أي مستفيد وفاد المال نفسه يفيد إذا ثبت له والاسم الفائدة. واللطيفة ما يطرف به الرجل صاحبه ويتحفه به من مال أو علم ليعرف بره. واللطف البر والكرامة وجمع لطيفة لطائف. وطالعها أشرف عليها ووقف على معناها. ولم يحل لم يظفر يقال ما حليت منه شيأ أي ما أصبت وحكى أبو جعفر الرواسي ما حليت منه بطائل بالهمز أي ما أصبت ويقال حلي الشيء بعيني وبصدري وفي عيني وفي صدري وحلا في فمي الشراب يحلو ويحلى فيهما جميعا. والطائل الشيء النفيس الذي له فضل مأخوذ من الطول وهو الفضل.
وقوله " إنما هو الجوهر يقوم بنفسه والعرض لا يقوم بنفسه ورأس الخط والنقطة لا تنقسم والكلام أربعة أمر واستخبار وخبر ورغبة ثلاثة لا يدخلها الصدق والكذب وهي الأمر والاستخبار والرغبة وواحد يدخله الصدق والكذب وهو الخبر "
لفظة الجوهر ليست بالعربية وإنما هي فارسية معربة ويجوز أن تكون عربية ووزنها فوعل من الجهر والجوهر عندهم هو الجسم وحدوه بأنه الشيء الذي له طول وعرض وعمق وهو يقوم بنفسه والعرض كالطعم والريح واللون وهو لا يقوم بنفسه وإنما يوجد في الأجسام. ونهايات الجسم عندهم سطوح والسطح ماله طوله وعرض فقط ولا عمق له ونهايات السطح خطوط والخط هو طول فقط ولا عرض له ولا عمق له ونهاية الخط النقطة وهي جزء لا يتجزأ وليس يراد نقطة ينقطها الكاتب لأن تلك شكل بسيط وإنما هي شيء يدرك بالوهم لا قدر له ونهاية الخط نقطتان والخط المستقيم هو الموضوع على مقابلة النقطة وقالوا النقطة لا تنقسم لأنها لو انقسمت لكانت خطا وقولهم رأس الخط معناه ابتداء الخط ونهايته فأتم
[ ٣٤ ]
الأشكال هو المجسم وهو الطويل العريض العميق دون الجهات الست التي هي قدام ووراء ويمين وشمال وفوق وتحت فكل طويل عريض عميق ذي جهات ست جسم وليس إلى وجود شكل أتم من هذا السبيل وإذا حل الجسم بأن يرفع منه العمق بقي الطول والعرض بذلك الشكل البسيط ثم ينحل هذا البسيط إلى الخطوط بأن يقدر رفع العرض منه فيبقى الطول وحده وهو الخط وإنما هو خط وهمي لا ما يصوره الكاتب ثم ينحل الخط إلى نقطة وهو نهاية ما يتناهى إليه وليس دونها ما هو أصغر منها فتنحل إليه. وقد اختلف الناس في معاني الكلام اختلافا كثيرًا فزعم الأوائل أنه أربعة أقسام خبر واستخبار وأمر وطلب واختلف المتأخرون في ذلك وزاد بعضهم الدعاء والتمني والعرض وزادوا شيئًا آخر ونقصوا فالخبر النبأ عمن تستخبر تقول أخبرني وخبرني وجمع الخبر أخبار والخبر العلم بالشيء والاستخبار طلب الخبر وهو الاستفهام كقولك أزيد عندك والدعاء النداء بمن تريد عطفه أورده أو تنبيهه كقولك يا زيد والتمني أن تقدر الشيء وتحب أن يصل إليك واشتقاقه من المنى وهو القدر نحو قولك ليت لي مالا أنفقه والعرض كقولك إلا تنزل بنا والأمر لمن هو دونك نحو اذهب والطلب والرغبة لمن هو فوقك تقول للخليفة انظر في أمري ففصلوا بينهما في التسمية والنهي خلاف الأمر كقولك لا تفعل. وقال عبيد الله بن أحمد الفزاري النحوي عندي أن أصل الكلام كله في لسان العرب هو الخبر لأن الكلام المفيد لا يكون إلا جملة لها طرفان أحدهما الحديث والآخر المحدث عنه وأن الاستخبار هو جملة الخير زيد عليه حرف دل به المتكلم على أنه يريد أن يلفظ الخير كما يزيد المثبت حرفًا يدل على أن جملة الخبر منفية لا مثبتة وكذلك الأمر هو جملة اسم وفعل دل بها الأمر على أنه يريد من المأمور أن يستحق أن يخبر عنه بذلك وعلى هذا سبيل النهي والطلب والتمني والعرض والدعاء وسائر أجناس الكلام.
وقوله " والآن حد الزمانين مع هذيان كثير والخبر ينقسم على تسعة آلاف وكذا مائة من الوجوه فإذا أراد المتكلم أن يستعمل بعض تلك الوجوه في كلامه كانت وبالًا على لفظه وقيدًا للسانه وعيًا في المحافل وعقلة عند المتناظرين "
قالوا الزمان ماض وحاضر ومستقبل وهو متصل بمنزلة الحظ الممدود حتى
[ ٣٥ ]
يكون الماضي متصلا بالحاضر والحاضر متصلا بالمستقبل فالحد الذي يتصل به زمان بزمان يسمونه الآن آخر الزمان الماضي وأول الزمان المستقبل بمنزلة النقطة التي يتصل بها الخطان حتى يصيرا واحدا فتكون النقطة مبدأ لأحد الخطين ومنتهى للخط الآخر والآن في غير هذا الموضع مبنى لتضمنه معنى الإشارة وقيل حذفت منه الألف واللام وضمن معناهما فبنى وزيدت فيه الألف ولام أخرى وبني على حركة لسكون ما قبل آخره وفتح لأن الفتحة أخف الحركات أو لأن الفتحة من الألف وهو من شاذ ما بنى لأن فيه الألف واللام وسبيلهما أن تمكنا ما دخلنا عليه وأصله أو أن فحذفت الألف وقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وقيل ألفه منقلبة من ياء تقول آن يئين أينا وأخبرت عن ابن الأنباري أنه قال الآن تفتح نونه وتكسر فمن كسرها قال أصله من الأوان ومن فتحها قال أصله آن لك فدخلت الألف واللام والنون لازم لها الفتح فأما الآن في هذا الموضع فحكمه أن يعرب قرأت على أبي زكرياء عن عال بن عثمان بن جني عن أبيه قال اللام في قولهم الآن حد الزمانين غير اللام في قوله تعالى " قالوا الآن " لأنها في قولهم الآن حد الزمانين بمنزلتها في قولهم الرجل أفضل من المرأة والملك أفضل من الإنسان أي هذا الجنس أفضل من هذا الجنس كذلك الآن إذا رفعه جعله اسم جنس هذا المستعمل في قولك كنت الآن عنده وسمعت الآن كلامه فمعنى هذا كنت في هذا الوقت الحاضر بعضه وقد تصرمت أجزاء منه عنده فهذا معنى غير المعنى في قولهم الآن حد الزمانين فأعرفه وقوله في الحكاية عنهم والخبر ينقسم على تسعة آلاف وكذا وكذا مائة من الو جوه قدوهم وذلك أن المتقدمين اصطلحوا على أن كذا كناية عن العدد فإذا قلت له على كذا وكذا درهما فأقل ذلك أحد عشر درهما لأنه أول عدد ميز بالواحد المنصوب وإذا قلت كذا وكذا درهما فأقله أحد وعشرون وعلى هذا القياس بقية العدد فقوله كذا وكذا مائة أقل ذلك إحدى وعشرون مائة فكأنه قال والخبر ينقسم على تسعة آلاف وإحدى وعشرين مائة فيصير أحد عشر ألفا ومائة وهذا غلط عليهم بعبارة فاسدة لأن العادة لم تجر بأن يقال له على إحدى وعشرون مائة إلا أن يحمل على ما روي عن جابر كنا خمس عشرة مائة وهو نادر. وإن خفض مائة كان لحنا لأنه حكاية عن نيف وعشرين ومميز ذلك منصوب أبدا وجره لحن والصواب أن تقول وكذا مائة بحذف كذا الثانية وخفض مائة على سبيل الحكاية فيكون تقديره ثلاث مائة أو أربع مائة ولعل تكرير كذا وقع من الناقل والله أعلم.
[ ٣٦ ]
والهذيان كثرة الكلام في غير معنى والوبال أصله الثقل ومنه كلأ وبيل إذا كان لا يمري لثقله وقال تعالى " فأخذناه أخذا وبيلا " أي ثقيلا شديدا ومنه الوابل من المطر لغلظ قطره وشدته. وقياد للسانه أي يقبض لسانه عن التصرف في الكلام كما يقبض القيد اتساع الخطو. والعي الحصر وهو مصدر قولك عي فلان بالمنطق يعيا وأعييت من التعب إعياء ومعناهما واحد لأن الإعياء انقطاع عن العمل من التعب كما أن العي انقطاع الكلام من الحصر. وبالمحافل جمع محفل وهو المجلس والمجتمع في غير مجلس أيضا وأصله الاجتماع والكثرة ومنه المحفلة وهي الشاة التي يجمع لبنها في ضرعها. وعقلة أي حبسة والعقل في اللغة الحبس والمنع ومنه سمى العقل عقلا لأنه يحبس صاحبه عن الحمق وما لا ينبغي ومنه العقال لأنه يمنع يد البعير عن البسط وعقل الدواء بطنه حبسه عن الحدث والدرة عقيلة البحر لأنها محتبسة فيه.
وقوله " ولقد بلغني أن قومًا من أصحاب الكلام سألوا محمد بن الجهم أن يذكر لهم مسألة من حد المنطق حسنة لطيفة فقال لهم ما معنى قول الحكيم أول الفكرة آخر العمل وأول العمل آخر الفكرة فسألوه التأويل فقال مثل هذا رجل قال إني صانع لنفسي كنا فوقعت فكرته على السقف ثم انحدر فعلم أن السقف لا يقوم إلا على اصل ثم ابتدأ في العمل بالأصل ثم بالأس ثم بالحائط ثم بالسقف فكان ابتداء تفكره آخر عمله وآخر عمله بدء تفكره فأية منفعة في هذه المسألة وهل يجهل أحد هذا حتى إلى إخراجه بهذه الألفاظ الهائلة وهكذا جميع ما في هذا الكتاب ".
محمد بن الجهم رجل من البرامكة من أصحاب المنطق وللكندي إليه رسالة. والتأويل التفسير وهو رد فرع إلى أصل واشتقاقه من آل يؤل إذا رجع فإذا قيل أولت كذا فمعناه رددته إلى أصله وقال النصر أصل التأويل من الإيالة وهي السياسة فكأن المتأول للكلام سائسه وواضعه موضعه. والكن ما وقى وستر من كل شيء وهو الكنان أيضا والفعل منه كننت الشيء أكنه كنا وأكننته إكنانا إذا جعلته في كن. والأس أصل البناء وهو الأساس أيضا فجمع الأس أساس وجمع الأساس أسس. وقوله في الحكاية عنه فكان ابتداء تفكره آخر عمله وآخر عمله بدء تفكره غلط لأن قوله وآخر عمله بدء تفكره هو قوله فكان ابتداء تفكره آخر عمله فقد كرر والصواب أن يقول وآخر تفكره بدء عمله. ويقع في بعض الروايات في أول هذه المسألة أو
[ ٣٧ ]
الفكرة آخر العمل وآخر العمل أول الفكرة وهو تكرير أيضا.
وقوله " ولو أن مؤلف حد المنطق بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو لعد نفسه من البكم أو يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وصحابته لأيقن أن للعرب الحكمة وفصل الخطاب ".
دقائق جمع دقيقة وهو ما غمض معناه ودق. والدين هنا الملة ويكون الطاعة والعادة والجزاء والحساب والسلطان. والفقه أصله العلم يقال فحل فقيه إذا كان حاذقا بالضراب وكل عالم بشيء فهو فقيه ومنه قولهم ما يفقه ولا ينقه معناه لا يعلم ولا يفهم يقال فقهت الكلام إذا فهمته حق فهمه ثم صار الفقه علما لعلم الشريعة تقول منه فقه الرجل بضم القاف إذا صار فقيها وقد أفقته أي بينت له تعلم الفقه ففقه عنى بكسر القاف كما تقول أفهمته ففهم. والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة وهي ما أوجبه الله على العباد ودخلت فيها الهاء لأنها جعلت إسما لا نعتا واشتقاقها من الفرض وأصل الفرض الحزفي الشيء ومنه فرض الصلاة وغيرها لأنه لازم للعبد كلزوم الحز المحزوز والنسب إلى الفرائض فرضي ترده إلى فريضة وكذلك كل جمع غير مسمى به إذا نسبت إليه رددته إلى واحده. والنحو أصله القصد تقول نحا ينحو نحوا إذا قصد ثم صار اسما لعلم الإعراب وذلك لما يحكى أن عليا ﵇ رسم لأبي الأسود الدئلي الرفع والنصب والخفض وقال انح نحو هذا. والبكم جمع أبكم وهو الأخرس عيا وإن كان يتكلم والفرق بينه وبين الأخرس أن الأخرس لا يتكلم خلقه كالبهيمة العجماء. والحكمة العقل والعلم وهي الحكم أيضًا وكل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة واصل ح ك م في اللغة المنع من ذلك الحاكم لأنه يمنع من الظلم وحكمة الدابة لأنها ترد غربها وجماحها. والفصل في اللغة قطع ما بين الشيئين. والخطاب مراجعة الكلام وهو مصدر خاطب خطابًا كجادل جدالا فكأن معنى فصل الخطاب قطع الجدال والخصام بإصابة الحجة وقيل في قوله تعالى " فصل الخطاب " أن يفصل بين الحق والباطل ويميز بين الحلم وضده وقيل أما بعد وداود أول من قالها وقيل الفهم في القضاء وقيل الشاهدان ويمين المدعى عليه.
وقوله " فالحمد لله الذي أعاذ الوزير أبا الحسن أيده الله من هذه الرذيلة وأبانه بالفضيلة وحباه بخيم السلف الصالح ورداه رداء الإيمان وغشاه بنوره وجعله هدى
[ ٣٨ ]
في الضلالات ومصباحا في الظلمات وعرفه ما اختلف فيه المختلفون على سنن الكتاب والسنة ".
يعني بالوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان كاتب المتوكل لأنه عمل له هذا الكتاب فاصطنعه وأحسن صلته واشتقاق الوزير من الوزر وهو الحمل وكأن الوزير يحمل عن السلطان الثقل وقيل اشتقاقه من الوزر وهو الجبل الذي يعتصم به يريد أن السلطان يعتمد عليه ويلجأ إلى رأيه. والرذيلة النقيصة والخسيسة ورذالة كل شيء أردؤه والرذل والرذال من الشيء الدون والفعل رذل يرذل رذالة وهم الرذلون والأرذلون والأرذال. وأبانه بمعنى ميزه وأفرده بالفضل ممن تقدم ذمهم وهو من بان يبين بينا وبينونة وأبانه الله عن كذا أي أفرده وأبعده ويكون أيضًا أبانه لفضيلة أي أظهره بفضيلة العلم والدين فهذا من البيان والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل وحباه أعطاه والحباء العطية والخيم الأصل والغريزة. والسلف المتقدمون والمعنى فضله الله بشيمة من تقدم من الصالحين ورداه رداء الإيمان أي زينه بزينة الإيمان قال ابن الأعرابي يقال أبوك رداؤك ودارك رداؤك وكل ما زينك فهو رداؤك وغشاه بنوره أي غطاه. قال أبو عمرو وأصل الضلال الغيبوبة يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب وضل الكافر عن الحجة ضلالة إذا غاب وضل الناسي إذا غاب عنه حفظه والمصباح السراج بالمسرجة والمصباح نفس السراج وهو قرطه الذي تراه في القنديل ومصابيح النجوم أعلام الكواكب واحدها مصباح والسنة في الأصل سنة الطريق وهو طريق سنة أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم والسنة الطريقة المستقيمة المحمودة ولذلك قيل فلان من أهل السنة والسنن الاستقامة والقصد يقال تنح عن سنن الطريق وسننه وسننه أي محجته.
وقوله " فقلوب الخيار له معتقلة ونفوسهم إليه صبة وأيديهم إلى الله فيه مظان القبول ممتدة وألسنتهم بالدعاء له شافعة يهجع ويستيقظون ويغفل ولا يغفلون ".
الخيار خلاف الاشرار ويقال للواحد خيار يقال ناقة خيار وجمل خيار وفي حديث مرفوع اعطوه جملا رباعيا خيارا والخيار الاسم من الاختيار ويكون الخيار جمع أخير وقلما يجمع أفعل على فعال إلا أنه قد جاء أعجف وعجاف وأبغث وبغاث وأبرق وبراق. ومعتلقة مفتعلة من العلاقة يقال علق الرجل الشيء إذا أحبه يعلق علقا وعلاقة. وصبة مشتاقة والفعل من الصبابة صب يصب صبا فهو صب
[ ٣٩ ]
فالأول فعل والثاني فعل والصبابة رقة الشوق والرأفة رقة الرحمة والعشق رقة الحب واشتقاقها من الصبب وهو المنحدر من الأرض لأن المحب ينحدر قلبه إلى محبوبه كما أن الهوى مأخوذ من الهوى وهو الانحدار والسقوط يقال هوى إذا سقط انحدر يشهد لهذا قوله تعالى " واجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم " ومظان القبول جمع مظن وهو مفعل يراد به الزمان ونصبه على الظرف والعامل فيه ممتدة وتقديره وأيديهم ممتدة في الأوقات التي يوقنون أن الدعاء يستجاب فيها وإن جعلته ظرف مكان قدرته حيث يظن القبول وممتدة منبسطة وشافعة تدعو مرة بعد مرة ومعنى الشفع في اللغة الزيادة ومنه شفعت الرجل إذا صرت ثانيا له والشفع الزوج ومنه الشفعة وهو أن يشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده وتشفعه بها أي كان وترا فضم إليه ما شفعه وزاده. وقوله يهجع ويستيقظون أي ينام ولا ينامون الليل من الدعاء والشكر له يقال هجع الرجل هجوعا إذا نام قال تعالى " كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ".
وقوله " وحق لمن قام لله مقامه وصبر على الجهاد ونوى فيه نيته أن يلبسه الله لباس الضمير ويرديه رداء العمل ويصور إليه مختلفات القلوب ويسعده بلسان الصدق في الآخرين ".
وحق أوجب يقال حق لك أن تفعل كذا وحق عليك فإذا قلت حق قلت لك وإذا قلت حق قلت عليك ومعناه وجب عليك أن تفعل وهو حقيق أن يفعل كذا من الفعلين جميعًا. وقوله لمن قام لله أي حفظ ما استرعاه الله وتمسك به وأدى حقوقه يقال للخليفة هو القائم بالأمر وفلان قائم بكذا وكذا إذا كان حافظا له متمسكا قال الله تعالى " ومن أهل الكتاب أمة قائمة " إنما هو من المواظبة على الأمر والقيام به. وقوله وصبر على الجهاد صبره أي حبس نفسه عليه أخبرني المبارك بن عبد الجبار عن الحسن بن علي عن المازني عن ابن الأنباري قال: قال بعض أهل العلم صبر النفوس سمي صبرًا لأن تمرره في القلب وإزعاجه للنفس كتمرر الصبر في الفم قال وقال غيره سمي صبر النفوس صبرا لأنه حبس لها عن الاتساع في الغي والانبساط فيما يؤثر ومما يسخط الرب تعالى ذكره والجهاد مصدر جاهد في سبيل الله مجاهدة وجهادا. ونوى فيه نيته أي قصد قصده يقال فلان ينوي كذا من سفر أو عمل أي يقصده أن يلبسه الله لباس الضمير أي يظهر الله ﷿ ضميره
[ ٤٠ ]
الجميل. ويرديه رداء العمل معناه أن كل من عمل عملا لله تعالى فيه طاعة أبان الله ذلك في بشرة وجهه وألبسه نورا ومن كان عاصيا كان بالضد من ذلك فالرداء في هذا الموضع النور استعارة. ويصور يميل إليه ويضم أي يجمع إليه ما اختلف من الأهواء حتى يقع الإجماع على محبته وتصطحب القلوب على طاعته ويقال صار عنقه يصورها ويصيرها إذا أمالها وأصار لغة. ولسان الصدق في الآخرين الثناء الحسن في الأمة الآخرة.
وقوله " فإني رأيت كثيرا من كتاب زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدعة واستوطأوا مركب العجز وأعفوا أنفسهم من كد النظر وقلوبهم من تعب الفكر حين نالوا الدرك بغير سبب وبلغوا البغية بغير آلة وقد لعمري كان ذاك فأين همة النفس وأين الأنفة من مجانسة البهائم ".
سائر عند البصريين مأخوذ من سؤر الشيء وهو بقيته فيرون أنه يجب أن يقدم قبل هذه الكلمة بعض الشيء الذي هي مضافة إليه فيقال لقيت الرجل دون سائر بني فلان لأن الرجل بعضهم وكذلك هي هنا لأن المعنى كبقية أهله ولا يحسن أن يقول لقيت القوم سائر الناس وعلى هذا المنهج أكثر كلام العرب وقال قوم سائر ماخوذ من سار يسير وقولهم لقيت سائر القوم أي الجماعة التي ينتشر فيها هذا الاسم ويسير ومما يدل على أن سائرا قد يكون بمعنى الجميع وما أنشدنيه أبو زكريا عن أبي العلاء المعري:
لو أن من يزجر الحمام يقوم يوم وردها مقامي
إذا أضل سائر الأحلام
وقال الأحواص؟ فجلتها لنا لبابة لما وقذ النوم سائر الحراس وقال ذو الرمة:
أصاب خصاصةً فبدا كليلًا كلا وانفل سائره انفلالًا
[ ٤١ ]
يصف ظهور القمر من خلل السحاب. والدعة الراحة والخفض في العيش وفاؤها محذوفة وهي واو الفعل منها ودع يودع دعة فهو وادع واتدع تدعة وتدعة فهو متدع واستوطئوا مركب العجز وجدوه وطيأ لا تعب فيه وهو استفعلوا من الشيء الوطئ وهو اللين الوثير. والعجز الضعف تقول منه عجزت عن الشيء أعجز إذا ضعفت عنه. وأعفوا أنفسهم أراحوها ورفهوها. والكد الشدة في العمل والتعب والدرك المطلوب وأصل الدرك قطعة حبل تشد في الرشاء إذا لم يلحق الركية وقل ماء الطوى فينالون حاجتهم من سقي الماء ثم قيل لكل من نال مراده قد نال الدرك وقولهم أنا ضامن الدرك أي بلوغ محابك. والسبب الحبل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى أرب سبب والبغية ما تطلبه. والآلة الأداة والمراد به ما يحتاج إليه الكاتب من العلم الذي به تتم كتابته كأداة الصانع التي بها تظهر صناعته. والأنفة الاستنكاف والاستكبار يقال أنفت من الشيء آنف أنفا وانفه وانافا وأرقت البارحة وأرقت والمجانسة المشاكلة وأخبرني ثابت بن بندار عن محمد بن عبد الواحد عن أبي سعيد السيرافي عن ابن دريد قال كان الأصمعي يدفع قول العامة هذا مجانس لهذا ويقول ليس بعربي خالص يعني لفظة الجنس. والبهائم جمع بهيمة وسميت بهيمة لأنها أبهمت عن أن تميز وقيل للاصبع إبهام لأنها تبهم الكف أي تطبق عليها وطريق مبهم إذا كان خفيا لا يستبين وضربه فوقع مبهما أي مغشيا عليه.
وقوله " واي موقف أخزى لصاحبه من موقف رجل من الكتاب اصطفاه بعض الخلفاء لنفسه وارتضاه لسره فقرأ عليه يوما كتابا وفي الكتاب ومطرنا مطرًا كثر عنه الكلأ فقال الخليفة ممتحنا له وما الكلأ فتردد في الجواب وتعثر لسانه ثم قال لا أدري فقال سل عنه ".
أخزى أفعل من الخزي والخزي الهوان والسوء يقال خزى الرجل يخزي خزيا وأخزاه الله إخزاء. والخليفة السائل عن الكلأ المعتصم وكان أميا لأن الرشيد سمعه يقول وقد مات بعض الخدم استراح من المكتب فقال أو قد بلغت منك كراهة المكتب هذا وأمر بإخراجه منه والرجل الذي اصطفاه أحمد بن عمار بن شاذي المذاري ويكنى أبا العباس وكان ولي العرض للمعتصم بعد الفضل بن مروان ولم يكن وزيرا وإنما كان الفضل بن مروان اصطنعه لنفسه لثقته وصدقة فلما نكب الفضل رد المعتصم الأمر إلى أحمد بن عمار وكان محمد بن عبد الملك
[ ٤٢ ]
الزيات أبو جعفر يتولى قهرمة الدار في خلافة المعتصم في دراعة سوداء فورد كتاب على المعتصم من صاحب البريد بالجبل يصف فيه خصب السنة فقال فيه وكثر الكلأ فقال المعتصم لأحمد بن عمار ما الكلأ فقال لا أدري فقال لا أدري فقال أنا لله وأنا إليه راجعون خليفة أمي وكاتب أمي قال من يقرب منا من كتاب الدار فعرف مكان محمد بن عبد الملك فدعا به فقال له ما الكلأ فقال النبات كله رطبه ويابسه والرطب خاصة يقال له خلى واليابس يقال له حشيش ثم اندفع في صفات النبت من حين ابتدائه إلى اكتهاله إلى هيجه فاستحسن المعتصم قوله فقال ليتقلد هذا العرض على ثم خض مكانه منه حتى استوزره وقد حكى بعضهم أن المسؤول عن الكلأ الفضل بن مروان وكان كاتبه الحسن بن سهل فسأل الفضل الحسن عنه فأخبره فصار إلى المعتصم فقال قد سالت فإذا هو العشب فأمر له بمائة ألف درهم فانصرف إلى الحسن بالمال فقال لو ضربك مائة مقرعة على قلة فهمك كان أكثر من أن يعطيك مائة ألف درهم على ما تجهله.
