أنشد للكميت
وما من تهتفين به لنصر بأقرب جابةً لك من هديل
تهتفين تنادين والهتف الصوت الشديد هتف يهتف. والجابة الاسم من قولك أجاب والمصدر الإجابة كما تقول أطاع والاسم الطاعة يريد أن من تدعوه لنصرها لا يجيبها كما أن الهديل كذلك.
قال أبو محمد " ومرّة يجعلونه الطائر نفسه قال جرّان العود ":
ذكرت الصبى فأنهلت العين تذرف وراجعك الشوق الذي كنت تعرف
وكان فؤادي قد صحا ثم هاجني جمائم ورقٌ بالمدينة هتف
كأن الهديل الضالع الرجل وسطها من البغي شريبٌ يغرّد مترف
انهلت سالت وأصل ذلك أن يقطر قطرًا له صوت وذرفت من الذرفان وهو الذريف وهو أن يقطر قطؤًا ضعيفًا وقوله قد صحا أي سكن ما به وزال وورق في ألوانها تغير وهو جمع أورق وورقاء والمصدر الورقة وهو سواد في غبرة كلون الرماد وهتف تصيح والهديل ههنا الفرخ بعينه وظالع يغمز من رجله يقول من نشاطه كأنه ظالع لما هو فيه من الطرب وشريب الذي قد أكثر الشرب حتى سكر ويغرد يصيح ويروى بغرّةٍ وهي مدينة بالشام بها قبر هاشم بن عبد مناف ومترف منعم مخلي فيما يريد ويروى مترفٌ وهو السكران وروى أحمد بن
[ ١٧٥ ]
عبيد منزف بكسر الزاي أي قد شرب شرابه حتى أنفده يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمره.
قال أبو محمد " ومرّة يجعلونه الصوت قال ذو الرمة ":
أرى ناقتي عند المحصب شاقها رواح اليماني والهديل المرجع
المحصب الموضع الذي يرمى فيه بحصى الجمار والحصباء الحصى الصغار وشاقها هيج شوقها ورواح اليماني يعني نفرهم واليماني ينفر قبل النفر بيوم والهديل صوت الحمام يقول لما رأت الإبل نحدج وسكعت الهديل اشتاقت.
قال أبو محمد " وأبو براقش طائر يتلون ألوانًا " وأنشد بيتا قبله:
أن يغدروا أو يبخلوا أو يجبنوا لا يجفلوا
يغدو عليك مرجلي ن كأنهم لم يفعلوا
كأبي براقش كل لو ن لونه يتخيل
يهجو قومه يقول إذا فعلوا هذه المقابح والمخازي لم يبالوا ولم يستحيوا للؤمهم وحمقهم وكانوا بمنزلة من لم يفعل فعلا يذم به وقوله مرجلّين يقال رجّل فلان شعره إذا سرحه ودهنه ويقال للمشط المرجل والمسرح ويتخيّل يظن ويروى يتحول أي يتغير من حال إلى حال يقول يتنقلون في المذام كلها ولا يقتصرون منها على البعض كتنقل لون هذا الطائر إلى كل لون.
قال أبو محمد " والواق بكسر القاف الصرد سمى بحكاية صوته " قال:
وجدت أباك الخير بحرًا بنجوة بناه له مجد أشمّ قماقم
سنان معد في الحروب إذا لها وقد طاح منهم سادة ودعائم
وليس بهياب إذا شد رحله يقول عداني اليوم واق وحائم
ولكنه يمضي على ذاك مقدما إذا صد عن تلك الهنات الخثارم
هذه الأبيات رواها أبو عبيد لخثيم بن عدي بن عطيف بن تويل ابن عدي بن حباب الكلبي ولقبه الرقاص ويقال إن الرقاص حمل حمالة فسأل فيها قومه فلم يعطه أحد منهم كبير شيء فحملها مسعود بن بحر فقال الرقاص هذه الأبيات. النجوة الموضع المرتفع والأشم الطويل والقماقم العظيم الضخم
[ ١٧٦ ]
وطاح هلك. والسادة جمع السيد والدعائم جمع دعامة وهو ما يسند به الشيء وهم ههنا السادة وعداني صرفني والغراب والصرد يتطيرون بهما والخثارم المتطير يقال إذا هاب المتطير الأمر من أجل الطيرة مضى هو عليه ولم يهب والهنات كناية عن الأمور التي تيطير منها أي إذا صد المتطير عن الأمر الذي يحاوله من أجل الهنات.
