امرؤ القيس من فحول شعراء الجاهلية يعد من المقدمين بين ذوي الطبقة الأولى وفي شعره رقة اللفظ وجودة السبك وبلاغة المعاني، سبق الشعراء إلى أشياء ابتدعها واستحسنها العرب واتبعته عليها الشعراء كوقوفه واستيقافه صحبه في الديار ورقة النسيب، وقرب المأخذ وجودة التشبيه وتفننه فيه، ودقة الوصف، وبراعته فيه وما في وصفه من حياة وحركة، وفي شعره من رمز وتلميح ومن موافقة الألفاظ للمعاني.
قيل: سأل العباس بن عبد المطلب عمر بن الخطاب عن الشعراء وأميرهم فقال: امرؤ القيس سابقهم خسف١ لهم عين الشعر فافتقر عن معانٍ عور أصحَّ بصرٍ٢.
_________________
(١) ١ خسف، من الخسف: وهي البئر التي حفرت في حجارة فخرج منها ماء كثير. ٢ افتقر: فتح وهو من الفقير وهو فم القناة، وقوله: عن معانٍ عور: يريد أنَّ امرأ القيس من اليمن، وأن أهل اليمن ليست لها فصاحة نزار، فجعل لهم معاني عورًا فتح امرؤ القيس عنها أصح بصر.
[ ٣٢ ]
وفضَّله الإمام عليّ بأن قال: رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم بادرة وإنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة.
وقيل: إن امرأ القيس لم يسبق الشعراء؛ لأنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق إلى أشياء فاستحسنها الشعراء واتّبعوه فيه؛ لأنه أول من لطف المعاني ومن استوقف على الطلول وقرب مآخذ الكلام فقيد الأوابد وأجاد الاستعارة والتشبيه، منها ذكر الطلول والالتفات إلى الأحباب والتفنن في الأوصاف، وقد ترك امرؤ القيس مذهبًا شعريًّا هو الوقوف على الأطلال والبكاء عليها، سار عليه الشعراء من بعده.
[ ٣٣ ]