وقوله " ومن مقام آخر في مثل حاله قرأ على بعض الخلفاء كتابا ذكر في حاضر طيء فصحفه تصحيفا أضحك منه الحاضرين ".
هذا شاجع بن القاسم كاتب أوتامش التركي قرأ على المستمعين وصحف هذه اللفظة فقال حاء ضرطي والحاضرين جماعة الناس الحضور ومثل ما ذلك ما صحفه بعضهم أن الأمير أوغل وأبعط في أرض فقرأ وانعظ والإبعاط الإبعاد والانعاظ انتشار عضو الرجل وانتصابه ومثله أيضا ما أخبرني به المبارك بن عبد الجبار عن الحسن بن علي عن محمد بن العباس عن ابن الأنباري قال حدثنا المقدمي عن الحار ث بن محمد قال حدثني بعض أصحابنا قال بكر بن أبي خالد فقرأ على المأمون قصصا فجاع فمرت به قصة عليها فلان بن فلان اليزيدي فقرأ الثريدي فقال المأمون باغلام صحفة مملوءة نريدا لأبي العباس فإنه أصبح جائعا فاستحيا وقال ما أنا بجائع ولكن صاحب القصة أحمق نقط على الياء ثلاث نقط فقال ما أنفع حمقه لك وأحضرت الصحفة مملوءة ثريدًا وعراقا وودكا فخجل أحمد فقال له المأمون بحياتي لما ملت إليها فأكلت فعدل فأكل حتى اكتفى وغسل يده وعاود القراءة ومرت به قصة عليها فلان بن فلان الحمصي فقرأ الخبيصي فقال المأمون يا غلام جاما مملوءا خبيصا لأبي العباس فإن طعامه كان مبتورا فاستحيا فقال يا
[ ٤٣ ]
سيدي صاحب القصة أحمق فتح الميم فصارت بسنين فقال لولا حمقه وحمق صاحبه مت اليوم من الجوع فأتي بجام مملوء خصيبا فخجل فقال المأمون بحياتي عليك ألا ملت نحوه فأكلت فأكل وغسل يده وعاود القراءة فما سقط بحرف حتى انقضى المجلس.
وقوله " ومن قول آخر في وصف برذون أهداه وقد بعثت به أبيض الظهر والشفتين فقيل له أرثم ألمظ فقال لهم فبياض الظهر قالوا لا ندري قال فإنما جهلت من الشفة ما جهلتم من الظهر ".
البرذون من الخيل ما كان من غير نتاج العراب والأنثى برذونة وسيرته البرذنة وقوله بعثت به الصواب بعثته لأن بعثت متعد بنفسه فاستغنى عن حرف الجر قال الله تعالى " يا ويلنا من بعثنا " ولم يقل من بعث بنا وقال عز اسمه " ثم بعثنا من بعدهم موسى " وإذا ابيضت جحفلة الفرس العليا فهو أرثم وإذا ابيضت جحفلته السفلة فهو ألمظ فأراد أبيض الظهر فهو أرحل وقيل الأرحل الذي في موضع ملبده بياض من البلق.
وقوله " ولقد حضرت جماعة من وجوه الكتاب والعمال والعلماء بتحلب الفيء وقتل النفوس فيه وإخراب البلاد والتوفير العائد على السلطان بالخسران المبين وقد دخل عليهم رجل من النخاسين ومعه جارية ردت عليه بسن شاغية زائدة فقال تبرأت إليهم من الشغا فردوها علي بالزيادة فكم في فم الإنسان من سن فما كان فيهم أحد عرف ذلك حتى أدخل رجل منهم سبابته في فيه يعد بها عوارضه فسال لعابه وضم رجل فاه وجعل يعدها بلسانه فهل يحسن بمن ائتمنه سلطان على رعيته وأمواله ورضي بحكمه ونظره أن يجهل هذا من نفسه وهل هو في ذلك إلا بمنزلة من جهل عدد أصابعه ".
الفيء الغنيمة والخراج وتخلبه جبابته واستخراجه والسلطان الحجة ولذلك قيل للأمراء سلاطين وقال الزّجاج اشتقاقه من السليط وهو ما يضاء به ومن هذا قيل
[ ٤٤ ]
للزيت السليط. والسلطان يذكر ويؤنث يقال قضت به عليك السلطان فمن ذكره ذهب به إلى معنى الرجل ومن أنثه ذهب به إلى معنى الحجة وقال محمد بن يزيد من ذكر السلطان ذهب به إلى معنى الواحد ومن أنث ذهب به إلى معنى الجمع وواحدة سليط كقفيز وقفزان ولم يسمع من غيره. وقوله من النخاسين واحدهم نخاس وسمي نخاسا لنخسه الدواب وهو تغريزه مؤخر الدابة ثم قيل لبائع الناس نخاس أيضا. وقوله بسن شاغية الشغا اختلاف نبتة الأسنان لا غير وهو أن يركب بعضها بعضا فتخرج من منبتها ولذلك قيل للعقاب شغواء لفضل منقارها الأعلى على الأسفل وإنما تبرأ إليهم من الشغا لأنه لا ينكتم إذ العيان يدركه. وقوله فردوا عليّ بالزيادة أي زعموا أن هذه السن الشاغية زائدة على عدد الأسنان فكم في فم الإنسان من سن ليعلم هل هي زائدة أم لا وربما وقع في بعض النسخ بسن شاغية أي زائدة وهي غلط من الكاتب وأما الزيادة فهي الثعل والمصدر الثعل وعدد الأسنان اثنان وثلاثون سنا أربع رباعيات وأربعة أنياب وأربعة ضواحك واثنتا عشرة رحى وأربعة نواجذ من وهي أقصاها وقيل للنواجد الضواحك لما روى عن النبي ﷺ أنه ضحك حتى بدت نواجذه وروى أن ضحكه كان تبسمًا وآخر الأضراس لا يبديه الضحك. والسبابة الإصبع التي تلي الإبهام وسميت بذلك لأن الساب يشير بها كما سميت دعاءة ومسبحة والعوارض جمع عارض وهو الناب والضرس الذي يليه وقوله في فيه أصل فوفوه بدليل تفوهت وفويه وأفواه فحذفوا الهاء وهي لام الكلمة وابدلوا منها الميم فقالوا فم.
وقوله " ولقد جرى في هذا المجلس كلام في ذكر عيوب الترقيق فما رأيت أحدا منهم يعرف فرق ما بين الكوع والوكع ولا الحنف من الفدع ولا اللمى من اللطع ".
الرقيق اسم جنس للعبيد لا واحد له من لفظه وقد رق فلان أي صار عبدا وسمي العبيد رقيقًا لأنهم يرقون لمالكهم ويذلون ويخضعون. والوكع ميل إبهام الرجل على الأصابع حتى تزول فيرى شخص أصلها خارجا يقال وكعت توكع وكعا وهي وكعاء والأدواء والعيوب تأتي على فعل كثيرا كشتر وعمى وضلع. والكوع اعوجاج
[ ٤٥ ]
اليد من قبل الكوع وهو رأس الزند الذي يلي الإبهام والفعل منه مثل الأول. والحنف إقبال كل واحدة من الإبهامين على صاحبتها في قول الأصمعي وقال ابن الأعرابي الأحنف الذي يمشي على ظهر قدميه والفدع قال الأصمعي أن تميل الكف على وحشيها وهو ما أدبر عن الإنسان منها يقال فدعت تفدع فدعا وكذلك في الرجل. واللمي سمرة في الشفة تضرب إلى السواد وهو يستحسن وكذلك الحوة واللعس رجل المى وامرأة لمياء ويقال شجرة لمياء أي سوداء الظل لكثافة ورقها واللطع له موضعان أن تذهب الأسنان وتبقى أصولها واللطع أيضا في الشفاه بياض يصيبها وأكثر ما يعتري ذلك السودان.
وقوله " فلما أن رأيت هذا الشأن كل يوم إلى نقصان وخشيت أن يذهب رسمه ويعفو أثره جعلت له حظا من عنايتي وجزءًا من تأليفي فعملت لمغفل التأدب كتبا خفافا في المعرفة وفي تقويم اللسان واليد يشتمل كل كتاب منها على فن وأعفيته من التطويل والتثقيل لأنشطه لتحفظه ودراسته إن فاءت به همته وأقيد عليه بها ما أضل من المعرفة واستظهر له بإعداد الآلة لزمان الإدالة أو لقضاء الوطر عند تبين فضل النظر وألحقه مع كلال الحد ويبس الطينة بالمرهفين وأدخله وهو الكودن في مضمار العتاق ".
رسم كل شيء أثره وترسمت الموضع طلبت رسومه ويعفو يدرس هنا ومصدره العفاء بالمد وهو في غير هذا الموضع بمعنى يكثر ومصدره العفو وهو من الأضداد. والعناية مصدر قولك عنيت بالشيء فأنا معنى به إذا اهتممت به ويقال عنى بفتح العين فهو عان. قال الشاعر:
عان بقصواها طويل الشغل
ويشتمل يحيط ويحتوي عليه. والفن الضرب من الأشياء. وأعفيته تركته وخلصته والنشاط طيب النفس وخفتها للعمل والتعب يقال منه نشطته فنشط نشاطا. وفاءت رجعت. وقوله ما أضل من المعرفة يقال أضللت الشيء إذا ضاع منك فلم تهتد له. واستظهر له معناه احتاط له واستوثق وهو مأخوذ من البعير الظهري وهو ما جعلته عدة لحاجتك لأنه زيادة على حاجة صاحبه إليه أن انقطع من ركابه شيء أو أصابه آفة ثم يقال استظهر ببعير ظهري محتاطا به ثم أقيم الاستظهار مقام الاحتياط في كل شيء وقيل سمى البعير ظهريا لأن صاحبه يجعله وراء ظهره
[ ٤٦ ]
فلا يركبه ولا يحمل عليه ويجعله عدة لوقت الحاجة. والاعداد تهيئة الشيء لوقت الحاجة واسم الشيء الذي تعده وتهيئه عدة مثل الأهبة يقال أعددت للأمر عدته وعتاده. وزمان الإدالة وقت رجوع الدولة بعد زوالها أي زمان النصر والغلبة يقال أدال الله فلانا إدالة ودال هو دولة وهو الانتقال من حال إلى حال والمداولة مفاعلة من الدولة ومنه قول الحجاج أن الأرض ستدال منا كما أدلنا منها معناه أنه تأكلنا كما نأكلها ولقضاء الوطر كل حاجة تكون لك فيها همة فإذا بلغتها قلت قضيت وطري من هذا الأمر أي حاجتي وجمع الوطر أوطار وقوله عند تبين فضل النظر يقال بان الشيء وأبان إذا وضح ولم يك فيه شك وابنته أي تأملته وتوسمته وفيه لغات آخر تكون لازمة ومتعدية وهي استبان الشيء واستبنته وبين وبينته وتبين وتبينته تبيينا وتبيانا والمبين في صفات الله تعالى قد فسر بالوجهين قيل أبان جميع ما يحتاج إليه العباد في كتابه فيكون متعديا وقيل المبين بمعنى البين الربوبية وقرئ " آيات مبينات " بكسر الياء وفتحها فمن كسر فالمعنى واضحات ومن فتح فالمعنى إن الله بينها وقرئ " ولتستبين سبيل المجرمين " بالرفع وعليه أكثر القراء فيكون غير واقع وقد قرئ سبيل المجرمين بالنصب المعنى ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين أي لتزداد استبانة والمعنى أني احتطت له فجعلت ما الفته عدة لوقت رجوع الدولة إليه أو لبلوغ أربه من العلم إذا أنعم فيما ألفت النظر وقوله مع كلال الحد غير صواب لأن الكلال مصدر كل إذا أعيا فأما كل الحد فمصدره كل وكلول وكلة وكذلك اللسان والطرف وكل إذا أعيا كلالا وكلالة. قال الشاعر:
فإن تقعدي أقعد ولا أخشى موردا ولا هلك مال أو كلالة راحلة
وهذا مثل ضربه للبليد القليل المضاء وشبهه بالسيف الجهام الذي لا يمضي في الضريبة. وقوله بالمرهفين مثل أيضا ضربه لذوي الفهم والذكاء والمرهف المرقق المحدد شبههم به في مضائهم وحدتهم. ويبس الطينة جمودها وشبه طبع البليد بها إذ كانت لا تقبل الختم ولا تطوع في العمل والكودن البرذون ووزنه فوعل والواو فيه زائدة واشتقاقه من الكدنة وهو غلظ الجسم وما ابين الكدانة فيه أي الهجنة وجمعه كوادن والكودن والكودني البغل قال:
خليلي عوجا من صدور الكوادن إلى قصعة فيها عيون الضياون
شبه الثريدة الزريقاء بعيون السنانير لما فيها من الزيت. والمضمار مفعال من
[ ٤٧ ]
الضمر وهو موضع تضمير الخيل والضمر الهزال ولحوق البطن وتضمير الخيل أن تعلف قوتا بعد سمنها ويكون المضمار وقتا للأيام التي تضمر فيها الخيل للسباق أو للركض إلى العدو وتضميرها أن تشد عليها سروجها وتجلل بأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها ويشتد لحمها ويحمل عليها غلمان خفاف يجرونها ويعنفون بها فإذا فعل ذلك بها امن عليها البهر الشديد عند حضرها ولم يقطعها الشد ويسمى ذلك التضمير والإضمار وروي عن حذيفة ﵀ أنه خطب فقال اليوم مضمار وغدا السباق والسابق من سبق إلى الجنة أراد اليوم العمل في الدنيا للاستباق غدا إلى الجنة كالفرس الذي يضمر قبل أن يسابق عليه والمضمار أيضا الغاية جرى الفرس في مضماره أي في غايته والفعل منه ضمر وضمر يضمر ضمورا واضمرته أنا. والعتاق جمع عتيق من الخيل سمى بذلك لتقدمه في سيره يقال عتق الفرس بفتح التاء إذا تقدم الخيل فنجا وعتقت من يمين أي تقدمت قال أوس:
على ألية عتقت قديما فليس لها وإن طلبت مرام
والذكر والأنثى فيه سواء والفعل منه عتق بضم التاء عتاقة صار عتيقا ويقال للجميل ما أعتقه وأبين العتق فيه وبه سمى أبو بكر رضوان الله عليه عتيقا وقيل بل دخل على النبي ﷺ فقال " يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار " فسمى يومئذ عتيقا واسمه عبد الله بن عثمان.
وقوله " وليست كتبنا هذه لمن يتعلق من الإنسانية إلا بالجسم ومن الكتابة إلا بالاسم ولم يتقدم من الأداة إلا بالقلم والدواة ولكنها لمن شدا شيئا من الإعراب فعرف الصدر والمصدر والحال والظرف وشيئًا من التصاريف والأبنية وانقلاب الياء عن الواو والألف عن الياء وأشباه ذلك ".
الإنسانية جبلة الإنسان وفطرته مثل البشرية والعبودية وإذا وصف الإنسان بها فالمراد أنه على الأوصاف التي يجب أن يكون الإنسان عليها وقوله ولم يتقدم من الأداة بالقلم والدواة يقول ليست كتبنا التي ألفناها لمن لم يتوجه في شيء من آلة الكتابة إلا في الخط. والإعراب في اللغة البيان ومنه الحديث " الثيب يعرب عنها لسانها " أي يبين وسمى النحويون اعتقاب الحركات على أواخر الأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة اعرابا لأنه يكون الإعراب أي البيان للمعاني المختلفة وقيل الإعراب منقول من قولهم عربت معدته أي فسدت فكان المعنى في الأعراب إزالة
[ ٤٨ ]
الفساد ورفع الأبهام لأنك إذا خالفت بين الحركات وجعلت كل واحدة على معنى إتضح المراد وزال اللبس فأعربت على هذا الوجه مثل أعجمت الكتاب أي أزلت عجمته وهذه الهمزة تسمى همزة السلب. والصدر الفعل والمصدر اسم الحدث والفعل عبارة عنه وسمى مصدر عند البصريين لأن الفعل صدر عنه وأخذ منه أصل له وقال الكوفيون سمى مصدر لأنه صدر عن الفعل وأخذ منه ولكل واحد من القولين حجج ليس هذا موضعها وهو منصوب أبدا إذا ذكر بعد فعله فضله وذكره بعد فعله لأحد ثلاثة أشياء توكيد الفعل كضربت ضربا وبيان النوع كقمت قياما طويلا وعدد المرات كضربت ضربات وهو موحد أبدا لأنه اسم الجنس فإن اختلفت أنواعه أو دخلته الهاء جاز تثنيته وجمعه. والحال قال ابن السراج هي هيئة الفاعل أو المفعول في وقت ذلك الفعل وهي اسم نكرة تأتي بعد تمام الكلام ويكون منصوبا أما بفعل أو بمعنى فعل وتعتبرها بإدخال كيف على الفعل والفاعل تقول كيف جاء عبد الله فكيف الجواب راكبا والأحوال ثلاث منتقلة كجاء زيد راكبا ومؤكذة كقوله " وهو الحق مصدقا " ومقدرة كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مقدرًا الصيد به غدا والحال تذكر وتؤنث وتجمع على الأحوال. والظرف على ضربين ظرف زمان وظرف مكان وسمي ظرفا لتضمنه الأشياء كما تتضمنها الأوعية والكوفيون يسمونه المحل لحلول الأشياء فيه وهو منصوب أبدا ويزاد فيه معنى في وليست في لفظه فإن ظهرت إلى اللفظ لم يكن ظرفا وصار اسما صريحا وجعل التضمن لفى فظرف الزمان نحو السنة والشهر واليوم وغدوة وعشية وما أشبه ذلك وهو يتضمن الأحداث دون الجثث تقول القتال اليوم ولا تقول زيد اليوم لأنه لا فائدة فيه وظرف المكان نحو خلف وقدام وفرسخ وميل وما أشبه ذلك وهو يتضمن الأحداث والجثث تقول القتال أمامك وزيد وراءك والتصاريف جمع تصريف وهو تنقل الاسم والفعل في وجوه من الأمثلة نحو ضرب يضرب ضربا فهو ضارب ومضروب ولا يكون في الحرف لأنه جامد. والأبنية أمثلة الأسماء والأفعال وهي على ضربين أصول وذوات زوائد فأما الأصول فأقل أصول الأسماء عند البصريين ثلاثة أحرف وعند الفراء ومن تابعه حرفان وتكون رباعية وخماسية وأقل أصول الأفعال ثلاثة وأكثرها أربعة أحرف وعدة أمثلة الأسماء الأصول تسعة عشر بناء في قول سيبويه واثنان وعشرون بناء في قول غيره وأمثلة الأفعال الأصول أربعة ثلاثة ثلاثية وواحد رباعي وينتهي بالزيادة إلى تسعة عشر بناء وأما أبنية الأسماء ذوات
[ ٤٩ ]
الزوائد فكثيرة وانقلاب الياء عن الواو يكون إذا اجتمعا وسبقت إحداهما بالسكون كطويت الثوب طيا ولويته ليا ويكون أيضا بأن تسكن الواو وينكسر ما قبلها فتنقلب ياء نحو ميقات وميعاد أصلهما موقات وموعاد لأنهما من الوقت والوعد وأما انقلاب الياء واو فإذا سكنت وانضم ما قبلها نحو موقن وموسر وهما من اليقين واليسر وأصلهما ميقن وميسر وانقلاب الألف عن الياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما نحو قضى ودعا والأصل قضى ودعو وكذلك إذا كانتا في موضع العين مثل قال وباع أصلهما مقول وبيع لأنه من القول والبيع. وقوله واشباه ذلك كإبدال الهمزة من الياء والواو إذا كانتا لا مين وقبلهما ألف زائدة في مثل قضاء وعطاء ورداء وكساء وتبدل من الألف المنقلبة من الياء والواو إذا كانتا عينين كقائم وبائع ونحوه وإذا كان الفعل معتل اللام كقضى يقضي وغزا يغزو اعتل اسم الفاعل منه والمفعول نحو قاض وغاز ومقضى ومغزو.
وقوله " ولابد له مع كتبنا هذه من النظر في الأشكال لمساحة الأرضين حتى يعرف المثلث القائم الزاوية والمثلث الحاد والمثلث المنفرج ومساقط الأحجار والمربعات المختلفات والقسي والمدورات والعمودين ويمتحن معرفته بالعمل في الأرضين لا في الدفاتر لأن المخبر ليس كالمعاين " معنى لا بد لا فراق يقال لابد اليوم من قضاء حاجتي أي لا فراق ومنه قول ام سلمة ابد يهم ثمرة ثمرة أي فرقي فيهم وأبدهم حقوقهم إذا فرقها فيهم وبد الرجل رجليه إذا باعد بينهما قال أبو ذؤيب:
فأبّدهّن حتوفهن فهاربٌ بدمائه أو باركٌ متجعجع
يصف صيادًا فرق سهامه في حمر الوحش. والأشكال جمع شكل بفتح الشين وهو المثل ويعني به ههنا المساحات فإنها وان اختلفت صيغتها فصورها متماثلة. والمساحة ذرع الأرضين والأرضون جمع أرض يقال أرض وأرضون وأراض وأروض وإنما فتحت الراء في جمع السلامة ليفرق بين ما جمع بالواو والنون من الحيوان وبين ما حمل عليه من غير الحيوان قالوا والأشكال التي تقع عليها المساحة ستة أجناس المربعات والمثلثات والمدورات والمقوسات والمطبلات وذوات الأضلاع الكثيرة فالمربعات خمسة أجناس أو لها المربع المطلق وهو كل شكل أحاطت به أربعة خطوط متساوية وكانت زواياه الأربعة قوائم. والثاني
[ ٥٠ ]
المختلف الأضلاع القائم الزوايا والثالث المعين وهو الذي استوت أضلاعه واختلفت زواياه والرابع الشبيه بالمعين وهو الذي طولاه متساويان وعرضاه متساويان إلا أن عرضه مخالف لطوله وزواياه مختلفة والخامس المختلف الأضلاع والزوايا والزاوية انحراف خطين كل واحد عن نقطة في بسيط على غير استقامة وهو شكل يحيط به خطان خط مستقيم فتصير الزاويتان اللتان عن جنبيه متساويتين فذلك الخط عمود على الحظ الواقع عليه وكل واحدة من الزاويتين قائمة وسمى عمودا لأنه مستوٍ فإن صير إحدى الزاويتين اللتين عن جنبيه أعظم من الأخرى فليس بعمود والكبرى من الزاويتين منفرجة والصغرى حادة. والخطوط ثلاثة خط مستقيم وخط مدور فالخط المستقيم هو الموضوع على مقابلة أي النقط كانت عليه بعضها ببعض يعني أنك إذا وصلت بين نقطتين متقابلتين بخط فذلك الخط هو الخط المستقيم وقيل الخط المستقيم هو أقصر خط وصل بين نقطتين وقيل هو كل خط وجد فيه ثلاث نقط على سمت واحد غير المستقيم يدخل تحته المقوس والدائرة فإذا انحرف الخط عن الاستقامة فهو غير المستقيم فإن تقوس فلم يلتق طرفاه فهو المقوس فإن التقى طرفاه وكان له مركز تتساوى الخطوط الخارجة منه إلى المحيط فذاكم الدائرة. والمثلثات ثلاثة أجناس مثلث حاد الزوايا وهو أن تكون زواياه الثلاث حواد ومثلث قائم الزاوية وهو أن تكون فيه زاوية واحدة قائمة وزاويتان حادتين فيقال له قائم الزاوية ولا يجوز أن يقع في مثل زاويتان قائمتان لأن كل مثلث فزواياه الثلاث مساويات لزاويتين قائمتين فمحال أن يقع فيه زاويتان قائمتان فإذا لم يقع فيه قائمتان فالمنفرجتان أبعد لأن المنفرجة أكبر من القائمة. ومثلث منفرج الزاوية وهو أن يقع زاوية منفرجة وزاويتان حادتان ومحال أن يقع فيه زاويتان منفرجتان أو زاوية منفرجة وزاوية قائمة والأخرى حادة. وتحديد المثلث أيضا من خطوطه يكون ثلاثة أجناس مثلث متساوي الأضلاع وهو أن تتساوى أضلاعه الثلاث ومثلث متساوي الساقين وهو أن يتساوى ضلعان منه ويخالف الثالث فالثالث هو القاعدة والمتساويان ساقاه والثالث ما اختلفت أضلاعه الثلاث. والمقوس كل شكل يحسط به شكل مقوس فلا يلتقي طرفاه وهو بعض الدائرة وهو ثلاثة أجناس مقوس هو نصف الدائرة ومقوس أكبر من نصف دائرة ومقوس هو أصغر من نصف دائرة والخط الذي يصل بين طرفيه يقال له الوتر وسهمه خط يصل بين القوس والوتر. وأما الدائرة فهو شكل يحيط به خط واحد مستدير في داخله
[ ٥١ ]
نقطة هي مركزه وكل الخطوط التي تخرج من تلك الدائرة إلى محيطها متساوية. والمطبل شكل يحيط به أربعة خطوط في وسطها انحراف عن الاستقامة إلى داخله فوسطه أصغر من طرفيه. وذوات الأضلاع الكثيرة هي الأشكال التي يحيط بكل واحد منها أكثر من أربعة خطوط. والعمودان ضلعا المثلث القائم الزاوية. ومسقط الحجر هو النقطة التي لو نصب المثلث قائمًا وأرسل حجر من زاويته إلى الضلع السفلى التي توتر تلك الزاوية وقع عليها أي على النقطة، والمعاين المشاهد وياؤه غير مهموزة لأن الياء إذا صحت في الفعل الماضي لم تهمز في اسم الفاعل يقول عاين فهو معاين وبايع فهو مبايع.
