ومما يستجاد له قوله٥:
فاقطع لبانة من تعرَّض وصله ولخير واصل خُلَّة صَرَّامُهَا٦
ويستجاد له قوله أيضًا٧:
واكذب النفس إذا حدثتها إنَّ صدق النفس يُزري بالأمل
_________________
(١) ٥ المصدر نفسه، ص ٢٨٦. ٦ اللبانة: الحاجة من غير فاقة، الخلة: الصداقة. يقول: اقطع لبانتك ممن لم يستقم لك وصله، فإن أحسن الناس وصلًا أحسنهم وضعًا للقطيعة في موضعها. ٧ المصدر نفسه.
[ ١٦٣ ]
ومما يعاب له في هذه القصيدة:
ومقام ضيق فرَّجته بمقامي ولساني وجدلْ
لو يقوم الفيل أو فيّالُهُ زَلّ عن مثل مقامي وزَحَلْ
وقالوا: ليس للفيال من الخطابة والبيان، ولا من القوة ما يجعله مثلًا لنفسه! وإنما ذهب إلى أن الفيل أقوى البهائم، فظن أن فياله أقوى الناس١!.
رتب ابن سلام لبيدًا في الطبقة الثالثة من الشعر٢.
وجاء في طبقات الشعراء: وكان لبيد بن ربيعة عذب المنطق، رقيق حواشي الكلام، وكان مسلمًا رجل صدق، وكان في الجاهلية خير شاعر لقومه يمدحهم ويرثيهم، ويعد أيامهم ووقائعهم وفرسانهم٣.
وشعر لبيد من أجود أشعار البدو، واختار حماد قصيدة منه في المعلقات. ولبيد قدير على صياغة موضوعات البداوة صياغة ساحرة، ومما يزيد شعره نفاسة ما يتردد فيه من نغمات دينية. على أن الأدباء لم يتفقوا في تقويم شعر لبيد، فمنهم من رآه سهل المنطق، رقيق الحواشي، ومنهم من عده مثالًا لخشونة الكلام وصعوبته، وكلّ من هذين الفريقين ينظر إلى شعره من زاوية معينة، فأما الذين وصفوه بالرقة والسهولة فقد نظروا إلى أشعاره ذات السمات الدينية، وأما الذين وصفوه بالخشونة فنظروا إلى شعره الذي يصور فيه مناظر الصحراء، ويفتخر فيه بأمجاد وأيام قبيلته. ولم يكن الأصمعي معجبًا بشعره فوصفه بأنه: "طيلسان طبراني" أي أنه محكم الأصل ولا رونق له، ولم يعده في الفحول، ووصفه بالصلاح تهرُّبًا من أن يحكم على شعره الديني؛ لأن الأصمعي كان يرى أن الشعر إذا دخل في باب الخير لانَ، أي أصابه ضعف. وقال أبو عمرو بن العلاء: "ما أحد أحبّ إليّ شعرًا من لبيد بن ربيعة لذكره الله ﷿، ولإسلامه، ولذكره الدين والخير، ولكن شعره رحى بَزر٤".
_________________
(١) ١ ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج١ ص٢٨٦، ٢٨٧. ٢ ابن سلام الجمحي، طبقات الشعراء، ص٤٣. ٣ المصدر نفسه، ص ٤٨، ٤٩. ٤ كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ج١، ص١٤٥، ١٤٦.
[ ١٦٤ ]
ومما سبق إليه فأُخذ منه قوله١:
كعقر الهاجري إذا بناه بأشباه حُذِينَ على مثال
أخذه الطِّرِمَّاح فقال:
حرجًا كمِجدل هاجريّ لزَّه بذوات طبخ أطيمة لا تَخْمُدُ
قُدِرَتْ على مُثلٍ فهن توائم شَتَّى يلائم بينهن القرمد٢
ومن ذلك قوله وذَكَرَ نُوقًا:
لها حَجَلٌ قد قرعت من رءوسه لها فوقه مما تحلبُ واشل
أخذ النابغة الجعدي فقال:
لها حجل قرع الرءوس تَحَلَّبَتْ على هامة بالصيف حتى تَمَوَّرَا
يعني بالحجل أولادها الصغار٣:
ويستجاد له قوله في النعمان، يصف نظره وشرَّته:
فانتضلنا، وابن سلمى قاعد كعتيق الطير يغضي ويجل٤
والهبانيق٥ قيام، معهم كل محجوم٦ إذا صُب همل
تخسر٧ الديباج عن أذرعهم عند ذي تاج إذا قال فعل
فَتَوَلَّوا فاترًا مشيهم كَرَوَايَا٨ الطِّبْعِ هَمَّتْ بالوَحَل٩
_________________
(١) ١ ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج١، ص٢٨٧. ٢ ابن منظور، لسان العرب، ج٣، ص ٣٥٢ مادة "قرمد". ٣ ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج١، ص ٢٨٧، ٢٨٨. ٤ يجل: أصله يجلي، يقال: "جلى ببصره تجلية" إذا رمى به، كما ينظر الصقر إلى الصيد. ٥ الهبانيق: الوصفاء، واحد هبنق وهبنوق. ٦ محجوم: إبريق الخمر شدّ عليه اللثام. ٧ تحسر: يعني الهبانيق يكشفون عن أدرعهم. ٨ الروايا: الإبل التي يُحمل عليها الماء. ٩ انظر: ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج١ ص ٢٨٩، ٢٩٠.
