وإذا وجدنا بيتا لشاعر عباسي، قالوا: إنه للتمثيل وليس للاستشهاد. وأنا أرى أنهم حجروا فضيّقوا، وكان أمامهم سعة للاختيار من العصر العباسي، مع صحّة ربّما تضاهي أو تفوق صحة بعض ما استشهدوا به من العصر الذي حددوه، وفي هذا المقام أذكر الملاحظات التالية:
أ - قسموا الشعراء إلى أربع طبقات: ثلاثة منها يستشهد بشعرهم وهم:
الجاهليون، والمخضرمون، وشعراء العصر الأموي. والطبقة الرابعة وهم المولّدون أو المحدثون، ولا يستشهد بشعرهم. وفي مجال الشعر الجاهلي يأخذون كلّ شعر منسوب إلى شاعر جاهلي. وليس عندهم سند متصل موثوق بأن كلّ الشعر الجاهلي منسوب إلى أصحابه. ونذكر على سبيل المثال: شعر امرئ القيس: فقد وصل إلينا من شعره الذي نسب إليه زهاء ألف بيت منسجمة في مئة قطعة، بين طويلة وقصيرة، نجدها في ديوانه ولكن ابن رشيق يقول: «لا يصحّ له إلا نيّف وعشرون شعرا بين طويل وقطعة». [العمدة ١/ ٦٧]. وبعض شعره، الذي نسب
[ ١ / ١٨ ]
إليه، قاله في طريق رحلته إلى ملك الروم المزعومة، وكان معه في الرحلة عمرو بن قميئة، وقد فطس امرؤ القيس في طريق العودة ومات أيضا عمرو بن قميئة في طريق هذه الرحلة. فمن الذي أوصل إلى الرواة شعره الذي قال
فيه:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
ومن الذي نقل إلينا عند موته «وإني مقيم ما أقام عسيب»؟! وينقلون شعرا يزعمون أنه قاله في ابنة القيصر، وأن حوارا دار بينه وبينها.
وقصيدة الأعشى في مدح النبي ﷺ، مع أنها قريبة العهد من العصر الإسلامي بل زعموا أنه قالها بعد صلح الحديبية. ولكنني لم أجد لها سندا صحيحا متصلا، بل روايات قصتها متعددة ومتضاربة، وفيها من المعاني الإسلامية ما لا يقوله إلا من قرأ القرآن وفهمه، وجالس النبي ﷺ. وليس للأعشى نصيب من هذا وقد جاء في كتب النحو عشرات من أبياتها.
وقصيدة أبي طالب في مدح النبي ﷺ، لم يصحّ عندنا منها إلا البيت الذي يقول فيه «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه» ولكنها قد تصل في بعض المراجع إلى مئة بيت. وفي كتب النحو شواهد كثيرة منها.
ب - نحن لا نرى أن كلّ ما ذكرنا من النماذج موضوع ومنحول، قد يكون لهذا الشعر أصل قليل، ثم زيد عليه، ولكن من الذي زاد وطوّل في هذا القصيد؟.
الجواب: إنّ أكثر من نسب إليهم وضع الشعر ونحله، ينتمون إلى ما بعد العصر الذي يستشهدون بشعر أهله فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نستشهد بشعر الوضّاعين من أهل العصر العباسي، ولا نستشهد بشعر بعض الشعراء الذين شهروا بفصاحة القول وجزالة اللفظ، وقوة التركيب، من أهل العصر العباسي، أمثال:
بشار بن برد، وأبي نواس، والعباس بن الأحنف، والشريف الرضي، وأبي تمام، والمتنبي.
ج - وقد اختار الزمخشري، والرضيّ، الاستشهاد بشعر بعض من سموهم المولدين ممن يوثق بكلامهم. فقد استشهد الزمخشري في تفسيره ببيت من شعر
[ ١ / ١٩ ]
أبي تمام وقال: «وهو وإن كان محدثا، لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فأجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: (الدليل عليه ببيت الحماسة) فيقنعون بذلك، لوثوقهم بروايته وإتقانه» [انظر الخزانة ١/ ٧]. قال أبو أحمد: أليس الاستشهاد بشعر أبي تمام أولى من الاستشهاد بشعر منسوب إلى الزبّاء؟ وأخبرني من الذي سمع ونقل أن الزبّاء قالت:
ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا
وهل كانت الزبّاء تتكلم العربية القرشيّة؟
وهناك شعر منسوب إلى رجال من قوم عاد، وهناك شعر منسوب إلى تبابعة اليمن مع أنّ علماء اللغة والتاريخ يقولون إن لغة أهل اليمن القديمة هي اللغة الحميرية وليست اللغة القرشية.