وقوله " وكانت العجم تقول من لم يكن عالما بإجراء المياه وحفر فرض المشارب وردم المهاري ومجاري الأيام في الزيادة والنقص ودوران الشمس ومطالع النجوم وحال القمر في استهلاله وأفعاله ووزن الموازين وذرع المثلث والمربع والمختلف الزاويا ونصب القناطر والجسور والدوالي والنواعير على المياه وحال أدوات الصناع ودقائق الحساب كان ناقصا في حال كتابته "
المياه جمع ماء وأصل ماء موه وتصغيره مويه والواحدة ماهه وماءه ويجمع الماء أيضًا على الأمواه ويقال ماهت البئر وأماهت إذا كثر ماؤها وهي تموه وتماه. والفرض جمع فرضة وهي النقب والثلمة تنحدر منه إلى نهر أو واد ثم كثر ذلك حتى سمى كل موضع يرده الناس من شفار الأنهار فرضة قال الأصمعي الفرضة المشرعة وجمعها فراض واشتقاقها من الفرض وهو الحزفي الشيء والقطع يقال منه فرضت الخشبة وفرضة القوس الحز الذي يجري عليه الوتر وفرضها أيضا. والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب. والردم ردمته ردما وهو أبلغ من السد لأن الردم ما جعل بعضه على بعض يقال ثوب مردم إذا كان مرقعا رقعة فوق أخرى. والمهاوي جمع مهواة وهي الحفرة أو الوهدة العميقة والمهاواة موضع في الهواء مشرف ما دونه من جبل وغيره يقال هوى يهوي هيا وهويا وهويانا إذا سقط قال الراجز:
لتقربن قربا جلديا ما دام منهن فصيل حيا
فقدنا الليل فهيا هيا
[ ٥٢ ]
يريد أهوي وأعجلي والجلدي الشديد والقرب الليلة التي يصبح في صبيحتها الماء قال زهير:
فشج بها الأماعز وهي تهوي هوي الدلو أسلمها الرشاء
والهاوية اسم من أسماء جهنم سميت بذلك لهوى المجرمين فيها. وقوله ومجاري الأيام في الزيادة والنقص المجاري جمع مجرى وهو مصدر وتقريب ذلك أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة مستوية إذا نقص من النهار شيء زاد في الليل مثله حتى يستوفي اليوم والليلة أربعا وعشرين ساعة فإذا نزلت الشمس الحمل اعتدلا وسمى الاعتدال الربيعي ويكون في النصف الأخير من آذار ثم يزيد النهار إلى أن تبلغ الشمس آخر الجوزاء وذلك في النصف الأخير من حزيران فيكون هذا انتهاء طول النهار وقصر الليل ثم يأخذ الليل من النهار إلى أن ينتهي قصر النهار وطول الليل وذلك يكون في النصف الأخير من كانون الأول وهو كون الشمس في آخر القوس ثم يأخذ النهار من الليل حتى يرجع الاعتدال الربيعي. وقوله ودوران الشمس هو تقلبها وتصرفها وهو مصدر دار دورا ودورانا وإذا جاء الاسم على فعلان فبابه الحركة والاضطراب نحو نزوان وقفزان وغليان وغثيان إلا ما أشذوا نحو الميلان والشنآن وموتان الأرض للموات منها. ودوران الشمس يختلف لأنها تسير في يوم سيرا ثم تسير في غدا غيره فلا يمكن شرحه. وقوله وحال القمر في استهلاله قال الليث غرة القمر حين يهله الناس في غرة الشهر تقول أهل القمر ولا يقال أهل الهلال وقد غلط في ذلك وكلام العرب أهل الهلال واستهل رواه الثقات أبو عبيد عن أبي عمرو وثعلب عن ابن الإعرابي ويسمى القمر لليلتين من أول الشهر هلالا ولليلتين من آخر الشهر ليلة ست وسبع وعشرين هلالا وسمى ما بين ذلك قمرا ويقال أهللت الهلال واستهللنا قال أبو العباس سمى الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالأخبار عنه يقال أهل الرجل واستهل إذا رفع صوته وسمى القمر قمر البياضة والأقمر الأبيض وإفعاله عندهم تأثيراته وقوله ووزن الموازين هي جمع ميزان واصله موزان وإنما قلبت في الواحد الواو ياء لانكسار ما قبلها والموازين آلات تقاس بها الأرضون فيعرف بها قدر ما بينها من ارتفاع وانخفاض. وقوله وذرع المثلث والمربع والمختلف الزوايا. أما المثلثة الحادة الزوايا فهي التي إذا ضربت ضلعين من أضلاعها أيتهما كانت كل واحدة منهما في مثلها وجمعته كان أعظم من الضلع الباقية في مثلها مثاله أرض مثلثة ضلع خمس عشرة ذراعا وأخرى
[ ٥٣ ]
أربع عشرة وأخرى ثلاث عشرة فبابها أن تضرب أربع عشرة في مثلها فيكون مائة وستا وتسعين ثم تضرب ثلاث عشرة في مثلها فيكون مائة وتسعا وستين فيكون ثلاثمائة وخمسًا وستين فهي أكبر من ضرب الضلع الطولي ولهذا الجنس من المثلثات ثلاثة أعمدة إذا كانت المثلثة مختلفة الأضلاع. والمنفرجة كل مثلثة إذا ضربت كل واحدة من ضلعيها القصريين في نفسها وجمع كان أقل من ضرب الضلع الطولي في نفسها مثالة أرض مثلثة مختلفة الأضلاع منفرجة الزوايا ضلع ثماني عشرة ذراعا وضلع عشرة أذرع وضلع اثنتا عشرة ذراعا بابها أن تضرب ثماني عشرة في مثلها فيكون ثلاثمائة وأربعا وعشرين ثم تضرب عشر في مثلها فيكون مائة وأربعا وأربعين ثم تضرب عشرا في مثلها فيكون مائة وأربعا وأربعين ومائة فتكون مائتين وأربعا وأربعين فضرب الضلع الأولى أكثر من ضرب الضلعين القصريين فبان أن هذه المثلثة منفرجة المزويا. ولهذا الجنس من المثلثات عمود واحد يقع على الجانب أطول منها. والقائمة الزوايا كل مثلثة إذا ضربت ضلعها الطولى في نفسها كان مثل ما يرتفع من ضرب كل واحدة من الضلعين القصريين في نفسها إذا جمع مثاله أرض مختلفة الأضلاع قائمة الزاوية منها ضلع عشر أذرع وأخرى ثماني أذرع وأخرى ست أذرع فبابها أن تضرب عشرة في مثلها فتكون مائة ثم تضرب ثمانية في مثلها فتكون أربعة وستين ثم تضرب ستة في مثلها فتكون سنة وثلاثين فتجمع أربع وستين وستة وثلاثين فتجمع أربع وستين وستة وثلاثين فيكون مائة فقد بان أن ضرب الضلعين ساوى مبلغه مبلغ ضرب الضلع الطولي. وهذا الضرب من المثلثات هو نصف المربعة ولها عمود يقع على ضلعها
[ ٥٤ ]
الطولي لأن ضلعيها القصريين كل واحدة منهما عمود الأصل. المربعات الجنس الأول ما ساوى طولاه عرضيه فمثال أرض مربعة متساوية الأضلاع كل ضلع من أضلاعها عشر أذرع تكسيرها أن تضرب عشرة في عشرة فتكون مائة. والجنس الثاني ما يزيد طولاه على عرضيه مثاله أرض مربعة متساوية الطولين متساوية العرضين كل طول منها خمس عشرة ذراعا وكل عرض منها عشرة أذرع فبابها أن تضرب خمسة
عشر في عشرة فيكون مائة فقد بان أن ضرب الضلعين ساوى مبلغه مبلغ ضرب الضلع الطولي. وهذا الضرب من المثلثات هو نصف المربعة ولها عمود يقع على ضلعها الطولي لأن ضلعيهما القصريين كل واحدة منهما عمود الأصل. المربعات الجنس الأول ما ساوى طولاه عرضيه فمثاله أرض مربعة متساوية الأضلاع كل ضلع مائة. والجنس الثاني ما يزيد طولاه على عرضيه مثاله أرض مربعة متساوية الطولين متساوية العرضين كل طول منها خمس عشرة ذراعا وكل عرض منها عشرة أذرع فبابها أن تضرب خمسة عشر في عشرة فيكون مائة وخمسين فذلك تكسيرها. الثالث المتساوي الطولين المختلف العرضين تكسيره من قبل الإضلاع مثاله أن تكون أرض مربعة أحد عرضيها أربع أذرع والثاني الذي يقابله ست عشرة والطولان عشر عشر وليست بقائمة الزوايا فبابها أن يستخرج عمودها وهو الخط الممدود في وسطها وهو أن تلقي أربعة من ست عشر فيكون الباقي اثني عشر فتأخذ نصفها وهو ستة فتضربه في مثله فيكون ستة فتضربه في مثله فيكون ستة وثلاثين ثم تضرب أحد الطولين وهو عشرة في الآخرة وهو عشرة فيكون مائة فتلقي منه ستة وثلاثين فيبقى أربعة وستون فتأخذ جذرها وهو ثمانية فذلك العمود ومعرفة تكسيرها أن تجمع أربعة وستة عشر فيكون عشرين فتأخذ نصفها وهو عشرة فتضربها في العمود وهو ثمانية فيكون ثمانين فذلك تكسيرها. الرابع أن تكون أرض مربعة مختلفة أحد طوليها خمس عشرة ذراعا والثاني ثلاث عشرة وأحد طوليها تسع عشرة والثاني خمس أذرع فبابها أن تضرب خمسة عشر في مثلها فيكون مائتين وخمسة وعشرين ثم تضرب ثلاثة عشر في مثلها فيكون مائة وتسعة وستين ثم تلقيها من مائتين وخمسة وعشرين فيبقى ستة وخمسون فتلقي نصفها فيبقى ثمانية وعشرون ثم تلقي أحد العرضين من الآخر فيبقى أربعة عشر فتقسم ثمانية وعشرين على أربعة عشر فيخرج القسم اثنتين فتزيدها على نصف الأربعة عشر وهو سبعة فتكون تسعة وهو مسقط الحجر على تسع عشرة مما يلي خمسة عشر وإذا اردت عن تعرف عمودها فاضرب تسعة من مثلها يكون أحدا وثمانين فأسقطها من مائتين وخمسة وعشرين يبقى مائة وأربعة وأربعون فتأخذ جذرها وهو اثنا عشر فذلك عمودها وإذا أردت تكسيرها جمعت العرضين وهو تسعة عشر وخمسة فتصير أربعة وعشرين فتلقي نصفها وهو اثنا عشر وتضربها في العمود وهو اثنتا عشرة يكون مائة وأربعا وأربعين وهو تكسيرها. الخامس وهو يعرف بالمعنيات ومعرفة تكسيرها من قبل القطر مثاله أرض قطرها الأول ست عشرة ذراعا وقطرها الآخر اثنتا عشرة ذراعا فبابها أن تضرب نصف أطول القطرين في الأقصر وإن شئت ضربت ثمانية في اثنى عشر فيكون ستة وتسعين فهو تكسيرها أو
[ ٥٥ ]
تضرب ستة عشر في ستة فيكون ستة وتسعين أو تضرب ستة عشر في اثنى عشرة فيكون مائة واثنين وتسعين فتأخذ نصفها وهو ستة وتسعون فذلك تكسيرها. والمدورات أحد وجوه تكسيرها أن تضرب القطر في نفسه وتضع مما يخرج به الضرب سبعة ونصف سبعة فما بقي فهو التكسير مثاله أرض مدورة قطرها أربع عشرة ذراعا ويحيط بها أربع وأربعون ذراعا فباب تكسيرها أن تضرب القطر وهو أربع عشرة في مثله فيكون مائة وستا وتسعين فتلقي سبعها وهو ثمان وعشرون ثم تلقي نصف سبعها وهو أربع عشرة فيكون الباقي مائة وأربعا وخمسين ذراعا فهو تكسيرها ومما يعرف به الدوران تضرب القطر في مثله ثم تضربه في عشرة فما بلغ أخذ جذرة فما كان فهو الدور مثاله أرض مدورة قطرها أربع عشر ذراعا كم يحيط بها تضرب أربعة عشر في مثلها تكون مائة وستة وتسعين ثم تضربها في عشرة تكون ألفا وتسعمائة وستين ثم تأخذ جذر ذلك يكون أربعة وأربعين وربعا وربع عشر تقريبا فهو الذي يحيط بها. المقوسات وهي لا تخلو من أن تكون نصف مدورة أو أقل أو أكثر فإن كان سهم القوس مثل نصف الوتر فهي نصف مدورة فإن كان السهم أقل من نصف الوتر فهي أقل من نصف مدورة وإن كان أكثر من نصف الوتر فهي أكبر من نصف مدورة فإذا أردت أن تعلم أي مدورة هي فاضرب نصف الوتر في مثله وأقسمه على السهم وزد ما خرج على السهم فما خرج فهو قطر المدورة التي القوس منها مثال ذلك قوس وترها ثماني أذرع وسهمها أربع أذرع وهذه القوس نصف المدورة فاضرب نصف الوتر وهو أربعة في مثله يكون ستة عشر فتقسمها على السهم وهو أربعة يخرج القسم أربعة فتزيده على السهم وهو أربعة تصير ثمانية وهو قطر المدورة التي القوس
منها ووتر القوس التي هي نصف المدورة وهو قطر المدورة بأسرها وإن قيل قوس وتراها ثماني أذرع وسهمها ذراعان وهذه القوس أقل من نصف مدورة كم قطر المدورة فبابها أن تأخذ نصف الوتر وهو أربعة فتضربه في مثله يكون ستة عشر فتقسمها على السهم وهو ذراعان يكون ثماني أذرع وهو قطر تلك المدورة التي القوس منها. فأما تكسير القوس فله وجوه كثيرة فمنها أن تضرب ربع الوتر في الدور فما بلغ فهو التكسير. مثاله أرض مقوسة وترها أربع عشرة ذراعا ودورها اثنان وعشرون ذراعا بابها أن تضرب ربع الوتر وهو ثلاثة ونصف في الدورة وهو اثنان وعشرون يكون سبعة وسبعين فتلك التكسير. وقوله ونصب القناطر والجسور القناطر جمع قنطرة وهي أزج يبني بالآجر أو بالحجارة على الماء يعبر عليه وهي عربية قال طرفة: ووتر القوس التي هي نصف المدورة وهو قطر المدورة بأسرها وإن قيل قوس وتراها ثماني أذرع وسهمها ذراعان وهذه القوس أقل من نصف مدورة كم قطر المدورة فبابها أن تأخذ نصف الوتر وهو أربعة فتضربه في مثله يكون ستة عشر فتقسمها على السهم وهو ذراعان يكون ثماني أذرع وهو قطر تلك المدورة التي القوس منها. فأما تكسير القوس فله وجوه كثيرة فمنها أن تضرب ربع الوتر في الدور فما بلغ فهو التكسير. مثاله أرض مقوسة وترها أربع عشرة ذراعا ودورها اثنان وعشرون ذراعا بابها أن تضرب ربع الوتر وهو ثلاثة ونصف في الدورة وهو اثنان وعشرون يكون سبعة وسبعين فتلك التكسير. وقوله ونصب القناطر والجسور القناطر جمع قنطرة وهي أزج يبني بالآجر أو بالحجارة على الماء يعبر
[ ٥٦ ]
عليه وهي عربية قال طرفة:
كقنطرة الرومي أقسم ربها لتكتنفن حتى تشاد بقرمد
وتقول عبرنا على القنطرة الجديد بلا هاء لأنها في تأويل مفعول وما كان كذلك كان بغير هاء إذا ذكرت الموصوف كعين كحيل وكف خضيب وعبرنا على القنطرة العتيقة بالهاء لأنها ليست في تأويل مفعول فلا وجه لحذف الهاء. والجسور جمع جسر وجسر بفتح الجيم وكسرها وهو ما مد على الماء من خشب يعبر عليه وجمعه جسور قال الراجز:
دبدبة الخيل على الجسور
ويقال رجل جسر إذا كان طويلا ضخما شجاعا ومنه قيل للناقة جسرة وقال ابن مقبل موضع رحلها جسر وإن ليجسر فلانا أي. والدوالي جمع دالية وهي شيء يتخذ من خوص وخشب يستقي بها بحبال تشدبها في رأس جذع طويل وهي عربية محضة وفي حديث معاذ بن جبل ما سقي بالدوالي فنصف العشر وقال المسيب بن غلس يصف خليجا:
وكأن بلق الخيل في حافاته ترمي بهن دوالي الزراع
والنواعير جمع ناعورة وهو دولاب يديره الماء ويسمع له صوت وسمى ناعورة بصوته يقال نعر الرجل ينعر إذا صاح وامرأة نعارة صخابة وليست الناعورة بعربية أنشدني أبو زكرياء لبعضهم يصفها:
ناعورة تحسب في صوتها متيما يشكو إلى زائر
كأنما كيزانها عصبة صيبوا بريب الزمن الواتر
قد منعوا أن يلتقوا فاغتدى أولهم يبكي على الآخر
والأدوات جمع أداة وهي الآلة وألفها واو وأصلها أدوة فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ولكل ذي حرفة أداة وهي آلته التي يقيم بها حرفته وأداة الحرب سلاحها ورجل مؤد كامل أداة السلاح. والصناع جمع صانع وهم الذين يعملون بأجيديهم والحرفة الصناعة وامرأة صناع إذا كانت حاذقة رفيقة اليدين بالعمل والحرز
[ ٥٧ ]
وتسوية الأساقي والدلاء ورجل صنع اليدين بكسر الصاد وسكون النون إذا أضفت قال:
صنع اليدين بحيث يكوى الأصيد
ورجل صنع إذا أفردت فتحت الصاد وحركت النون قال:
أنبل عدوان كلها صنعا
واصنع الرجل إذا أعان أخرق وكل ما صنع فيه فهو صنع مثل السفرة ويكون الصنع الشواء. والدقائق جمع دقيقة والدقيق الأمر الغامض وإذا قيل رجل دقيق فالمراد به القليل الخير والدقيق أيضا ضد الغليظ والمداقة فعل اثنين يقال أنه ليداقه الحساب ويقال دق الشيء يدقه إذا أظهره وقال زهير:
ودقوا بينهم عطر منشم
أي أظهروا العداوات والعيوب والحساب والحسابة عدك الشيء يقال حسبت الشيء أحسبه حسابا وحسابة وحسبانا بالضم وحسبانا بالكسر إذا عددته قال النابغة:
وأسرعت حسبة في ذلك العدد
وقال الله تعالى " الشمس والقمر بحسبان " أي بحساب وقال الراجز في حسابه:
يا جمل أسقاك بلا حسابه
وحسبت الشيء بالكسر أحسبه وأحسبه بكسر السين وفتحها والكسر شاذ وهو أجود اللغتين وقرئ بهما وليس في السالم فعل يفعل غير حسب يحسب ونعم ينعم والمصدر محسبة ومحسبة وحسبانا.
وقوله " ولا بد مع ذلك من النظر في جمل الفقه ومعرفة أصوله من حديث رسول الله ﷺ وصحابته كقوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه والخراج بالضمان وجرح العجماء جبار ولا يغلق الرهن والمنحة مردودة والعارية مؤداة والزعيم غارم ولا وصية لوارث ولا قطع في ثمر ولا كثر "
[ ٥٨ ]
البنية يراد بها الشهود ومن يجري مجراهم من الحجج التي يقيمها المدعي واليمين القسم وهي مؤنثة وجمعها أيمان وأيمن واليمين على وجوه اليد والقوة واليمن يقال قدم فلان على أيمن اليمن أي اليمن وقيل في قول الشماخ:
تلقاها عرابة باليمين
أي بالقوة واليمن واليد اليمنى وفسر قوله تعالى " وعن أيمانهم " أي من قبل دينهم والمعنى في الحديث أن تكون في يد رجل دار أو مال فيجيء آخر فيقول هذه الدار لي وهذا المال لي وينكر الذي في يده الشيء فعلى الذي طالب البنية شاهدان عدلان أو رجل وامرأتان يشهدون أن الشيء له فان شهدوا حكم له بالشيء وإن لم تكن له بنية فعلى الجاحد المدعي عليه اليمين بالله ما الأمر على ما يدعي عليه فإن حلف كان الشيء له. والخراج بالضمان قال أبو عبيد وغيره من أهل العلم معنى الخراج في هذا الحديث غلة العبد يشتريه الرجل فيستغله زمانا ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع ولم يطلعه عليه فله رد العبد على البائع والرجوع عليه بجميع الثمن والغلة التي استغلها المشتري من العبد طيبة له لأنه كان في ضمانة ولو هلك هلك من ماله وهذا معنى قول شريح لرجلين احتكما إليه في مثل هذا فقال للمشتري رد الداء بدائه ولك الغلة بالضمان وجملة معنى الخراج الغلة. وقوله وجرح العجماء جبار قال أبو عبيد أراد بالعجماء البهيمة سميت عجماء لأنها لا تتكلم قال وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم يقال قرأ فلان فاستعجم عليه ما يقرأ إذا التبس عليه ولم يتهيأ له أن يمضي فيه وصلاة النهار عجماء لأنه لا يسمع فيها قراءة ومعنى جرح العجماء جبار البهيمة تفلت فتصيب إنسانا في إفلاتها فذلك هدر وهو معنى الجبار. وقوله لا يغلق الرهن أب لا يستحقه المرتهن وهو معنى الجبار. وقوله لا يغلق الرهن أب لا يستحقه المرتهن إذا لم يرد الراهن ما رهنه فيه وكان هذا من فعل أهل الجاهلية فأبطله النبي ﷺ بقوله " لا يغلق الرهن " قال زهير.
وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
أي أنها ارتهنت قلبه فذهبت به والغلق الهلاك ومعنى لا يغلق الرهن أي لا يهلك والفعل من الرهن رهنته أرهنه رهنا قال الأصمعي ولا يقال أرهنته وروي بيت ابن همام السلولي:
فلما خشيت أظافيرهم نجوت وأرهنهم مالكا
[ ٥٩ ]
وقال هو كما يقول قمت واصك عينه قال ورواية من روي وأرهنتهم مالكا خطأ وغيره يجيزها. والمنحة مردودة قال أبو عبيد المنحة عند العرب على معنين أحدهما أن يعطي الرجل صاحبه المال هبة أو صلة فيكون له وأما المنحة الأخرى فان يمنح الرجل أخاه ناقة أو شاة يحتلبها أزمانا ثم يردها وهو تأويل قوله المنحة مردودة والمنحة أيضا أن تكون في الأرض يمنح الرجل الرجل أرضه ليزرعها ومنه الحديث " من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه " أي يدفعها إليه يزرعها فإذا رفع زرعها ردها على صاحبها والمنحة منفعتك أخاك تمنحه ولك شيء يقصد به قصد شيء فقد منحته إياه وفي المنحة لغتان منحة ومنحة والفعل منها منحت أمنح وفي الحديث " من منح منحة ورق " يراد به القرض والعارية الشيء الذي يتداوله القوم بينهم وهي منسوبة إلى العارة وهو اسم من الإعارة يقال أعرته الشيء أعير إعارة وعارة كما تقول أطعته إطاعة وأجبته إجابة وجابة وهي من ذوات الواو وأصلها عورية فقلبت الواو ألفا لنحركها وانفتاح ما قبلها تقول هم يتعاورون العواري بينهم بالواو وهي المعاورة والتعاور شبه المداولة والتداول في الشيء يكون بين اثنين قال ذو الرمة:
وسقط كعين الديك عاورت صحبتي أباها وهيأنا لموقعها وكرا
يعني الزند وما سقط من ناره وتقول في جمعها عواري فأما قول من قال أنها منسوبة إلى العار فليس بشيء لأن العار من ذوات الياء والعارية من ذوات الواو وتقول استعرت منه العارية فأعارنيها ومعنى الحديث أن المستعير يجب عليه رد العارية على المعير وللعرب سبعة أسماء تضعها موضع العارية لينتفع بها المستعير ثم يردها إلى العير وهي المنحة والعرية والإفقار والأخبال والأعمار والأكفاء والأقارب فالمنحة التي مضى ذكرها. والعرية النخلة يعطي الرجل أخاه ثمرها عامه ذلك من بين نخلة كأنه لما أعطاه ثمرها فقد أعراها من الثمر. والإفقار أن يعطي الرجل دابته فيركبها ما أحب في سفر أو حضر ثم يردها عليه واشتقاقها من فقار الظهر وهي خرز الصلب بقوله أفقره معناه أمكنه من ركوب فقاره أي ظهره. والأخبال أن يعطي الرجل البعير أو الناقة يركبها ويجتز وبرها وينتفع بها ثم يردها وإياه اراد زهير بقوله:
هناك أن يستخلبوا المال يخلبوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
[ ٦٠ ]
واشتقاقها من الخبل وكان الرجل إذا أصابته شدة جاء إلى صاحبه فاستدعى معونته على الخبال الذي لحقه فأخبله أي أعطاه ما يستعين به أي أزال خباله. والإكفاء أن يعطي الرجل الناقة لينتفع بلبنها ووبرها وولد عامها ذلك والفرق بينه وبين الأخبال أن الولد في الأخبال يرد مع الناقة وفي الإكفاء لا يرده. والإعمار والأقارب في المنازل والاسم العمري والرقبي فالعمري فالعمري أن يسكن الرجل الرجل الدار فإذا مات رجعت إليه كأنه جعلها له عمرة والأقارب أن يعطيه دارًا ويقول له أن مت قبلي رجعت إليّ وإن مت قبلك هي لك وأصله من المراقبة لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه والفعل من هذه الأشياء كلها أفعلتك بالألف إلا المحنة فإنها بغير ألف. والزعيم الكفيل وكذلك القبيل والضمين والصبير يقال منه زعمت به أزعم زعامة أي كفلت قال الله تعالى " وأنا به زعيم " فإذا كان لرجل على آخر مال فضمنه إنسان لرب المال فضمانه جائز ولرب المال أن يأخذه بالمال الذي كان عليه وإن شاء أخذ الضمين وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀ وقال غيره إذا وقع الضمان فقد برئ الذي كان عليه المال. ولا وصية لوارث هو أن يكون للرجل وراث فيوصى لأحدهم بشيء من تركته ويزوي عنه الباقين فلا يجوز له أن يجمع بين الميراث والوصية لكراهية إزواء الميراث عن الورثة إلا أن يجيز الورثة الوصية فإن أجازوها كانت ماضية وفي حديث عن الحسن ﵀ قال قال رسول الله ﷺ لا وصية لوارث إلا أن يجيزه الورثة. ولا قطع في ثمر ولا كثر الكثر الجمار والجذب منه ما كان خشنا والثمر يعني الثمر المعلق في رؤوس النخل والشجر الذي لم يحرز في الجرين والجرين الذي يجعل فيه ثمر النخل فإذا جد وأحرز في الجرين فعلى السارق فيما بلغت قيمته ربع دينار القطع وهو معنى حديث عمر ﵁ لا قطع في عام سنة ولا في عذق معلقا.