قال أبو محمد " ويقال له أيضا ابن ماء يبزق قال ذو الرمة:
وماء قديم العهد بالناس آجنٌ كأن الدّبا ماء العضا فيه يبزق
وردت أعتسافًا والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماء محلّق
الآجن الماء المتغير من طول العهد والقدم أجن يأجن ويأجن أجونا يقال كأن الدبا بصق في الماء مما أكمل من الغضا أخضر أسود والدبا جراد صغار لم يطر واعتسافًا أخذًا على غير هدى وقمة الرأس أعلاه ابن ماء يعني طائر الماء محلق مرتفع في جو السماء فإذا رأى سمكة غاص عليها.
قال أبو محمد " والمكاء طائر يسقط في الرياض ويمكو أي بصفر " وأنشد:
إذا غرد المكاء في غير روضه فويل لأهل الشاء والحمرات
غرد طرب في صوته والروضة كل مكان مستدير فيه ماء ونبات وسميت روضة لا ستراضة الماء فيها أي استنقاعه ولا يغرد المكاء في غير روضه إلا في زمان الجدب وخصّ أهل الشاء والحمير بالويل لأن الإبل تستطيع اللحوق بالغيث حيث كان ولا تستطيع ذلك الشاء والحمر قال الراعي: ذباب
تناول عرق الغيث إذ لا يناله جمار ابن جزءٍ عاصم وأفارقه
الأفارق جمع فرق وهو القطيع من الغنم.
" معرفة في الهوام والذباب ومواضع الطير " قال أبو محمد " والوزع سامّ أبرص ولا يتثنى ولا يجمع وأنشد أبو زيد ": هذا رجل أتهم ولده فعرض عليه الأبارص فتقزرها فقال وأشار إلى ذكره لو
[ ١٧٧ ]
كنت لهذا خالصًا أي لو خرجت منه لكنت أعرابيًا خالصًا يأكل الأبارص.
وأنشده المفجع والله لو كنت بضم التاء لكنت بضم التاء فيهما وروى أكل الأبارصا وقال في تفسيره هذا يخاطب أباه ويعاتبه وقد كلفه عملًا شاقًا فيه مهنة فقال لو كنت ممن يصلح لهذا العمل لكنت كالعبد المذال الذي يأكل الأبارص.
قال أبو محمد " والنبز دويبه تدب على البعير فيتورم " وأنشد لشبيب ابن البرصاء يصف إبلا سمنت وحملت الشحوم:
كأنها من بدن وإيقار دبت عليها عارمات الأنبار
ويروى ذربات العارمات الشديدات الخبيثات وهو مأخوذ من العرام وهو الشدّة والحدة وذربات مشتق من الذرب وهو الحدة يقال في لسان فلان ذرب أي حدة ويروى من بدن واستيقار وهو في معنى وإيقار والوقر الحمل ويروى واستيفار وهو مأخوذ من الشيء الوافر يقول كأن هذه الإبل من سمنها لسعتها الأنبار فورمت جلودها وحبطت بطونها. قال أبو محمد " والزبابة فارة صماء تضرب بها العرب المثل يقولون أسرق من زبابة ويشبهون بها الجاهل قال ابن حلّزة "
ولقد رأيت معاشرًا قد ثمّروا مالا وولدا
وهم زباب حائر لا تسمع الآذان رعدا
المعاشر الجماعات وثمروا أعطوا ويروى ثمروا أي كثروا والولد جمع ولد مثل أسد وأسد والحائر المتحير الذي يجيء ويذهب لا يتجه لشيء.
