من شجرة واحدة وقيل أنه عني بقوله أخوها الطلاء.
قال أبو محمد " ويقال جاء بالضج والريح أي جاء بما طلعت عليه الشمس وجرت عليه الريح ولا يقال الضيح " وأنشد لذي الرمة بيتا قبله:
يظل بها الحرباء للشمس ماثلا على الجذل إلا أنه لا يكبر
إذا حول الظل العشي رأيته حنيفا وفي قرن الضحى ينتصر
غدا أكهب الأعلى وراح كأنه من الضج واستقباله الشمس أخضر
قوله يظل بها أي يقيم بالصحاري نهاره والحرباء دويبة على خلقة العظاءة أكبر منها شيئا يستقبل الشمس في الظهائر ويدور معها والماثل المنتصب والجذل أصل الشجرة وأراد الشجرة هنا ولم يرد أصلها أي كأنه يصلّي إلا أنه لا يكبر وقوله إذا حول الظل يقول إذا زالت الشمس استقبل قبلة المشرق والحنيف المسلم وربما قال حنيفا لأنه تلك الساعة بالعشية مستقبل القبلة وهو في حد الضحى أي في وقت الضحى مخالف للقبلة فإنما ينتصر من ذا يدور مع عين الشمس كيف ما دارت وقرن الضحى حاجبها وناحيتها وقوله أكهب الأعلى الكهبة غبرة إلى السواد ويروى أصفر الأعلى وهو هكذا يصفر على الشمس ويخضر والضح الشمس قال أبو محمد " قال أبو زيد هما خصيان إذا ثنيا فإذا أفردت الواحدة قلت هذه خصية وهما أليان فإذا أفردت قلت ألية " وأنشد:
قد حلفت بالله لا أحبه إن طال خصياه وقصر زّبه
يقول أقسمت امرأة هذا الرجل بالله أنها لا تحبه لكبره ومن عادة الكبير إن يسترخي صفنه فتطول خصياه ويتشنج ذكره فيقصر وقصّر تخفيف قصر وكل ما كان على فعل أو فعل يجوز تخفيفه.
وأنشد أبو محمد ايضًا بيتًا قبله:
كأنما عطية بن كعب ظعينة زاقفة في ركب
ترتج ألياه ارتجاج الوطب الظعينة المرأة شبه عجزه بعجز المرأة والركب أصحاب الإبل والارتجاج
[ ٢١٧ ]
الاضطراب والوطب سقاء اللبن. قال أبو محمد " يقال هو مني مدى البصر ولا يقال مد البصر " قال القحيف:
بنات بنات أعوج ملجمات مدى الأبصار عليتها الفحال
أعوج فرس كان لغني بن أعصر وهو أعوج الأكبر وليس في العرب فحل أشهر ولا أكثر نسلا ولا الشعراء والفرسان أكثر له ذكرا به وافتخارا من أعوج ومدى البصر متناه وقد يقال مد البصر ومدى أجود وأكثر قال الأصمعي وأول ماروي من عدو أعوج أنه أغير على الناس في يوم النسار وصاحب أعوج الأكبر موثقه بثمامة فلما أغارت الخيل في وجه الصبح جال في متنه ثم صاح به ونسى الوثاق فاقتلع الثمامة وخرج يخف به كأنه حذر وفٌ فسار مسيرة أربع ليال.
قال أبو محمد " وأما المستأهل فهو الذي يأخذ الإهالة " وأنشد لعمرو بن أسوى ابن عبد القيس:
لا بل كلي ياميّ واستأهلي إن الذي أنفقت من ماليه
استأهلي أي إهالة وهوالشحم المذاب وياميّ نداء مرخم يريد ياميّة ويجوز في الياء الضم والفتح. وأنشد أبو محمد في الحافرة:
أحافرةً على صلعٍ وشيبٍ معاذ الله من سفهٍ وعار
انتصب حافرة لأنه في معنى المصدر أقيم مقامه تقدير الكلام أرجوعًا إلى أول أمري وقد صلعت وشبت يريد أرجع رجوعًا ثم حذف الفعل واكتفى بالمصدر ثم جعل الاسم في موضع المصدر وقد أقاموا الصفات والأسماء مقام المصدر وحذفوا الفعل معها كقولهم هنيئًا مريئًا في الصفات وتربًا وجندلا في الأسماء وذلك محمول على باب سقيًا ورعيًا.
قال أبو محمد " عدس زجر البغل والعوام تقول عد " وأنشد:
إذا حملت بزتي على عدس فما أبالي من غزا ومن جلس
يريد ببزته سلاحه يقول إذا فعلت ذلك فما أبالي من غزا ومن تخلف عن الغزو. قال أبو محمد " وقال ابن مفرّع الحميري ":
عدس مالعباد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليق
[ ٢١٨ ]
كان سعيد بن عثمان بن عفان استصحب يزيد بن مفرغ حين ولي خراسان فلم يصحبه وصحب عباد بن زياد بن أبي سفيان فلم يحمده فهجاه فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذبه فلما طال حبسه بعث رجلًا وحمله أبياتًا وأمره أن ينشدها على طريق دمشق إذا انصرف الناس من الجمعة على باب معاوية:
أبلغ لديك بني قحطان قاطبة عضّت بأير أبيها سادة اليمن
أمسي دعيّ زياد فقع قرقرة يا للعجائب يلهو بابن ذي يزن
فلما سمع أشراف اليمن هذا الشعر دخلوا على معاوية فكلموه فوجه رجلا يقال له جهنّام من بني راسب وكتب له عهدًا وأنفذه على البريد وأمره أن يبدأ بالحسن فيخرج منه يزيد بن مفرغ قبل أن يعلم عباد ففعل جهنام ذلك فلما أخرجه من الحبس قرب إليه دابة من البريد ليركبها فلما استوى عليها قال عدس ما لعباد البيت يقول لا سلطان لعباد عليك والطليق المطلق وهذا مبتدأ وطليق خبره وتحملين جملة في موضع الحال والتقدير وهذا طليق في حال حملك له ويقال أن هذا في معنى الذي وقد حكاه جماعة وتحملين صلته وهو في موضع رفع بالابتداء وطليق خبره وتقديره والذي تحملينه طليق ويجوز حذف العائد من الصلة إذا كان متصلا للصوق الاسم بالصلة. وأخبرني ابن بندار عن ابن رزمة عن أبي سعيد عن ابن دريد أنه قال كان الخليل يزعم أن عدسا كان عنيفا بالبغال أيام سليمان بن داود فالبغال إذا قيل لها عدس انزعجت.
قال أبو محمد " وهو الدرياق ولا يقال الترياق قال الشاعر " هو تميم بن أبي بن مقبل وقبل البيت الذي أنشده:
ليالي ليلى على عانطٍ وليلى هوى النفس ما لم تبن
سقتني بصهباء درياقة متى ما تلن عظامي تلن
عانط بلد ويروى ناعط وقوله ما لم تبن أي ما لم تفارق يريد كانت النفس تهواها مدة اجتماعنا وتجاورنا وبعد ما فارقت وقوله سقتني بصهباء أي سقتني صهباء يعني خمرا فزاد الباء كما قال الله ﷿: عينا يشرب بها عباد الله " أي يشربها وسميت الخمر صهباء للونها والصهبة في الألوان الحمرة والدرياقة من أسماء الخمر ايضا. قال أبو محمد " وهو الحندقوق نبطيّ معرب قال ولا يقال حندوقي " في هذه الكلمة أربع لغات يقال حندقوق وحندقوق وحندقوقي وحندقوقي
[ ٢١٩ ]
أخبرني بذلك أبو زكرياء.