وقوله " ولا قود إلا بحديدة والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها ولا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولإطلاق في إغلاق والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا والجار أحق بصقبه والطلاق بالرجال والعدة بالنساء ".
أما قوله لا قود إلا بحديدة فقد اختلف الفقهاء فيه فمنهم من تعلق به وقال لا يقتل من قتل بحديد بل تؤخذ منه الدية وبعضهم يقول إذا قتل بما مثله يقتل قتل مثل أن يرميه بصخرة عظيمة وما أشبه ذلك هو قول الشافعي ﵀ وقال قوم متى قتل
[ ٦١ ]
بغير حديدة لم يقد منه إلا بالسيف والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها هو تفاعل من العقل وهو الدية أي تساوي الرجل في الدية إلى الثلث فما جاوزت الثلث ردت إلى نصف دية الرجل ومعناه أن دية المرأة في الأصل على النصف من دية الرجل كما أنها ترث نصف ما يرث الابن فأما في الأعضاء فما كان فيه أقل من ثلث دية نحو الإصبع فإن فيها عشر الدية وهو عشر من الإبل فكذلك الإصبعان والثلاث وما أشبه ذلك مما لا يجب فيه ثلث الدية فإن دية أعضاء المرأة على النصف من دية الرجل نحو دية الرجل والعين والشفة وما أشبه ذلك وهو قول سعيد بن المسيب ومن تابعه من أهل المدينة وسأل رجل من أهل العراق سعيدا قال أرأيت رجلا قطع إصبع امرأة قال عليه عشر الدية قال فاصبعين قال عشران قال فثلاث قال ثلاثة أعشار قال فأربعا قال عشر أن فقال له فلما اشتد جرحها وعظمت بليتها نقص عقلها قال أعراقي أنت بذلك جاءت أمسنة يريد السنة فأبدل لام التعريف ميما وهي لغة وفي تسميتهم الدية عقلا قولان أحدهما من قولهم عقل الظبي يعقل عقولا إذا احترز في الجبل والموضع يسمى معقلا ووعل عاقل فكأن الدية قد صارت حرز للقاتل من القتل وصار ممتنعا بها كامتناع الوعل بقلة الجبل والقول الآخر أن الإبل وإن كانت تجمع وتعقل بفناء ولي المقتول ثم كثرت حتى سميت الدية وإن كانت دراهم أو دنانير أو غير ذلك عقلا وأصل العقل في اللغة الحبس والمنع والدية أصلها ودية وهي مصدر واسم فحذفت واوها كما حذفت من زنة وعدة والعاقلة قيل هم العصبة والقرابة من قبل الأب ولا تعقل منهم صغير ولا مجنون ولا أنثى ومعرفة ذلك أن تنظر إلى إخوة الجاني من قبل الأب فيحملون ما تحمل العاقلة فإن احتملوها أدوها في ثلاث سنين وإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جده فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جد أبيه فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جد أبي جده ثم هكذا لا ترفع عن بني أب حتى يعجزوا وقيل العاقلة القبيلة وقيل هم أهل الديوان الذين يقبضون معه العطاء والمعنى أن القتل إذا كان عمدا محضا لم تلزم العاقلة الدية وكذلك إذا صولح الجاني من الدية على مال بإقرار منه لم تلزم العاقلة الدية وكذلك إن اعترف أنه قتل خطأ فليس على عاقلته ديته وإذا جنى عبد لرجل حر على إنسان جناية خطأ لم تغرم عاقلة الجاني ثمن العبد وهذا أشبه بالمعنى قال الأصمعي خطأت أبا يوسف القاضي لأنه تأوّل معنى قوله لا تعقل العاقلة عبدًا إذا قتل عبد لرجل رجلًا لم يجب على عاقلة المولى شيء قال فقلت لو كان الأمر على هذا لقال ولا تعقل العاقلة
[ ٦٢ ]
عن عبد لأنه يقال عقلت العاقلة عن القاتل وعقلت العاقلة المقتول. وأنثت العاقلة على معنى الجماعة العاقلة. ولإطلاق في إغلاق معنى الإغلاق الإكراه والإجبار كأنه يغلق عليه الباب ويحبس أو يضيق عليه أمره حتى يضطر إلى تطليق امرأته فكأنه قد أغلق عليه باب المخرج مما ألجئ إليه فوضع الإغلاق موضع الإكراه كالرجال يغلق عليه محبسه لا يجد سبيلًا إلى التخلص منه وإغلاق القاتل إسلامه إلى ولي المقتول فيحكم في دمه ما شاء يقال أغلق فلان بجريرته قال الفرزدق:
أساري حديد أغلقت بدمائها
والاسم الغلاق قال عدي بن زيد ويقول العداة أودى عدي وبنوه قد أيقنوا بالغلاق وقد اختلف أهل العلم في طلاق المكرة فقال أهل الرأي يقع طلاقه وقال أهل الظاهر لا يقع. وقوله البيعان بالخيار ما لم يتفرقاهما البائع والمشتري وسميا بيعين لأن كل واحد منهما يقال له بائع والبيع من الأضداد يكون البيع ويكون الشراء وكذلك الشراء يقع عليهما جميعا وقد اختلف في الافتراق هنا فمن الفقهاء من يرى أنه افتراق الأبدان ومنهم من يرى أنه افتراق والأول أظهر. والجار أحق بصقبة أي بما لاصقه وقاربه والصقب القرب يقال اصقبت دارنا أي دنت يريد الشفعة وهو أن يبيع الرجل دارًا أو بستانا ثم يجيء جاره فيطلب الشفعة فإن له ذلك وقال الشافعي ﵀ وهو الجار الذي لا تنفصل شركته واحتج ببيت الأعشى:
أيا جارتا بيني فإنك طالقة
فجعل الزوجة جارة لأنها لا تنفصل من بعلها ما لم يطلقها والشريك أقرب إلى شريكه من الجار. وقوله الطلاق بالرجال والعدة بالنساء معناه أن الطلاق يعتبر به حال الرجل والعدة تعتبر بها حال النساء فإذا كان حرًا وتحته أمة فالطلاق ثلاث والعدة حيضتان وإن كان الزوج عبدًا وتحته حرة فالطلاق بنتان والعدة ثلاث حيض وقوله " وكنهيه في البيوع عن المخابرة والمحاقلة والمزانبة والمعاومة والثنيا وعن ربح ما لم يضمن وبيع ما لم يقبض وعن بيعتين في بيعة وعن شرطين في بيع وعن بيع وسلف وعن بيع الغرر وبيع المواصفة وعن الكالئ بالكالئ وعن تلقي الركبان ".
[ ٦٣ ]
المخابرة مزارعة الارض على الثلث أو الربع أو النصف أو أكثر من ذلك أو أقل وهو الخبر أيضا ومن ذلك قيل للاكار خبير لأنه يخابر الارض والخابرة هي المواكرة والخبراء الارض تنبت السدر وكان ابن الاعرابي يقول أصل المخابرة من خيبر لأن رسول الله ﷺ كان أقرها في أيدي اهلها على النصف فقيل خابروهم أي عاملوهم في خيبر ثم تنازعوا عن ذلك ثم جازت بعد. والمحاقلة مفاعلة من الحقل الذي هو الزرع يقال أحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن تغلظ سوقه أومن الحقل الذي هو القراح ويقال في مثل لا تنبت البقلة الا الحقلة يضرب مثل للكلمة الخسيسة تخرج من الرجل الخسيس وفيها أقوال أو لها أنها بيع الزرع في سبله بالبر فخذا غير جائز لأنه بيع مثل بمثل مجازفة وقيل هي بيع زرع بزرع مثله وغلتهما من جنس واحد وقيل هي بيع السنبل قائما بعرض وقد اختلفوا في ذلك فقال قوم لا يجوز بيع السنبل حتى يشتد قوم وقال لا يجوز بيعه على كل وجه لأنه في أكمامه مستتر لا يعلم صحة الحب فيه وقيل هي بمعنى المزارعة بالثلث والربع وأقل من ذلك وأكثر وفي حديث رافع بن خديج قال كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى فجاء ذات يوم عمومتي فقالوا نهى رسول الله عن أمر كان لنا نافعا وطواعية رسول الله انفع لنا نهانا أن نحاقل بالأرض وهذا يدل على أنه بمنزلة المخابرة. والمزابنة بيع التمر في رؤس النخل بالتمر واشتقاقها من الزبن وهو الدفع يقال حرب زبون للشديدة وتزابن القوم تدافعوا وذلك أن المتبايعين إذا وقفا على الغبن أراد المقهور أن يفسخ البيع وأراد الغابن ان يمضيه فتزابنا أي تدافعا واختصما وإنما نهى عنه لأنه بيع التمر بالتمر لا يجوز الا مثلا بمثل فهذا مجهول لا يعلم أيهما أكثر ويدخل في المزابنة بيع العنب على الكرم بالزبيب كيلا وقيل المزابنة بيع ما في رؤوس النخل من الرطب بخرصه يقول أبيعك رطب هذه النخلة على ان يجيء منه ألف رطل تمر فان زاد فهو لك وأن نقص فهو عليك فهذا لا يجوز أيضا عند الفقهاء وقيل المزابنة بيع ما في الشجر بمثله من التمر وروى عن مالك أنه قال المزابنة كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده بيع بشيء مسمى من الكيل والوزن والعدد وشبيه بهذا لما يدفع بين السلامة والعيب في السلعة ارش لأن مبتاع الثوب بشرط الصحة إذا وقف على عيب فيه وقع بينه وبين البائع أرش أي خصومة واختلاف تقول أرشت بين القوم وحرشت إذا اوقعت بينهم الشر فسمى ما نقص الثوب من العيب أرشا اذ كان سبب الارش.
[ ٦٤ ]
والمعاومة بيع الانخل والشجر عامين أو أعواما وهي مفاعلة من لفظ العام والعام حول يأتي على شتوة وصيفة وأخبرني الحسن بن عبد الملك عن الحسن بن على عن محمد بن العباس عن أبي محمد الزهري عن ثعلب فال السنة من أي يوم عددتها فهي سنة والعام لا يكون إلا شتاء وصيفا وليس السنة والعام مشتقا من شيء قال فإذا عددنا من اليوم إلى مثله فهو سنة يدخل فيه نصف الشتاء ونصف الصيف والعام لا يكون إلا صيفا وشتاء ومن الأول يقع الربع والربع والنصف والنصف إذا حلف لا يكلمه عاما لا يدخل بعضه في بعض إنما هو الشتاء والصيف. والثنيا هو أن يستثنى مجهولا من معلوم فأن العرب كانت تبيع النخل وغيره وتستثني لأنفسها أشياء غير معلومة كقولك أبيعك نخلى الا ما آكل أنا وأهلي منه فهذا لا يجوز باجماع وكذلك إذا قال أبيعك رطب هذه النخل الا ألف رطل منه لم يجز أيضا وكذلك إذا باع جزروا بثمن معلوم واستثنى الرأس والاكارع فأن البيع فاسد والثنيا من الجزور الرأس والقوائم سميت ثنيا لأن البائع في الجاهلية كان يستثنيها إذا باع الجزور فسميت الاستثناء الثنيا وقال الشاعر:
جمالية الثنيا مساندة القرى عذافرة تختب ثم تنيب
ويروي مذكرة يصف ناقة بأنها غليظة القوائم كقوائم الجمل ولا يدخل الرأس في هذا لأن عظمه هجنه. وكل من باع بيعا فاستثنى منه مجهولا فالعقد باطل ومن استثنى معلوما قد عرفاه جميعا فالعقد جائز. وقوله وربح ما لم يضمن هو أن يبتاع من الرجل سلعته ويقول ان خرجت عني في البيع فالبيع لازم والثمن علي وأن لم يخرج عني في البيع فلا بيع بيني وبينك فنهى النبي ﷺ عن ذلك وفيه وجه آخر وهو أن يأتي الرجل الرجل فيقول له أشتر لي سلعة أنا أربحك فيها فيشتري المأمور تلك السلعة ولا أرب له فيها وبيع ما لم يقبض هو أن يسلف الرجل في طعام ثم يبيعه من غير المستسلف عند محل الأجل من غير أن يقبضه وعن مالك إذا أشترى شيئًا جزافا باعه وأن لم يقبضه فأن أسلف فيه حتى يقبضه باجماع. وقوله بيعتين في بيعة يكون في أشياء منها أن يقول أكتل من طعامي ما أحببت بغير سعرا فإذا بعت لغيرك بسعر فقد بعتك بذلك السعر فيصير إذا باع الثاني فقد باع الأول فقد صار ذلك بيعتين في بيعة ومنها ان يقول أبيعك هذا بدينار على ان تعطيني به عشرين درهما ومنها أن يقول بعتك هذه السلعة بكذا نقدًا وبأزيد منه مؤجلا وعند مالك أنه قد وجب عليه أحد الثمنين لا ينفك منه إن شئت النقد وإن شئت المؤجل فهذا منهي
[ ٦٥ ]
عنه فإذا خيره في النسيئة والنقد والقبول والترك كان البيع جائزًا. وقوله وعن شرطين فبدينارين فهذا محظور غير جائز. وعن بيع سلف هو أن يسلف الرجل مائة دينار في كر طعام إلى سنة يشترط عليه أن لم تأتني بالكر الطعام إلى سنة فقد بعتك أياه بمائتين فهذا بيع وسلف وقيل هو أن يقول أشتريت هذه السلعة بمائة دينار على أن تسلفني مائة أخرى فهذا لا يجوز لأنه لا يؤمن أن يكون باعه السلعة بأقل من ثمنها من أجل القرض. وبيع الغرر هو ما كانت الجاهلية تفعله وذلك أن الرجل كان يشتري من الرجل عبده الآبق وجمله الشارد فهذا بيع الغرر والفاسد باجماع ومن الغرر بيع ما في بطن الناقة أو بيع ولد ذلك الحمل أو ما يضرب الفحل في عامه. وأما بيع المواصفة فهو أن يقول الرجل أبيعك ثوبا من صفته كذا ومنة نعته كذا فيقول قد أشتريته فهذا البيع باطل عند الشافعي وقال أهل العراق إذا وجدها المبتاع على الصفة لم يكن به الخيار فأن لم يجدها على الصفة فالبيع باطل وهو رأي مالك والكاليء بالكاليء النسيئة يقال تكلأت كلأة أي أستنسات نسيئة والنسيئة التأخير أخبرني طراد بن محمد عن أحمد بن علي عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال تفسيره أن يسلم الرجل إلى الرجل مائة درهم إلى سنة في كر طعام فإذا أنقضت السنة وحل الطعام عليه قال الذي عليه الطعام للدافع ليس عندي طعام ولكن بعني هذا الكر بمائتي درهم إلى شهر فهذه نسيئة أنتقلت إلى نسيئة فكل ما أشبه هذا هو هكذا ولو قبض الطعام منه ثم باعه منه أو من غيره بنسيئة لم يكن كالئا بكاليء قال أبو زيد تقول كلأت في الطعام تكليئا واكلأت فيه اكلاء إذا أسلفت فيه وما أعطيت في الطعام من الدراهم نسيئة فهي الكلأة. وقوله عن تلقى الركبان معنى ذلك أن أهل المصر كانوا إذا بلغهم ورود الإعراب بالسلع تلقوهم قبل أن يدخلوا المصر فاشتروا منهم ولا علم الإعراب بسعر المصر فغبنوهم ثم أدخلوه المصر فباعوه وأغلوه وهو نحول قول النبي ﷺ " لا يبع حاضر لباد " وكان الإعراب إذا قدموا بالسلع لم يقيموا على بيعها فتسهلوا فيه وكان ناس من أهل المصر يتوكلون لهم بيعها وينطلق الإعراب إلى باديتهم فنهوا عن ذلك ليصيب الناس منهم وقوله " في أشباه لهذا إذا هو حفظها وتفهم معانيها وتدبرها أغنته بإذن الله عن كثير من إطالة الفقهاء ".
الأشباه الأمثال الواحد شبه وشبه بدل وبدل وهي مثل النهي عن بيع العربان وهو
[ ٦٦ ]
أن يستام الرجل السلعة ثم يدفع إلى صاحبها دينارًا عربونا على أنه أن اشترى السلعة كان الذي دفعه إليه من الثمن وأن لم يشترها كان الدينار لصاحبه ولا يرتجعه منه. ومثل النهي عن المنابذة وهو أن يقول الرجل لصاحبه إذا نبذت إليّ الثوب أو نبذته إليك فد وجب البيع إذا نبذت الحصاة فقد وجب البيع وهذا معنى ما روي عن النبي ﷺ أنه نهي عن بيع الحصاة. ومثل ذلك النهي عن الملامسة وهو أن يقول الرجل لصاحبه إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع بكذا وكذا وقيل هي أن يلمس المتاع من وراء الثوب ولا ينظر إليه ويقع البيع على ذلك وهذه بيوع كانت في الجاهلية فنهى عنها النبي ﷺ. ويقال فهمت الشيء أي عقلته وعرفته وتفهمته تعرفته شيئا بعد شيء وفهمته غيري وأفهمته وتدبرها أي نظر في عاقبتها والتدبير قيس دبر الكلام بقبله لتنظر هل يختلف ثم جعل كل تمييز تدبيرا ومنه تدبير العبد وهو أن يعتق الرجل عبده بعد موته فكأنه تأخير عتقه إلى وفاة مولاه وهي دبر أمره وقوله " ولا بد له مع ذلك من دراسة أخبار الناس وتحفظ عيون الحديث ليدخلها في تضاعيف سطوره متمثلا إذا كتب أو يصل بها كلامه إذا حاور ومدار الأمر عن القطب وهو العقل وجودة القريحة فإن القليل معهما بإذن الله كاف والكثير مع غيرهما مقصر " دراسة أخبار الناس قراءتها وتعلمها وأصل الدرس المحو والأخلاق ومنه قيل للثوب الخلق درس وجمعه درسان ودرس الأثر يدرس دروسا ودرسته الريح تدرسه درسا أي محته فمعنى درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه عليّ ودرست السورة أي حفظتها. وعيون الحديث مختاره وأفضله وقد عيب ذلك عليه وقيل الصواب أن يقال أعيان الحديث لأن العيون جمع عين الماء والعين التي يبصر بها ويقال في سائر الأشياء أعيان يقال أعيان المال وأعيان الرجال وأعيان الثياب وللعين في اللغة مواضع كثيرة ليس هذا موضعها. وقوله في تضاعيف سطوره أي في أثناء سطوره. والمحاورة مراجعة الكلام في المخاطبة تقول حاورته في المنطق وأحرت له جوابا وما أحار بكلمة والاسم المحاورة كالمشورة من المشاورة قال الشاعر:
بحاجة ذي بث ومحورة له كفى رجعها من قصة المتكلم
[ ٦٧ ]
وأصل الحور الرجوع عن الشيء وإلى الشيء وكل شيء تغير من حال إلى حال فقد حار يحور قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع
ومدار مفعل من يدور وأصله مدور فنقلت الفتحة من الواو إلى الدال وقلبت ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن ويسمى النحويون هذا إعلال الإتباع معناه أنه تبع الفعل في الإعلال والقطب أصله للرحى وهو الحديدة القائمة في وسط الطبق الأسفل من الرحيين وعليه تدور الرحى وفيه أربع لغات قطب وقطب وقطب وقطب ويقال لكوكب صغير بين الجدي والفرقدين أبيض لا يبرح مكانه أبدا قطب شبه بقطب الرحى لأن الكواكب تدور عليه وهو لا يزول الدهر ويقال فلان قطب بني فلان أي سيدهم الذي يدور عليه أمرهم وقطب رحى الحرب رئيسها وشبه العقل بالقطب لأن قوام الإنسان بعقله كما أن قوام الرحى بقطبها والعقل التمييز الذي به يتميز الإنسان من سائر الحيوان وسمى عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحسبه وقال ابن الأعرابي العقل التلبب في الأمور والعقل القلب وقيل لاعرابي ما العقل فقال لم ير كاملا في أحد كيف يوصف. وأخبرني المبارك بن عبد الجبار عن إبراهيم بن عمر عن محمد بن محمد بن حمدان عن ابن الأنباري عن محمد بن المرزبان عن شيخ له قال الأصمعي كانت العرب تقول من كانت فيه خصلة أحمد من عقله فبالحرى أن تكون سبب هلاكه قال فحفظت الحديث فحدثت به المدائنى فقال هذا حديث حسن وعندي آخر يشبهه كانت العرب تقول من لم يكن عقله من أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه قال فحقظت الحدثيين فحدثت بهما أحمد بن يوسف فقال هذان حديثان حسنان وعندي آخر لا يشبههما كانت العرب تقول من لك يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان سريعا إلى حتفه فحفظت الأحاديث فحدثت بها أبا دلف فقال هذه الأحاديث حسان عندي حديث أحسن منها غير أنه لا يشسبهها كانت العرب تقول كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فأنه إذا كثر غلا قال فحفظت الأحاديث فحدثت بها الحسين بن على الكوكبي فقال أن للكلام وشيا وهذا اسكندراني وشى الكلام وكان الحسن يقول ما تم دين رجل حتى يتم عقله وبعد فقد قال ابن السماك من لم يتحرز من عقله بعقله هلك من قبل عقله. وقوله وجودة القريحة قال ابن الأعرابي قريحة الرجل طبييعته التي جبل عليها وجمعها قرائح لأنها أول أمره والقريحة أول ماء
[ ٦٨ ]
يخرج من البئر حين تحفر قال الشاعر:
فإنك كالقريحة عام تمهى شروب الماء ثم تعود ماجا
والاقتراح أول الشيء وقروح كل شيء أوله. ويؤيد قوله والكثير مع غيرهما مقصر ما أخبرني أبو القاسم علي بن أحمد البندار عن أبي أحمد الفرضي عن الصولي قال حدثنا جبلة بن محمد قال حدثنا أبي قال جاء رجل إلى ابن شبرمة فسأله عن مسألة ففسرها له فقال له لم أفهم فأعاد فقال لم أفهم فقال إن كنت لم تفهم لأنك لم تفهم فستفهم بالإعادة وان كنت لم تفهم لأنك لا تفهم فهذا داء لا دواء له.
