المحققون من علماء العربية ينكرون الأضداد ويدفعونها قال أبو العباس أحمد بن يحيى ليس في كلام العرب ضدّ قال لأنه لو كان فيه ضدّ لكان الكلام محالًا لأنه لا يكون الأبيض أسود ولا الأسود أبيض وكلام العرب وإن اختلف اللفظ فالمعنى يرجع إلى أصل واحد مثل قولهم التلعة وهي ماعلا من الأرض وهي ما انخفض لأنها مسيل الماء إلى الوادي فالمسيل كله تلعة فمرة يصير إلى أعلاه فيكون تلعة ومرة يتحدر إلى أسفله فيكون تلعة فقد رجع الكلام إلى أصل واحد وإن اختلف اللفظ. وكذلك الجون هو الأسود وإذا اشتد بياض الشيء حتى يعشي البصر رئى كالأسود. والصارخ المستغيث والصراخ المغيث لأنه صراخ منهما. والأهماد السرعة والإهماد الإقامة لأمها حركة منك تظهرها مرة فتسرع وتمسكها مرة فتقيم ويجوز أن يكون الإهماد في لغ قوم الإقامة وفي لغة قوم السرعة. والقرء الوقت فاحتمل أن يكون للحيض والطهر لأن الحيض يأتي لوقت والظهر يأتي لوقت. ووراء خلف وقدام لأن الأمام يقطع ويخلف فيصير وراء. الماثل لبمنتصب وهو اللاطئ لأنه ظهر فرأيته ثم زال فصار المنتصب لاطئا ويجوز أن يكونا من اغتين وشعبت الشيء جمعته وفرقته لأنك إذا لاءمت التفرق صار إجماعا. الجلل العظيم والصغير لأنه شيء يزيد في النفس وينقص ويجوز أن يكونا من لغتين والرهوة الارتفاع والانخفاض لأنه موضع فمرة ينحدر فيه ومرة يعلي فيه ويكون من لغتين. الظن يقين وشك لأن الشك قد يزول فيصير يقينًا. الخناذيذ الخصيان من الخيل والفحولة لأن الخناذيذ الكرام والكرام يكون فيها الخصي والفحل. قال أبو العباس السدقة اختلاط الضوء والظلمة لأن الضوء يضعف فيصير ظلمة وقد تضعف الظلمة فتصير ضوءًا. وأخبرني ابن بندار عن ابن رزمة عن أبي سعيد عن ابن دريد أنه قال وأسدف الفجر إذا أضاء قال وهي لغة لهوازن دون سائر العرب تقول هوازن أسدفوا لنا أي أسرجوا لنا. وقال ابن قتيبة أصل السدفة السترة فكأن الظلام إذا أقبل ستر الضوء إذا أقبل ستر الظلام. والجلل الكبير
[ ١٨٢ ]
والصغير لأن الصعير قد يكون كبيرًا عند ما هو أصغر منه والكبير قد يكون صغيرًا عندما هو أكبر منه فكل واحد منهما صغير كبير وكذلك النبل. الناهل العطشان والريان لأن الشرب الأول ربما روي منه الشارب فهو ريان وربما لم يرو فيحتاج إلى العلل فيكون عظشان. الهاجد المصلي بالليل وهو النائم لأنه وقت يقع فيه الانتباه والنوم. الصريم الصبح والصريم الليل لأن كلّ واحد منهما ينصرم من صاحبه. الخشب السيف إذا برد ولم يصقل وهو الصقيل لأن الصقل يتلو الخشب والشيء قد يسمى