اعتمد النحويون الأوائل في إثبات قواعدهم على الشواهد الشعرية، ولا تكاد تجد الأحاديث النبوية من شواهدهم إلا قليلا نادرا، وتبعهم على هذا المسلك النحويون المتأخرون - إلى أن جاء ابن خروف النحوي (علي بن محمد بن علي -
[ ١ / ٢٣ ]
٦٠٩ هـ). فأخذ يستشهد بالحديث النبويّ كثيرا، ثم جاء ابن مالك صاحب الألفية (- ٦٧٢ هـ) فأكثر من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب.
فجاء أبو الحسن بن الضائع (علي بن محمد بن علي الإشبيلي - ٦٨٠ هـ) فعاب ابن خروف على صنيعه وقال «وابن خروف يستشهد بالحديث كثيرا، فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي فحسن وإن كان يرى أنّ من قبله أغفل شيئا وجب عليه استدراكه فليس كما رأى». [الخزانة ١/ ١٠].
ثم جاء أبو حيّان النحوي (محمد بن يوسف بن علي الجيّاني - ٧٤٥ هـ) فشنّع على ابن مالك لإكثاره من الاستشهاد بالحديث، وعلّل تشنيعه هذا بمزاعم تدلّ على جهله بالحديث النبويّ وبتاريخ الرواية والتدوين وأخطأ أخطاء فاضحة تحمّل وزرها إلى يوم القيامة؛ لأنه كان بمزاعمه عونا للطاعنين في الحديث النبوي فيما بعد، حيث اتخذوا كلامه حجة للطعن في الحديث، فقالوا إنه ليس حجة في التشريع.
ذلك أن أبا حيّان، زعم أن الأحاديث لم تنقل إلينا بلفظ النبي ﷺ، وإنما نقلت بالمعنى، وأنه وقع اللحن فيها؛ لأن كثيرا من الرواة كانوا من العجم، وأن أئمة النحو المتقدمين من المصرين - الكوفة والبصرة - لم يحتجوا بشيء منه.
قال أبو أحمد: إنّ ابن الضائع في عيبه ابن خروف على كثرة استشهاده بالحديث، إنما هو مضيّع علما كثيرا، ولذلك ضلّ ضلالا مبينا. وإنّ أبا حيّان الجيّاني: مدّع جاهل، يدخل أنفه فيما لا يفهمه ويكفيه ضلالا أنه شغل نفسه بتأليف الكتب في لغات كانت أيامه ميتة، فصنع كتابا بعنوان «زهو الملك في نحو الترك». و«الإدراك للسان الأتراك» و«منطق الخرس في لسان الفرس» و«نور الغبش في لسان الحبش». وإذا كان شغل نفسه بلغات الأرض، كيف يحكم على لغة الحديث النبوي، وهو لم يشغل نفسه بها. وإليك تفصيل الجواب عن مزاعم ابن الضائع، وأبي حيّان:
أ - كون الأقدمين لم يحتجوا بالحديث، هذا حجة عليهم لا لهم. فهم وإن لم يحتجوا بالحديث فإنهم لم يصرحوا بالسبب الذي جعلهم يحجمون عن الاحتجاج
[ ١ / ٢٤ ]
به، فمن أين لأبي حيّان ما ذكر من التأويل الفاسد.
ب - إن الحديث النبوي رواية ودراية، والرواية من أهم شروطها: معرفة رجال الإسناد، ومعرفة الصفات القادحة في رجال السند. والدراية تتطلب فهما في فقه الحديث والسنة النبوية، ومعاني القرآن، وآيات التشريع، والحلال
والحرام، والمباح والمكروه. وهذه أمورد يفقدها علماء العربية؛ لأنهم لم يتفرغوا لها، ولذلك لم يحتجوا بألفاظ الحديث، لعدم قدرتهم على التمييز، فخشوا أن ينقلوا حديثا، يقدح أهل العلم بالحديث فيه.
ج - أما قولهم؛ بوقوع اللحن فيما روي من الحديث، لروايته بالمعنى من قبل من لم يكونوا عربا بالطبع .. فهذا كذب على الحديث، وإنما يقع اللحن - إن وقع - في الحديث الموضوع، وربما وقع بسبب تصحيف النساخ في بعض الأحاديث الصحيحة، فإذا قوبل على الأصول الأخرى ظهر التصحيف. بل ربما ظنّه بعضهم لحنا؛ لأنه لم يطلع على اللغة التي جاء بها الحديث.