وقوله " ونحن نستحب لمن قبل عنا وائتم بكتبنا أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه وبصون مروءته عن دناءة الغيبة وصناعته عن شين الكذب ويجانب قبل مجانبة اللحن وخطل القول شنيع الكلام ورفث المزح " ائتم اقتدي وهو افتعل من الأمام وهو القدوة وقدم القوم أي تقدمهم اخذ الإمام وكذلك قولهم فلان إمام القوم معناه هو المتقدم لهم فيكون الإمام رئيسا كقولك إمام المسلمين والتهذيب التصفية والتنقية ورجل مهذب أي مطهر الأخلاق ويصون مروءته أي يقيها مما يفسدها والصوان الشيء الذي تصون به أو فيه شيئًا أو ثوبا والفرس يصون عدوه جريه إذا ذخر منه ذخيرة لحاجته وقيل للأحنف ما المروءة قال العفة والحرفة وقيل لآخر ذلك فقال أن لاتفعل في سريرتك شيئا تستحي منه في علانيتك وقال عمر ﵁ حسب المرء دينه وأصله عقله ومروءته وخلقه والدناءة الخسة وهي مصدر قولك دنؤ الرجل فهو دنيء إذا كان خسيسا وهو الذي لا يبالي ما قال وما قيل له وقد دنوت من فلان أدنو دنوًا وأنا دان إذا قربت منه ودخل أبو ز يد الأنصاري على أمير الكوفة قبل أن يتعلم النحو فقال ادن يا أبا زيد فقال أنادني
أيها الأمير فضحكوا منه أراد أنا دان فخجل فتعلم النحو فصار رئيسا فأما دنأ يدنأ بالهمز فمعناه سفل في فعله ومجن. والغيبة فعلة من الغيب وهو أن يقال في الرجل من خلفه ما فيه من السوء فإذا استقبل به فتلك المجاهرة فإذا قيل ما ليس فيه فذلك البهت وهي الاسم من اغتاب يغتاب وقال ابن الأعرابي عاب إذا اغتاب وغاب إذا ذكر إنسانًا بخير أو شر والغيبة فعلة منه تكون حسنة وتكون قبيحة وقد غلط فيه قالوا
[ ٦٩ ]
لأنه لو كانت الغيبة تحتمل شيئين لأبانه الله ﷿ ولم يقع النهي عنها مجردًا فقال تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضا " بشر ألا ترى البشارة تكون مطلقة في الخير فإذا كانت في الشر قرنت به. والشين ضد الزين وهو القبح. والكذب في اللغة ضعف الخبر يقال حمل فلان على فلان فما كذب أي فما ضعف ولا يذكب الرجل الا من مهانة نفسه. ومجانبة اللحن مباعدته وقد جانبه أي باعده والجار الجنب الغريب وسمى الجنب جنبًا لتباعده عن الطهارة واللحن الخطأ من الأكم وأصله من الميل والعدول فإذا قيل لحن فلان فتأويله أنه قد أخذ في ناحية غير الصواب وعدل عنه إليها قال الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيا نًا وخير الحديث ما كان لحنا
تأويله خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد أنما يعرف أمرها من أنحاء قولها وقال بعضهم يريد أنها تخطىء في الأعراب وذلك أنه يستملح من الجواري ذاك إذا كان خفيفا ويستثقل منهن لزوم حلق الأعراب واللحن أيضا اللغة لحن الرجل بلحنه إذا تكلم بلغته ولحن القول معناه قال الله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول " واللحن واحد الالحان وهي الضروب من الأصوات الموضوعة المصوغة ولحن القدح صوته إذا نقرته فلم يكن صافيا ولحن القوس صوتها عند الانباض وكذلك السهم إذا لم يكن حنانا عن الادامة على الاصبع واللحن بفتح الحاء الفطنة يقال منه لحن يلحن ومنه قوله النبي ﷺ " لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته " أي أفطن لها وأغوص عليها. وخطل القول اضطرابه وفساده يقال للاحمق العجل خطل ورمح خطل إذا كان مضطربا وقال أبو عبيد الهراء المنطق الفاسد ويقال الكثير والخطل مثله يقال خطل الرجل في كلامه وأخطل. وشنيع الكلام قبيحه وقد شنع شناعة فهو والاسم الشنعة وقد شنع فلان على فلان أي شهره بفعلة قبيحة. والرفث قبح الكلام يقال رفث الرجل يرفث رفثا وهو الذي جاء فيه النهي في التنزيل وحدا ابن عباس فقال:
وهن يمشين بنا هميسا ان تصدق الطيرننا لميسا
فقيل له أتقول الرفث وأنت محرم فقال أنه ليس بين الرجال رفث كأن الرفث عنده حديث النساء بالجماع ونحوه. والمزح الدعابة وهو المزاحة والمزاح يقال مزح يمزح فهو مازح والجمع مزح قال ابن الاعرابي هم الخارجون من طبع الثقلاء
[ ٧٠ ]
المتميزون من طبع البغضاء ومما ورد في ذم المزاح قول أكثم بن صيفي المزاحة تذهب المهابة وقال خالد بن صفوان المزاح سباب النوكي وقال عمر بن عبد العزيز اياي والمزاح فأنه يجر القبيحة ويورث الضغينة ويروي عن سعيد بن العاصي أنه قال لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء فيجتريء عليك وقال الشاعر: أما المزاحة والمراء فدعهما خلقان لا أرضاهما لصديق وقوله " كان رسول الله ﷺ ولنا فيه أسوة حسنة يمزح ولا يقول الا حقا ومازح عجوزًا فقال " أن الجنة لا يدخلها العجز " وكانت في علي رضوان الله عليه دعابة وكان ابن سيرين يضحك ويمزح حتى يسيل لعابه وسئل عن رجل فقال توفي البارحة فلما رأى جزع السائل قرأ " الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها "
أسوة قدوة والعجز جمع عجوز مثل رسول ورسل وهي المرأة الشيخة الطاعنة في السن والفعل منه عجزت تعجز تعجيزا ًوامرأة معجزة ضخمة العجيزة وللعجوز في اللغة مواضع فمنها العجوز المسمار الذي في قائم السيف يكون معه آخر يسمى الكلب والعجوز البقرة والعجوز الخمر ويقال للرجل عجوز وللمرأة عجوز وعجوزة بالتاء أيضًا فلما قال أن الجنة لا يدخلها العجز فبكت المرأة قال " تدخلينها وأنت شابة " وذلك أن أهل الجنة جرد مرد مكحلون جعاد أبناء ثلاث وثلاثين سنة على خلق آدم سبعون باعا في سبع أذرع ومثله قول علي ﵇ لا يدخل الجنة أعجمي يقول تقلب ألسنتهم فيكونون عربا. والدعابة المزاح ومنه قوله النبي ﵇ لجابر " فهلا بكرا تداعبها وتداعبك " والفعل منه دعب يدعب دعبا مثل مزح يمزح مزحا إذا قال قولًا يستملحٍ ورجل دعابة. وأبن سيرين هو محمد بن سيرين ويكنى أبا بكر وكان سيرين عبدًا لأنس بن مالك كاتبه على عشرين ألفا وأدى المكاتبة فكان من سبي ميسان ويكنى أبا عمرو واللعاب الريق والفعل منه لعب الرجل لعبا إذا سال لعابه بفتح العين ويقال لعب بكسرها قال لبيد:
لعبت على أكتافهم وحجورهم وليدا وسموني مفيدًا وعاصما
مفيد من الفائدة وعاصم من الشر ويروى لعبت وألعب الصبي إذا صار ذا لعاب يسيل منم فيه وأراد أبن سيرين بقوله توفي أي نام لأن الرجل إذا نام توفي الله تعالى نفسه لأن في الإنسان نفسًا وروحًا فالروح هو الذي يكون به الغطيط والنفس
[ ٧١ ]
والحركة والنفس هي التي يكون بها التمييز والمخاطبة فإذا نام الرجل خرجت نفسه وبقي روحه وإذا مات خرج النفس والروح جميعًا. والبارحة الليلة الماضية ولا تكون بارحة حتى يمضي نصف يومها يقال فعلت البارحة كذا وكذا من نصف النهار وفعلت الليلة من غدوة إلى نصف النهار والعامة تخطئ فتقول من أول النهار أو ضحوة فعلت البارحة كذا وكذا وهذا خطأ ويقال من نصف الليل إلى نصف النهار كيف أصبحت ومن نصف النهار إلى نصف الليل كيف أمسيت. والرجل الذي سئل عنه ابن سيرين هشام بن حسان.
وقوله " ومازح معاوية الأحنف بن قيس فما رئي مازحان أو قر منهما قال له معاوية يا أحنف ما الشيء الملفف في البجاد قال له السخينة يا أمير المؤمنين أراد معاوية قول الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصًا ليأكل رأس لقمان بن عاد
والملفف في البجاد وطب اللبن وأراد الأحنف أن قريشا كانت تعير بأكل السخينة وهي حساء من دقيق يتخذ عند غلاء السعر وعجف المال وكلب الزمان والأحنف لقب وقد مر شرح الحنف ولقب به لأنه كان أحنف الرجل قالت مرقصته:
والله لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم من مثله
وأسمه صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن عباد بن مرة بن عتبة بن تميم وأسمه الضحاك ويكنى أبا بحر وكان سيد بني تميم وحكيمهم وحليمهم ومن كلامه الخلق ليس لكذوب مروءة ولا لحسود راحة ولا لبخيل خلة ولا لملولٍ وفاء ولا لسيء الخلق سؤدد وخاطر رجل علىى ألف درهم أن يغضب الأحنف فجاء فلطمه فقال له يا ابن أخي ما أردت إلى ذلك فقال بايعت على أن ألطم سيد بني تميم فقال ويحك لست بسيدهم ولكن سيدهم جارية بن قدامة فذهب الرجل فلطمه فقطع يده. وأوقر أفعل من الوقار وهو السكينة والوداعة وقر الرجل يقر وقار فهو وقور ووقر أيضًا
[ ٧٢ ]
بضم القاف يوقر قال العجاج: ثبت إذا ما صيح بالقوم وقر والبجاد الكساء المخطط وجمعه بجد. والسخينة دقيق يلقى على ماء أو على لبن فيطبخ ويؤكل أو يحسى وهي السخونة أيضًا وقال ابن السكيت هي التي ارتفعت عن الحساء ونقلت أن تحسى وهي دون العصيدة قال وإنما يأكلون السخينة في شدة الدهر وقال غيره السخينة تعمل من دقيق وسمن وبها سميت قريش سخينة قال كعب بن مالك:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب
أراد معاوية أن تميما كانت تعير النهم وهو أفراط الشهوة للطعام والحرص عليه وأن لا تشبع عينه وإن شبع بطنه وسبب هجائهم به أن رجلًا من البراجم وهم بنو حنظلة بن زيد موناة بن تميم وسموا بذلك لأنهم تبرجموا على سائر أخوتهم بني يربوع بن حنظلة وربيعة بن حنظلة ومالك بن حنظلة وقالوا نجتمع فنصير كبراجم الكف وهي رؤوس الأشاجع والأشاجع عروق ظاهر الكف مر بنا عمر وبن هند وقد ألقى فيها بني دارم وسبب ذلك أن المنذر بن ماء السماء وضع ابنا له صغيرًا يقال له مالك عند زرارة بن عدس أي استرضعه فبلغ حتى صار رجلًا وأنه خرج ذات يوم يتصيد فأخفق فمر بابل لسويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم وكانت عنده بنت زرارة قد ولدت له سبعة غلمة فأمر مالك ببكرة منها سنمة فنحرها ثم أشتوى وسويد نائم فلما أنتبه سويد شد على مالك بعضا فضربه ولم فأمه ومات الغلام فخرج سويد هاربًا حتى لحق بمكة وعلم أنه لا يأمن فحالف بني نوفل فغزا عمرو بن هند دارم وأخد أمرأة سويد فبقر بطنها وقتل سبعة بنين له بعضهم فوق بعض وآلى عمرو ليحرقن من بني دارم مائة فأخذ ثمانية وتسعين رجلًا بأسفل أوارة من ناحية البحرين وأمر بأخدود فخدلهم ثم أضرم نارًا فلما تلظى وأحتدم قذف بهم فيه فاحترقوا وأقبل راكب عند المساء من بني كلفة بن حنظلة من البراجم لا يعلم بشيء مما كان فوضع بعيره فأناخ وأقبل يعدو فقال له عمرو ما جاء بك قال حب الطعام فأني قد أقويت ثلاثًا لم أذق طعامًا فلما سطع الدخان ظننته دخان طعام فقال عمرو إن الشقي راكب البراجم فذهبت مثلًا ورمى به في النار فاحترق فهجت
[ ٧٣ ]
العرب بذلك تميما فقال ابن الصعق من هوازن:
ألا أبلغ لديك بني تميم بآية ما يحبون الطعاما
وقال أبو مهوش الأسدي ثم الفقعسي:
إذا ما مات ميت من تميم
الأبيات. وخص لقمان بن عاد لعظمه. ويطوف يكثر التطواف. والآفاق النواحي وقوله بأكل السخينة مما أخذ عليه والصواب تعير أكل السخينة بغير باء وقد نهى عن استعماله بالباء فيما تلحن فيه العامة من هذا الكتاب وأنشد بيت النابغة:
وعيرتني بنو دبيان رهبته
وبيت المتلمس:
تعيرني أمي رجال
وبيت الأخيلية
وعيرتني داء
ولكنه خالف إلى ما نهى عنه. والعار العيب والسبة يقال عاره إذا عابه والمعاير المعايب وتعاير القوم تعايبوا وغلاء السعر ارتفاعه عن حدود الثمن وأصله غلا والغلو الارتفاع عن الشيء ومجاوزة الحد ومنه الغلو بالسهم وهو أن ترمي به حيث ما بلغ وكل شيء ارتفع فقد تغالى وعجف المال هزاله يكون للناس والماشية يقال عجف يعجف عجفا والعجف أيضًا غلظ العظام وعراؤها من اللحم والمال الإبل والبقر والغنم يقال رجل مال أي ذو مال وكذلك الإثنان والجمع. وكلب الزمان شدته يقال كلب الشتاء إذا اشتد وكذلك كلبته يقال أصابتهم كلبة من الزمان أي شدة وقحط وكذلك هلبه والكلبة شدة البرد قال:
أنجمت قرة الشتاء وكانت قد أقامت بكلبة وقطار
وقال ابن الإعرابي الكلب القيادة والكلب الأكل الكثير بلا شبع والكلب القد والكلب وقوع الحبل بين القعو والبكرة وهو المرس والكلب أنف الشتاء وحده والكلب صياح الذي قد عضه الكلب الكلب قال وقال المفضل أصل هذا إن داء
[ ٧٤ ]
يقع على الزرع فلا ينحل حتى تطلع عليه الشمس فيذوب فإن أكل منه المال قبل ذلك مات ومنه روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن سوم الليل أي رعيه وربما ند بعير فأكل ذلك الزرع قبل طلوع الشمس فإذا أكله مات فيأتي كلب فيأكل من لحمه فيكلب فإن عض إنسانا كلب المعضوض فإذا سمع نباح كلب أجابه ويقال دواؤه أن يسقى دم ملك.
وقوله " فهذا وما أشبه مزح الأشراف وذوي المروءات فأما السباب وشتم السلف وذكر الأعراض بكبير الفواحش فما لا نرضاه لخساس العبيد وصغار الولدان " السباب مصدر سابه مسابة وسبابًا وأصل السب القطع ثم صار السب شتمًا قال الشاعر:
فما كان ذنب بني مالك بأن سب منهم غلام فسب
سب أي شتم فسب أي قطع يريد معاقرة غالب أبي الفرزدق وسحيم ابن وثيل الرياحي لما تعاقرا بصوأر فعقر سحيم خمسا ثم بدا له وعقر غالب مائة ولم يكن يملك غيرها. والسلف المتقدمون من آباء الرجل وأقاربه الذين هم فوقه في السن والفضل وأحدهم سالف قال طفيل الغنوي يرثى قومه:
مضوا سلفًا قصد السبيل عليهم وصرف المنايا بالرجال يقلب
وأصله من التقدم يقال سلف إليه مني كلام أي تقدم وسبق وسلافة الخمر أول ما يخرج من عصيرها والسلفة الطعام الذي يتعلل به قبل الغذاء والسلف السلم. والأعراض جمع عرض وقد اختلف الناس في عرض الرجل فقال قوم جسمه ومنه قولهم هو طيب العرض أي طيب ريح الجسد ومنه قول رسول الله ﷺ في أهل الجنة " لا يبولون ولا يتغوطون إنما هو عرق يخرج من أعراضهم مثل ريح المسك " أي من أبدانهم وقال قوم عرض الرجل نفسه واحتجوا بقول حسان:
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
وقال قوم عرض الرجل خليقته المحمودة وقال آخرون عرضه ما يمدح به ويذم وقال آخرون عرضه حسبه وقيل عرضه أسلافه ومنه قول عمر للحطيئة كأني بك عند بعض الملوك تغنيه بأعراض الناس معناه تثلب أسلافهم والعرض أيضًا الرجل يعترض الناس بالباطل وهو العرضن أيضًا والمرأة عرضة وعرضنة والعرض وادي
[ ٧٥ ]
اليمامة والعرض كل واد فيه قرى ومياه يقال أخصب ذلك العرض وأخصبت أعراض المدينة وهي قراها التي في أوديتها. والخساس جمع الخسيس وهو الذي لا يبالي ما قال وما قيل له والعبيد اسم لجماعة عبد وهو خلاف الحر يقال عبد وأعبد وعبيد وعباد وعبدان وعبدان بتشديد الدال وعبدي بالقصر وعبداء بالمد وعبد ومعبدة ومعبوداء وأصل العبودية الخضوع والذل والتعبيد التذليل يقال طريق معبد أي مذلل والولدان جمع وليد مثل ظليم وظلمان: وقوله " ونستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتقعيب كقول يحيى بن يعمر لرجل خاصمته امرأته أئن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها " يدع يترك تقول دع ذا وهو يدعه ولا يقال في الأكثر ودع ولا وداع ولكن تارك وقد جاء ودع وهو قليل قرأ عروة بن الزبير " ما ودعك ربك " بالتخفيف وسائر القراء بالتشديد وأنشد الأصمعي لأنس بن زنيم الليثي:
ليت شعري عن أميري ما الذي غاله في الحب حتى ودعه
وقال آخر: وكان ما قدموا لأنفسهم أكثر نفعًا من الذي ودعوا والتقعير تفعيل من قعر الشيء إذا انتهى إلى قعره قال الكسائي قعرت الإناء إذا شربت ما فيه حتى ينتهي إلى قعره وقعرت البئر إذا نزلت فيها حتى تنتهي إلى قعرها وقعر الرجل قعرت الإناء إذا شربت ما فيه حتى ينتهي إلى قعره وقعرت البئر إذا نزلت فيها حتى تنتهي إلى قعرها وقعر الرجل إذا روى فنظر فيما يغمض من الرأي حتى يستخرجه كأنه إذا تكلم بكلام غريب عويص أحتيج إلى إخراج معانيه كما يحتاج إلى إخراج ما في القعر وقال ابن الإعرابي القعر العقل التام يقال هو يتقعر في كلامه إذا كان يتبحر. والتقعيب مثل التقعير ومعناه التعمق وهو تفعيل من القعب وهو القدح من الخشب قال ابن الأعرابي هو قدر ري الرجل وقال الليث هو قدح غليظ جاف وكلام له قعر أي غور وقال الأصمعي كان ابن جريج يعقب في كلامه إذا تكلم يجمع فاه كأنه قعب وهذا على جهة التشبيه والاستعارة. وقوله ثمن شكرها الشكر الفرج قال الهذلي:
صناع بأشفاها حصان بشكرها جواد بقوت البطن والعرق زاخر
قوله والعرق زاخر أي حسبها كريم. والشبر النكاح وكانت خاصمته في مهرها
[ ٧٦ ]
والشبر العطية قال العجاج الحمد لله الذي أعطى الشبر. أنشأت ابتدأت. تطلها تبطل حقها طل بنو فلان فلانا حقه يطلونه إذا منعوه إياه أو مطلوه من قولهم طل دمه وأطل وطل وأطله الله إذا ذهب هدرًا والدم مطلول وطليل. وقوله تضهلها تعطيها قليلًا قليلًا من حقها وأصله من قولهم بئر ضهول إذا كانت قليلة الماء وشاة ضهول إذا كانت قليلة الدر والضهل والضحل الماء القليل.
وقوله " وكقول عيسى بن عمر وابن هبيرة يضربه بالسياط والله إن كانت ألا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك فهذا وأشباهه كان يستثقل والأدب غض والزمان زمان وأهلوه يتحلون فيه بالفصاحة ويتنافسون في العلم ويرونه تلو المقدار في درك ما يطلبون وبلوغ ما يؤملون فكيف به اليوم مع انقلاب الحال وقد قال رسول الله ﷺ " إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون المتشدقون ".
عيسى بن عمر هذا ثقفي من أهل البصرة ومن متقدمي النحويين بها وعنه أخذ الخليل بن أحمد وكان صاحب تقعير في كلامه واستعمال للغريب فيه وفي قراءته وضربه يوسف بن عمر بن هبيرة الثقفي وكان يوسف ابن عم الحجاج ويكنى أبا عبد الله ولي اليمن لهشام ثم ولاه العراق ومحاسبة خالد بن عبد الله القسري وكان بعض أصحاب خالد استودع عيسى بن عمر وديعةفكتب يوسف بن عمر إلى واليه بالبصرة أن يحمل إليه عيسى بن عمر مقيدًا فدعا به ودعا بالحداد فأمره بتقييده وقال له لا بأس عليك إنما أرادك الأمير لتؤدب ولده قال فما بال القيد إذًا فذهبت مثلًا بالبصرة فلما أتى به يوسف بن عمر سأله عن الوديعة فأنكر فأمر به فضرب فلما أخذته السياط جزع فقال أيها الأمير إنما كانت أثيابا في أسيفاط فرفع الضرب عنه. وأثياب تصغير أثواب وكان الأصل أثيوابا فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وأشيفاط تصغير أسفاط وإنما يحقر من الجموع جمع القلة دون جمع الكثرة وخص بالتصغير جمع القلة لأن التحقير تقليل في الحقيقة كما أن التكسير تكثير فكرهوا أن يأتمع علم القلة وصيغة الكثرة. والعشارون جمع عشر وهو الذي يأخذ من القوم عشر أموالهم وهو العاشر أيضًا تقول منه عشرت القوم أعشرهم بالضم وإذا كنت لهم عاشر أقلت أعشرهم أقلت أعشرهم بالكسر. والأدب غض أي طري ناضر تتوق إليه النفوس لحسنه ونضارته والغض الناضر الطري من كل شيء والفعل منه غضضت تغض وبعضهم يقول غضضت تغض والزمان زمان أي والزمان لم يتغير ولم يفسد
[ ٧٧ ]
وهو على طبعه الأول كما تقول إذا الناس ناس أي هم على طباعهم التي خلقوا عليها لم يتغيروا إلى الفساد. ويتحلون يتزينون بالعلم كما يتزين بالحلى. والفصاحة الإبانة والبلاغة ورجل فيصبح وقد فصح فصاحة وأصله من الخلوص يقال أفصح اللبن إذا ذهب عنه اللباء وخلص وفصح إذا ذهبت رغوته قال:
ولم يخشوا معالته عليهم وتحت الرغوة اللبن الفصيح
وافصح الصبح إذا بدا ضوؤه. ويتنافسون في العلم أي يرغبون فيه ويتحاسدون وقوله تعالى " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " أي فليرغب الراغبون وشيء نفيس يرغب فيه وقد نفست عليك بالشيء أنفس نفاسة إذا ضنت به ولم تحب أن يصل إليه ورجل نفوس أي حسود. وقوله تلو المقدار معناه تابع للمقدار والتلو الذي يتبع يقال تلوت الشيء أتلوه إذا تبعته والجحش يتلو أمه أي يتبعها والمقدار مفعال من القدر وهو قضاء الله تعالى ومعنى ذلك أنهم يرون أن ما يطلبون ويؤملون لا يدركونه ويبلغونه إلا بقدر الله تعالى ثم بالبلاغة والعلم وهما من أقوى أسباب النجح وأدعى الوصل إلى بلوغ المطلب. والثرثار الكثير الكلام وأصله من الكثرة يقال عين ثرة غزيرة الدمع وطعنة ثرة كثيرة الدم تشبيها بالعين قال الشاعر:
يا من لعين ثرة المدامع
والمتفيهق الذي يتوسع في كلامه ويملأ به فمه وأصل الفهق الامتلاء والاتساع يقال انفهقت الطعنة وانفهقت العين وأرض فيهق واسعة قال رؤية:
وإن علوا من فيف خرق فيهقا
وقال الأعشى:
تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق
ويروى السيح فمن رواه بالشين والخاء المعجمتين أراد كسرى باد ومن رواه بالسين والحاء المهملتين أراد به النهر الذي يسيح على جانبيه وفي الحديث قيل يا رسول الله وما المتفيهقون قال " المتكبرون " قال أبو عبيد وهو يؤول إلى المعنى الأول لأن ذلك إنما يكون من الكبر وقال الليث المتفيهق الذي ينفتح
[ ٧٨ ]
بالبذخ يقال هو يتفيهق علينا بما غيره. والمتشدق الذي يتوسع في منطقة ويملأ به شدقيه وهو مفتعل من الشدق يقال شدق وأشدق لغتان.
وقوله " ونستحب له إن استطاع أن يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الأعراب ليسلم من اللحن وقباحة التقعير فقد كان واصل ابن عطاء سام نفسه للثغة إخراج الراء من كلامه ولم يزل يروضها حتى إنقاد له طباعه وأطاعه لسانه وكان لا يتكلم في مجالس التناظر بكلمة فيها راء وهذا أشد وأعسر مطلبا مما أردناه "
استطاع استفعل من الطوع وهو نقيض الكرة يقال ما أستطيع وما أسطيع وما أسطيع وما استيع فمن قال أسطيع بضم الهمزة فإنه زاد السين عوضا من حركة الواو التي هي عين الفعل لأن الأصل أطوع وقيل زيدت عوضا من تحويل حركة الواو إلى الطاء في إطاع ومن قال أسطيع حذف التاء تخفيفا لقربها من الطاء ومن قال أستيع حذف الطاء للتخفيف أيضًا وطاع له إنقاد له فإذا مضى لأمره فقد أطاعه فإذا وافقه فقد طاوعه. ويعدل يميل يقال عدل عن الطريق إذا مال عنه وعدلته أنا ومصدره والعدول قال المراد:
فلما أن صرمت كان أمري قويما لا يميل به العدول
وعدل في الحكم عدلًا ومعدلة ومعدلة وهو خلاف الجور والعادل المنصف والعادل الجائر عن الشيء المائل عنه وعدلت الشيء بالشيء عدلًا إذا سويته به ومنه كذب العدلون بالله والعامة تقوله بالذال معجمة وهو خطأ. والجهة أصلها وجهة وفيها قولان أحدهما أنه مصدر منقول إلى الاسم ومصدر فعل المعتل إذا جاء على فعلة أعل نحو العدة والزنة حملًا على يعد ويزن وأصله وعدة ووزنة فاستثقلوا كسرة الواو مع كونها مصدر فعل معتل قد كانت هذه الواو محذوفة فيه فالقوا حركتها على الساكن الذي بعدها وحذفوها فقالوا جهة وعدة وزنة فأما الاسم فإن الواو تثبت فيه ولا تحذف تقول وعدة ووزنه ووجهة قال تعالى " ولكل جهة " والقول الآخر إنه حذفت الواو في جهة على غير قياس وشبه بالمصدر. والسوم أن تجشم إنسانا مشقة أو سواء أو ظلما قال الله تعالى " يسومونكم سوء العذاب " واللثغ واللثغة قال المبرد هو أن يعدل بحرف إلى حرف وقال الليث الألثغ الذي يتحول لسانه من السين إلى الفاء وقال أبو
[ ٧٩ ]
زيد الألثغ الذي لا يتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل وفي النوادر ما أشد لثغته وما أقبح لثغته فاللثغة الفم واللثغة ثقل اللسان للكلام ألثغ بين اللثغة ولا يقال بين اللثغة. وقوله حتى إنقاد له طباعه ويروى إنقادت له طباعه السجية وهو عند الفراء والكوفيين واحد مؤنث لا جمع وربما ذكر مثل النجار إلا أن النجار مذكر عند البصريين أنه جمع طبع فيؤنثه تأنيث الجمع. ويروضها يذللها وأصله من رياضة الدابة قال امرؤ القيس:
ورضت فذلت صعبة أي إذلال
والتناظر مصدر قولك تناظر الخصمان إذا تحاجا ويقال فلان يناظر فلانا أي يحاجه وإشتقاق ذلك من النظير وهو المثل فمعنى المناظرة أن تقطع الحجة بنظيرها وقيل للمثلين نظيران لأن الناظر إذا رآهما قال هما سواء والتأنيث النظيرة والجميع النظائر في الكلام والأشياء. وكان واصل يكنى أبا حذيفة ويلقب الغزال وكان معتزليا بصريا ولم يكن غزالًا ولكنه لقب بذلك لأنه كان يلزم الغزالين ليتعرف المتعففات من النساء فيجعل لهن صدقته ومن كلام واصل بن عطاء لبشار بن برد حين هجاه بقوله:
مال أشايع غزالًا له عنق كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا
وكان واصل طويل العنق وكان بشار يلقب بالمرعث فقال واصل أما لهذا الأعمى الملحد أما لهذا المشنف المكتني بأبي معاذ من يقتله فجعل الأعمى موضع الضرير والملحد موضع الكافر والمشنف مكان المقرط والكنية مكان بشار بن برد.
