إن الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، إن النفس لأمّارة بالسوء ِإلا ما رحم ربي، والصلاة والسلام على محمد أشرف الخلق وسيد المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
نشأة الشعر الجاهلي وتفاوته في القبائل:
لا ريب في أن المراحل التي قطعها الشعر العربي حتى استوى في صورته الجاهلية غامضة، فليس بين أيدينا أشعار تصور أطواره الأولى، وإنما بين أيدينا هذه الصورة التامة لقصائده بتقاليدها الفنية المعقدة في الوزن والقافية، وفي المعاني والموضوعات، وفي الأساليب والصياغات المحكمة، وهي تقاليد تلقي ستارًا صفيقًا بيننا وبين طفولة هذا الشعر ونشأته الأولى، فلا نكاد نعرف من ذلك شيئًا. وحاول ابن سلام أن يرفع جانبًا من هذا الستار فعقد فصلًا٢ تحدث فيه عن أوائل الشعراء الجاهليين، وتأثر به ابن قتيبة في مقدمة كتابه: "الشعر والشعراء"، فعرض هو الآخر لهؤلاء الأوائل، وهم عندهما جميعًا أوائل الحقبة الجاهلية المكتملة الخلق والبناء في صياغة القصيدة العربية، وكأن الأوائل الذين أنشئوا هذه القصيدة في الزمن الأقدم، ونهجوا لها سننها طواهم الزمان، وفي ديوان امرئ القيس٣:
_________________
(١) ١ انظر "تاريخ الأدب العربي" "خصائص الشعر الجاهلي"، "المفيد في الأدب العربي": "السنة الثانوية الأولى" "أثر البيئة الجاهلية في الأدب"، "في الأدب الجاهلي" طه حسين. ٢ طبقات فحول الشعراء لابن سلام "طبع دار المعارف" ص: ٢٣ وما بعدها. ٣ ديوان امرئ القيس "طبع دار المعارف".
[ ٥ ]
عُوجا على الطلل المحيل لأننا نبكي الديار كما بكى ابن خِذامِ
ولا نعرف من أمر ابن خِذام هذا شيئًا سوى تلك الإشارة التي قد تدل على أنه أول من بكى الديار ووقف في الأطلال.
وتتراءى لنا مطولات الشعر الجاهلي في نظام معين من المعاني والموضوعات، إذ نرى أصحابها يفتتحونها غالبًا بوصف الأطلال وبكاء آثار الديار، ثم يصفون رحلاتهم في الصحراء، وما يركبونه من إبل وخيل، وكثيرًا ما يشبهون الناقة في سرعتها ببعض الحيوانات الوحشية، ويمضون في تصويرها، ثم يخرجون إلى الغرض من قصيدتهم مديحًا أو هجاء أوفخرًا أو عتابًا أو رثاء. وللقصيدة مهما طالت تقليد ثابت في أوزانها وقوافيها، فهي تتألف من وحدات موسيقية يسمونها الأبيات، وتتحد جميع الأبيات في وزنها وقافيتها، وما تنتهي به من رَوِي.
وتلقانا هذه الصورة التامة الناضجة للقصيدة الجاهلية منذ أقدم نصوصها، وحقًّا توجد قصائد يضطرب فيها العروض ولكنها قليلة، من ذلك قصيدة عبيد بن الأبرص الأسدي١:
أقفَر من أهله ملحوبُ فالقُطَبِيَّات فالذَّنوبُ
فهي من مخلع البسيط. وقلما يخلو بيت منها من حذف في بعض تفاعيله أو زيادة على نحو ما ترى في الشطر الأول من هذا المطلع، وعلى غرارها قصيدة تنسب لامرئ القيس مطلعها٢:
عيناك دمعهما سجال كأن شأنيهما أوشال
ومثلهما في هذا الاضطراب قصيدة الْمُرَقِّش الأكبر٣:
هل بالديار أن تجيب صممْ لو كان رَمْمٌ ناطقًا كلَّم
_________________
(١) ١ انظر القصيدة في المعلقات العشر وفي ديوان عبيد. وملحوب والقطبيات والذنوب: أسماء مواضع. ٢ الديوان ص: ١٨٩ سجال: جمع سجل أي: صب بعد صب. شأنيهما: مثنى شأن وهو مجرى الدمع. أوشال: جمع وشل وهو الماء القليل. ٣ المفضليات "طبع دار المعارف" ص: ١٣٧.