روى الزبيدي في طبقات النحويين (ص ٦٦) قال: لزم سيبويه حلقة حماد بن سلمة بن دينار (.. - ١٦٧ هـ) فبينا هو يستملي على حمّاد قول النبي ﷺ: «ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء». فقال سيبويه: «ليس أبو الدرداء» بالرفع. وظنه اسم ليس، فقال حماد: لحنت يا سيبويه ليس هذا حيث ذهبت، وإنما «ليس» هاهنا استثناء. فقال: سأطلب علما لا تلحنّي فيه. فلزم الخليل فبرع.
هذا، ولم يذكروا شاهدا للاستثناء ب «ليس» إلا الحديث السابق، والحديث «ما أنهر الدّم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا، ليس السنّ والظّفر».
د - أما قولهم إن الحديث روي بالمعنى: فهذا ليس صحيحا؛ لأنه ثبت أن كتابة الحديث بدأت في العهد النبويّ، وإن لم تكن عامّة، ولكن الكتابة كانت موجودة، وانظر «كتاب العلم» في صحيح البخاري تجد أدلة لا تنقض على كتابة الحديث في العهد النبوي.
هـ - وعلى فرض رواية الحديث بالمعنى، فإن الذين رووه بالمعنى هم الصحابة
[ ١ / ٢٥ ]
- ﵃، وكانوا أهل فصاحة وهم ممن يحتج بكلامهم، ولكن هذا لا يعني أن الصحابة غيّروا كلّ ألفاظ رسول الله ﷺ، وإنما التغيير كان يشمل الكلمة أو الكلمتين. وقد وصلنا كلام الصحابي مدونا مكتوبا؛ لأن التدوين الكثير بدأ من عهد التابعين، ولم يكن تدوين التأليف والتصنيف، وإنما كان تدوينا مفرقا على أدوات الكتابة التي كانت متاحة، وبدأ تدوينه في مصنفات مجموعة في عهد تابعي التابعين، ووصلنا من مصنفات تابعي التابعين موطأ الإمام مالك. فقد ثبت أنه كان يكتب عن الزهري، وكان يحقق ما كتبه عن الزهري بقراءته عليه للتحقق من صحة ما كتب.
ورواية الإمام مالك عن الزهري السلسلة الذهبية في الفصاحة: فالإمام مالك عربي، والزهري عربيّ فصيح، بل كان من أفصح أهل زمانه [انظر الإمام الزهري من تصنيفي]، والزهري ما كان يأخذ إلا عن رواة من العرب، من
كبار التابعين.
وخذ مثلا: الإمام مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: فمن أين يأتي اللحن إلى هذه السلسلة.
و- قال الدّماميني (محمد بن أبي بكر - ٨٢٧ هـ) في «شرح التسهيل»: إن من يقول - من المحدثين - بجواز النقل بالمعنى، فإنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي لا ينافي وقوع نقيضه - فلذلك تراهم يتحرون في الضبط ويتشددون مع قولهم بجواز النقل بالمعنى، فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تبدل، ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحا. [الخزانة ١/ ١٤].
ز - وعلى فرض أن بعض الأحاديث رويت بالمعنى، فإن آلافا من الأحاديث رويت باللفظ. ولماذا يقبل النقل بالمعنى في الشعر، ولا يقبل في الحديث مع أنّ التابعين الذين بدّلوا اللفظ في الحديث - على فرض حصوله - كانوا من الصحابة أو التابعين ممن يحتج بكلامهم، أما رواية بيت الشعر بالمعنى فلا يعلم من الذي بدّله، أهو عربي فصيح أم هو من رواة العجم.