قال أبو محمد " ونزك الضب ذكره وله نزكان وكذلك الحرذون وأنشد الأصمعي "
جيى المال عمال العراق وجبوتي محلقة الأذناب صفر الشواكل
رعين الدبا والنقد حتى كأنما كساهن سلطان ثياب المراجل
ترى كل ذيال الشمس عارضت سما بين عرسيه سمو المخابل
سبحل له نزكان كانا فضيلة على كل حاف في البلاد وناعل
جباية المال جمعه واستخراجه والجباية الجمع يقال جبيت الماء في
[ ١٧٨ ]
الحوض إذا جمعته والجوابي الحياض لأنه يجيء فيها الماء أي يجمع ومهلّقة الأذناب لا شعر عليها والشواكل جمع شاكلة وهي الخاصرة والدبا صغار الجراد والنقد الواحدة نقدةٌ ضرب من الشجر أي صدن الجراد ورعين النقد والمراجل ضرب من البرود وذيال طويل الذنب ويكون المتبختر وسما ارتفع وعرساه زوجتاه والمخايل المفاخر بالخيلاء المتكبر وذلك لنزكيه والسجل العظيم. وهذا الشعر لرجل من ربيعة استعمله بن عبد الله القسري على ظهر الحيرة فلما كان يوم النيروز أهدت الدهاقين والعمال جامات الذهب وأهدى هو قفصا من ضباب وقال هذه الأبيات.
قال أبو محمد " والكشية شحم بطنه " وأنشد:
وأنت لو ذقت الكشي بالأكباد لما تركت الضب يعدو بالواد
أخبرنا المبارك بن عبد الجبار بن عبد العزيز الأزجي عن المخلص عن أبى محمد السكري عن أبي سعيد قال حدثني محمد بن أبي الوزير قال إن أول من دل على نفسه الضب إذ كان كل شيء يتكلم قال فمر راكب في بعض الأيام فلما ولى صاح به الضب:
يا أيها الراكب ينجو بالواد إنك لو ذقت الكشى بالأكباد
لما تركت الضب يسعى بالواد يقول لو ذقت كشي الضباب مع أكبادها لحملك طيبها على صيدها حتى كنت لا تدع بواد ضبًا إلا حرشته. وهذا كما قال أمية:
بآبة قام ينطق كل شيء وخان أمانة الديك الغراب
قال أبو محمد " ومكنه بيضه قال أبو الهندي ":
ومكن الضباب طعام العريب ولا تشتهيه نفوس العجم
العرب مؤنثة لقولهم العرب العاربة وكان القياس أن يقال في تصغيرها عربية كما يقال في تصغير شمس شمسية لأن تصغير المؤنث الثلاثي تلحق به الهاء كما تلحق صفته وقد جاء مثل هذا في أسماء يسيرة وهذا التصغير على طريق التعظيم كما قال أنا عذيقها المحكك وعذيقها المرّجب. والعرب اسم جنس
[ ١٧٩ ]
ينسب الواحد منه إليه ومثله العجمي منسوب إلى العجم. يقول بيض الضباب من طعام العرب المستطاب وليس من طعام العجم.
" وفي الحية والعقرب " قال أبو محمد " والحفّات حية تنفخ ولا تؤذي " قال جرير:
لا يعجبنك أن ترى المجاشع جلد الرجال ففي القلوب الخولع
أيفا يشون وقد رأوا أحفّاثهم قد عضّه فقضى عليه الأشجع
يهجو الفرزدق ومجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. والفياش المفاخرة والجلد مصدر الجليد من الرجال وهو القوي الشديد والخولع الجبن والفزع وهذا إستفهام على سبيل التوبيخ وضرب الحفّاث مثلا للفرزدق والأشجع وهو الشجاع مثلا له يقول كيف يفاخرون بشاعرهم وقد قتله هجاءً.