[ ١٦٥ ]
ولبيد أول من شبه الأباريق بالبط، فأُخذ منه ذلك، قال يذكر الخمر:
تُضَمَّن بِيضًا كالإِوَزِّ ظُرُفهَا إذَا أَتْاقوا أعناقها والحواصلا
فأخذه بعض الضَّبِّيين فقال:
ويوم كظِلَّ الرمح قصر طوله دم الزّقّ عنا واصطفاف المزاهر
كأن أباريق الشَّمول عشية إوز بأعلى الطف عوج المناقر١
قال الذين قدّموا لبيد بن ربيعة: هو أفضلهم في الجاهلية والإسلام، وأقلهم لغوًا في شعره. وقد قيل عن عائشة، ﵂، إنها قالت، رحم الله لبيدًا ما أشعره في قوله:
ذَهَبَ الذينَ يعاش في أكنافهم وبقيت في خلق كجلد الأجرب
لا ينفعون، ولا يرجّى خيرهم، ويعاب قائلهم وإن لم يشغب٢.
ثم قالت: كيف لو رأى لبيد خلفنا هذا! ويقول الشعبي: كيف لو رأت أم المؤمنين خلفنا هذا٣!.
وكان لبيد إذا سئل عن أعظم الشعراء حسب تقديره بدأ بامرئ القيس ثم ثنى بطرفة ثم ذكر نفسه. قيل: مرّ لبيد بالكوفة على مجلس بني نهد وهو يتوكأ على محجن له، فبعثوا إليه رسولًا يسأله عن أشعر العرب فسأله فقال: الملك الضليل ذو القروح، فرجع فأخبرهم، فقالوا: هذا امرؤ القيس، ثم رجع إليه فسأله: ثم من؟ فقال له: الغلام المقتول من بني بكر، فرجع فأخبرهم، فقالوا: هذا طرفة، ارجع فاسأله ثم من؛ فسأله، فقال: ثم صاحب المحجن حيث يقول:
إنّ تَقْوَى ربنا خير نَفَل وبإذن الله ريثي وعجل
أحمد الله فلا ند له بيديه الخير ما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل
_________________
(١) ١ ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج١. ٢ يشغب: يجوز عن القصد. ٣ القرشي، جمهرة أشعار العرب، ص ٦٩.
[ ١٦٦ ]
يعني نفسه١.
قال عبد الله بن قتادة المحاربي: كنت مع النابغة بباب النعمان بن المنذر، فقال لي النابغة: هل رأيتَ لبيد بن ربيعة فيمن حضر؟ قلت: نعم، قال: أيهم هو؟ قلت: الفتى الذي رأيت من حاله كيت وكيت. فقال: اجلس بنا حتى يخرج إلينا. قال: فجلسنا، فلما خرج قال له النابغة: إلى يابن أخي، فأتاه، فقال: أنشدني، فأنشده قوله:
ألم تلمم على الدِّمَن الخوالي لسلمي بالمذانب فالقفال
فقال له: أنت أشعر بني عامر، زدني فأنشده قوله:
طلل لخولة بالرسيس قديم فبعاقل فالأنعمين رسوم
فقال له: أنت أشعر هوازن، زدني فأنشده قوله.
عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها
فقال له النابغة: اذهب فأنت أشعر العرب٢.
قال ابن البوّاب: جلس المعتصم يومًا للشراب فغناه بعض المغنين قوله:
وبنو العباس لا يأتون لا وعلى ألسنهم خفت نعم
زينت أحلامهم أحسابهم وكذاك الحلم زين للكرم
فقال: ما أعرف هذا الشعر، فلمن هو؟ قيل: للبيد فقال: وما للبيد وبني العباس؟ فقال المغني: إنما قال:
وبنو الدّيان لا يأتون لا
فجعلته: وبنو العباس. فاستحسن فعله ووصله. وكان يُعْجَب بشعر لبيد، فقال: من منكم يروي قوله:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
_________________
(١) ١ انظر الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، ج١٥، ص ٢٢٩، ٣٠٠. ٢ راجع: الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ج١٥، ص٣٠٤.
[ ١٦٧ ]
قال بعض الجلساء: أنا، فقال: أنشدنيها فأنشد:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وقد كنت في أكناف جار مضنة ففارقني جار بأربد نافع
فبكى المعتصم حتى جرت دموعه وترحم على المأمون وقال: هكذا كان رحمة الله عليه ينشدها لي، ثم اندفع ينشد هو باقيها وقال: فوالله لعجبنا من حسن ألفاظه، وصحة إنشاده، وفصاحته، وجودة اختياره١.
عندما سمع الفرزدق قول لبيد:
وخلا السيول عن الطلول كأنها زبر٢ تجد متونها٣ أقلامها
فسجد الفرزدق، فقيل له: ما هذا يا أبا فراس؟ فقال: أنتم تعرفون سجدة القرآن وأنا أعرف سجدة الشعر٤.
ولقد أتيح للقسم الأكبر من شعره، لما فيه من ذخيرة كبيرة من اللغة النجدية، أن يكون صالِحًا للاستشهاد في كتب اللغة، وهذا الأمر قد ساعد كثيرًا على ترديد بعض شعره. وكان البدو الكلابيون، ممن كان العلماء يأخذون برأيهم في اللغة والغريب، ذوي أثر في تقريب شعره إلى الأفهام.
_________________
(١) ١ أبو الفرج الأصبهاني، الأغاني، ج١٥، ص ٣٠٠، ٣٠١. ٢ الزُبُرُ: جمع زبور، وهو الكتاب "ابن منظور، لسان العرب ج٤، ص ٣١٥، مادة زبر". ٣ تجد متونها: أي تعيد عليها الكتابة بعدما درست. ٤ أبو الفرج الأصبهاني، الأغاني، ج١٥، ص٢٩٩.
[ ١٦٨ ]