قال أبو محمد تدخل من على على أنشد الكسائي:
باتت تنوش الحوض نوشًا من علا نوشًا به تقطع أجواز الفلا
يصف إبلا باتت تشرب من ماء الحوض وتتناول ما فيه من الماء تناولا من فوق تقطع به أرضا بعيدة وتستغني به عن المبالغة فيه والأجواز جمع جوز وهو الوسط والفلا جمع فلاة.
قال أبو محمد وتدخل من على عن قال ذو الرمة:
أقول لنفسي واقفا عند مشرف على عرصات كالرسوم النواطق
ألمًا يئن للقلب ألا تسوقه رسوم المغاني وابتكار الحزائق
وهيف تهيج البين بعد تجاور إذا نفحت من عن يمين المشارق
العرصات جمع عرصة وهي كل بقعة ليس فيها بناء والرسوم جمع رسم وهو الأثر بلا شخص ويئن يحن ومشرف جبل رمل والمغاني المنازل واحدها مغنى والحزائق جمع حزيقة وهي الجماعة من الناس والهيف ريح حارة تأتي من قبل اليمن وهي معطوفة على قوله رسم المنازل وتهيج البين أي تفرق الناس لأنها إذا هبت يبس البقل وجفت الغدر فعاد الناس إلى المياه الأعداد ونفحت هبت. وأنشد أبو محمد عجز بيت للقطامي:
فقلت للركب لما أن علابهم من عن يمين الحجيا نظرة قبل
ألمحة من سنا برق رأى بصري أم عالية اختالت بها الكلل
الركب أصحاب الإبل خاصة ونظرة قبل أي مستأنفة والقبل استئناف الشيء والحجيا موضع وقوله ألمحة مفعول رأى وسنا البرق ضوؤه واللمحة اللمعة من لمعان البرق يقول أرأى بصري ضوء البرق أم رأى وجه عالية واختالت افتعلت من الخيلاء والكلل جمع كلة وهو من الستور ما خيط فصارت كالبيت.
قال أبو محمد " وجيئت من عليه كقولك من عنده قال مزاحم:
أذلك أم كدرية ظل فرخها لقي بشر ورى كاليتيم المعيّل
غدت من عليه بعدما تم ظمؤها تصل وعن قيض بزيزاء مجهل
[ ٢٥٤ ]
يريد أذلك الظليم أحب إليك أم قطاة كدرية وهو ضرب من القطا واللقي المتروك وشروري موضع كاليتيم اليتيم في البهائم موت الأم وفي الناس موت الأب والولد الصغير المعيل الذي لا شيء له وقوله غدت من عليه أي غدت القطاة من فوق فرخها وكانت تحضنه والظمء ما بين الشربتين ويروى بعدما تم خمسها والخمس سير أربع ليال تصل أي يسمع لجوفها صوت من العطش والقيض قشر البيض الأعلى ويروى ببيداء والبيداء المفازة التي لا أعلام بها ومن روى بزيزاء فلا وجه لترك الصرف ألا أن يجعل اسم بقعة بعينها ولو روى بزيزاء مجهل مضافا لكان جائزًا وكان تقديره بزيزاء أرض مجهل والزيزاء أرض مجهل والزيزاء الأرض الغليظة الصلبة.
قال أبو محمد " وتدخل الباء على الكاف " وأنشد:
وزعت بكا لهرواة أعوجى إذا ونت الركاب جرى وثابا
قوله وزعت أي كففت في الحرب من يتقدم بفرس مثل الهرواة صلابة وهي العصا والأعوجي منسوب إلى أعوج الأكبر فحل كان لغنى ابن أعصر وونت ضعفت وفترت والركاب الإبل ليس لها واحد من لفظتها وثاب رجع إليه عدوه. وأنشد أبو محمد لامرئ القيس:
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا تصوب فيه العين طورا وترتقي
قوله رحنا أي سرنا عشيا وقوله بكابن الماء أي بفرس مثل ابن الماء وهو طائر من طير الماء وتصوب فيه العين طورا وترتقي أي تنظر العين إلى أسفله تارة وأعلاه أخرى تردد النظر إليه لحسنه والطور التارة.
قال أبو محمد وتدخل الكاف على الكاف قال خطام الريح المجاشعي واسمه عياض بن بشر بن عياض:
حي ديار الحي بين السهبين لم يبق من آي بها تبقين
غير رماد وحطام كنفين وصاليات ككما يؤثفين
السهب الفضاء الواسع في طمأنينة والآي جمع آية وهي العلامة وكنفين أراد كنيفين تثنية كنيف وهو الحظيرة تحظر للإبل والغنم من الشجر لتقيها البرد والريح وحطامه ما تكنسر منه والصاليات الأثافي وهي الحجارة التي تنصب
[ ٢٥٥ ]
تحت القدر وصلاها احتراقها بالنار ويروى وركودها ثبوتها وإقامتها وقوله ككما يؤثفين أي مثل ما نصبن أثافي لم يزلن والكاف الأولى زائدة وكان حقه أن يقول يثفين ولكنه أخرجه على الأصل لأن الأصل أن يقال في مستقبل أكرم أأكرم فكر هو اجتماع همزتين فحذفوا إحداهما ثم اتبعوا باقي حروف المضارعة الهمزة لئلا يختلف الباب ويقال أثفيت الأثفيّة إذا نصبتها واثفتها وثفيتها. قال أبو محمد وأنشد القسم بن معن يصف طريقا:
علي كالخنيف السحق يدعو به الصدى له قلب عفى الحياض أجون
قوله كالخنيف أي على طريق كالخنيف وهو ثوب يتخذ من كتان غليظ والسحق البالي وشبه الطريق به لدروسه وقلة من يسلكه والصدى ذكر البوم وإنما تسكن البوم في المواضع الخالية والقلب جمع قليب وهو البئر مطوية كانت أو غير مطوية وسميت قلبيا لأنها قلب ترابها والعفي جمع عاف وهو الدارس والأجون التي تغير ماؤها من طول مكثه ويروى له قلبٌ عاديةٌ وصحون والعادية القديمة والصحون جمع صحن وهو ساحة وسط الفلاة ونحوها من متون الأرض ويروى له صدد ورد التراب دفين وصدد الطريق ما استقبلك منه وورد التراب الذي لونه إلى الحمرة والدفين المدفون العافي.