بما قاربه أو كان منه بسبب الحي خلوفٌ غيب ومتخلفون لأن من يبقى خلف لمن غاب ومن غاب يخلف من بقي. أسررت الشيء أخفيته إذا أظهرته أزلت خافيه. وأما قوله طلعت على القوم أقبلت عليهم وطلعت عنهم غبت عنهم فليس من الأضداد وإنما تغير معنى الفعل بتغير الحرف فهو كقولك دعوت له ودعوت عليه. وشريت الشيء أشتريته وبعته وكذلك بعت الشيء أشتريته وبعته لأنهما متعاوضان قال الراجز في أن الجون الأبيض وهو الخطيم الضبابي:
لا تسقه حزرًا ولا حليبا إن لم تجده سابحًا يعبوبا
ذا ميعة يلتهم الجبوبا يترك صوان الحصى ركوبا
بزلقات قعّبت تقعيبا يترك في آثارها لهويا
يبادر الآثار أن تؤوبا وحاجب الجونة أن يغيبا
كالذئب يتلو طمعًا قريبا
الهاء في لا تسقه تعود إلى فرس والحزر من اللبن الحازر وهو الحامض والسابح السريع الذي يمد يديه في عدوه واليعبوب الكثير العدو والميعة النشاط ويلتهم يأخذ ويبتلع بسرعة والجبوب الأرض جعله كأنه يبتلع الأرض ن شدة أسراعه والصوان الحصى الصلب والحجارة والصوى جمع صوة وهي الأرض التي فيها ارتفاع وغلظ الركوب الموطئ المذلل الذي تسهل ذلك المكان ولم يصعب السير فيه بعد ذلك والزلقات الحوافر الملس التي تزلق عليها اليد أي ذوات زلق والتعقيب في الحوافر محمود واللهوب جمع لهب وهو الشق في الجبل وأراد أنه ينزل في الصوى يحفره بحوافره فيها مثل اللهوب التي تكون في الجبال وقوله يبادر الآثار أي إذا طردت طريدة وتبعتها
[ ١٨٣ ]
الخيل لتردها سبق هو الآثار أي أثار الخيل التي تطلبها حتى يلحقها قبل أن ترجع الخيل إلى مأمنها وكان إدراكه لها قبل مغيب الشمس وحاجب كل شيء جانبه وحرفه وشبهه بالذئب إذا أسرع في عدوه لشيء يطمع فيه في موضع يقرب منه وإذا ضمرت الخيل سقيت اللبن فأراد أنه إن لم يكن على هذه الأوصاف فلا تضمّره. قال أبو محمد " والنبل الصغار والكبار " وأنشد لحضرميّ ابن عامر الأسدي:
يزعم جزء ولم يقل جللا أنى تروحت ناعما جذلا
إن كنت أزننتني بها كذبا جزء فلاقيت مثلها عجلا
أفرح أن أزرأ الكرام وأن أورث ذودًا شصائصا نبلا
قيل كان حضرمي بن عامر عاشر عشرة من أخوته فماتوا فورثهم فمر حضرمي وعليه حلة لأخيه على جزء بن مالك بن جبيل أحد بني موألة بن همام وهو ابن عم حضرمي فقال جزء أيفرح أن ورث أخاه حلته فبلغت حضرمي بن عامر فقال حضرمي هذه الأبيات مع أبيات أخر فلم يمكثوا إلا أياما حتى دخل أخوة لجزء سبعة مغرة يحفرونها فانهارت عليهم فماتوا جميعًا فبلغ حضرمي بن عامر فقال إنا لله كلمة وافقت قدرا واورثت حقدا وباقي الأبيات.