وقوله " وليس حكم الكتاب في هذا الباب حكم الكلام لأن الأعراب لا يقبح منه شيء في الكتاب ولا يثقل وإنما يكره فيه وحشي الغريب وتعقيد الكلام كقول بعض الكتاب في كتابه إلى العامل فوقه وأنا محتاج إلى أن تنفذ إلي جيشًا لجبا عرمرمًا ".
وحشي الغريب الذي ينفر عن الطباع وكل ما نفر عن الناس ولم يستأنس بهم فهو وحشي والغريب من الكلام البعيد من العرف والأستعمال وتعقيده تصعيبه يقال عقد فلان كلامه تعقيدًا إذا أعماه وأعوصه ويقال لئيم أعقد ليس بسهل الجلق ورجل أعقد إذا كان في اسانه رتج وكبش أعقد ملتوي الذنب.
[ ٨٠ ]
والجيش الجند يسيرون لحرب أو غيرها وكأن أصله من جاشت القدر جيشًا وجيشانا وكل شيء يغلي فهو يجيش. واللجب ذو اللجب وهو صوت العسكر يقال عسكر لجب وسحاب لجب بالرعد ولجب الأمواج كذلك وكل صوت عال مختلط فهو لجب قالت صفية بنت عبد المطلب وضربت الزبير فرآها نوفل بن خويلد فقال إنك تضربينه ضرب مبغضة فقالت:
من قال أبغضه فقد كذب وإنما أضربه لكي يلب
ويهزم الجيش ويأتي بالسلب
يقال لب الرجل إذا صار له لب وهو العقل والعرمرم الكثير وهو فعلعل من العرام وعرام الجيش حدهم وشرتهم وكثرتهم قال أوس بن حجر:
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة معضلة منا بجمع عرمرم
يقال عضلت المرأة إذا نشب ولدها في رحمها.
وقوله " وكقول آخر في كتابه عضب عارض ألم ألم فأنهيته عذرًا وكان هذا الرجل قد أدرك صدرًا من الزمان وأعطى بسطة في العلم واللسان وكان لا يشان في كتابته الا بتركه سهل الألفاظ ومستعمل المعاني وبلغني أن الحسن بن سهل أيام دولته رآه يكتب وقد رد عن هاء الله خطًا من آخر السطر إلى أوله فقال ماهذا فقال طغيان في القلم وكان هذا الرجل صاحب جد وأخا ورع ودين لم يمزح بهذا القول ولا كان الجيش أيضًا عنده ممن يمازح " هذا الكاتب اسمه شريح من أهل مرو عضب قطع والعضب القطع ومنه سمى السيف القاطع عضبا ورجل عضب اللسان إذا كان خطيبا. وعارض ألم أي حادث وجع والعارض في غير هذا جانب عراق القربة وهو السير في أسفل القربة والعارض السحاب المطل والعارض واحد العوارض وهي ما بين الثنايا والأضراس والعارض الخد يقال أخذ الشعر من عارضيه والعارض الجراد يملأ الأرض يقال مر بنا عارض من جراد وألم نزل والألمام الزيارة الخفيفة وأن يأتي الشيء لوقت ولا يقيم عليه والألمام مقاربة الشيء. وأنهيته أبلغته والأنهاء
[ ٨١ ]
الأبلاغ أنهيت إليه السهم أي أوصلته إليه وأنهيت إليه الكتاب والرسالة قال الكسائي إليك أنهي المثل وأنهى المثل وانتهى المثل ونهي ونهى ونهي بالتخفيف. وقوله كان هذا الرجل يعني أحمد بن شريح. والبسطة الزيادة والفضيلة واصلها من الانبساط والاتساع والطغيان مجاوزة الحد والطغوان لغة فيه والفعل طغوت وطغيت والاسم الطغوي وكل شيء جاوز القلم قلما بالقلم وهو البري ولا يسمى قلما إلا إذا برى وإلا فهو أنبوبة وكل ما قطعت منه شيئًا بعد شيء فقد قلمته ومنه قلمت أظفاري والقلم أيضًا واحد الأقلام وهي القداح والقلم طول أيمة المرأة وامرأة مقلمة أي أيم والقلمة العزاب من الرجال الواحد قالم والنساء مقلمات والقلم كالجلم وقول الفرزدق:
رأت قريش أبا العاصي أحقهم باثنين بالخاتم الميمون والقلم
قيل أراد بالقلم القضيب الذي يختصر به لأنه يقلم أي يقطع وقيل أراد بالقلم الخلافة. والجد ضد الهزل تقول منه جد فلان في الأمر بالكسر جدا والجد الأجتهاد في الأمر تقول منه جد فلان في أمره وأجد والجد في دعاء الوتر إن عذابك الجد بالكفار ملحق أي عذابك الحق. والورع التحرج والفعل منه ورع يرع رعة فهو ورع بكسر الراء فيهن والورع بفتح الراء الجبان والفعل منه ورع يورع وقال إبن السكيت الورع هو الضعيف يقال إنما مال فلان أوراع فكان المتورع يجبن ويضعف عن الأقدام على الأشياء خوفًا من تبعته. وقد عيب عليه قوله ولا كان الحسن عنده ممن يمازح لأنه ذكر قبل أن النبي ﷺ كان يمزح.
وقوله " ونستحب له أيضًا أن ينزل ألفاظه في كتبه فيجعلها على قدر الكاتب والمكتوب إليه وألا يعطي خسيس الناس رفيع الكلام ولا رفيع الناس وضيع الكلام فإني رأيت الكتاب قد تركوا تفقد هذا من أنفسهم وخلطوا فيه فليس يفرقون بين من يكتب إليه فرأيك في كذا وبين من يكتب إليه فأن رأيت كذا ورأيك إنما يكتب بها إلى الأكفاء والمساوين ولا يجوز أن يكتب بها إلى الرؤساء والأستاذين لأن فيهما معنى الأمر ولذلك نصبت "
خلطوا فيه أي أفسدوا ويقال خلط بالتشديد في الشر وخلط بالتخفيف في الخير. ويفرقون يميزون يقال فيما كان تمييزًا فرق بالتخفيف فرقت بين
[ ٨٢ ]
الحق والباطل وما كان من جمع ففرق بالتشديد فرقت بين زيد وعمرو ونصب رأيك على معنى قر رأيك لأنه مصدر والعامل فيه الفعل الذي صدر عنه ورأى يكون بمعنى نظر وبمعنى علم وإضمار الفعل جائز في كل المصادر المأمور بها لأن الأمر لا يكون إلا بالفعل فإذا أضمرته دل المصدر عليه ولو كان خبرًا لم يجز فيه الإضمار لأن الخبر يكون بالفعل وغيره وإن كتب فرأيك موفقًا ثنى موفقا وجمعه فقال فرأيكما موفقين ورأيكم موفقين ولا يجوز الأفراد على هذا الوجه فأن جعل التوفيق للرأي لم يثن ولم يجمع فكتب فرأيكما موفق ورأيكم موفق. والأكفاء الأمثال وأحدهم كفؤ قال الله تعالى " ولم يكن له كفؤًا أحد " والرؤساء جمع رئيس يقال رأس الرجل القول يرأسهم رأسًا ورياسة وفلان رأس القوم ورئيسهم وقد ترأس عليهم والرئيس أيضًا الذي رأسه البرسام أي أصاب رأسه والرئيس أيضًا الذي ضرب رأسه قال:
كأن سحيله شكوى رئيس يحاذر من سرايا واغتيال
فيقال الرئيس ههنا الذي شج وهو رأس الكلاب وهو فيها بمنزلة الرئيس في الناس. والأستاذين الواحد أستاذ وهو الماهر بصنعته وهذه الكلمة ليست بالعربية ولا توجد في الشعر الجاهلي ولو كانت عربية لوجب أن يكون أشتقاقها من الستذ وليس ذلك بمعروف وربما خاطبوا الخصى بالأستاذ إذا عظموه وإنما أخذ ذلك من الأستاذ الذي هو الصانع لأنه ربما كان تحت يده غلمان يؤدبهم فكأنه أستاذ في حسن الأدب.
وقوله " ولا يفرقون بين من يكتب إليه وأنا فعلت ذلك وبين من يكتب إليه ونحن فعلنا ذلك ونحن لا يكتب بها عن نفسه إلا آمر أوناهٍ لأنه من كلام الملوك والعظماء قال الله ﷿ " أنا نحن نزلنا الذكر " وقال " أنا كل شيء خلقناه بقدر " وعلى هذا الابتداء خوطبوا في الجواب فقال حكاية عمن حضره الموت " رب أرجعون " ولم يقل رب ارجعن.
إنما جاز الأخبار عن الواحد بلفظ الجماعة لأن الملوك والعلماء والعظماء يستغنى برأي الواحد منهم وفهمه عن الجماعة فالملك يلي أمر جماعة من يسوسهم من أهل مملكته فهم له منقادون وعلى طاعته مجتمعون فحسن منه لفظ الجمع في الأخبار عن نفسه لذلك والعالم يحتاج إليه الجميع ممن يضطر
[ ٨٣ ]
إلى علمه فقد حصل فيه ما يجتمع في الكثير المقصرين عنه ولذلك سمى عالما لحاجة الأمة إليه. ونحن جمع أنا من غير لفظها وحرك آخره بالضم لألتقاء الساكنين لأن الضمة من جنس الواو التي هي علامة الجمع ونحن كناية عنهم.
وقوله " وربما صدر الكاتب كتابه بأكرمك الله وأبقاك فإذا توسط كتابه وعدد على المكتوب إليه ذنوبا له قال فلعنك الله وأخزاك فكيف يكرمه الله ويلعنه ويخزيه في حال وكيف يجمع بين هذين في كتاب " صدر أي كتب صدره والصدر أعلى مقدم الشيء وصدر القناة أعلاها وصدر الأمر أوله والصدرة من الأنسان ما أشرف من أعلى صدره ويقال صدر الفرس إذا جاء وقد سبق بصدره. ولعنه الله أبعده واللعن في اللغة معناه الطرد والأبعاد قال الشماخ:
ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين
أراد مقام الذئب اللعين كالرجل ويقال أراد مقام الذئب الذي هو كالرجل اللعين وهو المنفي والرجل اللعين لا يزال منتبذًا عن الناس شبه الذئب به. وأخزاه الله أي أهانه والخزي الهوان وقد خزى الرجل يخزي خزيًا وخزاه يخزوه إذا ساسه قال لبيد:
غير أن لا تكذبنها في التقى وأخزها بالبر لله الأجل
وقوله " وقال أبرويز لكاتبه في تنزيل الكلام إنما الكلام أربعة سؤالك الشيء وسؤالك عن الشيء وأمرك بالشيء وخبرك عن الشيء فهذه دعائم المقالات إن التمس إليها خامس لم يوجد وإن نقص منها رابع لم تتم فإذا طلبت فأسجح وإذا سألت فأوضح وإذا أمرت فاحكم وإذا أخبرت فحقق " أسجح أي أحسن وأرفق وسهل وقالت عائشة ﵂ لعلي يوم الجمل ملكت فأسجح وقال عبد يغوث بن وقاص الحارثي:
أقول وقد شدوا لساني بنسعةٍ أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
أمعشر تيم قد ملكتم فأسجحوا فإن أخاكم لم يكن من بوائيا
ويقال وجه أسجح أي مستقيم الصورة. وأوضح أي بين وأظهر يقال وضح
[ ٨٤ ]
الشيء إذا بان وظهر وأوضحته أنا. وأحكم أي شدد وأوثق وأصله من المنع وحقق قال أبو زيد حققت الأمر أحققته إذا كنت على يقين منه.
وقوله " وقال له أيضًا وأجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول يريد الإيجاز وهذا ليس بمحمود في كل موضع ولا بمختار في كل كتاب بل لكل مقام مقال ولو كان الإيجاز محمودًا في كل الأحوال لجرده الله في القرآن ولم يفعل الله ذلك ولكنه أطال تارة للتوكيد وحذف تارة للإيجاز وكرر تارة للأفهام وعلل هذا مستقصاة في كتابنا المؤلف في تأويل مشكل القرآن " الأيجاز ضد الأطالة يقال أوجز الكلام والعطية ونحوها والأكثر في الكلام أوجز وفي الوعد أنجز وأمر وجيز وكلام وجيز ووجز وموجز وموجز يقال وجز في كلامه وأوجز وقد توجزت الشيء مثل تنجزت والأيجاز يستحسن إذا صح به المعنى وكان في الكلام دليل على ما أختصر نحو قوله تعالى " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن " ففي هذا حذف وذلك أن المرأة لا تكون معتدة بالشهور وهي مرتابة بإنها تحيض أو لا تحيض وإنما تكون العدة بالشهور إذا يئس يأسا لا ريب فيه والمعنى والله أعلم واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم في يأسهن فزال الريب فعدتهن وفي قوله " واللائي لم يحضن " حذف أيضًا تقديره واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر فحذف لدلالة ما قبله عليه. ومثله قوله " يبين الله لكم أن تضلوا " لأن البيان لم يوضع للضلال إنما وضع لإزالته فكان المعنى والله أعلم لئلا تضلوا ومنه قوله تعالى " حتى توارت بالحجاب " يريد الشمس فاضمرها ولم يجرد لها ذكر ومثل ذلك في القرآن والكلام كثير. والأطالة والتكرير يقعان لتأكيد وتعظيم كقوله تعالى " أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " وكقوله سبحانه " كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون " " وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين " وكقول ابن الخرع:
فكادت فزارة تصلى بنا أولى فزارة أولى فزارا
وكقول عبيد.
هلا سألت جموع كن دة يوم ولوا أين أينا
[ ٨٥ ]
فهذا وشبهه إنما كرر لتأكيد ما يشتمل عليه من معنى التوعد والأعذار ومما جاء منه في معنى التعظيم قوله النابغة:
إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط من حر وقد كان أظهرا
وكقول سوادة بن عدي:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نفض الموت ذا الغنى والفقيرا
والمشكل المشتبه واشتقاقه في قول بعضهم من الشكلة وهي الحمرة تختلط بالبياض وهذا شيء أشكل وقال الرياشي أشكل على الأمر إذا اختلط وكان أشكل الأمر صار له أشكال أي أشباه وأمثال. ومعنى القرآن الضم والجمع من قولهم ما قرأت الناقة سلاقط أي لم تضم رحمها على ولد وقال قطرب لم تقرأ جنينا لم تلقه قال ويجوز أن يكون معنى قرأت القرآن أي لفظت به مجموعا والقول الأول هو المعروف.
وقوله " وليس يجوز لمن قام مقاما في تخضيض على حرب أو حمالة لدم أو صلح بين عشائر أن يقلل الكلام ويختصر ولا لمن كتب إلى عامة كتابا في فتح أو استصلاح أن يوجز ولو كتب كاتب إلى اهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير للمعصية كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان حين بلغه عنه تلكؤ في بيعته أما بعد فإني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى فاعتمد على أيتهما شئت لم يعمل هذا الكلام في أنفسها عمله في نفس مروان " أعم مذاهب العرب وفصحاء الكتاب الإشارة إلى المعاني باللفظ الوجيز ويرون ذلك من أحسن الصناعة ولكل من الإيجاز والإطالة موضع يخصه وقيل إنما سمي البليغ بليغا لأنه يبلغ من أدبه بإيجازه مالا يبلغه المتكلف بإكثاره وقيل لحكيم الفرس ما البلاغة فقال تصحيح الأقسام واختصار الكلام وقيل لحكيم الروم ما البلاغة فقال الاختصار عند البديهة والغزارة عند الحاجة وقيل لبليغ الهند ما البلاغة قال البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة وقيل إذا كفاك الإيجاز فالإكثار عي. وأخبرني أبو القاسم علي بن أحمد البندار عن الفرضي عن الصولي عن محمد بن عروس عن أبيه قال كان جعفر بن
[ ٨٦ ]
يحيى يقول البلاغة تناسب المعاني وعذوبة الألفاظ وأن يكون للكلام حد يحجزه عن الخروج إلى غيره وعن دخول غيره عليه كقول علي ﵁ أين من سعى واجتهد وأعد واحتشدو جمع وعدد وبنى وشيد وفرش
ومهد فاتبع كل لفظة لفظة تناسبها ولو قلب بعض الألفاظ إلى بعض لكان كلاما مستويا ولكن أين سماء من أرض وقيل لبعض البلغاء ما البلاغة فقال سد الكلام معانيه وإن قصر وحسن التأليف وإن طال وقال معاوية لعمرو بن العاص من أبلغ الناس قال من اقتصر على الإيجاز وتنكب الفضول قال فمن أصبر الناس قال أردهم لجهله بحلمه وقيل لأعرابي من أبلغ الناس قال أحسنهم لفظا وأمثلهم بديهة يعني أحسنهم انتزاعًا للمثل على البديهة وقعد أعرابي إلى ربيعة الرأي فأكثر ربيعة ثم قال يا أعرابي ما البلاغة فقال الإقلال في الإيجاز قال فما العي قال ما كنت فيه منذ اليوم وقيل للمفضل ما الإيجاز فقال تقليل الكثير وتقصير الطويل. والتحضيض مصدر قولك حضضته على الشيء إذا حرضته عليه وحثثته والحض الحث على الخير. والحمالة تحمل الدية عن القوم ويقال أيضا حمال بلا هاء قال الأعشى:
فرع نبع يهتز في غصن المج د عظيم الندى كثير الحمال
والحمالة بكسر الحاء علاقة السيف والجمع الحمائل وكذلك المحمل بكسر الميم والجمع الحامل. والعشائر جمع عشيرة وهي القبيلة ومن دونها ومن أقرب إلى الرجل من أهل بيته والمعشر والنفر والرهط هؤلاء معناها الجمع وهي للرجال دون النساء لا واحد لشيء منها من لفظة وقيل المعشر كل جماعة أمرهم واحد مثل معشر المسلمين ومعشر المشركين. والتلكؤ الاعتلال والامتناع يقال تلكأت تلكؤًا إذا اعتللت وامتنعت. ويحذر يخوف والنحذير التخويف والحذار المحاذرة والحذر والحذر التحرز حذرت أحذر حذرًا ورجل حذر وحذر أي متيقظ. والإنذار الإعلام مع التحذير يقال أنذرته أنذره إنذار إذا أعلمته وحذرته ولا يكون المعلم منذرًا حتى يحذر بإعلامه فكل منذر معلم وليس كل معلم منذرًا.
وقوله " هذا منتهى القول فيما نختاره للكاتب فمن تكاملت له هذه الأدوات
[ ٨٧ ]
وأمده الله بآداب النفس من العفاف والحلم والصبر وسكون الطائر وخفض الجناح فذلك المتناهي في الفضل العالي في ذرى المجد الحاوي قصب السبق الفائز بخير الدارين إن شاء الله " الإمداد أن يرسل الرجل لرجل بمدد يقال أمددنا فلانا بجيش ومال وغير ذلك قال الله تعالى " يمددكم ربكم بخمسة آلاف " وقال في المال " أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين " وقال " وأمددناكم بأموال وبنين " ومد النهر وحكى قوم أمد ومده نهر آخر إذا زاد في مائة قال:
سيل أتيٌّ مده أتيّ
ومددت الدواة وأمددتها إذا زدت في مائها ونقسها وأصل المد الزيادة والمادة الزيادة المتصلة. وقوله من العفاف قال علماء أهل اللغة العفاف الكف عما لا يحل يقال عف يعف عفا عفافا وعفة ورجل عف وامرأة عفة. والحلم ترك الإعجال بالعقوبة يقال حلمت عنه أحلم حلما وأنا حليم. والصبر الحبس صبرت نفسي على الأمر أي حبست وقتله صبرًا إذا أمسكه ثم قتله ومنه قيل للرجل يقدم فتضرب عنقه قتل صبرا يعني أنه أمسك على الموت وكذلك إن حبس رجل نفسه على شيء يريده قال صبرت نفسي ومنه يمين الصبر وهو أن يحبسه السلطان على اليمين حتى يحلف بها. وسكون الطائر مثل يقال للرجل الحليم إنه لساكن الطائر أي إن طائره لا ينفر من سكونه وذلك أن الطير لا يقع إلا على ساكن فيراد أنه ساكن لا يتحرك حتى يصير بذلك عند الطائر كالجدران والأبنية التي لا تخاف الطير وقوعًا عليها ولا حلولًا بها وفي قولهم كأنما على رؤوسهم الطير قولان أحدهما أنهم لا يتحركون فصفتهم صفة من على رأسه طائر يريد أن يصيده فهو يخاف أن تحرك طيران الطائر وذهابه والآخر هو أن نبي الله سليمان ﵇ كان يجلس هو وأصحابه ويقول للريح أقلينا وللطير أظلينا ويستشعر أصحابه السكون والسكوت فشبهوا بجلساء سليمان ﵇ الذين لا يتحركون والطير تظلهم من فوق رؤوسهم وللطائر مواضع فالطائر الحط والطائر العمل والطائر التطير. وخفض الجناح يريد لين
[ ٨٨ ]
الجانب قال الله تعالى " واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين " أي ألن جانبك لهم. والمتناهي الذي بلغ النهاية وهي الغاية. والذرى بضم الذال جمع ذروة وذورة وهي أعلى الشيء فأما الذرى بفتح الذال فهو الكنف. والمجد بلوغ نهاية الكرم وأصله من الكثرة وأن تأكل الماشية حتى تمتلئ بطونها يقال راحت الإبل مجدا وموجدا ومنه رجل ماجد ومجيد وقد مجد ومجد بالفتح والضم فكأن الماجد الممتلئ كرما وشرفا قال ابن السكيت الشرف والمجد يكونان بالآباء يقال رجل شريف وماجد أي له آباء متقدمون في الشرف. والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف. والحاوي الجامع. والقصب جمع قصبة وكانت العرب تنصب في الرهان قصبًا تكون لهم كالغايات يقع السبق إليها وقال أبو عبيدة كانوا يعطون الأول والثاني والثالث من السوابق في الحلبة قصبا كلما سبق فرس أعطى قصبة يقال هذا فرس مقصب إذا كان سابقا بأخذ القصب وصفة القصبة التي تعطي صاحب السابق من الخيل يوم الحلبة يكتب كتاب هذا فرس فلان بن فلان سبق يوم كذا ثم يعلق ذلك الكتاب في رمح أو قصبة يترك في يد صاحب الفرس يطوف بها على الناس فيعرف سبقه فيعطى على ذلك. والفائز الظافر بخير الدنيا والآخرة.
قال أبو محمد: بسم الله الرحمن الرحيم " باب معرفة ما يضعه الناس غير موضعه " من ذلك أشفار العين أصل ش ف ر في اللغة القلة ومن ذلك قيل لحرف كل شيء شفر لأنه أقله ومنه يقال شفر مال الرجل إذا قل وعيش مشفر أي ضيق قال الشاعر يصف النساء:
مولعات بهات هات وإن شف ر مال طلبن منك الخلاعا
وقال الآخر:
قد شفرت نفقات القوم بعدكم فأصبحوا ليس فيهم غير ملهوف
ومنه قولهم في النفي ما بالدار شفر بفتح الشين أي ما بها أحد وقال اللحياني شفر لغة وقال البصريون والكوفيون بأسرهم العرب تقول لحرف كل
[ ٨٩ ]
شيء من القبر والمياه والأنهار والعينين شفر وشفير فإذا جاوزوا هذا قالوا شفر وقولهم ما بالدار شفر أي أحد.
وحمة العقرب أصلها حموة وكذلك لغة ودغة اسم امرأة حمقاء يضرب بحمقها المثل وبغة لولد الناقة الذي بين الهبع والربع وقيل أصلها حمية من الحمى يقال اشتد حمو الشمس وحمى الشمس وأخبرت عن محمد بن عبد الواحد عن ابي سعيد عن ابن دريد قال سألت أبا حاتم عن الحمة فقال سألت الأصمعي عن ذلك فقال هي فوعة السم أي حرارته وقال ابن الأعرابي يقال لسم العقرب الحمة والحمة ولم يحك التشديد غيره وهو الثقة الأمين. وإبرة العقرب شوكتها وإبرة الذراع الناتئ في وسط المرفق وما يليه مما يلي البطن كسر قبيح ومما يلي الجانب الآخر كسر حسن قال الشاعر:
الحسن والقبح في عضو من الجسد
وقال ابن سيرين يكره الترياق إذا كان فيه الحمة يقال درياق وترياق وطرياق وطراق وليس له اشتقاق لأنه رومي معرب.
قال أبو محمد وتقول المجوس إن ولد الرجل إذا كان من أخته ثم خط على النملة شفى صاحبها قال الشاعر قيل إنه لعمرو بن حممة الدوسي:
لنا العزة القعساء والبأس والندى بدينا بها في كل ناد وفي حفل
وإن تشرب الكلبى المراض دماءنا برين ويبرى ذو نجيس وذو خبل
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر كرام وأنا لا نخط على النمل
وهذا البيت يروى لمزاحم العقيلي وعروة بن أحمد الخزاعي. العزة الغلبة والمنعة والقعساء الثابتة يقال عز أقعس. والنادي مجلس القوم ومتحدثهم. والحفل المجتمع. والكلبي المجانين والكلب الجنون ولقد مضى شرحه والنجيش الداء الذي لا يبرأ. والخبل الجنون وفساد الأعضاء يقول لنا الفضل على الناس بالغلبة والشدة ونحن ملوك دماؤنا تشفي من الكلب وقوله ولا عيب فينا نفى أن يكون فيهم عيب ثم قال مثل هذا كثير ويعدونه من صنعة الشعر والمعنى لكن مع انتقائنا من العيوب فينا عرق معشر كرام وهو كقولك ما في فلان عيب إلا إنه سخي أي لا عيب فيه يقول فعيبنا أنا لا نخط على النمل أي
[ ٩٠ ]
لسنا بمجوس ومثله قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
والمعشر في اللغة كل جماعة فوق العشرة وأمرهم واحد نحو معشر المسلمين ومعشر الكافرين والأنس معشر والجن معشر وقيل معناه أنا لا نأتي ما قد جمعه النمل في الصيف فنأخذه في الشتاء من قراها ونأكله. وقوله بمجوس لا ينصرف للتعرف والتأنيث لأنه اسم قبيلة ولا يجوز أن تدخله الألف واللام إلا بعد النسبة إليه ومجوس اسم للجمع كتمر فإذا نسبت إليه قلت مجوسي ثم تجمع مجوسيًا المنسوب فتقول مجوس فمجوس جمع وليس باسم الجمع ثم تدخل الألف واللام على جمع مجوسي فتقول المجوس.