ح - قال الميمني: «النقل بالمعنى شيء ليس بمقصور على الأحاديث فحسب، بل إنّ تعدد الروايات في بيت واحد من هذا القبيل، والقول بأنّ منشأه تعدد القبائل
[ ١ / ٢٦ ]
ليس مما يتمشى في كلّ موضوع، على أنّ إثبات ذلك في كل بيت دونه خرط القتاد، زد إلى ذلك ما طرأ على الشعر من التصحيف والوضع والاختلاق من مثل ابن دأب، وابن الأحمر، والكلبي وأضرابهم، ورواة الشعر أيضا فيهم من الأعاجم والشعوبية أمم. على أن المسلمين في القرون الأولى كانوا أحرص على إتقان الحديث من حفظ الشعر والتثبت في روايته، وقد قيض الله لأحاديث رسوله من الجهابذة النقاد من نفى عنه ما كان فيه من شبهة الوضع والانتحال، وهذا حرم الشعر منه».
ط - على فرض أن الحديث بقي يروى شفاها قبل تدوينه، فإن ذلك لا يتجاوز رأس المئة الأولى؛ لأن الثابت أن عمر بن عبد العزيز أمر بتدوين السّنّة أيام خلافته، وبعث بدعوته إلى الأقاليم كلها .. ومعنى هذا أن السّنّة أخذت من أفواه التابعين، وما بين هذا الزمن، ونهاية عصر الصحابة الذين نقلوا الحديث عن رسول الله، لا يتجاوز العقود القليلة. بل إنّ بعض الصحابة عاش إلى العقد الأخير من القرن الأول، مثل أنس بن مالك الذي توفي سنة ٨٣ هـ، وعبد الله بن عمر توفي سنة ٧٣ هـ، وأبو هريرة توفي سنة ٥٩ هـ، والسيدة عائشة توفيت سنة ٥٨ هـ، وأم سلمة توفيت سنة ٦٢ هـ. وهؤلاء الذين ذكرتهم من أكثر من رووا حديث رسول الله ﷺ، وهذا يعني أن النصف الثاني من القرن الأول شهد عددا كبيرا من الصحابة الذين روي عنهم أكثر الحديث النبوي. والزمن الفاصل بين
وفاتهم، وتدوين الحديث كان زمنا قصيرا جدا زد على هذا أن الحديث الواحد له عن الصحابي طرق متعددة، وأخذه عن الصحابي عدد من التابعين، وهذا يعطي النصّ توثيقا أكثر.
فأعطني شاهدا نحويا له هذا القرب من التدوين، وهذه الطرق المتعددة من الرواية، مع الوثوق بالراوي، وأخص بذلك الشعر الجاهلي، الذي يفصله عن زمن التدوين قرون متطاولة، وهناك مئات من الشواهد لا يعرف قائلها.
ي - وتأمّل جيدا الفرق التالي في الرواية:
لو أنّ تابعيا ثقة قال: قال رسول الله ﷺ، وهو ينسب الحديث إلى معيّن، وهو رسول الله، لم يقبل منه هذا الحديث، ولم يكادوا يقبلون إلا مراسيل سعيد بن
[ ١ / ٢٧ ]
المسيب، وردّوا مراسيل الزهري، وهو الحافظ الثقة.
أما في رواية الشواهد النحوية الشعرية: فقال البغدادي: «إن الشاهد المجهول قائله وتتمته (نصف بيت) إن صدر من ثقة يعتمد عليه قبل، وإلا فلا. ولهذا كانت أبيات سيبويه أصح الشواهد، اعتمد عليها خلف بعد سلف، مع أنّ فيها أبياتا عديدة جهل قائلوها، وما عيب بها ناقلوها » [الخزانة ١/ ١٦].
أرأيت دقّة الرواية في الحديث النبوي: أهل الحديث يرفضون رواية التابعي الثقة الحافظ إذا أرسل إلى رسول الله، ولم يسقط من السند إلا الصحابي. وأهل اللغة يقبلون رواية ثقتهم، بلا إسناد، وعن مجهول، وتعدّ روايته أصح الشواهد.
وبعد: فقد أخطأ أبو حيّان الجياني، وابن الضائع، ومن لفّ لفهما وأيدهما في حكمهما على لغة الحديث، وأخطأ سيبويه ومن عاصره من البصريين والكوفيين - إن كانوا لم يحتجوا بالحديث لما قاله أبو حيّان.
وأصابا ابن خروف وابن مالك (على لغة: يتعاقبون فيكم) فيما صنعا، وسنّا سنة حسنة، لهما أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.