[ ٦ ]
فهي من وزن السريع، وخرجت شطور بعض أبياتها على هذا الوزن كالشطر الثاني من هذا البيت:
ما ذنبنا في أن غزا ملك من آل جفنة حازم مرغم
فإنه من وزن الكامل، وعلى هذه الشاكلة قصيدة عدي بن زيد العبادي١:
تعرف أمس من لَمسَ الطَّلَلْ مثل الكتاب الدارس الأحوَلْ
فهي من وزن السريع، وخرجت بعض شطورها على هذا الوزن كالشطر الثاني من هذا البيت:
أنعِمْ صباحًا علقم بن عَدِي أثويت اليوم أم ترحل
فإنه من وزن المديد. ويماثل هذه القصيدة في اختلال الوزن قصيدته٢:
قد حان أن تصحوا أو تقصر وقد أتى لما عهدت عُصُر
ومن هذا الباب نونية سُليمى بن ربيعة التي أنشدها أبو تمام في الحماسة٣:
إن شِوَاءً ونَشَّوَةً وخببَ البازل الأَمونِ
فقد لاحظ التبريزي والمرزوقي أنها خارجة عن العروض التي وضعها الخليل. واضطراب هذه القصائد في أوزانها مما يدل على صحتها وأن أيدي الرواة لم تعبث بها، ومعروف أن الزحافات تكثر في الشعر الجاهلي، بل في الشعر العربي بعامته، ومما كان يشيع بينهم الإقواء، وهو اختلاف حركة الروي في القصيدة كقول امرئ القيس في معلقته يصف جبل أبان:
كأن أبانًا في أقانين وَدْقِه كبيرُ أناس في بجادٍ مزمَّلُ٤
فقد ضم اللام في نهاية البيت وهي مكسورة في المعلقة جميعها. وفي رأينا أن
_________________
(١) ١ الأغاني: "طبعة دار الكتب" ٢/ ١٥٣. الأحول: الذي أتى عليه أحوال وسنوات كثيرة. ٢ الفصول والغايات لأبي العلاء ص: ١٣١. ٣ انظر التبريزي على الحماسة: ٣/ ٨٢، والمرزوقي رقم: ٤٠٨، والخبب: ضرب من السير، البازل: الناقة المسنة. الأمون: الموفقة الخلق. ٤ أفانين: ضروب وأنواع. الودق: المطر. البجاد: كساء مخطط. مزمل: مدثر.
[ ٧ ]
احتفاظ الشعر الجاهلي بهذه العيوب العروضية مما يؤكد صحته في الجملة، وأن الرواة لم يصلحوه إصلاحًا واسعًا، كما يزعم بعض المحدثين كعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والمستشرق مرغليوث وبعض النقاد العرب فإنهم يرون أن معظم الشعر الجاهلي مصنوع في الإسلام؛ لأنه تنوقل بطريق الرواية ولم يدون إلا في أواخر العصر الأموي، وقد كان أكثر رواته لا ينقلون المرويات بأمانة؛ لأسباب أهمها: التنافس في كثرة المروي، والتعصب القبلي والحزبي، والسعي إلى التكسب بالمرويات أو إلى دعم حجة دينية أو لغوية، وقد أثار التساؤلات والشكوك حول الشعر الجاهلي الدكتور طه حسين في كتابه: "في الأدب الجاهلي"، حيث يقول: "فالرواة مجمعون على أن قبائل عدنان لم تكن متحدة اللغة ولا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام فيقارب بين اللغات المختلفة ويزيل كثيرًا من تباين اللهجات " ثم يقول بعد ذلك: "ولكننا لا نرى شيئًا من ذلك في الشعر العربي الجاهلي، فأنت تستطيع أن تقرأ هذه المطولات أو المعلقات التي يتخذها أنصار القديم نموذجًا للشعر الجاهلي الصحيح، فسترى أن فيها مطولة لامرئ القيس وهو من كندة أي من قحطان، وأخرى لزهير، وأخرى لعنترة، وثالثة للبيد، وكلهم من قيس، ثم قصيدة لطرفة، وقصيدة لعمرو بن كلثوم وقصيدة أخرى للحارث بن حلزة وكلهم من ربيعة، تستطيع أن تقرأ هذه القصائد السبع دون أن تشعر فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافًا في اللهجة أو تباعدًا في اللغة أو تباينًا في مذهب الكلام، البحر العروضي هو هو، وقواعد القافية هي هي، والألفاظ مستعملة في معانيها كما نجدها عند شعراء المسلمين، والمذهب الشعري هو هو.
كل شيء من هذه المطولات يدل على أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيرًا ما".
والذي لا ريب فيه أننا نستطيع أن نثق بقسم غير قليل من الشعر الجاهلي لما نراه بوضوح من أثر البيئة وحياة أهلها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والعقلية في أدب العرب وشعرهم.
ولما كان الأدب تعبيرًا عن البيئة والإنسان، فقد جاء الأدب الجاهلي ابن بيئة يمثلها في الفطرة والبداهة الشائعتين في أغراضه ومعانيه ولغته وتصاويره، وكان الشاعر في هذا العصر لا يحاول تأليف معانيه، وإنما يرسلها إرسالًا يخلو من الترتيب.
[ ٨ ]
والمنطق العقلي، وفي عمق التحليل وتحليل الحركات النفسية، أما أسلوبه فقد كان خطابيًّا، كأن كل قصيدة من قصائده أعدت لتلقى على جماعة، التركيب فيها متين والألفاظ صلبة خشنة كثيرة الغريب تخلو من الغموض الفني لماديّتها وأخذها بالطبيعية وبعدها عن الرمز والتكلف.