قال أبو محمد الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور أو لشدة الجزع قال النابغة الجعدي واسمه عبد الله بن قيس ويكنى أبا ليلى:
سألتني جارتي عن أمتي وإذا ما عي ذو اللب يسل
سألتني عن أناس هلكوا شرب الدهر عليهم وأكل
طلبوا الملك فلما أدركوا بحساب وانتهى ذاك الأجل
وضع الدهر عليهم بركه فأراه لم يغادر غير فل
وأراني طربًا في أثرهم طرب الواله أو كالمختبل
جارته هنا امرأته قال الأعشى:
أيا جارتا بيني فإنك طالقة
وأمته قومه وأمة الرجل قرنه الذي يكون فيه وعي ذو اللب أي لم يعرف وجه الأمر ولم يهتد له واللب العقل ولب كل شيء خالصه ومنه سمى سم الحية لبا يقول إذا لم يعرف العاقل وجه الأمر سأل عنه وقوله شرب الدهر عليهم وأكل شرب أهل الدهر والمعنى لما ماتوا فنسوهم وفارقهم الحزن عليهم عادوا إلى الأكل والشرب. وقوله فلما أدركوا لما علم للظرف والمعنى لما نالوا ما قدره الله لهم وبلغوه من أحوال الملك المحسوبة والسنين المعلومة وانتهت أجالهم ماتوا وذهبوا. وقوله وضع الدهر عليهم بركه أي صدره كأنه افتراسهم كما يفترس الأسد الفريسة وهذا مثل وإنما يريد أهلكهم ولم يغادر لم يترك غبر فل أي غير بقية منكسرة وأصل الفل المنهزمون. وقوله وأراني يروى بفتح الهمزة
[ ٩١ ]
وضمها على ما لم يسم فاعله وإنما تعدى هذا الفعل إلى ضمير الفاعل وأنت لا تقول ضربتني لأنه من أفعال الشك واليقين وهي غير مؤثرة يقول أراني استخف من بعدهم كما يستخف الواله وهو المتحير أو المختبل وهو الذاهب العقل يقال منه وله يوله ولهًا ويروي أو كالمحتبل وهو الذي قد وقع في الحبالة ويروى كالمتبل وهو مفتعل من التبل والتبل أن يسقم الهوى الإنسان.
" وقال آخر " نسبه بعضهم إلى بشار والصحيح إنه لأبي جنة الأسدي بالجيم والنون كذا أخبرت عن الحسن بن بشر الآمدي وأسم أبي جنة حكيم بن عبيد ويقال حكيم بن مصعب وهو خال ذي الرمة:
فلما ودعونا واستقلوا إلى صهب هواديهن قود
كتمت عواذلي ما في فؤادي وقلت لهن ليتهم بعيد
وفاضت عبرة أشفقت منها تجود كأن وابلها الفريد
فقلن لقد بكيت فقلت كلا وهل يبكي من الطرب الجليد
ولكن قد أصاب سواد عيني عويد قذى له طرف حديد
فقالوا ما لدمعهما سواء أكلتا مقلتيك أصاب عود
قوله استقلوا يقول لما احتمل من يحب على الابل سايرين والصهب الابل البيض يضرب بياضها إلى الحمرة والهوادي الأعناق والقود الطوال كتمت عواذلي مافي فؤادي أي أخفيت عنهن ما أجده من الوجد بالمتحملين وأظهرت لهن السرور ببعدهم خوفًا من لائمتهن وبعيد يقع للواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد وكذلك قريب قال الله تعالى " وما هي من الظالمين ببعيد " والمعنى مكان بعيد وقريب ومن بناه على قرب وبعد ولم ينو المكان ثنى وجمع وأنث. وقوله وفاضت عبرة أشفقت منها أي خفت من ظهورها وتجود تأتي بدمع غزير والوابل أكثر منه وأصلهما في المطر والفريد جمع فريدة وهي الشذرة من الفضة كاللؤلؤة وقوله كلا ليس الأمر كما زعمتن ومعناها الردع والزجر والجليد الجلد يقول لم أبك ولكن أصاب عيني عود أقذاها فجرى دمعها فقالوا أي قال العاذلون والعاذلات فلذلك أتى بالواو ما لدمعهما سواء أي فما أجرى دمع الأخرى وإنما قالوا ذلك تكذيبا له وكلتا اسم لتثنية المؤنث كما أن كلا للمذكر وألفها للتأنيث وتاؤها منقلبة عن الوار وأصلها كلوى.
[ ٩٢ ]
وقوله من ذلك الحشمة. الحشمة في اللغة لها موضعان أحدهما الغضب والآخر الحياء وقيل للمبرد الحشمة الغضب والحشمة الحياء ما معنى ذلك فقال الغضب والحياء كلاهما نقصان يلحق النفس فكان مخرجهما واحدا وسمي حشم الرجل حشمًا لأنهم يغضبون لغضبه.
وأما زكنت الأمر فقال ابن درستويه معناه حزرت وخمنت وقال وأهل اللغة يقولون معناه علمت ويستشهدون عليه ببيت قعنب وليس فيه دليل على تفسيرهم أنما معناه خمنت على مثل ما خمنوا عليه من سوء الظن والعرب تقول فلان صاحب أركان وليس يعنون به صاحب علم ولكن صاحب حزر وأنشد أبو محمد بيت قعنب:
ولن يراجع قلبي حبهم أبدا زكنت منهم على مثل الذي زكنوا
يقول قد علمت من بغضهم لي مثل ما علموا من بغضي لهم فقلبي لا يودهم أبدًا لذلك يعني بني ضب وبني وهب وهم بنو أعمامه من بني عبد الله بن غطفان وكانوا يحسدونه ويروى زكنت من بغضهم.
وقوله أن القافلة لا تسمى قافلة حتى يصدروا. فقال الأزهري هذا غلط ما زالت العرب تسمي الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة تفاؤلًا بأن ييسر الله لها القفول وهو شائع في كلام فصحائهم والذي قال الأزهري هو قول ابن الأعرابي.
وأما المأتم فأصله من الجمع وهو الأتم في الخرز وهو أن ينفتق خرزتان فتصيرا واحدةً وأمرأة أتوم إذا التقى مسلكاها والفعل منه أتم يأتم وأتم يأتم ومأتم من أتم يأتم وقال أبو عطاء السندي وكان فصيحًا واسمه مرزوق:
ألا أن عينا لم تجد يوم واسط عليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشققت جيوب بأيدي مأتم وخدود
يرثى ابن هبيرة وكان المنصور قتله بعد أن أمنه وسبب ذلك أنه دخل على المنصور يوما فقال له حدثنا فقال له يا أمير المؤمنين إن سلطانكم حديث وإمارتكم جديدة فأذيقوا الناس حلاوة عدلها وجنبوهم مرارة جورها فو الله يا أمير المؤمنين لقد محضت لك النصيحة ثم نهض فنهض معه سبعمائة من
[ ٩٣ ]
قيس فأثأره المنصور بصره وقال لا يعز ملك فيه مثل هذا ثم قتله فلما حمل رأسه إليه قال للحرسي أترى إلى طينة رأسه ما اعظمها فقال الحرسي طينة أمانه أعظم من طينة رأسه. قوله لم تجد لم تسمح بالبكاء وجمود قليلة الدمع يقال عين جامدة وجمود وسنة جماد قليلة القطر وعشية بدل من قوله يوم واسط وأسماء الزمان تضاف إلى الأفعال وهو تحديد وتوقيت ومعنى قيام النائحات تهيؤها للنوح كما تقول قامت السوق والجيوب جمع جيب والفعل منه جبت القميص إذا قورت جيبه وجيبته إذا عملت له جيبا وقال سلمت جبت القميص وجبته وأنشد لأبي حية النميري واسمه الهيثم بن الربيع:
رمته أناة من ربيعة عامر نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم
فجاء كخوط البان لا متتابع ولكن بسيما ذي وقار وميسم
فقلن لها سرا فديناك لا يرح صحيحا وإلآ تقتليه فألممي
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤاده وعينيه منها السحر قلن له قم
فود بجدع الأنف لو أن صحبه تنادوا وقالوا في المناخ له نم
قوله رمته أي رمته بنظرها إليه والأناة المرأة التي فيها فتور عند القيام وأصلها ونأة من الونى وهو الفتور والكسل والواو المفتوحة لم تزل منها الهمزة إلا في أحرف يسيرة هذا أحدها وقد يجوز أن تكون أناة من التأني وهو التمكث وربيعة بن عامر بن صعصعة أخو نمير ووصفها برقاد الضحى لأنها مكفية مكرمة تخدم ولا تخدم والخوط الغصن والبان شجر شبه به الشباب الناعم وخص البان لأن قضبانه أحسن القضبان في الطول والاستواء والمتتايع الذي يتهافت على أمر ليس بالحميد وموضع كخوط نصب على الحال ولا متتايع ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال لا هو متتايع ولكن استدراك بعد نفي أي جاء غير متتايع ولكن بهذه السيما وهي العلامة والمسيم الحسن وأثر الجمال يقول نحل لما رمته فصار كأنه خوط بان قضافة ونحافة ومع ذلك كان وقورا موسوما بالحسن والجمال. وقلن لها أي قالت النسوة التي حوالي هذه المرأة لها وقوله سرا يجوز أن يكون مصدرا في موضع الأمر كأنه قال ساريه مسارة فوقع السر موقع المسارة فيكون على هذا لا يرح جواب الأمر الذي دل عليه سرا ويجوز أن يكون سرا مصدرا في موضع الحال ويكون لا
[ ٩٤ ]
يرح مجزوما بلا النهي ويجعل النهي في اللفظ للرجل والمرأة هي المنهية كما تقول لا أرينك ههنا والمعنى لا تكن ههنا فأراك أي يقلن لها قد ألقيته في فتنة العشق فلا تدعيه يروح صحيحا وأدنيه من الموت أن لم تقتليه والممى أي قاربى وأظهر التضعيف ضرورة لأن الميم هنا تلزمها الحركة. وألقت قناعا القناع المقنعة يقول طرحت قناعها وسترت بمعصمها وجها كالشمس والمعصم من موضع السوار من اليد. وقوله وقالت يجوز أن يكون معناه تكلمت كما تقول قال وقلنا أي تكلم وتكلمنا وقيل معناه أو مأت أو تهيأت لأمر تريده وافرغت صبت السحر في عيني الرجل وفؤاده وسحرت عينه لأنه رآها فوق ما هي عليه من الحسن والسحر إخراج الشيء في أحسن معارضه حتى يفتن ويروى قلن له أنعم على القلب أي أحزن وتوجد من العشق ويجوز أن يكون معنى أنعم هزءًا أي قد صدناك واستعبدناك. وقوله فود بجدع الأنف الباء هنا تفيد معنى العوض تقول هذا بذاك أي عوض من ذاك وتنادوا يجوز أن يكون تجمعوا من الندى وهو المجلس وأن يكون من النداء يريد تداعوا وقالوا ذلك وجدع الأنف قطعه والمناخ موضع الإناخة.
قال أبو محمد ومن ذلك الحمام. الحمام اسم جنس الواحدة حمامة يقع على الذكر والأنثى وحكى عن الأصمعي أنه قال اليمام ضرب من الحمام بري. وانشد أبو محمد لحميد بن ثور الهلالي ويكنى أبا الأخضر:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة دعت ساق حر ترحة وترنما
من الورق حماء العلاطين باكرت عسيب أشاء مطلع الشمس أسحما
عجبت لها أنى يكون غناؤها فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقة صوت مثلها ولا عربيا شاقه صوت أعجما
يقول ما أثار شوقي إلا صوت قمرية تدعو ذكرها وقيل الحر فرخ الحمام والساق أبوه وقيل ساق حر حكاية صوتها والترحة الحزن والترنم الصوت الذي لا يفهم والورق جمع ورقاء وهي التي لونها كلون الرماد وحماء سوداء والعلاط سمة في العنق يعني طوقها والعسيب عود السعفة والإشاء صغار النخل والأسحم الأسود وإن بمعنى كيف ويكون أنى بمعنى أين أيضا وتفغر تفتح يقول عجبت كيف يفصح غناؤها بما في جوفها من الحزن ولم تفتح فاها فتنطق فهي مطبقة فمها لا تفتحه وقوله فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها بقول لم
[ ٩٥ ]
أر إنسانًا هيج شوقة صوت حمامة ولا عربيا مثلي شاقه صوت أعجم وهو الذي لا يفصح وذلك أن العربي لا يهتدي إلى غناء الأعجمي فلا يطرب له فإذا أطربه غناؤه فذاك متناهي الحسن وعنى بالأعجم الحمامة ويروى ولم أر محزونا له مثل صوتها أي لم أر محزونا أملح صوتا من صوتها.
وأنشد أبو محمد للنابغة الذبياني واسمه زياد ويكنى أبا إمامة:
وأحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد
قالت إلا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا ونصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما وجدت ستًا وستين لم ينقص ولم يزد
فكملت مائة فيها حمامتها وأسرعت حسبة في ذلك العدد
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ونصفه قديه تم الحمام ميّه
يخاطب النعمان ويعتذر إليه مما بلغه عنه. أحكم أي كن حكيما والحكم الحكمة مثل نعم ونعمة ونحل ونحلة تقول أحكم كحكم فتاة الحي إذ أصابت فوضعت الأمر موضعه وهي لم تحكم بشيء إنما قالت شيئا كانت فيه حكيمة يقول فأصب أنت في الأمر ولا تقبل ممن سعى عليّ وقال الأصمعي سمعت ناسا بالبادية يحدثون أن ابنة الخس كانت قاعدة في جوار فمر بها قطا وارد في مضيق من الجبل فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ومثل نصفه معه إلى قطاة أهلنا إذًا لنا قطًا مائه
فاتبعت القطا فعدت على الماء فإذا هي ست وستون. وقال أبو عبيدة زرقاء اليمامة كان اسمها اليمامة فسميت جو اليمامة وقال ابن الكلبي اسمها عنز وكانت زرقاء فنسبت إلى اليمامة وكانت من بقية طسم وجديس وكانوا من ساكني اليمامة وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأكثرها خيرا فمر بها سرب من قطا على مسيرة ثلاث فنظرت إليها فقالت:
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ونصفه قدية تم الحمام ميّة
وكان لها قطاة فنظر فإذا القطا كان ستا وستين وكان وقع في شبكة صياد فعدته وهو يمر بين جبلين حين نظرت إليه وحسبته وأسرعت الحسبة والثمد الماء القليل وقدي أي حسبي وهي كلمة تستعمل كثيرا ولا يعرف استعمالها مع الظاهر وإذا جاءت مع المضمر فإنما يخاطب بها المواجه وحذف النون من
[ ٩٦ ]
قدني عند سيبويه للضرورة وعند الفراء لغة. ويروى فياليت ما هذا الحمام. والحمام بالرفع والنصب فمن رفع جعل ما كافة ومن نصب جعلها زائدة والحمام يذكر ويؤنث ويوصف بالواحد والجمع فلذلك قال وارد وكل ما كان بينه وبين واحده التاء فهو اسم للجمع وحكمه وكذلك. والثمد الماء القليل ويحفه يكون من جانبيه والنيق أرفع موضع في الجبل وإذا كان الحمام بين جانبي نيق ضاق عليه الموضع وركب بعضه بعضا فكان أشد لعده. وقوله مثل الزجاجة يريد عينا صافية كصفاء الزجاجة فحسبوه الهاء للحمام. وقوله لم تنقص ولم تزد يروى بالتاء والياء فالياء ضمير العدد وقيل هو ضمير الحمام والتاء ضمير المرأة وروى أبو عبيدة فكلمت مائة بالتخفيف أي فتمت وقال الأصمعي الحسبة الجهة التي يحسب منها وهي مثل القعدة والجلسة والحسبة هي المرة الواحدة تقول اسرعت أخذًا في تلك الجهة.
وقوله ومن ذلك الربيع. قال أبو يحيى بن كناسة في صفة أزمنة السنة وفصولها وكان علاّمة بها أعلم أن السنة أربعة أزمنة الربيع الأول وهو عند العامة الخريف ثم الشتاء ثم الصيف وهو الربيع الآخر ثم القيظ قال وهذا قول العرب البادية قال والربيع الأول هو الخريف عند الفرس يدخل لثلاثة أيام من أيلول قال ويدخل الشتاء لثلاثة أيام من كانون الأول قال ويدخل الصيف الذي هو الربيع عند الفرس لخمسة أيام تخلو من آذار ويدخل القيظ الذي هو صيف عند الفرس لأربعة أيام حزيران. قال أبو يحيى وربيع أهل العراق موافق لربيع الفرس وهو الذي يكون بعد الشتاء وهو زمان الورد وهو أعدل الأزمنة وفيه تقطع العروق ويشرب الدواء قال وأهل العراق يمطرون في الشتاء كله ويخصبون في الربيع الذي يتلو الشتاء وأما أهل اليمن فإنهم يمطرون في القيظ ويخصبون في الخريف الذي تسميه العرب الربيع الأول.
وأنشد أبو محمد شاهدًا على ظل الليل لذي الرمة واسمه غيلان بن عقبة:
قد أعسف النازح المجهول معسفه في ظل أخضر يدعو هامه البوم
بالصهب ناصبة الأعناق قد خشعت من طول ما وجفت أشرافها الكوم
أعسف أسير على غير هداية والنازح الخرق البعيد والمعسف والعسف واحد وهو أن يأخذ على غير هدى والمجهول الذي لا يهتدي لطريقه وقد بالغ
[ ٩٧ ]
في وصف نفسه بقطع الفلوات وارتكاب الأهوال لأنه لم يكفه أن يجعل الموضع الذي يسير فيه خرقا لا يهتدي فيه حتى أخبر أنه يسري فيه في ليل أسود لا قمر فيه وذلك لقطعه ثم جعله لا يسمع به سوى صوت البوم وذلك أروع له وأبعد من الأنيس. والهام جمع هامة وهي أنثى البوم والذكر الصدأ والأخضر هنا الأسود وظله ستره ويروى في ظل أغضف وهو المتثنى والصهب جمع أصهب وصهباء وهي الإبل التي يخالط بياضها حمرة وهو أن يحمر أعلى الوبر وتبيض أجوافه وجمل صهابى أي أبيض اللون وهو نجار العتق. وخشعت تطامنت. والوجيف ضرب من السير سريع. وأشرافها أسنمتها الواحد شرف والكوم جمع أكوم وكوماء وهي العظيمة السنام يقول أعسف هذا المكان المجهول معصفة في ليل متراكب الظلمة بالإبل الصهب الناصبة الأعناق وقد تطامنت اسنمتها العظام الطوال ولصقت بظهورها من طول سيرها السريع.
قال أبو محمد ومنه قول الله ﷿ " حتى تفيء إلى أمر الله " أي ترجع وأنشد لامرئ القيس بيتا وقبله:
فلمّا رأت أن الشريعة همها وأن البياض من فرائضها دامي
تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامي
أخبرني المبارك بن عبد الجبار عن علي بن عمر عن عبيد الله بن محمد المروزي الكاتب عن ابن الأنباري عن العنزي عن علي بن الصباح عن هشام بن محمد عن فروة بن سعيد بن عفيف بن معدي كرب عن أبيه عن جده قال قدم على رسول الله ﷺ ناس من أهل اليمن فقالوا يا رسول الله أحيانا الله بيتين من شعر امرئ القيس خرجنا نريدك فلما كنا ببعض الطريق ضللناه فبتنا على غير ماء فلم نزل ثلاثا على ذلك حتى استذرينا بظل الطلح والسمر فبينا نحن على ذلك إذ أقبل راكب على بعير متلثم بعمامة فتمثل رجل منا بقول امرئ القيس فلما رأت. البيتين فقال الراكب من يقول هذا قلنا امرؤ القيس قال فو الله ما كذب هذا ضارج عندكم فحبونا إليه على الركب فوجدناه ماء قد علاه العرمض وهو الطحلب فشربنا منه حتى روينا وحملنا ما كفانا حتى وقفنا على الطريق فقال رسول الله ﷺ " ذاك رجل شريف في الدنيا مذكور فيها منسي في
[ ٩٨ ]
الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار " في رأت ضمير يعود إلى ناقته والفريصة اللحمة في ناغض الكتف على الجنب وهو أول ما يرعد من الدابة إذا فزع. يقول لما رأت الناقة أن الشريعة همها تيممت العين أي قصدتها وإنما جعل البياض من فرائصها داميا ليدل على ما لحقها من الكلال والتعب في طول السير وقال أبو إسحق الحربي الصواب وإن البياض من فراسنها دامي والفراسن جمع الفرسن وهو في يد الناقة والسلاميات عظام الفرسن. وقوله عرمضها العرمض الخضرة التي تعلو الماء. والطامى المرتفع. وضارج جبل.
وأنشد أبو محمد للشماخ ويكنى أبا سعد يمدح عرابة الأوسى وقبله:
إليك بعثت راحلتي تشكى حروثا بعد محفدها السمين
إذا بركت على شرف وألقت عسيب جرانها كعصا الهجين
إذا الأرطى توسد أبرديه خدود جوازئ بالرمل عين
الراحلة من الإبل التي يختارها الرجل لمركبه. والحروث الهزال والمحفد السنام يقول لم أزل أذيبها في السير إليك حتى أنضيتها بعد سمنها والشرف ما ارتفع من الأرض. والعسيب هنا عظم الذنب. والجران باطن عنق البعير وهو ما أصاب الأرض منه إذا برك وأراد بالهجين الراعي شبه عنق ناقته بالعصا لهزالها. والأرطى ضرب من الشجر وخصه لأن منبته في الرمل والبقر والظباء تعوذ وتكنس فيه من الحر والبرد والمطر. وقوله توسد أبرديه أي اتخذ الظل والفيء وسادة. والجوازئ الظباء التي تجتزئ بالرطب عن الماء. والعين جمع عيناء وهي الواسعات العيون.