" معرفة في جواهر الأرض " قال أبو محمد " الصرفان الرصاص " وأنشد للزباء:
ما للجمال مشيها وئيدا أجند لا يحملن أمٍ حديدا
أم صرفانا باردًا شديدا أم الرجال قبّضًا قعودا
قالت هذه الأبيات لما نظرت إلى الجمال التي جاء بها قصير بن سعد صاحب جذيمة وكان قد احتال عليها وجعل الرجال في توابيت وجعل التوابيت في جوالقات فرأتها تسير نثقلة فأنكرت ثقلها وقالت هذه الأبيات والقصة مشهورة ومشيها خفض على البدل من الجمال بدل الاشتمال والتقدير ما لمشي الجمال وئيدًا والوئيد من المشي الرويد ونصبه قيا الرصاص وقيل جنس من التمر والقبّض جمع قابض وهو المجتمع ويروى جثما جمع جاثم.
" نوادر من الكلام المشتبه " قال أبو محمد " الجمع المجتمعون والجماع المتفرقون قال أبو قيس ابن الأسلت "
نذودهم عنا بمستنّة ذات عرانين ودفاع
[ ١٨٠ ]
حتى تجلت ولنا غاية من بين جمع غير جماع
نذودهم ندفعهم ونمنعهم والمستنة الكتيبة الماضية على سنن واحد لا تعرّج على شيء وعرانين القوم رؤساؤهم ومتقدموهم في الفضل والشجاعة والعرانين الأنوف وبها شبه السادة ويقال للشيء إذا كان شديد الدفع يتدافع له دفاع ويجوز أن يكون دفاع جمع دافع مثل كافر وكفار وهم الذين يدفعون الأعداء وقوله حتى تجلت أراد حتى تجلت الحرب فأضمرها ولم يجر لها ذكر وقوله ولنا غاية أي جماعة وغاية الجيش ورايته واحد والجماع الفرق من ههنا وههنا يقول ذلك الجمع منا لم يستعن بأحد غيرنا وهو خلاف ما رواه أبو محمد ويروى بين يدي رجراجة فخمة الرجراجة التي تمخض من كثرتها والفخمة العظيمة الكثيرة العدد.
قال أبو محمد " وإذا كان الفحل كريمًا من الإبل قالوا فحيل قال الراعي " يصف إبلًا ولم يكن راعيًا ولكنه كان يجيد وصف الإبل فلّقب الراعي واسمه عبيد بن حصين:
بنيت مرافقهنفوق مزلة لا يستطيع بها القراد مقبلا
كانت نجائب منذرٍ ومحرقٍ أماتهن وطرقهنّ فحيلا
قوله مرافقهن يريد مرافق هذه الإبل مزلة مزلقة يريد مغرز المرفق من الجنب أملس فالقراد لا يثبت عليه من ملاسته ومقيلًا مستقرًا وهو مثل. وقوله أماتهن أي أمهات هذه الإبل كانت نجائب منذر أي المنذر بم امرئ القيس بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر اللخمي وهو أبو النعمان بن المنذر ومحرق هو امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر وهو أول من عاقب بالنار وقوله وطرقهن الطرق الفحل هنا مسمى بالمصدر والمعنى ذو طرقهن والفحيل الكريم. قال أبو محمد " وقتبٌ عقرٌ أيضًا غير واق قال البعيث " البعيث لقب له واسمه خداش بن بشر ويكنى أبا يزيد وسمي البعيث بقوله فيما أخبرني علي بن الحسن يرفعه إلى ابن الكلبي:
تبّعث مني ما تبّعث بعد ما أمرت حبالي كلها مرة شزرا
ألد إذا لا قيت قومًا بخطة الح على أكتافهم قتب عقر
[ ١٨١ ]
الألد الشديد الخصومة يقول إذا لقيت قومًا في خصومةٍ تأذوا بي وشقت عليهم مجادلتي وكنت عليهم في الشدة كالقتب العقر على ظهر البعير والخطّة الحالة الصعبة.