والمعلقات هي أشهر ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي، وأطولها نفسًا وأبعدها أثرًا، اختلف الدارسون في سبب تسميتها، قيل: إنها سميت معلقات لأنها كتبت بماء الذهب وعلقت على أستار الكعبة، فسميت بذلك المعلقات أو المذهبات، وأنكر بعضهم تعليقها على جدران البيت الحرام، وزعم أن حَمّادًا الراوية هو الذي جمع القصائد السبع الطوال وقال للناس: هذه هي المشهورات، فأخذها عنه من جاء بعده. وقال آخرون: إنها سميت بذلك لأنها من القصائد المستجادة التي كانت تعلق في خزائن الملوك، وقيل: بل لكونها جديرة بأن تعلق في الأذهان لجمالها، وقيل: لأنها كالأسماط التي تُعلَّق في الأعناق، والراجح اليوم أنها سميت بالمعلقات لتشبيهها بالسموط، أي العقود التي تُعلَّق بالأعناق، وقد سميت أيضًا بالمذهبات لأنها جديرة أن تكتب بماء الذهب لنفاستها.
واختلف أيضًا في عددها، فالبعض قال: إنها سبعة، والبعض قال: إنها عشرة.
ومهما يكن من أمر تسميتها فقد لقيت المعلقات عند الأدباء واللغويين القدامى والمعاصرين اهتمامًا بالغًا، فكثر شراحها وحفاظها لأهميتها وجودتها.
والمعلقات السبع هي سبع قصائد:
الأولى: لامرئ القيس، وأولها: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
الثانية: لطرفة بن العبد، وأولها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد.
الثالثة: لزهير بن أبي سلمى، وأولها: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم.
الرابعة: للبيد بن ربيعة، وأولها: عفت الديار محلها فمقامها.
الخامسة: لعمرو بن كلثوم، وأولها: ألا هبي بصحنك فاصبحينا.
السادسة: لعنترة بن شداد، وأولها: هل غادر الشعراء من متردم.
[ ٩ ]
السابعة: للحارث بن حلزة اليشكري، وأولها: أذنتنا ببينها أسماء.
ومن الشروح المعروفة لهذه المعلقات: شرح ابن الأنباري "شرح القصائد السبع" وقد شرحها أيضًا أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس النحوي، وقد شرحها شرحًا مختصرًا، وشرحها أيضًا أبو إسماعيل ابن قاسم القالي، وشرح الشنقيطي "شرح المعلقات العشر" والخطيب التبريزي "شرح القصائد العشر" وأبو بكر عاصم بن أيوب البطليموسي، والشيخ أبو زكريا يحيى بن علي المعروف بابن الخطيب التبريزي، ومحمد بن محمود بن محمد المسكان، والإمام الدميري الشافعي، والقاضي الإمام المتحقق أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزَّوزَني صاحب كتابنا هذا.
وقد بخلت علينا كتب التراجم بترجمة مستفيضة لحياة هذا اللغوي والقاضي، فاقتضبوا في ترجمته، وتخبرنا كتب التراجم أنه من أهل زوزن "بلدة بين هراة ونيسابور"، عالم بالأدب، قاضٍ، توفي سنة ٤٨٦هـ- ١٠٩٣م. له عدة مصنفات منها:
- شرح المعلقات السبع.
- المصادر.
- ترجمان القرآن.
- كتاب اللغة الفارسية.
عملنا في هذا الكتاب:
إننا في دار إحياء التراث العربي إذ بذلنا جهدًا متواضعًا في إخراج هذا العمل على وجه يستفيد منه قراؤه، فقد تمثلت خطة العمل في هذا الكتاب بما يلي:
١- ترجمة حياة كل شاعر من أصحاب المعلقات وذلك في بداية معلقته، وقد ميّزنا ترجمتنا عن ترجمة الزَّوزَني بوضع ترجمتنا بين معقوفتين [] . وقد جاءت ترجمتنا بعد ترجمة "الزَّوزَني"، أما المصادر التي اعتمدناها في ترجمة الشعراء فهي على الشكل الآتي:
أ- امرؤ القيس: ديوان امرئ القيس، دار صادر- بيروت.
[ ١٠ ]
ب- طرفة بن العبد: شرح ديوان طرفة بن العبد، دار الكتاب العربي.
ج- زهير بن أبي سلمى: شرح ديوان زهير بن أبي سلمى لأبي العباس، دار الكتاب العربي.
د- لبيد بن ربيعة: شرح ديوان لبيد بن ربيعة، للطوسي، دار الكتاب العربي.
هـ- عمرو بن كلثوم: شرح ديوان عمرو بن كلثوم، دار الكتاب العربي.
وعنترة بن شداد: شرح ديوان عنترة، للخطيب التبريزي، دار الكتاب العربي.
٢- تخريج الآيات القرآنية الكريمة.
٣- شرح الكلمات المبهمة والصعبة.
٤- ذكر وزن الشعر الذي يستشهد به الشارح "الزوزني"، ووضعه بين معقوفتين [] .
٥- تخريج بعض الأحاديث الشريفة.
نسأل الله تعالى أن يكون في عملنا هذا ما يطمئن إليه قراؤه والمستفيدون من هذا الكتاب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ١١ ]