قال أبو محمد ومن ذلك الآل والسراب. أما السراب فإنما سمي سرابا لأنه يسرب سربا أي يجري جريا يقال سرب الماء يسرب سروبا قال الفراء وهو ما لصق بالأرض والآل الذي يكون كالملاء بين السماء والأرض كأنه الماء قال ويكون من الضحى إلى زوال الشمس والسراب بعد الزوال إلى صلاة العصر. والآل الشخص والآل الأحوال جمع آلة والآل الخشب المجرد والآل الأهل. وأنشد أبو محمد للنابغة الجعدي:
حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا كأننا رعن قف يرفع الآلا
[ ٩٩ ]
قال وهذا من المقلوب. قوله تعدي أي تستحضر الخيل يقول هي تمرح بهم فكان ذاك نزوان الآل ومفعول تعدى محذوف أراد تعدى فوارسنا أفراسهم والرعن أنف نادر من الجبل. والقف الجبيل الصغير وقال أبو عبيدة الرعن والآل كلاهما يرفع أحدهما الآخر وليس هذا من المقلوب لأنه شبه الكتيبة برعن والقف وشبه ما على الكتيبة من الحديد بالآل فلو كان الآل هو الرافع لم يكن التشبيه واقعا لأن الحديد أبدا يعلو الكتيبة. والقيعة جمع قاع وهو المنبسط من الأرض الذي لا نبت فيه ومثله نار ونيرة وولد وولدة وأخ وأخوة قال أبو محمد إنما الدلج سير الليل وأنشد للشماخ:
كأنها وقد براها الاخماس ودلج الليل وهاد قياس
ومرج الضفروماج الاحلاس شرائج النبع براها القواس
يهوى بهن بختري هواس كأن حر الوجه منه قرطاس
ليس بما ليس به باس باس ولا يضر البر ما قال الناس
الضمير في كأنها يرجع إلى الإبل والاخماس جمع خمس والخمس أن ترد الإبل الماء يومًا وتدعه ثلاثة أيام وترد في اليوم الخامس وبراها هزلها وقطع لحمها والهادي الدليل والقياس الذي يقيس طريقا بطريق فيأخذ بالأشبه ومن روى قسقاس فهو الهادي المتفقد الذي لا يغفل إنما دأبه التلفت والتنظر يقال ليلة قسقاسة شديدة الظلمة يقول هزل هذه الإبل اظماؤها وسراها واتعاب دليلها الماهر بالدلالة فلا ينزل ولا يتوقف للاستدلال فتستريح الإبل ومرج قلق يقال مرج الخاتم في يدي إذا قلق والضفر نسيج من الشعر عريض يشد في وسط الناقة يقول اضطراب بطانها منت هزالها والاحلاس جمع حلس وهو الكساء الذي يكون تحت الرحل والقتب يلي ظهر البعير والشرائج جمع شريجة وهو أن يشق القضيب نصفين فتعمل منه قوسان فيقال لكل واحدة شريج وشريجة وبراها قطعها وقوله يهوى بهن أي يسرع بهذه النوق بخترى وهو المتبختر والهواس والهواسة الرجل المجرب الشجاع وحر الوجه خالصه وشبهه بالقرطاس لبياضه. قال أبو محمد أبو زبيد يذكر قوما يسرون اسم أبي زبيد حرملة بن المنذر:
تواصوا بالسرى هجرا وقالوا إذا ما ابتز أمركم النعوس
[ ١٠٠ ]
فإياكم وهذا العرق واسموا لموماة فآخذها مليس
وحفوا بالرحال على المطايا وضموا كل ذي قرن وكيسوا
فباتوا يدلجون وبات يسري بصير بالدجى هاد غموس
تواصوا أي أوصى بعضهم بعضا هجرا أي وقت الهاجرة والسرى سير الليل خاصة. وابتزاي عري من الأمر وجرد ويروى ابتز بالفتح أي إذا غلب أمركم ناعس وقوله فإياكم وهذا العرق أي احذورا هذا العرق وأبعدوا عنه وهو الجبل ويقال الغيضة وميلوا إلى الموماة وهي الفلاة وأصلها موموة فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وآخذها طريقها الذي يؤخذ فيه فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى ماء دافق أي مدفوق ومليس أي أملس. وحفوا بالرحال يقول إذا أعييتم وغلبكم النعاس فأنيخوا بنا في الموماة وإياكم أن تنيخوا قريبا من هذا العرق وأديروا الرحال حولهم وأعدوا الرماة. والقرن الجعبة وكيسوا أي استعملوا الكيس وهو العقل قال الشاعر:
فلو كنتم لميسة أكاست وكيس الأم يعرف في البنينا
ولكن أمكم حمقت فجئتم غثاثًا ما ترى فيكم سمينا
فباتوا يدلجون أي يسرون الليل وبات الأسد يسري معهم حيث لا يرونه يراعى غرتهم. وقوله هادٍ أي مهتد إلى الطريق والمأخذ والهموس الذي لا يسمع لقوائمه وطء ولا يحس به أحد. والدجى الظلمة الواحدة دجية، ويروي عموس وغموس بالعين والغين ومعناهما الشديد: قال أبو محمد وكان رجل من أصحاب اللغة يخطئ الشماخ في قوله:
وكنت إذا لاقيتها كان سرنا لنا بيننا مثل الشواء الملهوج
وكادت غداة البين ينطق طرفها بما تحت مكنون من الصدر مشرج
وتشكو بعين ما أكل ركابها وقيل المنادى أصبح القوم أدلجي
يقول كنت إذا لاقيت هذه المرأة لم أتمكن من مسارتها والاشتفاء بحدثيها وتعرف ما عندها لي إلا على عجلة وغير تمكن من اتمام الحديث خوف الرقباء فكان سرنا مثل الشواء الذي لم يتم نضجه وقوله بما تحت مكنون من الصدر أي مكتوم. ومشرج مشدود كشرج العيبة وهي عراها المداخل بعضها
[ ١٠١ ]
في بعض يقول كادت هذه المرأة غداة الفراق تبكي فيعلم ببكائها في ضميرها فيقوم بكاؤها مقام النطق بسرنا والبوح به وتشكو بعين معناه أنها لا تقدر على الكلام من التعب والجهد فهي تومئ بطرفها إليه وقوله ما أكل ركابها قال أبو علي يجوز أن ينشد ما أكلت ركابها على أن يكون بمعنى المصدر فيكون التقدير وتشكو بعين إكلال ركابها ولا يكون في الصلة شيء يرجع إلى ما لأنها إذا كانت بمعنى المصدر لم يكن في صلتها عائد إليها والمعنى على ضربين أحدهما أن يكون وتشكو بعيني إكلال ركابها إياها فترك ذكر المفعول للدلالة عليه والآخر أن يكون وتشكو كلال ركابها ولا تقدر المفعول ولكن كأنك قلت وتشكو أن أكلت ركابها أي صارت ذات كلال وفي ذلك دلالة على كلالها إذ كانت معهن تسير بسيرهن ويجوز ما أكلت ركابها على أن يكون ما بمعنى الذي فيكون التقدير وتشكو بعين الذي أكلته ركابها فتحذف الهاء العائدة إلى الموصول والذي أكلته ركابها هو التعب والكلال فهذا في المعنى مثل الأول وإن كان تقدير اللفظ مختلفا وهذا الوجه هو الرواية في البيت فيما روى عن الأصمعي ويجوز تشكو بعين ما أكل ركابها على أن تكون ما بمعنى الذي ويكون فاعل أكلّ ضمير ما والذي أكل ركابها في المعنى هو دؤوت السير وكثرته وموضع ما مع صلته في كل هذه الوجوه نصب. ويجوز وتشكو بعين ما أكل ركابها على أن تكون ما تعجبا كأنه قال وتشكو بعين ما أكل ركابها فتعجب من كلال ركابها فيكون موضع ماجرًا صفة للعين كما تقول مررت برجل ما أحسن ثوبه ولا يجوز أن تكون مانفيا في قول من رفع فقال ما أكل ركابها لقوله وقيل المنادى ولا يكون مع هذا الأمر منادى الرفقة والائتمار له إلاّ تكل الركاب ويكون قيل المنادى على هذا التأويل أصبح القوم أدلجي محمولًا على فعلٍ آخر غير تشكو هذه الظاهرة كأنه وتشكو قيل المنادى إلا أن هذا الظاهر دلّ عليه وإن شئت حملت قيل المنادى في هذا الوجه على موضع الباء وما جرته مثل مررت بزيد وعمرًا ويكون في الأقاويل الأخر مثل قولك وتشكو زيدا وعمرًا فهذا ما يحتمله ها البيت وقيل في قوله وتشكو يعني الناقة وشكواها رغاؤها وأثر الكلال فيها وما بمعنى الذي وقال بعضهم الشكوى ههنا من المرأة يقول غمزت بعينها وأومأت بيدها لأنها لا تقدر على الكلام ممن تهابه والقول الأول قيل أنه قول الأصمعي ويروى وقيل المنادى وقول المنادى فالقول
[ ١٠٢ ]
مصدر والقيل والقال اسمان وهذا على أن المنادى نادى في أول الليل أو في وسطه.
قال أبو محمد " ومن ذلك العرض ". أخبرت عن ابن الأنباري أنه قال أنكر ابن قتيبة أن يكون العرض الآباء والأسلاف واحتج بالحديث في أهل الجنة وليس في احتجاجه بهذا الحديث حجة له لأن الأعراض عند العرب المواضع التي تعرق من الجسد وقال والذي يدل على غلطه في هذا التأويل قول مسكين الدارمي:
رب؟ مهزولٍ سمينٍ عرضه وسمين الجسم مهزول الحسب
معناه مهزول البدن والجسم كريم الآباء وقال عمر بن الخطاب ﵁ للحطيئة كأني بك عند رجل من قريش قد بسط لك نمرقةً وكسّر أخرى وقال يا حطيئة غننا فاندفعت تغنيه بأعراض الناس فمعناه بثلب أسلافهم وآبائهم وقال الآخر:
قاتلك الله ما أشد عليك ال بذل في صون عرضك الخرب
يريد في صوت أسلافك اللئام وقول حسان: فان أبي ووالده وعرضي
معناه فان أبي ووالده وآبائي فأتى بالعموم بعد الخصوص ذكر الأب ثم جمع الآباء كما قال الله تعالى " ولقد آتينا سبعًا من المثاني والقرآن العظيم " فخص السبع ثم أتى بالقرآن العام بعد ذكره إياها وقول أبي ضمضم اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك معناه إني تصدقت عليهم بما يلحقوني من الأذى في أسلافي فجعلتهم من إثم ذلك في حل. وقول أبي الدرداء أقرض من عرضك ليوم فقرك من سب أباك وأسلافك فلا تسب أباه وأسلافه ولكن اجعل ذلك قرضا عليه ليوم القصاص والجزاء قال وقول ابن قتيبة لا يجوز أن يكون الأسلاف لأنه إذا ذكر أسلافه لم يكن التحليل إليه لذكره قوما موتى ليس المعنى في هذا عندنا على ما قال لأنه لم يحلله من سبّه الآباء وإنما أحله مما وصل إليه من الأذى في ذكره أسلافه انتهى كلام أبي بكر فهذه الشواهد التي استشهد بها ابن قتيبة على أن العرض النفس متأولة كما ترى والدليل القاطع
[ ١٠٣ ]
عن ان العرض النفس حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ " فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " أراد احتاط لنفسه لا يجوز فيه معنى الآباء وكذلك قوله ليّ الواجد يحل عقوبته وعرضه لا يكون عرضه إلا نفسه وقد اختلف الناس في العرض وحمله على ما قيل فيه أنه النفس والبدن والريح والحسب وما يمدح به الرجل ويذم وخلائقه المحمودة والموضع الذي يعرق منه الجسد والعرض أيضا الرجل الذي يعترض الناس بالباطل والعرض وادي اليمامة والعرض كل واد فيه قرى ومياه. وأنشد لحسان بن ثابت ابياتا قبلها:؟ ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
اتهجوه ولست له بكفءٍ فشركما لخيركما الفداء
فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
يعني أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان رضيع رسول الله ﷺ أرضعته حليمة وكان يألفه في الجاهلية فلما بعث عاداه وهجاه ثم أسلم عام الفتح وشهد حنينًا والمغلغلة الرسالة تحمل من بلد إلى بلد. وقوله فقد برح الخفاء أي انكشف الستر واتضح الأمر وهو مثل والخفاء مصدر خفي الأمر خفاء إذا اكتتم ويروى فأنت مجوف نخب هواء والمجوف الذي لا قلب له كالقصبة الجوفاء وكذلك النخب والهواء الرجل الجبان يقال رجل هواء وقوم هواء وأصله من قولهم وعاء هواء إذا كان منخرق الأسفل لا يعي شيئا والكفء النظير يقال كفءٌ وكفؤ وكفؤ قالوا وكفئ على فعيل وكفاء على فعال والوقاء ما وقى شيئًا وهو كالفداء يقول هجوكم لا ينقصه كما أن مدحكم لا يرفعه.
قال أبو محمد " ومن ذلك العترة " أما العترة فهي نسل الرجل وربما جعلوها الأسرة واشتقاقها من العتر وهو الأصل فكأنها الجماعة التي أصلها واحد ومعنى حديث أبي بكر ﵁ نحن عترة رسول الله ﷺ التي خرج منها وبيضته التي تفقأت عنه. التفقؤ التشقق وضرب البيضة مثلًا ومعنى قوله وإنما جيبت العرب عنا كما جيبت الرحا عن قطبها يقول خرقت العرب عنا وكنا وسطا وكانت العرب حوالينا كما خرقت الرحا في وسطها القطب وهو الذي تدور عليه الرحا وهذا مثل أيضا.
[ ١٠٤ ]
وأما الجاعرتان فقال أبو زيد وغيره هما من البعير العظمان المكتنفان أصل الذنب والذنب بينهما وقال الليث هما حيث يكوي الحمار في مؤخره وهما الرقمتان وهذا قريب من قول أبي زيد وحكى بعضهم عن الأصمعي هما حرفا الوركين المشرفان على الفخذين والرقمتان أيضا شبه ظفرين متقابلين في باطن أعضاد الفرس والحمار وأنشد أبو محمد بيتا لكعب ابن زهير وقبله.
كأني شددت بأنساعها قويرح عامين جابًا شنونا
يقلّب حقبًا ترى كلّهن قد حملت فأسرّت جنينا
فأبقين منه وأبقى الطرّاد بطنا خميصا وصلبا سمينا
وعوجا خفافا سلامٍ الشظى وميظب أكم صليبًا رزينا
إذا ما انتحاهنّ شؤبوبه رأيت لجاعرتيه غضونا
الاتساع حبال من أدم الواحد نسع وقويرح تصغير قارح يريد حمار وحش شبه ناقته به في قوتها وصلابتها ثم أخذ في وصف الحمار والأتن الجأل يهمز ولا يهمز وهو الصلب الغليظ. والشنون الذي بين السمين والمهزول والحقب جمع أحقب وحقباء وهي التي في حقوبها بياض وأسرت جنينا أي أضمرت ولدا في بطنها فأبقين منه أي أبقت الاتن من العير وأبقى الطراد أيضا بطنًا خميصا أي ضامرا. وعوجا خفافا يعني قوائم منحنية خفيفة. وسلام الشظى سليمة من الداء والعيب. والشظى عظمٌ لاصق بالذراع وميظب أكمٍ يريد أنه مواظب أبدا على الأكم يعني، حوافر تديم دقّ الأكم والصليب الصلب. وقوله انتحاهنّ أي قصدهنّ وشؤبوبه شدة دفعته في جريه والهاء راجعة إلى العير والضمير في انتحاهنّ يرجع إلى الأتن. والغضون الاسترخاء والتثني من الهزال.
قال أبو محمد وأما قول الهذلي في صفة الضّبع عشنزرةٌ جواعرها ثمان فلا أعرف عن أجذ من علمائنا فيه قولا أرتضيه.
الهذلي هو الأعلم واسمه حبيب بن عبد الله وهو أخو صخر الغيّ وأول هذا الشعر:
أعبد الله ينذر يال سعد دمي إن كان يصدق ما يقول
متى ما يلقني ومعي سلاحي يلاق الموت ليس له عديل
[ ١٠٥ ]
فشايع وسط ذودك مقبئنًا لتحسب سيدًا ضبعًا تبول
عشنزرة جواعرها ثمانٍ فويق زماعها خدم حجول
قوله ينذر أي يوجب على نفسه سفك دمي يقول أن لقيته لأقتلنه ويروى يوعد أي يتهدد. وسعد بن هذيل بن مذركة بن الياس بن مضر. والمعنى أن كان يصدق فتعجبوا له يريد أنه كاذب لا يقدر على ما يقول. وقوله فشايع أي ادع أبلك ويروى تشايع أي تنادي. وتدعو ذودك والذود ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل. ومقبئنًا منتصبا ويروى مستقنًا من القنّ وهو الذي يقيم مع غنمه يشرب ألبانها ويكون معها حيث ذهبت. وتنول تحرك رأسها ويروى تبول يهزأ به. وعشنزرة غليظة مسنة يريد الضبع. وقوله جواعرها ثمان قال ابن قتيبة لا أعلم عن أحد من علمائنا فيه قولًا أرتضيه قال لنا الشيخ أبو زكريا قد وجدنا في ذلك قولا مرضيا وذلك أن هذا مبنيٌّ على قولهم في المثل " أحاديث الضّبع من استها بالليل " يضرب مثلا للباطل وهو أن في حياء الضبع خروقا كثيرة فإذا كان الليل استقبلت الريح بحيائها فيسمع له عند ذلك كالحديث فجعل الشاعر هذه الخروق جواعر وادعى أنها ثمان. والزمعة التي خلف الظّلف مثلٍ الزيتونة. والخدم جمع خدمة وهي مثل الخلخال وقيل جعل جواعرها ثمانيًا يريد أن خلقها منتشر وإنما هي جاعرتان ويروى عشوزنة وهي أيضا الغليظة.
قال أبو محمد ومن ذلك الفقير والمسكين.
اختلف أهل اللغة في الفرق بين الفقير والمسكين فمذهب يونس بن حبيب ومن وافقه أن الفقير أحسن حالا من المسكين وقد ذكر ابن قتيبة حجته ومذهب الأصمعي ومن وافقه أن المسكين أحسن حالا من الفقير قال ابن الأنباري وهو الصحيح عندنا لأن الله عز اسمه قال " أما السفينة فكانت لمساكين " فأخبر أن للمسكين سفينة من سفن البحر وهي تساوي جملة من المال وقال تعالى " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس. إلحافا " فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين قال والذي احتج به يونس من قول الأعرابي لا والله بل مسكين يجوز أن يكون أراد لا والله بل أنا أحسن حالا من الفقير وليس في بيت الراعي حجّةٌ لأن
[ ١٠٦ ]
المعنى كانت لهذا الفقير حلوبة فيما مضى وليست له في هذه الحال حلوبة. ومعنى الفقير في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره فانقطع صلبه من شدة الفقر فلا حال هي أوكد من هذه. ومعنى المسكين الذي سكنه الفقر أي قلل حركته واشتقاقه من السكون والفعل منه تمسكن وتسكّن إذا صار مسكينا كتمدرع إذا لبي المدرعة. وأنشد أبو محمد بيت الراعي النميري ولم يكن راعيا وإنما كان يجيد وصف الإبل فلقب الراعي واسمه عبيد بن حصينٍ ويكنى أبا جندل وقبل البيت:
أزرى بأموالنا قوم بعثتهم بالعدل فينا فما أبقوا ولا قصدوا
نعطي الزكاة فما يرضى خطيبهم حتى تضاعف أضعافا لها عدد
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد
قوله أزرى بأموالنا أي قصر بها يقال زريت عليه إذا عبت عليه فعله وأزريت به إذا قصّرت به والمعنى أنهم أهانوا الأموال وأسرفوا في هلاكها فلم يبقوا على شيء. والقصد ضدّ الإسراف. وخطيبهم متكلمهم ومتقدمهم يقول لا يرضى بالزكاة حتى يأخذ اضعافًا كثيرة لها عدد تعديًا وظلمًا. شكا إلى عبد الملك ظلم السعاة على الصدقات لقومه وجورهم عليهم وأنهم لم يتركوا للفقير شيئًا والفقير لا يجب عليه في المقدار الذي يملكه صدقة ولا سبيل عليه للسعاة. وقوله وفق العيال أي ما يكفي عياله وحلوبته يراد به ما فيه لبن يحلب ويقال ما لفلان حلوبة ولا ركوبة أي ناقة يحلبها وناقة يركبها. وقوله لم يترك له سبد أي لم يترك له شيء وهذه الكلمة تستعمل في النفي إذا عبر عن الإنسان وأخبر عنه أنه لا يملك شيئًا قيل ما له سبد ولا لبدٌ بمعنى ما له شيءٌ والسبد من الشعر واللبد من الصوف هذا الأصل ثم اتسع فيه.
قال أبو محمد والخائن الذي أؤتمن فأخذ وأنشد للنمر بن تولب العكلي.
وإن بني ربيعة بعد وهب كراعي البيت يحفظه فخانا
وهب رجل من ربيعة نازع النمر بن تولب في بئر تدعي الدخول وهي بئر نميرة الماء وكان النمر سقاه فلم يشكر له يقول وهب أمثل ربيعة فإذا خان فكلهم خائن كما يقال في بني فلان بعد فلان خير أي إذا لم يكن فيه خير فليس في أحد منهم وقوله كراعي البيت أي كمن أؤتمن على بيت فخان الذي
[ ١٠٧ ]
ائتمنه عليه ويروى يحفظه بضم الياء أي يجعل حافظا له.
قال " والملآم الذي يقوم بعذر اللئام " فيه لغتان ملآم على وزن مفعال وملأم على وزن مفعل. وقوله ومن ذلك التليد والتلاد. التاء فيهما بدل من الواو وأصلهما من الولادة والواو تبدل منها التاء كثيرا.
وقوله " ومن ذلك اللبة يذهب الناس إلى أنها النقرة التي في النحر وذلك غلط " قد وهم في هذا لأن اللبة والنقرة والثغرة والمنحر شيء واحد وهي الهزمة بين الترقوتين قال الراجز: وتارة في ثغر النحور وروى أبو العشراء عن أبيه قال قلت يا رسول الله أما تكون الزكاة إلا من اللبة أو الحلق فاللبة موضع النحر والحلق موضع الذبح فكأنه ظن أن النحر يكون في موضع الذبح وإنما النحر ودج في أصل العنق والذبح في آخره مما يلي الرأس والإبل تنحر ولا تذبح والبقر تذبح تنحر والغنم تذبح.
قال أبو محمد " إنما الآرى الآخيّة التي تشد بها الدابة من تأرّيت بالمكان إذا أقمت به ".
الآخية وزنها فاعولة من تأخّيت أي قصدت وتيممت وهو عود يعرض في الحائط والجميع الأواخي والأخايا وفي الحديث " لا تجعلوا ظهوركم كأخايا الدواب " يعني في الصلاة وأنشد لأبي قحفان عامر بن الحارث أعشى بأهلة بيتا قبله:
لا يغمز الساق من أينٍ ولا وصب ولا يزال أمام القوم يقتفر
لا يتأرّى لما في القدر يرقبه ولا يعضّ على شرسوفه الصفر
يرثى المنتشر بن وهب ويقال أنها لأخت المنتشر. قوله لا يغمز الساق يقول
[ ١٠٨ ]
هو مصحح لا يصيب ساقه ألم فيغمز من أجله ولا يعيا إذا مشى ولا يتوصب لشدته وقوته ويجوز أن يكون المراد إذا لحقه ألم من التعب لم يغمز ساقه كما يفعل الناس بلا يصبر على ذلك إلى أن يزول ولا يميل إلى الدعة والرفاهية. والأين الأعياء والوصب ألم التعب للمشي ويقتفر يتتبع أي يتقدم أصحابه فينظر لهم الأثار وقوله لا يتأرى أي لا يتحبس ليدرك الطعام أن أصاب شيئًا أكله وإن لم يصب شيئا صبر على الجوع ولا يحرص على طيب الطعام يريد أنه ليس بشرهٍ نهمٍ ينتظر إدراك القدر. والشراسيف مقاط الأضلاع الواحد شرسوفٌ. والصفر حية تكون في الجوف كان يقال في الجاهلية إذا جاع الإنسان عضت على شراسيفه.
وقوله ابن قتيبة " ولا يقال اطعمنا ملّةً " يريد به أجود الوجهين فإنه يجوز أن يقال أطعمنا ملّة يراد خبز ملّةٍ فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ومثله في القرآن والكلام كثير.
قال أبو محمد العبير عند العرب الزعفران وحده وأنشد للأعشى:
فبان بحسناء رقراقةٍ على أن في الطرف منها فتورا
مبتلّة الخلق مثل المهاة لم تر شمسا ولا زمهريرا
وتبرد برد رداء العروس في الصيف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيع نباحا بها الكلب إلا هريرا
بأن أي فارق بحسناء أي بامرأة جميلة ولا يقال للرجل أحسن والرّقراقة البيضاء الناعمة ويقال هي التي يبرق وجهها كأن الماء يجري فيه ويروى برّاقة. والطرف اسم جامع للبصر وهو ههنا تحريك الجفون والفتور الاسترخاء وإنما يستحسن الفتور في الجفون لا في نفس البصر والمبتلة التامة الخلق ولا يوصف به الرجل ويقال المبتلة التي لم يركب لحمها بعضه بعضا وقيل هي المنقطعة عن النساء لها عليهنّ فضل. والمها بقر الوحش الواحدة مهاةٌ والمها البلّور أيضا. وقوله لم تر شمسا ولا زمهريرا أي هي في كن لم تجد حرا ولا بردا. وقوله وتبرد برد رداء العروس في الصيف أي تبرد هذه المرأة في الصيف بردا مثل برد رداء العروس إذا رقرقت فيه العبير أي صبغته بالزعفران وصقلته أي قد جمعت في الصيف البرد وطيب الرائحة. ثم قال وتسخن ليلة لا
[ ١٠٩ ]
يستطيع يقول هي حارة في الليلة الشديدة البرد التي لا يقدر الكلب فيها على النباح من شدة البرد إلا أن يهر هريرًا وهو دون النباح كما قال الآخر: سخنة في الشتاء باردة في الصيف سراج في الليلة الظلماء.
قال أبو محمد " ومن ذلك الأعجمي والعجمي ". قال الفراء وأبو العباس الأعجم الذي في لسانه عجمة والأعجمي هو العجمي قال ابن الأنباري وهو الصحيح عندنا. والأعراب أهل البادية والعرب أهل الأمصار فإذا نسبت رجلا إلى أنه من أعراب البادية قلت أعرابيّ ولا يقال عربيّ لئلا يشتبه بالنسبة إلى أهل الأمصار قال الفراء إذا نسبت رجلا إلى أنه يتكلم بالعربية وهو من العجم قلت رجل عربانيّ وإنما سميت العرب عربا لحسن بيانها وإيضاح معانيها من قولهم قد أعربت عن القوم إذا تكلمت عنهم وابنت معانيهم.
قال أبو محمد " إنما أشلاء الكلب أن تدعوه إليك وكذلك الناقة والفرس والشاة " وأنشد لأبي نخيلة:
إني إذا ما جاع جار الجنب أشليت عنزي ومسحت قعبي
ثم تهيأت لشرب قأب دأبا على ماء بدئ عذب
وأنشده ابن المفجع:
ضبا على ما بدئ عذب في قعدتي ولست بالمقرنبي
أمثل شيء ما ترى من شطبي تسعى يداي وألوي عجبي
إذ مر يهوي كرشاء الغرب
وهو إناء من خشب والضب الجلب بجميع الأصابع واقرنبي جلس على رجليه متجمعا يقول فأنا أرجف من الكبر يقول أخاف الذئب إذا مر وليس في نهوض وأنا التمس بيدي في الأرض حجرا أرميه به وألوى عجبي أتلفت لا يقول دعوت عنزي لاحتلبها ومسحت قعبي لا حلب فيه ثم تهيأت أي تأهبت لأن أشرب شربا كثيرا مرويا. والقأب الشرب المروي الكثير يقال قأب وقئب وذأج وصيب إذا شرب شربًا كثيرًا الماء البديء المبتدأ منبعه ويقال في
[ ١١٠ ]
مبتدأ الورد ويقال هو العجيب عذوبةً وأما الأشلاء فقد جاء في معنى الإغراء وهو قليل قال بلال بن جرير: نزلنا بجلاد فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل وقال آخر:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل على الرغم من تلك النوابح والمشلي
وقوله " ومن ذلك حاشية الثوب " الحاشية مشتقة من الحشا وهو الناحية لأنها ناحية الثوب يقال أنا في حشا فلان أي في ناحيته وقيل أن حاشيتا الثوب جانباه الطويلان في طرفيهما الهدب واشتقاق الطرة من الطر وهو القطع لأنها مقطوعة من جملة الثوب وكذلك الطرة من الشعر سميت طرة لأنها مقطوعة من جملته والطرة بالفتح المرّة الواحدة وبالضم الشيء المقطوع بمنزلة الغرفة والغرفة وقال ابن دريد طرّة الثوب موضع هدبه.
وأما الهجين وهو الذي أبوه خير من أمه فالفعل منه هجن يهجن هجانة وهجنة وهجونة والهجنة في الكلام ما يلزمك من العيب تقول لا تفعل هذا فيكون عليك هجنة. والأقراف مداناة الهجنة من قبل الأب وأنشد عن أبي عبيدة لهند بنت النعمان بن بشير في روح بن زنباع:
وهل هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تجللها بغل
فإن نتجت مهرا كريما فبالحري وإن يك إقراف فمن قبل الفحل
تقول أنا في خلوص نسبي بمنزلة المهرة العربية الكريمة وروح في أيتشاب نسبه كالبغل فإن ولدت كريما فهو خليف أن يشبهني وإن ولدت لئيما فمن قبل أبيه من قبلي وفي البيت إقواء ويروى وإن يك إقراف فأقرفه الفحل ويروى فما أنجب الفحل ويروى فجاء به الفحل.