كم كان في أخوتي إذا استعمل ال لابطال نحت العجاجة الأسلا
من ماجد واجد أخي ثقة يعطي جزيلا ويقتل البطلا
أروع رصتم الأرامل وال لايتام أكناف بيته رسلا
إن جئته خائفا حباك وإن قال سأعطيك نائلا فعلا
الزعم ما كان بين الشك واليقين والجلل في هذا البيت الهين وتروحت ورحت واحد والناعم المتنعم والجذل السرور وقوله أزنتني اتهمتني يقال فلان يزنّ بكذا أي يتهم والأسل الرماح والصتم الرجل الذي قد أسن ولم ينقص والرسل الجماعة وقوله أفرح أراد فرح وهذا استفهام على سبيل الإنكار قال الليث الذود ولا يكون إلا إناثا وهو القطيع من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر وقيل ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإناث والذكور وقيل ما بين الثنتيت إلى التسع من الإناث دون الذكور وقال:
ذود صفايا بينها وبيني ما بين تسع فإلى اثنتين
يغنيننا من عيلة ودين
[ ١٨٤ ]
وقيل هو ما بين الثلاث إلى خمس عشرة والشصائص جمع الشصوص قال الأصمعي هي الناقة التي لا لبن لها وقد أشصت فهي شصوص وهذا شاذ على غير قياس قال الكسائي شصّت بغير ألف وأصله من الشدة واليبس. قال أبو محمد " الناهل العطشان والريان قال النابغة " الذبياني يمدح الحارث الأعرج الغساني:
والله والله لنعم الفتى ال لاعرج لا النكس ولا الخامل
الحارب الوافر والجابر ال محروب والمرجل والحامل
والطاعن الطعنة يوم الوغى ينهل منها الأسل الناهل
النكس الفسل من الرجال مشبه بالنكس من السهام وهو الذي انكسر فوقه فجعل أسفله أعلاه والجمع أنكاس ويقال هو الضعيف الجبان والخامل الذي لا ذكر له والحارب الوافر الذي يسلب من له مال ووفر والجابر المحروب الذي يعين المحروب وهو المسلوب فيعطيه ويعينه والمرجل هو الذي يأخذ الفرسان والركبان فيسلبهم دوابهم فيرجلهم والحامل الذي يحمل الضعفاء والرجالة على الخيل والإبل والوغى الحرب وأصله الصوت في الحرب وكذلك الوعي والوحي والأسل الرماح والناهل العطشان وإنما جعل النهل من الأضداد لأن النهل الشرب الأول وقد تكتفي الشاربة بأول شربة وقد لا تكتفي فلذلك جعل من الأضداد وجعل الرماح عطاشا كأنها تعطش إلى الدماء فإذا أشرعت فيها رويت ويروى ينهل أي يروى. قال أبو محمد " الخناذيذ خصيان الخيل وهي الفحولة قال بشر بن أبي خازم " الأسدي:
كفينا من تغيب واستبحنا سنام الأرض إذ قحط القطار
بكل قياد مسنفة عنود أضر بها المسالح والغوار
وخنذيذ ترى الغرمول منه كطيّ الزق علقه التجار
يقول كفينا من تغيب عنا ونبنا عنه في مغيبه ما دام وأصلا لحبلنا واستبحنا سنام الأرض يعني خير بقاعها حين عم الناس الجدب يقال قحط المطر وقحط وقحط الناس واقحطوا وهو الكثير في الاستعمال والباء في قوله بكل قياد تتعلق بقوله استبحنا والمسنفة المتقدمة وروى أبو عبيدة مسنفة وهو خيط يشد من الحقب إلى التصدير إذا ضمرت ويفعل هذا بالإبل والخيل لئلا يضطرب
[ ١٨٥ ]
السرج والرحل والعنود التي تعند عن الطريق لمرحها والمسالح والمراقب والثغور سواء والغوار مصدر غاورت والخنذيذ الضخم الشديد عن ابن الأعرابي وقيل هو الكريم والغرمول قال وعاء الذكر والخناذيذ أطراف تنذر من الجبل وقوله كطي الزق أراد أن غرموله مما أثر فيه الكلال والأعياء قد استرخى وتطوى وكان عليه طي زق خال علق لينحدر بما علقه وفي الكلام حذف تقديره ترى طي الغرمول منه كطي الزق. وأنشد أبو محمد على المائل: فمنها مستبين وماثل ومعناه واضح يصف دارًا قد درس بعضها وبقي بعض.
" كتاب الهجاء "