لم يصلنا شيء من مؤلفات الكوفيين في النحو، وما وصلنا جاء عن طريق خصومهم البصريين مطعونا فيه. وقد تعصب النحويون على الكوفيين وبالغوا في الردّ عليهم إلى حدّ الغلوّ، ووصل أثر العصبية إلى العصر الحديث، فلا يكاد يعرف المتعلمون في المدارس والجامعات إلا المذهب البصريّ في النحو.
وقد صنع الأنباري كتابا جمع فيه مسائل الخلاف بين أهل المصرين وسماه «الإنصاف في مسائل الخلاف بين
النحويين البصريين والكوفيين» .. والأنباري بصري الميل، ولذلك لم يكن منصفا فيما زعم أنه الإنصاف بل تعصب على الكوفيين في أكثر المسائل، وحرّم على الكوفيين ما أباحه للبصريين. وأذكر لك مسألة واحدة لتعرف التعصب:
قال الأنباري: «مسألة: هل يجوز إظهار «أن» المصدرية، بعد «لكي»؟ ذهب
[ ١ / ٢٨ ]
الكوفيّون إلى أنه يجوز إظهار أن بعد كي، واحتجوا بأن قالوا: الدليل على ذلك.
النقل والقياس:
أما النقل، فقد قال الشاعر [مجهول]:
أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركها شنّا ببيداء بلقع
[انظر البيت داخل المعجم].
فجاء جواب الأنباري عن هذا الشاهد، على لسان البصريين: [الجواب أن هذا البيت لا يعرف قائله، ولو عرف لجاز أن يكون من ضرورة الشعر]. فالبيت مرفوض، سواء عرف صاحبه أم لم يعرف، وهذا الجواب يشبه قول المعاند «عنز ولو طارت». وأعجبني جواب الشيخ محيي الدين عبد الحميد في حاشية [الإنصاف/ ٥٨٣] يوجه الخطاب للأنباري «لا نرى لك أن تقرّ هذا، لا في هذا الموضع ولا في غيره، ولا على لسان الكوفيين ولا البصريين، فكم من الشواهد التي يستدلّ بها هؤلاء وهي غير منسوبة، ولا لها سوابق ولا لواحق، وفي كتاب سيبويه وحده خمسون بيتا لم يعثر لها العلماء بعد الجهد والعناء الشديدين على نسبة لقائل معيّن».
قلت: لقد آن الأوان لمراجعة مقررات القواعد، للأخذ بالمذهبين البصري والكوفي، فإن في هذا توسعة وتسهيلا لقواعد العربية التي أخذت تتفلّت من أقلام المثقفين وألسنتهم، للتضييق عليهم في حدود قواعد، لا يعدّ مخالفها من اللحن.